مهرولا مذعوراأتاه رمضان ، يخرق سكون الليل ، ينكفئ بين يديه ، يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة :" عرفته ، وعرفت أراضيه يابو خليل !!"0
بعد المحاولات المتكررة ، طويلة الأمد لقتل إبراهيم أطلق رمضان خلفهم ليلة بعد أخرى ، يقتفى أثرهم ، ويقف على آخر ما يدبرون من مؤامرات ، أصبح لا يأمن جانب هؤلاء القوم ، لن يرضيهم شيء مهما كان سوى سقوطه ميتا ، تركله نعالهم ،
الليلة الماضية تمكن رمضان بمقدرة عجيبة – وهذا ليس كثيرا ولا جديدا عليه كابن ليل قديم – من كشف شخوص القتلة المأجورين ، لتصفية إبراهيم فورا – ودون إبطاء – لاعتقاد البيومية غير المشكوك فيه ،بقتله ولدهم يوسف ، المختفي قبيل اعتقاله بسنة واحدة 0
تهدأ أنفاس رمضان ،يروح مصورا ما وقعت عليه عيناه ، ساعة زحف ملثما، فى عقر دوارهم ، استظل بشجرة ، ثم حوم فى المكان ، دار هنا وهناك ، التقطت أذناه لغوا ، وبيقظة لص مطارد استحسن موضعا ، كمن فيه !!
كان ليل المدينة شديد العبوس،توارى تحت الشباك ، ألصق وجهه ،من خلال خصاصه كانوا أمامه ، بوجوههم الجهمة ، هياكلهم الممتدة ، يلتفون حول الكبير 0
حجرة واسعة على جدارها المقابل تناثرت الأسلحة ، كما تدلت رؤوس الضحايا من الجوارح مخيفة ، يتوسط الجدار" بوستر " كبير لرجل مفتول الشارب ، تتري الملمح ، مطربش الرأس ، الجد الأكبر لهذه العائلة الآتية زحفا من بلدة على حدود القوقاز إبان الغزو العثماني للبلاد 0
كان كبير أحفاده يتصدر الحجرة بوجه مهيب ، يحمل نفس الملامح ، الوجه ، العينين الحمراوين ، الشارب ، اللحية الممتدة لأسفل الصدر ؛ يفترش الأرض رجال يلتهمون طعامهم بنهم وشراهة !
كان صوت الرجل قويا ،يخترق الفراغ المعبد حول المنطقة ، يسرى فى ذرات الهواء – دون حدود – يشق بطن رمضان ، يهشم رئتيه ومفاصله ، ولولا حبه الخطير والمدهش لإبراهيم لولى فرارا من الهول ،من الأشباح المعربدة ، المكتظة بها الساحة ، كأنها تخرج من حنجرة البيومى الكبير ، شياطين مجنحة ، عمالقة وأقزاما ، تحمل على رؤوسها مقاطف ، وأشياء غريبة تشبه السحر فى الحواديت 0 كانت تمرق كالريح، مخلفة سحائب من الغبار ، ورمضان يستغيث بالله ،بآياته المحكمات ، بما علم الحكماء و المشعوذين والشياطين على حد سواء !!
:" يعنى نروح نتهحم على الناس فى بيوتها يارمضان "0
:" مفيش غير كده 00 الحل التانى تقتل البيومى !!"0
:" البيومى 00 طب إزاى ما أنت عارف اللى وراه واللى قدامه "0
:" خلاص خلى خالتى أم إبراهيم تبيع اللى حيلتها وأعمل زى مابيعمل !"0
”يعنى أنت بتقفل فى وشى كل السكك 00 المصيبة الشيخ عبد الواحد رأيه من رأيك "0
:" شفت 00 مفيش حل غير ده !!"0
عيناه تلاحقان النخلة القريبة ، نال منه الأمر ، رأى أحد الضحايا معلقا ، تتدلى رأسه ، السكون يرجع أنينه المكتوم ، من رأته البلدة فى ساعات القيلولة ، وفى الليالي المد لهمة !!
انفلت رمضان فزعا ، هرئى عزمه ، انسحق هيكله ، حين فارقه فزعه ، أحس باختناق ، ضيق رهيب يطبق على صدره ، يخنقه بلا رحمة 00بلا رحمة 0كان محشورا داخل ماسورة قطرها لا يتجاوز ثلاثين سنتمترا !
