سوق اللبن ( 2 )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    سوق اللبن ( 2 )

    مهرولا مذعوراأتاه رمضان ، يخرق سكون الليل ، ينكفئ بين يديه ، يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة :" عرفته ، وعرفت أراضيه يابو خليل !!"0

    بعد المحاولات المتكررة ، طويلة الأمد لقتل إبراهيم أطلق رمضان خلفهم ليلة بعد أخرى ، يقتفى أثرهم ، ويقف على آخر ما يدبرون من مؤامرات ، أصبح لا يأمن جانب هؤلاء القوم ، لن يرضيهم شيء مهما كان سوى سقوطه ميتا ، تركله نعالهم ،
    الليلة الماضية تمكن رمضان بمقدرة عجيبة – وهذا ليس كثيرا ولا جديدا عليه كابن ليل قديم – من كشف شخوص القتلة المأجورين ، لتصفية إبراهيم فورا – ودون إبطاء – لاعتقاد البيومية غير المشكوك فيه ،بقتله ولدهم يوسف ، المختفي قبيل اعتقاله بسنة واحدة 0
    تهدأ أنفاس رمضان ،يروح مصورا ما وقعت عليه عيناه ، ساعة زحف ملثما، فى عقر دوارهم ، استظل بشجرة ، ثم حوم فى المكان ، دار هنا وهناك ، التقطت أذناه لغوا ، وبيقظة لص مطارد استحسن موضعا ، كمن فيه !!

    كان ليل المدينة شديد العبوس،توارى تحت الشباك ، ألصق وجهه ،من خلال خصاصه كانوا أمامه ، بوجوههم الجهمة ، هياكلهم الممتدة ، يلتفون حول الكبير 0
    حجرة واسعة على جدارها المقابل تناثرت الأسلحة ، كما تدلت رؤوس الضحايا من الجوارح مخيفة ، يتوسط الجدار" بوستر " كبير لرجل مفتول الشارب ، تتري الملمح ، مطربش الرأس ، الجد الأكبر لهذه العائلة الآتية زحفا من بلدة على حدود القوقاز إبان الغزو العثماني للبلاد 0
    كان كبير أحفاده يتصدر الحجرة بوجه مهيب ، يحمل نفس الملامح ، الوجه ، العينين الحمراوين ، الشارب ، اللحية الممتدة لأسفل الصدر ؛ يفترش الأرض رجال يلتهمون طعامهم بنهم وشراهة !
    كان صوت الرجل قويا ،يخترق الفراغ المعبد حول المنطقة ، يسرى فى ذرات الهواء – دون حدود – يشق بطن رمضان ، يهشم رئتيه ومفاصله ، ولولا حبه الخطير والمدهش لإبراهيم لولى فرارا من الهول ،من الأشباح المعربدة ، المكتظة بها الساحة ، كأنها تخرج من حنجرة البيومى الكبير ، شياطين مجنحة ، عمالقة وأقزاما ، تحمل على رؤوسها مقاطف ، وأشياء غريبة تشبه السحر فى الحواديت 0 كانت تمرق كالريح، مخلفة سحائب من الغبار ، ورمضان يستغيث بالله ،بآياته المحكمات ، بما علم الحكماء و المشعوذين والشياطين على حد سواء !!

    :" يعنى نروح نتهحم على الناس فى بيوتها يارمضان "0
    :" مفيش غير كده 00 الحل التانى تقتل البيومى !!"0
    :" البيومى 00 طب إزاى ما أنت عارف اللى وراه واللى قدامه "0
    :" خلاص خلى خالتى أم إبراهيم تبيع اللى حيلتها وأعمل زى مابيعمل !"0
    ”يعنى أنت بتقفل فى وشى كل السكك 00 المصيبة الشيخ عبد الواحد رأيه من رأيك "0
    :" شفت 00 مفيش حل غير ده !!"0

