الغربة و الانفلونزا:الفصل الأول//كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    الغربة و الانفلونزا:الفصل الأول//كوثر خليل

    الغربة و الانفلونزا



    الفصل الأول






    سرحان المحايد يكره الايديولوجيا و النفي و يحبّ ركبة أمّه يتخذها وسادة و تنّور الطهو القديم ينام على هدير صوته يراه هدهدة و يأخذه إلى طفولته البعيدة الساذجة. كان يرتعش من كلمات كالشيوعية و الحزب، و الارهاب و السياسة، و السلاح حتى أصابته لوْثة الحروب. كان سفير قريته للنوايا الحسنة و كان سعيدا بسمائه التقليدية التي لم يتغير وجهها منذ الولادة، و أرضه التي لم يرها تنتج غير الحنطة.


    كان يختزن جوعا قديما تمتصّه القناعة و غضبا قديما يدفنه الذلّ، كان لا يختلف عن كل دمى القرية، تلك الدمى تتشابه حتى العبث، حتى الفجيعة. و كان يحلو لكل محافظ قرية جديد يكلّف بمهمّة هناك أن ينزل بها ليتفرج على هذه القرية النموذجية التي يأخذ فيها التعب على الوجوه شكل سكّة القطار القديمة و الغضب على الوجوه ملامح المهرّج البائس..


    كان هذا الشبه الاوتوماتيكي مثيرا للضحك يدغدغ غريزة الاقتناص لدى الساسة و يغريهم بالامتلاك البدائي، سلالة تنتصر للموت لا للحياة، تغسل كفنها كل يوم حتى يبدو في كامل نصاعته، سلالة تعشق الخسارة و تتمسك بها، فهي لا تملك غيرها. سلالة يطارد أفرادها الغيوم تتشكل في خيالهم فرسانا و عبيدا، يغرسون فيها خناجرهم و يريقون منها الدماء و يؤرخون مطارداتهم الخيالية في قصص يحكونها لأطفالهم قبل النوم.


    كانت هذه السلالة خليطا غريبا من الملائكة و الأغبياء حتى إذا أخرج أحدهم مخلبه أو نقر بمنقاره لا يصيب إلا شبيهه في هذه القرية المطوقة بآلاف علامات الاستفهام أما العدو فيجهلونه أو يتجاهلونه أو يساومونه على أن يبقى شكلهم النموذجي نموذجيا فقد ضحوا طويلا ليكتسبوا هذه الصفة، هذه القرية الكتومة المتكتمة كانت حُبلى بأسرار رهيبة فتحت عليها أبواب البر و البحر و القيامة.


    لم يكمل سرحان تعليمه في مدرسة القرية، كان ولوعا بالسير على طول سكة القطار كل يوم، يراقب المسافرين الذين يطلون من شبابيك القاطرات بثيابهم الأنيقة و ملامحهم المشدودة التي تدلّ على حياة تختلف كثيرا عن حياته. و كان حارس المحطة العجوز رجلا طيّبا يتقن الايطالية و يسكن وحيدا هناك دون زوجة أو ولد. كان سرحان يحلم طويلا بالأمكنة التي يصل إليها القطار و يحاول أن يتخيّل حياة أولئك الناس فلا تستعرض مخيلته إلا صور جيرانه و أفراد عائلته.


    طلب سرحان إلى حارس المحطة أن يعلّمه الايطالية فأجاب الرجل: "عافاك الله من ذلك البرّ يا بني، لا تتعلم لغة أهله فتحنّ إليهم، اتعض من عمّك الهادي فقد التهمته الغربة و التهمت زوجه و صغاره ثم لفظته فردا معيدة إياه إلى نقطة البداية كأن لم يسافر و لم ينجب و لم يَغنَ. ألحّ سعيد على حارس المحطة طويلا حتى وافق لكنّه أصرّ على أن يحكي له قصّته في بلاد ما وراء البحرو خيبته التي دامت ثلاثين عاما.