رأى لحظة اعتدل البيومى لينهى المقابلة ، كل شيء كان هادئا ، الوحيد المضطرب رمضان نفسه ، والحنك المنتفخة تلوك طعامها ؛ كأنها تزدرد آخر زاد لها ، مشدودة الرقاب تتابع الرجل ، يدفع بعضا من العملة الورقية ، يسقطها تحت قدميه ، رمضان لا يتحرك ، لا يبرح مكانه ،يسدد تجاههم عينين ذابلتين ، يتفرسهم ، يحتفرهم فى رأس تسلقتها أسراب من نمل خفي ، حين غادروا فرادى ، كان خلفهم خطوة بخطوة ، لم يتراجع 00عرف الموعد ، المكان ، بلدتهم ، يرتوي ظمأه ، ويركض عائدا !!
كان إبراهيم ينصت ، يدمدم كثور هائج ، يطيح بالأبواب والجدران ، تنفجر الدماء فى وجهه ؛ هذه هي المحاولة الثالثة خلال ثلاثين يوما ، هى كل صلته بالعالم ، لولا يقظته لأصبح فى عداد المفقودين !!
لايتركون له منفذا للحياة ، يعبرمن خلاله مترسما مايرتجى ،مخلفا ماتراكم من غبار وإثباط عبرسنوات محنته 0
يشقى لوضع يده على الرؤى ، يستنفرها ، تتأبى عليه ، كانت تتشكل بسرعة خاطفة ، تحيطه ، تطبق على أنفاسه ، أصواتها كالطنين عالية ، كأنها قفزات وحوش غامضة،هاهى ذى تتخطفه،تضطرب أنفاسه:"شفته كويس؟"0
يومئ رمضان مؤكدا :" أيوه أمال !! "0
يتركه رمضان وهو ما يزال يحمل عبء الليلة ، متهدل الكتفين ، متأرجح الخطى ، زائغ النظرات !!
وحده تحيطه الأوجاع من كل جانب ، تحاصره ، تعصره عصرا ، يومض إحساس ما ، ثمة تغيير يدب داخله ، فرق بينه الآن ، وبين إبراهيم البطال ، لم يكن يتورع عن فعل شيء ، ما كان ليخشى شيئا ، إبراهيم ، من رأى تلون الناس ، انقلابهم ، تنكر الأصدقاء والرفقاء ، من أكلوا ملحه ، وكانوا بمثابة العزوة والعائلة !!
بدا كشبح خرافي، مارد من عصور ،ارتمت فى حضانة التاريخ 0 تطاولت عباءته ،امتلأت بالهواء ، أصبحت كجناحي طائر الرخ ، تلذعه بصوتها الحاد، تعوق سيره المجنح مبعثرة هيكله فى الفضاء الشاسع ، يحس بنفسه طائرا ، يحلق دون سيطرة ، يحد من عراك العباءة ، يخبو صوت الدوي ، يحط على تراب الطريق ، جبهته يسحق وهجها بفعل خطوط كانت تتزايد ، وتكشف عن معركة لا ينتهي أوارها !!
:" وهو ينفع يابه ؟"0
:” أمال إيه اللى ينفع ياطيب 00 براوة عليك يارمضان !!"0
:" يابه 00 النوبة اللى فاتت كانت سرقة 00 إنما دى !!"0
:" الناس دول قتلهم حلال 00 حلال الحلال "0
:" أنت هاتحلل وتحرم على كيفك يابه ؟"0
:" البادى أظلم 00 وياروح مابعدك روح "0
:" والدين والملة ؟!!"0
إلى هذه اللحظة كان لايزال مسيطرا على انفعالاته ، يتقدم ، حجر أصم يثقل صدره وقلبه وأنفاسه ، أعصابه ، شفتيه الواقعتين تحت إسر إرتعاشات مضببة لا ذنب له فيها 0 يخطو موغلا مع إنحدار السكة ،بدت ممتدة بلا انتهاء ، كسرداب عمرته العفاريت والمردة 0كلت ساقاه ، تهرأت تماما ، وأصابهما وهن غريب !!
