[frame="1 98"]الانتصار
قصة قصيرة : ليحيى حباشنة
في الحقل حيث سنابل القمح تمتد على مساحات واسعة من الأرض ، كان عمي وأولاد الكبار عمي يحصدونه، ويلقونه على شكل حزم صغيرة ، أما نحن الأولاد فكان عملنا هو جمعه في أكوام كبيرة .
كنت قد أتممت التاسعة من عمري في ذلك اليوم ، ومما زاد هذا اليوم تميزا هو أنني سجلت انتصارا تاريخيا مذهلا ، هاهو عمي وأبنائه الكبار، وعماتي ينظرون إلي بفضول وإعجاب ، وأنا أقتاد البغلة باتجاههم لكي يتم تحميلها بالقش المحصود .
قد يبدو الأمر طبيعيا وبسيطا لدى البعض ، لكن ما أؤكده لكم أن لا أحد يستطيع أن يمسك لجام هذه البغلة بسهولة ، فهي تضم أذنيها بطريقة عصبية جدا؛ إذا ما اقترب منها أحد ، وتدير مؤخرتها وتضرب مستخدمة كلتا أرجلها وبشراسة نادرة .
كثيرا ما فكرت بالإمساك بلجامها دون مساعدة احد ، لكني أحسب لذلك ألف حساب ، حذرني الجميع من عدم الاقتراب منها ، إنها تعض أيضا إنها ( شموس ) كما يقول عنها أهل القرية .
كثيرا ما حاول عمي عرضها للبيع ، ولم يتقدم لشرائها أحد ، ولا يدفع حتى أبخس الأثمان وذلك لشراستها النادرة .
فكرت مرارا بقهر هذه البغلة والسيطرة على جموحها، ودفعتني هذه الرغبة لمراقبة ابن عمي( جمال)، الوحيد الذي تسلمه لجامها دون مشاكسة ، راقبته ذلك اليوم وهو يتقدم نحوها ليسرجها ، راقبته بعناية ، راقبت كل تفاصيل حركته وردة فعلها علي أكتشف ذلك السر .
عندما اقترب جمال منها حمحمت وتحشرجت وضمت أذنيها وهجمت باتجاهه حتى أن النساء صرخن به منبهات:
_ ملعون أم أمك ... البغلة قتلتك .
أما عمي صاح وبيده المنجل :
_ ابعد يا ملعون الوالدين..البغلة قضت عليك .
انتصب شعر رأسي من الخوف وتجمدت في مكاني ، وارتجفت من الخوف على جمال ، وكانت دهشتي أن جمال لم يعرهم أي اهتمام بل واصل تقدمه من البغلة المندفعة نحوه بتهور ، لكنه انتهرها بقوة قائلا :
هرريه .. هوووووووه .
وامتدت يده والتقط لجامها ، وصفعها على فخذها بباطن كفه ، واستسلمت له ، واستكانت ، وأسرجها وركب عليها وأنطلق .
لا أفشي سرا حين أقول أنني كم تمنيت لو أتعلم لغة الحيوانات ، الحيوانات جميعها ، الكلاب ،والديكة، والأرانب، وحتى الفئران الجبانة ، _ فئران الحقول _ فهي تنتشر كلما جاء الخصب والزرع ، لأن هذه الحيوانات الشريك الفعلي للإنسان في قريتنا ، كل منهم مرتبط بالآخر بشكل أو بآخر .
كل هذه الأفكار راودتني وأنا منبطح بجانب كومة قش ، وصوت غناء الصراصير (الطزيز ) الذي يملاْ المكان بالأزيز ومن أماكن مختلفة ، وحداء (الحصادين) يأتي بتناغم وانسجام وهم يرددون :
منجلي و منجلاه
راح للصايغ جلاه
ما جلاه إلا بعلبة
ريت هال علبة* بلاه
منجلي يا بو رزه
ويش جابك من غزة
جابني لعب البنات
البنات البانيات .
كل ذلك وهذا الضجيج ، وصوت المناجل وهي تنهش الزرع الجاف تصدر هسيسا.
في هذه اللحظة ، وأثناء انشغال الجميع بالحصاد ، وانشغال الأولاد بجمع الحزم إلى ( القادم )* وعارضاته الخشبية المخصصة لجمع القش وحزمه بالحبال إلى عارضتيه الخشبيتين ، كان لا بد من إحضار البغلة لتحميل القادم عليها ، نهضت بسرعة ، مستغلا انشغالهم وتقدمت نحو البغلة بخطوات غير ثابتة ، حتى أنني أحسست حينها بخذلان .
