الانتصار قصة قصيرة ليحيى الحباشنة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • يحيى الحباشنة
    أديب وكاتب
    • 18-11-2007
    • 1061

    الانتصار قصة قصيرة ليحيى الحباشنة

    [frame="1 98"]الانتصار
    قصة قصيرة : ليحيى حباشنة


    في الحقل حيث سنابل القمح تمتد على مساحات واسعة من الأرض ، كان عمي وأولاد الكبار عمي يحصدونه، ويلقونه على شكل حزم صغيرة ، أما نحن الأولاد فكان عملنا هو جمعه في أكوام كبيرة .

    كنت قد أتممت التاسعة من عمري في ذلك اليوم ، ومما زاد هذا اليوم تميزا هو أنني سجلت انتصارا تاريخيا مذهلا ، هاهو عمي وأبنائه الكبار، وعماتي ينظرون إلي بفضول وإعجاب ، وأنا أقتاد البغلة باتجاههم لكي يتم تحميلها بالقش المحصود .

    قد يبدو الأمر طبيعيا وبسيطا لدى البعض ، لكن ما أؤكده لكم أن لا أحد يستطيع أن يمسك لجام هذه البغلة بسهولة ، فهي تضم أذنيها بطريقة عصبية جدا؛ إذا ما اقترب منها أحد ، وتدير مؤخرتها وتضرب مستخدمة كلتا أرجلها وبشراسة نادرة .

    كثيرا ما فكرت بالإمساك بلجامها دون مساعدة احد ، لكني أحسب لذلك ألف حساب ، حذرني الجميع من عدم الاقتراب منها ، إنها تعض أيضا إنها ( شموس ) كما يقول عنها أهل القرية .

    كثيرا ما حاول عمي عرضها للبيع ، ولم يتقدم لشرائها أحد ، ولا يدفع حتى أبخس الأثمان وذلك لشراستها النادرة .

    فكرت مرارا بقهر هذه البغلة والسيطرة على جموحها، ودفعتني هذه الرغبة لمراقبة ابن عمي( جمال)، الوحيد الذي تسلمه لجامها دون مشاكسة ، راقبته ذلك اليوم وهو يتقدم نحوها ليسرجها ، راقبته بعناية ، راقبت كل تفاصيل حركته وردة فعلها علي أكتشف ذلك السر .

    عندما اقترب جمال منها حمحمت وتحشرجت وضمت أذنيها وهجمت باتجاهه حتى أن النساء صرخن به منبهات:

    _ ملعون أم أمك ... البغلة قتلتك .

    أما عمي صاح وبيده المنجل :

    _ ابعد يا ملعون الوالدين..البغلة قضت عليك .

    انتصب شعر رأسي من الخوف وتجمدت في مكاني ، وارتجفت من الخوف على جمال ، وكانت دهشتي أن جمال لم يعرهم أي اهتمام بل واصل تقدمه من البغلة المندفعة نحوه بتهور ، لكنه انتهرها بقوة قائلا :

    هرريه .. هوووووووه .

    وامتدت يده والتقط لجامها ، وصفعها على فخذها بباطن كفه ، واستسلمت له ، واستكانت ، وأسرجها وركب عليها وأنطلق .

    لا أفشي سرا حين أقول أنني كم تمنيت لو أتعلم لغة الحيوانات ، الحيوانات جميعها ، الكلاب ،والديكة، والأرانب، وحتى الفئران الجبانة ، _ فئران الحقول _ فهي تنتشر كلما جاء الخصب والزرع ، لأن هذه الحيوانات الشريك الفعلي للإنسان في قريتنا ، كل منهم مرتبط بالآخر بشكل أو بآخر .

    كل هذه الأفكار راودتني وأنا منبطح بجانب كومة قش ، وصوت غناء الصراصير (الطزيز ) الذي يملاْ المكان بالأزيز ومن أماكن مختلفة ، وحداء (الحصادين) يأتي بتناغم وانسجام وهم يرددون :

    منجلي و منجلاه
    راح للصايغ جلاه
    ما جلاه إلا بعلبة
    ريت هال علبة* بلاه
    منجلي يا بو رزه
    ويش جابك من غزة
    جابني لعب البنات
    البنات البانيات .

    كل ذلك وهذا الضجيج ، وصوت المناجل وهي تنهش الزرع الجاف تصدر هسيسا.

    في هذه اللحظة ، وأثناء انشغال الجميع بالحصاد ، وانشغال الأولاد بجمع الحزم إلى ( القادم )* وعارضاته الخشبية المخصصة لجمع القش وحزمه بالحبال إلى عارضتيه الخشبيتين ، كان لا بد من إحضار البغلة لتحميل القادم عليها ، نهضت بسرعة ، مستغلا انشغالهم وتقدمت نحو البغلة بخطوات غير ثابتة ، حتى أنني أحسست حينها بخذلان .

    واصلت المشي بهدوء لكني تجمدت بمكاني حين سمعت صراخ عمي بصوته العالي :

    يا ملعون الوالدين وين رايح ..؟

    ظننت في البداية أنه يقصدني بصراخه ، وحين التفت نحوه تبين انه يصرخ على أحد الأولاد ، تنفست بعمق واستعدت بعض شجاعتي ، وتقدمت بحذر شديد وتظاهرت بعدم المبالاة ، وكان البغلة تدرك أوهامي .