كان رمضان يحاذيه تماما ، يلاحق خطواته الواسعة بأنفاس متهدجة ، يحدق فى العتمة ، يتفحص الأشياء كصقر ، الأشجار المنتصبة على جانبى السكة كمؤامرة ، أبراج الحمام على مدد الشوف يسمع هديلها ، أشباح كان يحسها تتعلق بطرف جلبابه ، كثيرا ما كادت تعرقله ، تطرحه أرضا ، همساتها جنى محموم ، هواجسها رعدة فى الصدر غير مأمونة ، ترن فى جوفه ، انسحاق التراب تحت قدميهما كان يحدث تقلصا من نوع حاد فى معدته ،رغم هذا كان يتقدم مدفوعا بقوى خفية ، يقظا لأقل حركة كلص !!
هدوء يقطعه عواء ذئب يأتى من بعيد ، يرخى على القرية جوا مهيبا ، يصعب اختراقه ، ونباح كلب يصاعد كلما أوغلا فى اتجاه الهدف ، الترعة السائران على مشيتها عانقت مافى السماء من نجوم شحيحة ، يدوم ماؤها ، يبقبق بما يحمل من مخلوقات 0يتعالى نقيق للضفادع متشرنقا كأنما يأتى من أراضين سبع ،وصوتها أكثر غموضا وإشعارا بالفوات 0
كان إبراهيم جسدا سائرا ، تخلت عنه بقاياه ، تهالكت بما تعانى من هواجس ، تسرى به الأصوات ، تضيق عليه حلقاتها ، تأخذه تارة ، تدور عبر تلال وفجوات تتسع مخرجة مافى جوفها من أوجاع وعذابات ، هى كل عمره الصغير، عندما تستبيحه تتساقط دموعه على شفتيه كطفل تيتم توا !!
ينتشله صوت رمضان من بئره ، يربت على كتفه ، ينتبه مطلقا عينيه الجاحظتين ، يجتلى سر السكون ، آية الليل المختلج تحت مقبرة الظلام، يلملم نهر أفكاره ، يسارع بمغادرته ، ثقيلة مياهه ، يقفز خارجه ، ينزلق برغمه ، عطن راكد مميت ، تبوء محاولات هروبه بالخسران 0
الطريق مشدود إلى ساقيه ،عروق وجهه النافرة ، عرقه الغزير، الرحى عقله لا قدرة لديه على الانفلات منها، وهو فى محاولته لسحق نوباته ، والتصدى لشطحاته ، حتى لا يضيع منه الطريق ؛ يصبحان هدفا سهلا لأى من كان 0
:" الرسول بعت بكتيبة من المسلمين لقتل واحد اتطاول على النبى وأمهات المسلمين !!"0
:" كان يهودى 00 يهودى مش مسلم "0
:" والمسلم القاتل بالأجر 00 يبقى إيه ؟ سميه لو تقدر !!"0
تهوم الصور متقاطعة ، تطيح به ، يغرق فى ألوانها ، تطل من أعلى جلبابه وهيكله المشدود كالصاري ، يزأر طافحا بمايعتلج :" لم تكفهم خمس سنوات قضيتها يا إبراهيم ، تنتقل من سجن إلى آخر ، هد الجبل قوتك ،إحساس بالظلم يلازمك ، يعتصر قلبك ليل نهار ، يوم قلت يا حرية ، فردت ذراعيك تضمها لصدرك ، انقضت سنوات قهرك ، حاصروك ، تربصوا بك ، مصممين على استلاب ما تبقى لك من حياة 0 قلت لهم ، صرخت باكيا :" ليس أنا من فعل هذا بابنكم ، كان أخا لى ، أخا لم تلده أمى ، كيف بالله عليكم ؟ لماذا أفعل اليوم ؟ كم من الليالي نمنا فى براح الغيطان ، وكم شكا لى من إخوته ، يوسف هذا الجميل ، هرب من مطاردة النساء والصبايا ، وصل بهم الوله إلى اختطافه ، تأبى عليهم ، كان يعشق يوسف الصديق ، فكأنه هو ، فى جماله ، فى صدقه ، فى عفته ، لم لا يكون إخوته مثل أخوة النبي 0 حلفت على الختمة الشريفة ، برب الكون ، رب محمد ، ويوسف ، لكنهم استغشوا ثيابهم ، تطيروا بى ، كأنهم مرغمون على عدم الفهم ، كان ضميري يسترحمهم ، اتركونى أربى الولدين 0 يعلم الله فجيعتي فى يوسف ، اتركوني أبحث عنه ، قلبي يحدثني بقربه !!