واصلت المشي بهدوء لكني تجمدت بمكاني حين سمعت صراخ عمي بصوته العالي :
يا ملعون الوالدين وين رايح ..؟
ظننت في البداية أنه يقصدني بصراخه ، وحين التفت نحوه تبين انه يصرخ على أحد الأولاد ، تنفست بعمق واستعدت بعض شجاعتي ، وتقدمت بحذر شديد وتظاهرت بعدم المبالاة ، وكان البغلة تدرك أوهامي .
كنت في الحقيقة أبالي جدا ، لذلك كنت ارمقها بطرف عيني اليمنى وبحذر الخائف ، لم أكن ابعد عن الوتد الذي يمسك لجامها بضع ياردات فقط ، عندها ضمت أذنيها وحمحمت وهمت أن تستدير نحوي وتهجم ، لكنني ألقيت نفسي نحو اللجام بسرعة ، ثم خرج من حنجرتي صوتا بدا كالفحيح ، كصوت يأتي من داخل قبر ، لا يكاد يسمع ، كررته عدة مرات حتى ظهر واضحا وأنا أصيح بها :
هررريه هوووووه
وجذبت لجامها بشدة مما دفعها إلى الوقوف على أرجلها الخلفية للحظات ، سحبتها نحوي رويدا ..رويدا حتى أمسكت لجامها من قرب فمها ، ومددت يدا مرتجفة إلى نحرها ، وتحسسته بيدي حتى استكانت وهدأت ، وبعد أن أصبحت البغلة بلجامها في يدي وتحقق الانتصار هممت أن أقودها باتجاههم ، ودهشت حين رأيت الجميع ينظرون إلي مشدوهين وبصمت مطبق .
قطع جمال حبل صمتهم قائلا :
راقبته منذ البداية
أما عمي أخرج من بين طيات ثيابه ، حافظة جلدية كبيرة ، ونقدني بقرشين معدنين تعبيرا عن تقديره لشجاعتي وقال معلنا :
من هاي اللحظة شغلتك وعملتك البغلة
شددت على لجام وقلت لهم :
بدي أخليها تعرف مين أنا من الرجال
ثم التفت إليها ، وبدأت اربت على عنقها ونحرها ، والسعادة تغمرني من رأسي لأخمص قدمي ، وشعرت بفرحة عارمة وودت لو أعانقها وأقبلها ،إذ شعرت تجاهها بعطف شديد وعرفان بالجميل .
انتهت[/frame]
قصة قصيرة : ليحيى حباشنة
في الحقل حيث سنابل القمح تمتد على مساحات واسعة من الأرض ، كان عمي وأولاد الكبار عمي يحصدونه، ويلقونه على شكل حزم صغيرة ، أما نحن الأولاد فكان عملنا هو جمعه في أكوام كبيرة .
كنت قد أتممت التاسعة من عمري في ذلك اليوم ، ومما زاد هذا اليوم تميزا هو أنني سجلت انتصارا تاريخيا مذهلا ، هاهو عمي وأبنائه الكبار، وعماتي ينظرون إلي بفضول وإعجاب ، وأنا أقتاد البغلة باتجاههم لكي يتم تحميلها بالقش المحصود .
قد يبدو الأمر طبيعيا وبسيطا لدى البعض ، لكن ما أؤكده لكم أن لا أحد يستطيع أن يمسك لجام هذه البغلة بسهولة ، فهي تضم أذنيها بطريقة عصبية جدا؛ إذا ما اقترب منها أحد ، وتدير مؤخرتها وتضرب مستخدمة كلتا أرجلها وبشراسة نادرة .
كثيرا ما فكرت بالإمساك بلجامها دون مساعدة احد ، لكني أحسب لذلك ألف حساب ، حذرني الجميع من عدم الاقتراب منها ، إنها تعض أيضا إنها ( شموس ) كما يقول عنها أهل القرية .
كثيرا ما حاول عمي عرضها للبيع ، ولم يتقدم لشرائها أحد ، ولا يدفع حتى أبخس الأثمان وذلك لشراستها النادرة .
فكرت مرارا بقهر هذه البغلة والسيطرة على جموحها، ودفعتني هذه الرغبة لمراقبة ابن عمي( جمال)، الوحيد الذي تسلمه لجامها دون مشاكسة ، راقبته ذلك اليوم وهو يتقدم نحوها ليسرجها ، راقبته بعناية ، راقبت كل تفاصيل حركته وردة فعلها علي أكتشف ذلك السر .
عندما اقترب جمال منها حمحمت وتحشرجت وضمت أذنيها وهجمت باتجاهه حتى أن النساء صرخن به منبهات:
_ ملعون أم أمك ... البغلة قتلتك .
أما عمي صاح وبيده المنجل :
_ ابعد يا ملعون الوالدين..البغلة قضت عليك .