    عيناه تلاحقان النخلة القريبة ، نال منه الأمر ، رأى أحد الضحايا معلقا ، تتدلى رأسه ، السكون يرجع أنينه المكتوم ، من رأته البلدة فى ساعات القيلولة ، وفى الليالي المد لهمة !!
    انفلت رمضان فزعا ، هرئى عزمه ، انسحق هيكله ، حين فارقه فزعه ، أحس باختناق ، ضيق رهيب يطبق على صدره ، يخنقه بلا رحمة 00بلا رحمة 0كان محشورا داخل ماسورة قطرها لا يتجاوز ثلاثين سنتمترا !
    رأى لحظة اعتدل البيومى لينهى المقابلة ، كل شيء كان هادئا ، الوحيد المضطرب رمضان نفسه ، والحنك المنتفخة تلوك طعامها ؛ كأنها تزدرد آخر زاد لها ، مشدودة الرقاب تتابع الرجل ، يدفع بعضا من العملة الورقية ، يسقطها تحت قدميه ، رمضان لا يتحرك ، لا يبرح مكانه ،يسدد تجاههم عينين ذابلتين ، يتفرسهم ، يحتفرهم فى رأس تسلقتها أسراب من نمل خفي ، حين غادروا فرادى ، كان خلفهم خطوة بخطوة ، لم يتراجع 00عرف الموعد ، المكان ، بلدتهم ، يرتوي ظمأه ، ويركض عائدا !!


    كان إبراهيم ينصت ، يدمدم كثور هائج ، يطيح بالأبواب والجدران ، تنفجر الدماء فى وجهه ؛ هذه هي المحاولة الثالثة خلال ثلاثين يوما ، هى كل صلته بالعالم ، لولا يقظته لأصبح فى عداد المفقودين !!
    لايتركون له منفذا للحياة ، يعبرمن خلاله مترسما مايرتجى ،مخلفا ماتراكم من غبار وإثباط عبرسنوات محنته 0


    يشقى لوضع يده على الرؤى ، يستنفرها ، تتأبى عليه ، كانت تتشكل بسرعة خاطفة ، تحيطه ، تطبق على أنفاسه ، أصواتها كالطنين عالية ، كأنها قفزات وحوش غامضة،هاهى ذى تتخطفه،تضطرب أنفاسه:"شفته كويس؟"0
    يومئ رمضان مؤكدا :" أيوه أمال !! "0
    يتركه رمضان وهو ما يزال يحمل عبء الليلة ، متهدل الكتفين ، متأرجح الخطى ، زائغ النظرات !!

    وحده تحيطه الأوجاع من كل جانب ، تحاصره ، تعصره عصرا ، يومض إحساس ما ، ثمة تغيير يدب داخله ، فرق بينه الآن ، وبين إبراهيم البطال ، لم يكن يتورع عن فعل شيء ، ما كان ليخشى شيئا ، إبراهيم ، من رأى تلون الناس ، انقلابهم ، تنكر الأصدقاء والرفقاء ، من أكلوا ملحه ، وكانوا بمثابة العزوة والعائلة !!






    بدا كشبح خرافي، مارد من عصور ،ارتمت فى حضانة التاريخ 0 تطاولت عباءته ،امتلأت بالهواء ، أصبحت كجناحي طائر الرخ ، تلذعه بصوتها الحاد، تعوق سيره المجنح مبعثرة هيكله فى الفضاء الشاسع ، يحس بنفسه طائرا ، يحلق دون سيطرة ، يحد من عراك العباءة ، يخبو صوت الدوي ، يحط على تراب الطريق ، جبهته يسحق وهجها بفعل خطوط كانت تتزايد ، وتكشف عن معركة لا ينتهي أوارها !!
    :" وهو ينفع يابه ؟"0
    :” أمال إيه اللى ينفع ياطيب 00 براوة عليك يارمضان !!"0
    :" يابه 00 النوبة اللى فاتت كانت سرقة 00 إنما دى !!"0
    :" الناس دول قتلهم حلال 00 حلال الحلال "0
    :" أنت هاتحلل وتحرم على كيفك يابه ؟"0
    :" البادى أظلم 00 وياروح مابعدك روح "0
    :" والدين والملة ؟!!"0

    إلى هذه اللحظة كان لايزال مسيطرا على انفعالاته ، يتقدم ، حجر أصم يثقل صدره وقلبه وأنفاسه ، أعصابه ، شفتيه الواقعتين تحت إسر إرتعاشات مضببة لا ذنب له فيها 0 يخطو موغلا مع إنحدار السكة ،بدت ممتدة بلا انتهاء ، كسرداب عمرته العفاريت والمردة 0كلت ساقاه ، تهرأت تماما ، وأصابهما وهن غريب !!