بعد المحاولات المتكررة ، طويلة الأمد لقتل إبراهيم أطلق رمضان خلفهم ليلة بعد أخرى ، يقتفى أثرهم ، ويقف على آخر ما يدبرون من مؤامرات ، أصبح لا يأمن جانب هؤلاء القوم ، لن يرضيهم شيء مهما كان سوى سقوطه ميتا ، تركله نعالهم ،
الليلة الماضية تمكن رمضان بمقدرة عجيبة – وهذا ليس كثيرا ولا جديدا عليه كابن ليل قديم – من كشف شخوص القتلة المأجورين ، لتصفية إبراهيم فورا – ودون إبطاء – لاعتقاد البيومية غير المشكوك فيه ،بقتله ولدهم يوسف ، المختفي قبيل اعتقاله بسنة واحدة 0
تهدأ أنفاس رمضان ،يروح مصورا ما وقعت عليه عيناه ، ساعة زحف ملثما، فى عقر دوارهم ، استظل بشجرة ، ثم حوم فى المكان ، دار هنا وهناك ، التقطت أذناه لغوا ، وبيقظة لص مطارد استحسن موضعا ، كمن فيه !!
كان ليل المدينة شديد العبوس،توارى تحت الشباك ، ألصق وجهه ،من خلال خصاصه كانوا أمامه ، بوجوههم الجهمة ، هياكلهم الممتدة ، يلتفون حول الكبير 0
حجرة واسعة على جدارها المقابل تناثرت الأسلحة ، كما تدلت رؤوس الضحايا من الجوارح مخيفة ، يتوسط الجدار" بوستر " كبير لرجل مفتول الشارب ، تتري الملمح ، مطربش الرأس ، الجد الأكبر لهذه العائلة الآتية زحفا من بلدة على حدود القوقاز إبان الغزو العثماني للبلاد 0
كان كبير أحفاده يتصدر الحجرة بوجه مهيب ، يحمل نفس الملامح ، الوجه ، العينين الحمراوين ، الشارب ، اللحية الممتدة لأسفل الصدر ؛ يفترش الأرض رجال يلتهمون طعامهم بنهم وشراهة !
كان صوت الرجل قويا ،يخترق الفراغ المعبد حول المنطقة ، يسرى فى ذرات الهواء – دون حدود – يشق بطن رمضان ، يهشم رئتيه ومفاصله ، ولولا حبه الخطير والمدهش لإبراهيم لولى فرارا من الهول ،من الأشباح المعربدة ، المكتظة بها الساحة ، كأنها تخرج من حنجرة البيومى الكبير ، شياطين مجنحة ، عمالقة وأقزاما ، تحمل على رؤوسها مقاطف ، وأشياء غريبة تشبه السحر فى الحواديت 0 كانت تمرق كالريح، مخلفة سحائب من الغبار ، ورمضان يستغيث بالله ،بآياته المحكمات ، بما علم الحكماء و المشعوذين والشياطين على حد سواء !!
:" يعنى نروح نتهحم على الناس فى بيوتها يارمضان "0
:" مفيش غير كده 00 الحل التانى تقتل البيومى !!"0
:" البيومى 00 طب إزاى ما أنت عارف اللى وراه واللى قدامه "0
:" خلاص خلى خالتى أم إبراهيم تبيع اللى حيلتها وأعمل زى مابيعمل !"0
”يعنى أنت بتقفل فى وشى كل السكك 00 المصيبة الشيخ عبد الواحد رأيه من رأيك "0
:" شفت 00 مفيش حل غير ده !!"0
عيناه تلاحقان النخلة القريبة ، نال منه الأمر ، رأى أحد الضحايا معلقا ، تتدلى رأسه ، السكون يرجع أنينه المكتوم ، من رأته البلدة فى ساعات القيلولة ، وفى الليالي المد لهمة !!
انفلت رمضان فزعا ، هرئى عزمه ، انسحق هيكله ، حين فارقه فزعه ، أحس باختناق ، ضيق رهيب يطبق على صدره ، يخنقه بلا رحمة 00بلا رحمة 0كان محشورا داخل ماسورة قطرها لا يتجاوز ثلاثين سنتمترا !