انتصب شعر رأسي من الخوف وتجمدت في مكاني ، وارتجفت من الخوف على جمال ، وكانت دهشتي أن جمال لم يعرهم أي اهتمام بل واصل تقدمه من البغلة المندفعة نحوه بتهور ، لكنه انتهرها بقوة قائلا :
هرريه .. هوووووووه .
وامتدت يده والتقط لجامها ، وصفعها على فخذها بباطن كفه ، واستسلمت له ، واستكانت ، وأسرجها وركب عليها وأنطلق .
لا أفشي سرا حين أقول أنني كم تمنيت لو أتعلم لغة الحيوانات ، الحيوانات جميعها ، الكلاب ،والديكة، والأرانب، وحتى الفئران الجبانة ، _ فئران الحقول _ فهي تنتشر كلما جاء الخصب والزرع ، لأن هذه الحيوانات الشريك الفعلي للإنسان في قريتنا ، كل منهم مرتبط بالآخر بشكل أو بآخر .
كل هذه الأفكار راودتني وأنا منبطح بجانب كومة قش ، وصوت غناء الصراصير (الطزيز ) الذي يملاْ المكان بالأزيز ومن أماكن مختلفة ، وحداء (الحصادين) يأتي بتناغم وانسجام وهم يرددون :
منجلي و منجلاه
راح للصايغ جلاه
ما جلاه إلا بعلبة
ريت هال علبة* بلاه
منجلي يا بو رزه
ويش جابك من غزة
جابني لعب البنات
البنات البانيات .
كل ذلك وهذا الضجيج ، وصوت المناجل وهي تنهش الزرع الجاف تصدر هسيسا.
في هذه اللحظة ، وأثناء انشغال الجميع بالحصاد ، وانشغال الأولاد بجمع الحزم إلى ( القادم )* وعارضاته الخشبية المخصصة لجمع القش وحزمه بالحبال إلى عارضتيه الخشبيتين ، كان لا بد من إحضار البغلة لتحميل القادم عليها ، نهضت بسرعة ، مستغلا انشغالهم وتقدمت نحو البغلة بخطوات غير ثابتة ، حتى أنني أحسست حينها بخذلان .
واصلت المشي بهدوء لكني تجمدت بمكاني حين سمعت صراخ عمي بصوته العالي :
يا ملعون الوالدين وين رايح ..؟
ظننت في البداية أنه يقصدني بصراخه ، وحين التفت نحوه تبين انه يصرخ على أحد الأولاد ، تنفست بعمق واستعدت بعض شجاعتي ، وتقدمت بحذر شديد وتظاهرت بعدم المبالاة ، وكان البغلة تدرك أوهامي .
كنت في الحقيقة أبالي جدا ، لذلك كنت ارمقها بطرف عيني اليمنى وبحذر الخائف ، لم أكن ابعد عن الوتد الذي يمسك لجامها بضع ياردات فقط ، عندها ضمت أذنيها وحمحمت وهمت أن تستدير نحوي وتهجم ، لكنني ألقيت نفسي نحو اللجام بسرعة ، ثم خرج من حنجرتي صوتا بدا كالفحيح ، كصوت يأتي من داخل قبر ، لا يكاد يسمع ، كررته عدة مرات حتى ظهر واضحا وأنا أصيح بها :
هررريه هوووووه
وجذبت لجامها بشدة مما دفعها إلى الوقوف على أرجلها الخلفية للحظات ، سحبتها نحوي رويدا ..رويدا حتى أمسكت لجامها من قرب فمها ، ومددت يدا مرتجفة إلى نحرها ، وتحسسته بيدي حتى استكانت وهدأت ، وبعد أن أصبحت البغلة بلجامها في يدي وتحقق الانتصار هممت أن أقودها باتجاههم ، ودهشت حين رأيت الجميع ينظرون إلي مشدوهين وبصمت مطبق .
قطع جمال حبل صمتهم قائلا :
راقبته منذ البداية
أما عمي أخرج من بين طيات ثيابه ، حافظة جلدية كبيرة ، ونقدني بقرشين معدنين تعبيرا عن تقديره لشجاعتي وقال معلنا :
من هاي اللحظة شغلتك وعملتك البغلة
شددت على لجام وقلت لهم :
بدي أخليها تعرف مين أنا من الرجال
ثم التفت إليها ، وبدأت اربت على عنقها ونحرها ، والسعادة تغمرني من رأسي لأخمص قدمي ، وشعرت بفرحة عارمة وودت لو أعانقها وأقبلها ،إذ شعرت تجاهها بعطف شديد وعرفان بالجميل .
انتهت[/frame]
تعليق