    قال الهادي: "كان لا بدّ من الاستمرار..رغم سوء الحظ و رغم اللاتطابق في كل شيء..كان العبث الأبيض يكتم الأنفاس في تلك المدينة الرمادية و مشنقة الوهم تشدنا بحبال لامرئية نحن الوافدين على هذه المدينة الفاجرة التي تنظر لأمثالنا بكل صلف و احتقار.


    لن أنسى ذلك الزورق الدائري الذي يشبه ضلوع الحوت ذلك الذي حملني في ليلة دامسة إلى ضوء كنت أراه من قريتي العائمة فأحسبه حضارة و أحسبه حرية حتى كنت أحلم أني أعرج إليه كل ليلة في قضبان من الخوف العسكري فيلقمني حليب النجاة و الحرية. كان الليل دامسا و لم أكن أعبأ به، كنت لا أرى أمامي إلا رسوم ليوناردو دافنشي و مايكل أنجلو تتلألأ أمامي كشلالات من الضوء.


    كنت قد قرأت كل ما وقعت عليه يداي من الكتب الفرنسية أو المترجمة إلى الفرنسية، قرأت "المنزلة الإنسانية" لمالرو، قرأت "الأمير" لمكيافيل، لم أترك شاعرا أو كاتبا إلا و اُطلعت على أعماله. كنت رساما موهوبا فقررت بِفَوْرة الشباب و عنفوان التجربة أن أهاجر إلى إيطاليا، كنت متأكدا بأنني لن أكون عبئا حضاريا أو هكذا خُيِلَ إليّ. كنت أرى نفسي في أوج عهدي و قد فتحت بوابة الشهرة على مصراعيها حتى اعترف بي القاصي و الداني و صار الكل يتسابق إلى دعوتي إلى أروقة الفنون و معارض الرسم العالمية و إقامة الحوارات الصحفية. كل ذلك و أنا في الزورق بين مَوْتين لا أنيس و لا رفيق.


    لم أنم تلك الليلة فقد كان البحر حولي حوتا فاتحا فمه لكل من تزلّ به قدم، لم يكن لديّ المال الكافي لأسافر و لا حتى لأستخرج جواز سفر، بل كنت أرى أنني بذلك أتحلل من الانتماء إلى هذه القرية الجافة العقيم و أطير أطير كريشة في الفضاء تنتمي إلى الكون كله دون أن تخنقها حدود أو تحدد مسارها جاذبية. بدا البحر جليلا لولا أصوات متألمة هنا و هناك لأشخاص يصارعون الجوع و ساعات الليل القليلة خوفا من أن يكشفهم النهار. حاولت أن أساعد و لكن شيئا غريزيا في داخلي كان يدفعني إلى النجاة بجلدي و ادخار كل قوتي لهذا الخصم العنيف الذي يزيد الليل من هيبته خاصة و أنني كنت أسمع من بعض الوافدين على قريتنا من المهاجرين أخبار "الحارقين"* الذين يموتون بسبب عدم قدرة الزورق على تحمل عددهم الكبير أو بسبب خفر السواحل الذين يعاملونهم كمجرمين و يَعتبرون مجرما كل من يقدم لهم يد المساعدة حتى و لو كانوا في النزع الأخير.


    كنت و أنا في أوج الخوف و الطمع في النجاة أسمع صوت "حورية" خافتا بعيدا حميما، كان صداه يتكسر تكسرا جميلا مع الأمواج على الصخور البحرية المترامية هنا و هناك، كنت "أوليس" الشقي و كانت تشدّني بحبال من حرير.