رأى لحظة اعتدل البيومى لينهى المقابلة ، كل شيء كان هادئا ، الوحيد المضطرب رمضان نفسه ، والحنك المنتفخة تلوك طعامها ؛ كأنها تزدرد آخر زاد لها ، مشدودة الرقاب تتابع الرجل ، يدفع بعضا من العملة الورقية ، يسقطها تحت قدميه ، رمضان لا يتحرك ، لا يبرح مكانه ،يسدد تجاههم عينين ذابلتين ، يتفرسهم ، يحتفرهم فى رأس تسلقتها أسراب من نمل خفي ، حين غادروا فرادى ، كان خلفهم خطوة بخطوة ، لم يتراجع 00عرف الموعد ، المكان ، بلدتهم ، يرتوي ظمأه ، ويركض عائدا !!
كان إبراهيم ينصت ، يدمدم كثور هائج ، يطيح بالأبواب والجدران ، تنفجر الدماء فى وجهه ؛ هذه هي المحاولة الثالثة خلال ثلاثين يوما ، هى كل صلته بالعالم ، لولا يقظته لأصبح فى عداد المفقودين !!
لايتركون له منفذا للحياة ، يعبرمن خلاله مترسما مايرتجى ،مخلفا ماتراكم من غبار وإثباط عبرسنوات محنته 0
يشقى لوضع يده على الرؤى ، يستنفرها ، تتأبى عليه ، كانت تتشكل بسرعة خاطفة ، تحيطه ، تطبق على أنفاسه ، أصواتها كالطنين عالية ، كأنها قفزات وحوش غامضة،هاهى ذى تتخطفه،تضطرب أنفاسه:"شفته كويس؟"0
يومئ رمضان مؤكدا :" أيوه أمال !! "0
يتركه رمضان وهو ما يزال يحمل عبء الليلة ، متهدل الكتفين ، متأرجح الخطى ، زائغ النظرات !!
وحده تحيطه الأوجاع من كل جانب ، تحاصره ، تعصره عصرا ، يومض إحساس ما ، ثمة تغيير يدب داخله ، فرق بينه الآن ، وبين إبراهيم البطال ، لم يكن يتورع عن فعل شيء ، ما كان ليخشى شيئا ، إبراهيم ، من رأى تلون الناس ، انقلابهم ، تنكر الأصدقاء والرفقاء ، من أكلوا ملحه ، وكانوا بمثابة العزوة والعائلة !!
بدا كشبح خرافي، مارد من عصور ،ارتمت فى حضانة التاريخ 0 تطاولت عباءته ،امتلأت بالهواء ، أصبحت كجناحي طائر الرخ ، تلذعه بصوتها الحاد، تعوق سيره المجنح مبعثرة هيكله فى الفضاء الشاسع ، يحس بنفسه طائرا ، يحلق دون سيطرة ، يحد من عراك العباءة ، يخبو صوت الدوي ، يحط على تراب الطريق ، جبهته يسحق وهجها بفعل خطوط كانت تتزايد ، وتكشف عن معركة لا ينتهي أوارها !!
:" وهو ينفع يابه ؟"0
:” أمال إيه اللى ينفع ياطيب 00 براوة عليك يارمضان !!"0
:" يابه 00 النوبة اللى فاتت كانت سرقة 00 إنما دى !!"0
:" الناس دول قتلهم حلال 00 حلال الحلال "0
:" أنت هاتحلل وتحرم على كيفك يابه ؟"0
:" البادى أظلم 00 وياروح مابعدك روح "0
:" والدين والملة ؟!!"0
إلى هذه اللحظة كان لايزال مسيطرا على انفعالاته ، يتقدم ، حجر أصم يثقل صدره وقلبه وأنفاسه ، أعصابه ، شفتيه الواقعتين تحت إسر إرتعاشات مضببة لا ذنب له فيها 0 يخطو موغلا مع إنحدار السكة ،بدت ممتدة بلا انتهاء ، كسرداب عمرته العفاريت والمردة 0كلت ساقاه ، تهرأت تماما ، وأصابهما وهن غريب !!