    كان رمضان يحاذيه تماما ، يلاحق خطواته الواسعة بأنفاس متهدجة ، يحدق فى العتمة ، يتفحص الأشياء كصقر ، الأشجار المنتصبة على جانبى السكة كمؤامرة ، أبراج الحمام على مدد الشوف يسمع هديلها ، أشباح كان يحسها تتعلق بطرف جلبابه ، كثيرا ما كادت تعرقله ، تطرحه أرضا ، همساتها جنى محموم ، هواجسها رعدة فى الصدر غير مأمونة ، ترن فى جوفه ، انسحاق التراب تحت قدميهما كان يحدث تقلصا من نوع حاد فى معدته ،رغم هذا كان يتقدم مدفوعا بقوى خفية ، يقظا لأقل حركة كلص !!

    هدوء يقطعه عواء ذئب يأتى من بعيد ، يرخى على القرية جوا مهيبا ، يصعب اختراقه ، ونباح كلب يصاعد كلما أوغلا فى اتجاه الهدف ، الترعة السائران على مشيتها عانقت مافى السماء من نجوم شحيحة ، يدوم ماؤها ، يبقبق بما يحمل من مخلوقات 0يتعالى نقيق للضفادع متشرنقا كأنما يأتى من أراضين سبع ،وصوتها أكثر غموضا وإشعارا بالفوات 0


    كان إبراهيم جسدا سائرا ، تخلت عنه بقاياه ، تهالكت بما تعانى من هواجس ، تسرى به الأصوات ، تضيق عليه حلقاتها ، تأخذه تارة ، تدور عبر تلال وفجوات تتسع مخرجة مافى جوفها من أوجاع وعذابات ، هى كل عمره الصغير، عندما تستبيحه تتساقط دموعه على شفتيه كطفل تيتم توا !!

    ينتشله صوت رمضان من بئره ، يربت على كتفه ، ينتبه مطلقا عينيه الجاحظتين ، يجتلى سر السكون ، آية الليل المختلج تحت مقبرة الظلام، يلملم نهر أفكاره ، يسارع بمغادرته ، ثقيلة مياهه ، يقفز خارجه ، ينزلق برغمه ، عطن راكد مميت ، تبوء محاولات هروبه بالخسران 0
    الطريق مشدود إلى ساقيه ،عروق وجهه النافرة ، عرقه الغزير، الرحى عقله لا قدرة لديه على الانفلات منها، وهو فى محاولته لسحق نوباته ، والتصدى لشطحاته ، حتى لا يضيع منه الطريق ؛ يصبحان هدفا سهلا لأى من كان 0
    :" الرسول بعت بكتيبة من المسلمين لقتل واحد اتطاول على النبى وأمهات المسلمين !!"0
    :" كان يهودى 00 يهودى مش مسلم "0
    :" والمسلم القاتل بالأجر 00 يبقى إيه ؟ سميه لو تقدر !!"0