    كنت أرى كأنّ لحاف السماء ينشقّ قليلا في كل مرّة ليهديني ومضة من ومضات وجودها الأثيري الذي لم يكن له نظير –اللعنة، كيف فكّر عقلي المريض بالسفر و ترْك جنّة حورية. حورية العاشقة التي كان الصورة المعكوسة لقريتي، كيف لم أرض بعيشة أبناء جنسي و أترابي و الحال أنني كنت أملك قلب "حورية" فتاة القرية و معشوقة كل رجالها. القرية و "حورية" و "ايطاليا" كلها مؤنثات ملعونة لوهم لا يعيش إلا في رأسي- كان ظِلها الحميم يقترب حارا شفافا في ذلك الليل البارد القاسي، كانت تتباطأ فيرفع الخيال تنّورتها البرتقالية يمينا و شمالا، كانت تلوّح بوشاح أخضر تريد أن تستبقيه معي تعويذة للسفر الطويل و انتقاما إذا لم أعُد و أفِ بالعهد، عهد التدجين الذي كُتِب على هذه القرية من قِبَل شيطان رجيم طاعن في السنّ.. أنا أحبّ "حورية" و لكنها تذكرني بكل ما أكرهه في قريتي و أريد الفرار منه، إنها الكبت و الخوف و زمن مهدور بلا فائدة، إنها قرون من التخلف تطبق على أنفاسي، أنها أمي المظلومة و أبي الخائف الذي يرعد و يزبد و يزمجر دائما علّ صراخَه يكتم صوت خوفه الهادر كمرجل دموي منذ أن قطعوا رجله اليمنى في أحد السجون لأجل تهمة طائفية لم تكن له فيها يد و لا ساق، نعم إنها تلك الرجل التى تنزف و تؤلمني، و هي لا تفهم ذلك لأنها بسيطة لا تعرف إلا الحب و صنع الخبز و جلي الصحون و هدهدة الأطفال ليناموا. إنها تشدّني إلى الأرض و أنا أريد أن أطير، كنت أرى يوما فيوما زغبا يطلع في كل مكان من جسمي و تمنيت لو كان أطول فنحن طيور قصيرة الريش لو كان ريشها أطول لاستطاعت الطيران، هكذا بكل بساطة كان يخيّل إليّ.


    أقبلت "حورية" تذكّرني بوعدي أما الآن و أنا في خضمّ هذا البحر الأهوج فأنا مقتنع كل الاقتناع أنه إذا كتبت لي النجاة فلن أعود. لماذا كنت جبانا في بتر العرق و سفح الدم، ما كان عليّ أن أتركها تفني شبابها في انتظاري. طردت تنورتها البرتقالية بيد مرتعشة ف"ما خلق الله للرجل من قلبين في جوفه" اخترت "ايطاليا"


    حتى لو التهمني هذا البحر، اخترت حريتي حتى و لو كانت وهما على أعتاب الآخر.


    كنت أجدّف و آلاف الأفكار تلهب رأسي، قررت أن لا أسير إلا للأمام و أعجبت بهذا القرار الذي أتخذه لأول مرّة في حياتي و فجأة بهر عيني ضوء مصباح كهربائي و صوت أجش يصرخ فيّ : "تعال معنا". ارتعت، كان ضابطا أخذني مقيدا في مركب سريع و حين وصلنا أخذ يستجوبني و يسألني عن انتماءاتي و من ينتظرني في "ايطاليا"


    و إلى أية جماعة أنتمي، أخبرته أنني لست سوى رسام موهوب فقير يحلم بالشهرة في "ايطاليا" فضحك و لم يصدّقني كان يضربني بعصاه على رأسي و كتفي و يديّ و لكن ساقي اليمنى (المبتورة) هي التي كانت تؤلمني، ساق أبي هي التي كانت تصرخ من الظلم و القهر، من التعذيب ثانية و دون سبب..كنت أتألم و الضابط يضحك حتى أغمي عليّ..بتّ في الحجز تلك الليلة و حين أفقت وجدتني مع عدد كبير من الموقوفين لنفس التهمة، كان الكل ينظر إلي كما لو أنني أقبلت عليهم من الغاب، صرخت :" مالكم تنظرون إليّ؟ ألست بشرا مثلكم؟" أجاب أحدهم" لقد جفّ الدم على رأسك، لم تكن واعيا حين قذفوك إلى هنا، الحمد لله أنّك بخير" لقد كان الجميع يتكلمون لغتي، بل اللهجة نفسها..شعرت بالألفة و بكيت، ماذا لو كان العالم مساحة حرة يتنقل فيها الأفراد دون أوراق ثبوتية و دون جوازات و دون توقيف.