كان رمضان يحاذيه تماما ، يلاحق خطواته الواسعة بأنفاس متهدجة ، يحدق فى العتمة ، يتفحص الأشياء كصقر ، الأشجار المنتصبة على جانبى السكة كمؤامرة ، أبراج الحمام على مدد الشوف يسمع هديلها ، أشباح كان يحسها تتعلق بطرف جلبابه ، كثيرا ما كادت تعرقله ، تطرحه أرضا ، همساتها جنى محموم ، هواجسها رعدة فى الصدر غير مأمونة ، ترن فى جوفه ، انسحاق التراب تحت قدميهما كان يحدث تقلصا من نوع حاد فى معدته ،رغم هذا كان يتقدم مدفوعا بقوى خفية ، يقظا لأقل حركة كلص !!
هدوء يقطعه عواء ذئب يأتى من بعيد ، يرخى على القرية جوا مهيبا ، يصعب اختراقه ، ونباح كلب يصاعد كلما أوغلا فى اتجاه الهدف ، الترعة السائران على مشيتها عانقت مافى السماء من نجوم شحيحة ، يدوم ماؤها ، يبقبق بما يحمل من مخلوقات 0يتعالى نقيق للضفادع متشرنقا كأنما يأتى من أراضين سبع ،وصوتها أكثر غموضا وإشعارا بالفوات 0
كان إبراهيم جسدا سائرا ، تخلت عنه بقاياه ، تهالكت بما تعانى من هواجس ، تسرى به الأصوات ، تضيق عليه حلقاتها ، تأخذه تارة ، تدور عبر تلال وفجوات تتسع مخرجة مافى جوفها من أوجاع وعذابات ، هى كل عمره الصغير، عندما تستبيحه تتساقط دموعه على شفتيه كطفل تيتم توا !!
ينتشله صوت رمضان من بئره ، يربت على كتفه ، ينتبه مطلقا عينيه الجاحظتين ، يجتلى سر السكون ، آية الليل المختلج تحت مقبرة الظلام، يلملم نهر أفكاره ، يسارع بمغادرته ، ثقيلة مياهه ، يقفز خارجه ، ينزلق برغمه ، عطن راكد مميت ، تبوء محاولات هروبه بالخسران 0
الطريق مشدود إلى ساقيه ،عروق وجهه النافرة ، عرقه الغزير، الرحى عقله لا قدرة لديه على الانفلات منها، وهو فى محاولته لسحق نوباته ، والتصدى لشطحاته ، حتى لا يضيع منه الطريق ؛ يصبحان هدفا سهلا لأى من كان 0
:" الرسول بعت بكتيبة من المسلمين لقتل واحد اتطاول على النبى وأمهات المسلمين !!"0
:" كان يهودى 00 يهودى مش مسلم "0
:" والمسلم القاتل بالأجر 00 يبقى إيه ؟ سميه لو تقدر !!"0
تهوم الصور متقاطعة ، تطيح به ، يغرق فى ألوانها ، تطل من أعلى جلبابه وهيكله المشدود كالصاري ، يزأر طافحا بمايعتلج :" لم تكفهم خمس سنوات قضيتها يا إبراهيم ، تنتقل من سجن إلى آخر ، هد الجبل قوتك ،إحساس بالظلم يلازمك ، يعتصر قلبك ليل نهار ، يوم قلت يا حرية ، فردت ذراعيك تضمها لصدرك ، انقضت سنوات قهرك ، حاصروك ، تربصوا بك ، مصممين على استلاب ما تبقى لك من حياة 0 قلت لهم ، صرخت باكيا :" ليس أنا من فعل هذا بابنكم ، كان أخا لى ، أخا لم تلده أمى ، كيف بالله عليكم ؟ لماذا أفعل اليوم ؟ كم من الليالي نمنا فى براح الغيطان ، وكم شكا لى من إخوته ، يوسف هذا الجميل ، هرب من مطاردة النساء والصبايا ، وصل بهم الوله إلى اختطافه ، تأبى عليهم ، كان يعشق يوسف الصديق ، فكأنه هو ، فى جماله ، فى صدقه ، فى عفته ، لم لا يكون إخوته مثل أخوة النبي 0 حلفت على الختمة الشريفة ، برب الكون ، رب محمد ، ويوسف ، لكنهم استغشوا ثيابهم ، تطيروا بى ، كأنهم مرغمون على عدم الفهم ، كان ضميري يسترحمهم ، اتركونى أربى الولدين 0 يعلم الله فجيعتي فى يوسف ، اتركوني أبحث عنه ، قلبي يحدثني بقربه !!
تعليق