    كنت في الحقيقة أبالي جدا ، لذلك كنت ارمقها بطرف عيني اليمنى وبحذر الخائف ، لم أكن ابعد عن الوتد الذي يمسك لجامها بضع ياردات فقط ، عندها ضمت أذنيها وحمحمت وهمت أن تستدير نحوي وتهجم ، لكنني ألقيت نفسي نحو اللجام بسرعة ، ثم خرج من حنجرتي صوتا بدا كالفحيح ، كصوت يأتي من داخل قبر ، لا يكاد يسمع ، كررته عدة مرات حتى ظهر واضحا وأنا أصيح بها :
    هررريه هوووووه

    وجذبت لجامها بشدة مما دفعها إلى الوقوف على أرجلها الخلفية للحظات ، سحبتها نحوي رويدا ..رويدا حتى أمسكت لجامها من قرب فمها ، ومددت يدا مرتجفة إلى نحرها ، وتحسسته بيدي حتى استكانت وهدأت ، وبعد أن أصبحت البغلة بلجامها في يدي وتحقق الانتصار هممت أن أقودها باتجاههم ، ودهشت حين رأيت الجميع ينظرون إلي مشدوهين وبصمت مطبق .
    قطع جمال حبل صمتهم قائلا :
    راقبته منذ البداية
    أما عمي أخرج من بين طيات ثيابه ، حافظة جلدية كبيرة ، ونقدني بقرشين معدنين تعبيرا عن تقديره لشجاعتي وقال معلنا :
    من هاي اللحظة شغلتك وعملتك البغلة
    شددت على لجام وقلت لهم :
    بدي أخليها تعرف مين أنا من الرجال
    ثم التفت إليها ، وبدأت اربت على عنقها ونحرها ، والسعادة تغمرني من رأسي لأخمص قدمي ، وشعرت بفرحة عارمة وودت لو أعانقها وأقبلها ،إذ شعرت تجاهها بعطف شديد وعرفان بالجميل .

    انتهت[/frame]
    شيئان في الدنيا
    يستحقان الدموع ، والنزاعات الكبيرة :
    وطن حنون
    وامرأة رائعة
    أما بقية المنازاعات الأخرى ،
    فهي من إختصاص الديكة
    (رسول حمزاتوف)
    استراحة عشرة دقائق مع هذا الرابط المهم جدا.. جدا !!!!!
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...d=1#post264869
    ولنا عودة حتى ذلك الحين استودعكم الله




    http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...149#post249149
  • ريمه الخاني
    مستشار أدبي
    • 16-05-2007
    • 4807

    #2
    قصة رادفئة فيها عبق ورائحة البية استطعت ان تقدمها لنا بصدق المحب
    لفت نظري امرين:
    _ ملعون أم أمك ... البغلة قتلتك .
    هنا وجدت بعض روح كاتبنا الكبير ,يوسف الابطح الذي تمتزج حروفه بالسباب واللعان من حنق اطباله وعصبيتهم لكنها اتت هنا مسايرة للقص..
    ___
    بدي اخليها تعرف مين أنا من الرجال

    حبذا لوفصلت للفهم :
    بدي اخليها تعرف ...انا ولا هي الرجال...
    او
    بدي اخليها تعرف ,من الرجال
    ابداع قيم جداجدا
    تحيتي وتقديري

    تعليق

    • يحيى الحباشنة
      أديب وكاتب
      • 18-11-2007
      • 1061

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ريمه الخاني مشاهدة المشاركة
      قصة رادفئة فيها عبق ورائحة البية استطعت ان تقدمها لنا بصدق المحب
      لفت نظري امرين:
      _ ملعون أم أمك ... البغلة قتلتك .
      هنا وجدت بعض روح كاتبنا الكبير ,يوسف الابطح الذي تمتزج حروفه بالسباب واللعان من حنق اطباله وعصبيتهم لكنها اتت هنا مسايرة للقص..
      ___
      بدي اخليها تعرف مين أنا من الرجال

      حبذا لوفصلت للفهم :
      بدي اخليها تعرف ...انا ولا هي الرجال...
      او
      بدي اخليها تعرف ,من الرجال
      ابداع قيم جداجدا
      تحيتي وتقديري
      [frame="11 98"]الفاضلة ريمه ألخاني

      أشكركِ على مرورك العطر ، هذه القصة هي إحدى قصص مجموعتي " الرقص فوق الخناجر " والتي كتبتها في 1981م .

      لكِ كل المودة وشكرا لكِ على بصمتك [/frame]
      شيئان في الدنيا
      يستحقان الدموع ، والنزاعات الكبيرة :
      وطن حنون
      وامرأة رائعة
      أما بقية المنازاعات الأخرى ،
      فهي من إختصاص الديكة
      (رسول حمزاتوف)
      استراحة عشرة دقائق مع هذا الرابط المهم جدا.. جدا !!!!!
      http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...d=1#post264869
      ولنا عودة حتى ذلك الحين استودعكم الله




      http://www.almolltaqa.com/vb/showthr...149#post249149

      تعليق

      يعمل...
      X