    وقعت عيني فجأة على قطعة فحم، فاستجابت يدي بفكرة لمعت في لمح البرق، أخذت أرسم الضابط على جدار السجن بشواربه الضخمة و عينيه البارزتين و يده القاسية. أنهيت الرسم فصاح الرفاق :"ما هذا؟" قلت:"الضابط" قالوا:" هذا حيوان منوي ضخم بأنياب حادة".أعدت النظر إلى الرسم، كان كلامهم صحيحا و لكني كنت أرسم بأصابعي هذه شواربه الضخمة و عينيه البارزتين و يده القاسية. ربما كان ذلك من أثر الضرب.


    سمعنا صوتا مخلخِلا قادما من السرداب قال الحارس :" الهادي ولد الحطّاب" قلت له :" أنا" قال: "تعال يا ابن ال.." اعترضت قائلا "أبي أشرف ألف مرّة من سروالك" فهوى عليّ بضربة في رأسي حتّى عَويْتُ. أدخلني إلى الضابط الذي كان محتقن الوجه يمجّ سيجارة ايطالية فاخرة فوقف و سألني:" هل أنت ابن الحطاب ثعلب الجبل" قلت:" نعم و لكنّه سُجِن ظلما و عُذّب حتى تعفّنت ساقه فتركها في الزنزانة فارّا بما تبقّى، هل هنالك تهمة أخرى توجّهونها إليه بعد أن ثبتت براءته؟" قال الضابط " و ما يدريني أن ابن ثعلب الجبل لن يكون كأبيه؟" أجبته:" في قريتنا أناس لهم من الحكمة ما يجهلهم لا يحتاجون إلى أن يجرّبوا حريق النار بعد أن رأوا غيرهم يكتوي بها" سلّمني الضابط إلى رجلين ضخمي الجثّة بغية انتزاع اعترافاتي، فقاما بالواجب أحسن قيام و لكن دون جدوى فلم يكن لديّ ما أعترف به"


    أعادوني إلى الزنزانة ثانية فقد كنت أشبه بخرقة قماش مبللة بالدم لا حول لها و لا قوة، كنت عطشانا فتذكّرت عرق أمّي و هي تصنع الخبز و رائحة البخور الذي كانت دائما تملأ ثوبها، كانت تلك القطرات كافية لإشعاري بالارتواء حتى نِمْتُ.


    كانت خيوط الشمس الرقيقة التي تعبر الزنزانة الانفرادية تقرص جفوني..كنت أرغب بالنوم ألف عام بلا انقطاع، تلفّتّ على جنبي الأيسر و لكني سمعت صوت الحارس كأنما يأتي من بئر عميقة، كنت غير مستيقظ تماما حين دار المفتاح في القفل و ركلني الحارس على مؤخرتي فانتفضت، كانت الزنزانة أشبه بجحر للفئران و كنت أحاول أن أعتدل في جلستي على الأرض و لكني لم أستطع، كنت أرى فيه أول مواجهة لي في حياتي مع النظام،كنت في نهاية المرحلة الابتدائية حين عرفت الوجه البشع للسلطة فقد كان رجال الشرطة يطاردون شعبا أعزل من أجل رفضه دفع ثمن الخبز المجحف و يقتلون أفراده و تكرر ذلك المشهد في المرحلة الثانوية في ظروف أخرى فكان رجال الشرطة يطاردون و يضربون شبابا مراهقين لا يتجاوز عمرهم عشرين عاما يقتحمون عليهم مؤسستهم التي يدرسون بها ليلقنوهم دروسا عصماء في الطاعة أستاذها عصا مدرّبة لا تسمع و لا تعقل. و كان حارس الزنزانة الذي أمامي لا يختلف عنهم في شيء..نفس الهمجية و الظلم، مجرد آلة في يد جبار يوجّهها حيث شاء.


