رحيل السيد "الحريف"
كان السيد "الحريف" الزند والساعد والذراع الطويلة، كان السيد في غياب السيد، كانت صرخة منه تجعل عمال المزرعة يتدافعون فيرفس القوي منهم الضعيف دون رحمة، فينتشي سعادة حين يحوز من سطوة سيده سطوة.كان ذلك في الأيام الخوالي، ونغص عليه ذكرياته الحلوة تلك طرق على الباب.
يحاول السيد "الحريف" الحركة فتتمرد ساقاه عن إرادته ُ فيهم رغم الوهن ولا يفلح ، يعاود الجلوس ـ يتنهد من أعماقه ويعيد محاولة الوقوف مستندا إلى الحائط الطيني متشبثا به بكلتا يديه، ولكن لا تطاوعه رجلاه وترفضان الحركة فيتهاوى في نفس المكان ، يتكرر الطرق على الباب بشكل أعنف ينبئ عن نفاذ صبر الطارق ربما نتيجة لتزايد الشعور بالغضب ، قد يكون السيد جاء يريد الأمر بخدمة ، ولم لا يكون نفاذ الصبر نتيجة لتزايد القلق ، قد تكون إحدى بناتي جاءت لزيارتي ،وهي تخشى أن أكون قد مت منفردا ، إنها هي حتما ، ليتها تصبر إلى أن أتمكن من النهوض ولا تكسر الباب، وسعل ليرسل بشارة تنبئ أنه حي ، ولكنه لم يستطع أن يعد بأنه آت لعدم يقينه من قدرته على تنفيذ وعده.
ازداد الطرق عنفا ، يوحي بأن الطارق قد بدأ يفقد السيطرة على أعصابه وأنه قد يقتلع الباب من أصله ، وصار واضحا أن الطارق ليس امرأة بل سواعد مغزولة مفتولة ، وخاف أن يكون السيد هو الطارق ،ومتى كان "الحريف" يترك السيد ينتظر ، أو يطرق إلى أن يغضب : لابد أن يتمرد عن العجز ، لابد أن ينهض للقاء السيد ؛ والترحيب به ترحيبا يليق بشخصه ، فالألم مهما كان أهون من غضب السيد ؛ قد يرمي به إلى الشارع كما فعل مع الكثيرين غيره ، وعند هذا الحد نهض ، سقط ثم نهض ثانية وبدأ السير مستندا على الحائط حتى وصل إلى الباب.
فتح الباب ، دخل السيد وتفقد محتويات البيت بنظرة فاحصة ، ثم سأل "الحريف" : هل أنت مريض أيها العجوز؟
- لا يا سيدي هل من خدمة؟
- مررت بجانب كوخك هذا فأبصرت ديكا عربيا بلديا وديكا عندك ، يسرح ويعبث بدجاجات الجيران في الخارج ، و سيدتك في البيت مصدورة تشكو سعالا حادا ، فهل تستطيع الإمساك به ليكون علاجا لسعالها؟.
- سأفعل يا سيدي في الحال ، وسآخذه إليها بعد أن اذبحه فلا تغضب وامض لشؤونك في رعاية الله وحفظه ، وسيكون إن شاء الله شفاء لها ، وصحة وعافية.
انصرف السيد؛ وتهاوى "الحريف "أمام الباب ككيس من قش فارغ، خاو ي العظام مسحوق الوجدان وقد نزلت به لعنة الديك يغذيها مرض السيدة.
كيف لي أن امسك بالديك وأنا على هذا العجز ؟ منذ ولدت وأنا عاجز ، عاجز عن كل شيء إلا عن إشباع رغبات السيد وتنفيذ أوامره ، وتلبية مطالبه وحاجاته ، واليوم أنا عاجز حتى عن تلبية مطالب السيد.
واستولى على "الحريف" وهن أدخله في حالة من الخدر تزيد من سريانه و لذته أشعة الشمس المتسللة نتيجة لانحراف الباب قليلا إلى الداخل.
وغفا "الحريف" ، غفا غفوة كانت أحلى غفوة يغفوها في أسابيعه الأخيرة ، لا يعلم كم دامت بالضبط.
استيقظ الحريف على رجل قوية ترفسه ، وتدفع الباب إلى الخلف حتى تلقاه الجدار .
أخبرتك أن سيدتك مريضة، وأنها في انتظارك، فنمت في مكانك يا كلب السوء.
سيدي : أنت ترى أنني مريض أيضا ، ورغم ذلك سأقوم حالا لتنفيذ ما أمرت به ،وأنا أتوسل إليك ألا تغضب ،وهدئ من روعك، روحي فداك وفداء السيدة.
وحاول النهوض في الحال، فسقط على وجهه حتى تعفرت جبهته، وحاول مرة ثانية، وثالثة...
انصرف السيد؛ وزحف "لحريف" يبحث عن الديك في المزبلة، وهو يدعو الله أن يسوق إليه صبيا من أبناء الجيران يمكنه من رقبة الديك الملعون.
وفي هذه الأثناء رأى الشاب " محزوطة" يحث السير نحوه ، فاستبشر خيرا ، لكن "محزوطة" لم يمهله وألقى إليه الخبر:
- سيدي "الحاج يرى أنك قد كبرت وأصبحت عاجزا ولم تعد تصلح لشيء و يأمرك بمغادرة البيت حالا وهو ، ويرى أنني خير من يحل محلك في خدمته ، ، لأنني نويت أن أتزوج ، وليس لي بيت يأويني ، فسآتي بفراشي إلى البيت بعد الظهر ، هذا ما أمر به السيد فتدبر أمرك.
- قال "الحريف " أمر سيدي طاعة، وقد عجزت فعلا ولم أعد أصلح لشيء، وهو حر فيما يفعل وما لا يفعل، وما يفعله حق ، وقد أحبه الله وعائلته وأفاض عليهم من النعم ما أفاض ، وسخر لهم فرنسا، فأحبتهم واتخذتهم عقلها وعينها وأذنها ويدها التي تبطش بها ،وأعزهم خلفاؤها من بعدها ، و غضبه علي وغضب السيدة من غضب الله ، وزحف لينام على حافة المزبلة ، فنسي لأول وأخر مرة السيد و السيدة والديك.
الضيف حمراوي 26/05/2009
تعليق