    تهوم الصور متقاطعة ، تطيح به ، يغرق فى ألوانها ، تطل من أعلى جلبابه وهيكله المشدود كالصاري ، يزأر طافحا بمايعتلج :" لم تكفهم خمس سنوات قضيتها يا إبراهيم ، تنتقل من سجن إلى آخر ، هد الجبل قوتك ،إحساس بالظلم يلازمك ، يعتصر قلبك ليل نهار ، يوم قلت يا حرية ، فردت ذراعيك تضمها لصدرك ، انقضت سنوات قهرك ، حاصروك ، تربصوا بك ، مصممين على استلاب ما تبقى لك من حياة 0 قلت لهم ، صرخت باكيا :" ليس أنا من فعل هذا بابنكم ، كان أخا لى ، أخا لم تلده أمى ، كيف بالله عليكم ؟ لماذا أفعل اليوم ؟ كم من الليالي نمنا فى براح الغيطان ، وكم شكا لى من إخوته ، يوسف هذا الجميل ، هرب من مطاردة النساء والصبايا ، وصل بهم الوله إلى اختطافه ، تأبى عليهم ، كان يعشق يوسف الصديق ، فكأنه هو ، فى جماله ، فى صدقه ، فى عفته ، لم لا يكون إخوته مثل أخوة النبي 0 حلفت على الختمة الشريفة ، برب الكون ، رب محمد ، ويوسف ، لكنهم استغشوا ثيابهم ، تطيروا بى ، كأنهم مرغمون على عدم الفهم ، كان ضميري يسترحمهم ، اتركونى أربى الولدين 0 يعلم الله فجيعتي فى يوسف ، اتركوني أبحث عنه ، قلبي يحدثني بقربه !!
    sigpic
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    أيووووووووووووووووه راسى دارت

    ربيع ما هذا .. لا أجد جملة تخلو من الشد و الرخى , و إن فاتتنى جملة أتوه و أضيع أتشتت أضطر إلى الرجوع من البداية و أعيد الكرّه .. أقرأ ثم أنتعش و أتخيل ثم تهرب من جملة فيهرب منى القادم ..
    متماسك هذا لفصل بدرجة غريبة .. انظر إلى الجمل كل واحدة مرتبطة بما قبلها دون أن تمسها !! ..
    لاحظت بها كيفية غريبة بها شئ من لغة الشعر الموزون .. هل هناك رواية موزونة !! .. لا أدرى فأهل مكة أدرى ..

    ---
    مهرولا مذعورا.. ، يخرق .... ، ينكفئ .... ، يلتقط .. :

    بعد المحاولات المتكررة ، طويلة الأمد .. أطلق .... ، يقتفى أثرهم ... ، ويقف ..........أصبح لا يأمن.......... ، لن يرضيهم ..... ، تركله نعالهم ، ........
    الليلة الماضية تمكن رمضان .....كشف شخوص القتلة .....
    وووووووووو الخ..

    وهكذا حتى نهاية الفصل .. إن حاولت ان أختصر فلن أستطيع .. تماسك قوى ربيع .. أحبه .. وبه تصوير عالى و خيال صدّاح .. لعبت بى لعب هنا .. كنت أذكى منى .. كنت أحاول القفز فوق السطور حتى أختبر قوتى .. فكنت أقع على جذور رقبتى و أجد أننى لازم أعود من البداية كى أستجمع قوتى و وأتماسك .. هنا أيضا اللغة قوية و لكن ليست بهدوء الفصل الأول بل أشد سرعة و تصارع فى الأحداث .. الفقرة الواحدة مكتظة و مزدحمة بالصور ..
    ((سوق اللبن )) بدأ يظهر لى شئ آخر لم أتوقعه .. و حتى الآن أيضا بدأت حلاوة الحوار ..و الأحداث تنعقد و تنفرج فى لحظة .. بها أوتار رنانة و موسيقى خفية تشد القارئ ..
    جميل هذا الفصل و قوى ربيع لكى نفهمه نحتاج لمرات و مرات .. ليس بالسهولة المتوقعة .. و قد يستطرد قارئ معقباً : أين السوق و أين الباعة ههههههه ... قل هى لعبة الراوى التى لاحظتها مخبأة و كما الراوى .. أين و من هو فى الأحداث !!!!
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • مجدي السماك
      أديب وقاص
      • 23-10-2007
      • 600

      #3
      سوق اللبن 2

      تحياتي ايها المبدع
      ماذا اقول في هذا الجمال..هنا لا كلام فقط التامل..والمتعة..والتدبر. نعم هنا مدرسة قائمة بذاتها..تنطق..تعلم..ترسم بالكلام.
      رائع كعادتك.
      مودتي
      عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

      تعليق

      يعمل...
      X