    أخذني الحارس إلى الضابط :"يجب أن تخلع أوهام الثورة التي في رأسك، هل تثور على أبناء وطنك، الذين هم من لحمك و دمك؟ لقد كان الاستعمار ليلا طويلا ذقنا فيه ويلات الذل و الاهانة، كنا شعبا بلا كرامة.. من أنقذك من الاستعمار و حفظ كرامتك؟ أليست الدولة التي تعاديها الآن هي التي جعلت لك كيانا مستقلا و خدمات أينما توجهت في ترابك الغالي نعمت بها؟ ألم تحمك الدولة التي تعاديها الآن من اللصوص الذين يسرقون بيتك و الغرباء الذين يقاسمونك طعامك؟ ألم ترفع الجهل عنك و عن أمثالك فبنت لكم المدارس و الثانويات و الجامعات؟ ألم تحمك من الأمراض و الأوبئة فبنت لك المستشفيات؟ ألم تكفل لك إطارا قانونيا تتزوج من خلاله و تنجب أطفالا يكون لهم كل الحقوق بحكم انتسابهم إليك؟ ألم..ألم..ألم..


    انتابتني صعوبة لغوية في الردّ على كلامه فلم يكن لنا نفس منطق الكلام و التفكير و لم أكن و أنا في تلك الحالة من التعذيب و تشتت الأفكار قادرا على دحض أو إثبات كلامه فقد كان يتكلم كثلاجة ناطقة أو ككلب مسعور يرتدي بدلة. بلعت ريقي، كنت أشعر بثقل في جسمي و في لساني و قلت بحركة غريزية :" أريد أن أنام" جُنّ جنون الضابط و أخذني من ثيابي الممزقة و دفعني على الحائط "ماذا تحسبني؟ لا تتظاهر أمامي بالعَتَهِ و المسكنة فلديّ كلّ الوسائل لإنطاقك" جمعت كل قوّتي و قلت له:" يا سيدي الضابط، أنا لست ثائرا على أحد، و لا أهتمّ لأحد، أنا رسام يُقال إنّه موهوب، أردت أن أجرّب حظي في بلاد الآخر عَلّي أظفر بفرصتي، أمّي لم تكن تريدني أن أغادر و كذلك "حورية" و لكنّي أصررت. أنا لا أرفض عطايا دولتنا السَّنِية و لكنني أريد أن أطير و أرى العالم، أبي كان بريئا و مع هذا ظلت التهمة تلاحقه بل صارت تلاحقني أنا أيضا، لقد و جدت نفسي في ورطة ليس لي فيها يد، لقد حاولت أن أدخل التراب الايطالي بطريقة غير شرعية بسبب فقري و ليس لسبب آخر فأنا لا أملك المال للسياحة و لا حتى لاستخراج جواز و لو كان لديّ المال ما وقفت أمامك هذا الموقف، أنا مواطن شريف لا أمدّ يدي للكسب الحرام، ربّما كان عليّ أن أنتظر وقتا أطول لأحصل على المال و لكن لا علاقة لي بالثورة و لا بمعاداة السلطة"


    مرّت الأيام على تلك الحال دون نتيجة تُذكر فالتعذيب لم يتغيّر و الأقوال لم تتغيّر و الضابط لم يسأم حتى كانت ليلة قدم فيها أحد أصدقاء الضابط المقربون و أحضر زجاجة نبيذ فاخرة، جلسا يتسامران و يضحكان حتى ساعة متأخرة. كان الحارس يسترق السمع و يتلمظ بشراهة و هو يتمنى في داخله لو يشاركهما تلك المجالسة و ذلك المشروب. لم أستطع النوم في تلك الليلة و طال السهر حتى تبسّط الضابط في جلسته و رقّ قلبه على حارسه فناداه لشرب كأس قائلا :" تعال اشرب معنا أيها الحارس البائس، فحين تغيب النساء تصير كل اللذائذ سواء" انطلق الحارس كالسهم، كاد يجري على قوائمه الأربع بعد أن تحلّب ريقه طويلا في فمه و لم يدر أنّه نسيَ سترته على شباك زنزانتي و لم يدر أنني كنت مستيقظا حتى ذلك الوقت. كانت تلك صدفة إلاهية ما كانت لتحدث مهما خططتُ لها. و هكذا كسرت قيودي بيديّ و فررت متلبّسا بجناح الليل الأزرق الفاخر.


    هكذا وجدت نفسي في التراب الذي تمنت قدماي أن تطآه و اختفيت مدّة طويلة لدى فتاة تعيش بمفردها لتعول عائلتها. طلبت لديها اللجوء لِلَيلة فكانت أكرم مِمّا توقّعت،، قصصت عليها كل ما حدث معي منذ البداية فرقّت لي خاصّة حين أعلمتها بموهبتي في الرسم فاُختبرتني فلم تقف لي على كذبة واحدة و هكذا كنت أرسم في بيتها و تعرض هي لوحاتي للبيع في الشوارع التي تعجّ بالسياح.


    خرجت إلى النور بعد مدّة ليست بالقصيرة، خرجت مع "لاورا" أجوب شوارع ايطاليا و استنشق هواءها الممزوج بروائح البحر و العصور القديمة..


    كان ذلك المارد الذي ينتصب كل يوم و رجلاه مثبتتان على الشاطئ مادّا يده يأخذ القرابين من كل الحارقين و كأنّه قد أغفل البحرَ ليلا كي يمرّوا دون أن يتفطن إليهم البحر فينقلب عليهم. ذلك المارد الذي كان يتفضل على كل الحارقين لعقود و لا يترك ناجيا يهرب من نظرته الثاقبة إلا و أخذ منه المقابل لم يفعل ذلك معي فقد حلمت في ليلة من الليالي أنني أقطع يد المارد الممدودة للأخذ. لست أدري كيف و لكنني شعرت بقوّة لا تعادلها قوّة: شعرت أنني نِدّ لذلك المارد، لا يمسّني خوف و لا طمع. كنت أنظر في عينيه للمرّة الأولى فوجدته مجرّد تمثال مما يكبر في الوهم و ترتجف له جوارح الضعيف أما القوي فلا و قد قررت أن أكون قويا بلا رجعة.


    كانت "لاورا" تتعلق بي يوما بعد يوم و لكني كلّما ضاجعتها أصرخ باسم "حورية"..لم أستطع أن أتخلص من الماضي بصفة قطعية، كان يداهمني حين أرسم و حين آكل و حين أعشق..أنا أحبّ "لاورا" فهي طيّبة و تقدّر الرسم و لكن لهفتي ناقصة وساحات روما لا تثير فيّ أيّ شجن قديم، كان اكتشافي لروما في البداية كضربة الشمس، شيء ما اِختلّ في داخلي، لم يكن ذلك الأثر الذي أردته، أردت أثرا يعيدني إلى ذاتي فإذا بحالة من التنافر المتبادل تستبدّ بهذا الاكتشاف و تحوّله إلى غربة عميقة و شعور بدائي بالذنب.


    دخل صوت أمّي إلى الشرفة من البحر، ربّما حملته سفينة راسية قادمة من بلادي بمرسوم حكومي، اشتممت رائحة الخبز و زيت الزيتون و القهوة المدقوقة..صرخ صوت في داخلي:" أنت الآن قويّ، لا تنظر إلا إلى الأمام..أنتَ في عصر الهرب، الكل هارب من الكل، الناس في معركة الوجود و العدم سواء و من أجل الوجود يحرقون الأخضر و اليابس."


    (أخذ يحدّق في البحر و هو يسحب نفَسا طويلا تخنقه ذكريات الزنزانة، دخلت "لاورا" كشلّال و احتضنته من الخلف، قال بصوت شارد :"أنت هنا "لاورا"؟" قالت بدلال :" و أين كان حبيبي؟" شخصت عيناهُ بعيدا فعرفت أنه كان شاردا في الماضي، في قريته التي لم تبرحه يوما من الأيام. قالت متداركة :" لقد جلبت الآن طبقا إيطاليّا أصيلا لذيذا جدا، إنّه احتفال بشيء سيسعدك" قال :" و ما هذا الشيء؟" قالت:" لقد طرح عليّ أحد الزبائن المهمين شراء كل لوحاتك القادمة أي لن تبيع لوحاتك إلّا لهذا الزبون مقابل سعر مناسب و سيأتي إليك هنا في كلّ مرّة لتتفقا على كلّ شيء و سيوفّر لها رواقا قارا تُعرض فيه لوحاتُك شهريا قبل أن تُباع"


    قال :" هذا خبر سعيد حقا، أنا مدين لك "لاورا" " قالت :" لستَ مدينا لي بشيء، لقد كانت حياتي قبلك لا لون لها و لا طعم")


    قبل هذا الوقت لم أكن أشعر بالانتماء و لو وهما أما الآن و قد أخذت أكثر مِمّا كنت أنتظر فقد بدأت أشعر بالانتماء إلى "لاورا" أو هكذا خُيّل إليّ..صارحتني برغبتها الشديدة في طفل فَثُرْتُ و تحججت بأنني ما أزال أشعر بالغربة هنا و بأنني غير مستعدّ و لكن مع الأيام صرت أكثر ليونة و تقبّلا و تلاشت صورة "حورية" و أخذت مكانها صور ابني "طارق"و ابنتي "جوليا"..



    كنت طيلة أربعين عاما أعمل كالوحش مدفوعا بعبارات الثناء و الاعتبار الكبير لشخصي و لِفَنّي الذي كان غريبا عن أمثالي، كان الايطاليون يشترون رسومي فقد كانت تعكس روح الشرق و المغرب كما أنها تمثل يدا عاملة رخيصة تمكنهم من تزيين بيوتهم و بناءاتهم بأثمان أزهد و كانوا يرون فيّ الوافِدَ مُحدَثَ النعمة رغم أني قضيت بينهم زمنا أطول من الذي قضيته في قريتي مسقط رأسي، حتّى "لاورا" بدأت تضيق بطباعي و تتّهمني بالكِبَرِ و الخَرَف و بأنني لا أختلف عن أي شيخ من شيوخ قريتي. كانت "لاورا" المسؤولة عن كل ما يتعلق بالمسائل المالية أما أنا فلا أهتم إلا بالابداع. في يوم من الأيام، كنت أقوم بنزهة بحرية و حين عدت إلى البيت وجدت كارثة في المنزل فقد رفعت عليّ زوجتي دعوى في الطلاق و دعوى في الحجر عليّ لأنني صرت عجوزا و لم أعد أملك الأهلية الكافية لإدارة أموالي و أعمالي و ما قصم ظهري أن اُبْنَيّ كان لهما نفس الموقف فما كان مني بعد خسارتي الفادحة في عائلتي إلا أن أعددت حقيبتي و يمّمت طريق العودة علّي أنقذ ما تبقّى و لكن هيهات فقد مات أكثر أفراد عائلتي و ماتت "حورية" التي قضت عمرها في انتظاري، عدت لأجد قريتي كما تركتها أما أنا فقد كنت مَسْخًا مُشوّها لا أقدر حتى على رؤية شكلي في العيون المطفأة لأهل قريتي، العمل الوحيد الذي وجدته هو حراسة محطة القطار لإتقاني لغة الأجانب و ها أنت تراني الآن بعد حياة بطولها و عرضها أحتاج للعمل لآكل، عملا حقيرا يليق بشَيْخ وحيد خَرِف من شيوخ هذه القرية"



    أخذ الهادي يزفر زفيرا حارّا و ينشج نشيجا مُرّا أمّا سرحان فلم يكن قادرا على تهدئته و هو ينوء تحت ثقل عقود طويلة من الزمن و خيبة في الولد لا يُحسد عليها، إذ كيف يواسيه و لم يعُد له أحد في القرية، خسر ماضيه من أجل مستقبل لن يكون ملكا له و خسر أرضه من أجل أن يعمّر أرض الآخر.




    الحارق: في اللهجة المحلية هو المهاجر غير الشرعي. و الحَرْقة هي الهجرة غير الشرعية.
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أستاذة كوثر ..
    تحياتى

    هل هى رواية لم تكتمل .. أم اكتملت هنا ؟
    قرأت نصا رائعا ، يختلج بالأحداث ، و يتقطر وجعا و ألما
    رحلت فيه مع بطلك .. فى السجن كنا معا .. رأيت و نزلتع على ضربات رجال الشرطة .. كم كانت قاسية و قاتلة .. و هم لا يعرفون التوقف .. حتى كانت ليلة السكر .. خرجنا هربا من قبضة الظلم و الانتكاسة .. و عبرنا معا إلى الوهم الجميل الذى تصورنا هناك !!
    وهناك تأسست حياة .. حملت الكثير الكثير من الوهم و الخوف ..و المطاردة التى يستشعرها بطلنا و أنا بالطبع معه .. أرى .. و كمأجدنا ، و حولنا الوهم إلى حقيقة .. و عشنا مثل خلق الله ، و ارتضينا .. ماهو مقسوم لنا هناك .. و لكن
    هاهى الأيام تعطينا ظهرها الناتىء .. هاهى تتجهمنا .. و تلقى بنا عبر حاوية
    ما تصورناها مآلا لنا بعد طول الرحلة !

    اللغة أستاذة كانت مسنونة و حادة إلى حد بعيد .. تتسم بالرشاقة .. و جاءالتقطع
    رائعا و مناسبا للحالة !!

    شكرا لك أستاذة
    sigpic

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      رد: الاستاذ ربيع عقب الباب

      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      أستاذة كوثر ..
      تحياتى

      هل هى رواية لم تكتمل .. أم اكتملت هنا ؟
      قرأت نصا رائعا ، يختلج بالأحداث ، و يتقطر وجعا و ألما
      رحلت فيه مع بطلك .. فى السجن كنا معا .. رأيت و نزلتع على ضربات رجال الشرطة .. كم كانت قاسية و قاتلة .. و هم لا يعرفون التوقف .. حتى كانت ليلة السكر .. خرجنا هربا من قبضة الظلم و الانتكاسة .. و عبرنا معا إلى الوهم الجميل الذى تصورنا هناك !!
      وهناك تأسست حياة .. حملت الكثير الكثير من الوهم و الخوف ..و المطاردة التى يستشعرها بطلنا و أنا بالطبع معه .. أرى .. و كمأجدنا ، و حولنا الوهم إلى حقيقة .. و عشنا مثل خلق الله ، و ارتضينا .. ماهو مقسوم لنا هناك .. و لكن
      هاهى الأيام تعطينا ظهرها الناتىء .. هاهى تتجهمنا .. و تلقى بنا عبر حاوية
      ما تصورناها مآلا لنا بعد طول الرحلة !

      اللغة أستاذة كانت مسنونة و حادة إلى حد بعيد .. تتسم بالرشاقة .. و جاءالتقطع
      رائعا و مناسبا للحالة !!

      شكرا لك أستاذة


      الأستاذ ربيع عقب الباب

      شكرا على هذا الاستقبال الراقي جدا للفصل الأول من روايتي الجديدة "الغربة و الانفلونزا" على صفحات هذا الموقع الجميل و قريبا سأنشر فصولها الأخرى تباعا...لك مني كل الاحترام
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      • محمد السنوسى الغزالى
        عضو الملتقى
        • 24-03-2008
        • 434

        #4
        الله ياكوثر جزء جميل لذاكرة حكائية باذخة..اعجبتني فكرة الهادي الذي بدأ من جديد بعد غربة مُضنية..التيه والضياع وعدم القدرة على التواءم لاختلاف الرؤى والامكنة والثقافات ..سأقرا الجزء الثاني بشغف..شكرا لقلبك الجميل.
        [B][CENTER][SIZE="4"][COLOR="Red"]تــــــــــــــــــدويناتــــــــــــــــــــي[/COLOR][/SIZE][/CENTER][/B]
        [URL="http://mohagazali.blogspot.com/"]http://mohagazali.blogspot.com/[/URL]

        [URL="http://shafh.maktoobblog.com/"]http://shafh.maktoobblog.com/[/URL]
        [BIMG]http://i222.photobucket.com/albums/dd312/lintalin/palestine-1.gif[/BIMG]

        تعليق

        • كوثر خليل
          أديبة وكاتبة
          • 25-05-2009
          • 555

          #5
          شكرا لمرورك أستاذ محمد السنوسي الغزالي
          أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

          تعليق

          يعمل...
          X