الغربة و الانفلونزا:الفصل2//كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    الغربة و الانفلونزا:الفصل2//كوثر خليل

    الغربة و الانفلونزا



    الفصل الثاني






    سرحان يذكر "حورية"، تلك المرأة التي كانت تجوب شوارع القرية حاملة فستانا أبيض على كتفها. كانت تسير حافية القدمين دون أن تعبأ بحجر في الطريق أو مسمار أو قطعة زجاج. كانت تمشي فقط و عيناها شاخصتان إلى الأمام و شعرها الذي أخذ يبيضّ شعرة شعرة كان يشهد طوله على سنِيّ انتظارها. كانت تحلم و تغضب و تبكي و تضحك و تتحدث و هي تسير.


    "حورية" العاشقة المعشوقة أذلّها الرجال بعد رحيل "الهادي". كانوا طيورا لاحمة تحوم حول شبابها و كان جمالها أشرس أعدائها فلم تستطع ترويضه بكل الطرق. سجنت نفسها في المنزل و تفرّغت للطهو و العبادة و أبدا لم تنسَ. كان الوقت يتسلّى بها، يقطع أوصالها ببطء و يبلي جسمها الغض.


    طلب إليها أحد عشّاقها أن يعلّمها القراءة و الكتابة فكانت تجيبه :" سيعود الهادي و يعلّمني العربية و الإيطالية".كانت ظلال وجهها تعكس غروبا شاحبا يجفّ ضوؤه يوما فيوما كأن لم تكن بحرا و لم تكن شجرا و حدائق مختالة في سذاجة الشباب و عنفوانه.


    لم يعد "الهادي" أبدا، كان خيبتها التي كانت تسترها عن العيون كعَورة بشعة و كانت تَشرَق بطعامها كلما مرّ هو بخيالها فَكَوَى عمرها.. لقد كانت مزيجا غريبا بين الغواية و الوفاء، كان قلبها مُلتاثا بنزق الفراق فلم تستطع الاستمرار مع أي رجل من الذين أحبّوها، ربما أحبت "الهادي" لأنه لن يعود.


    كانت في القرية امرأة مطلقة ثرية تسكن وحدها و تدير مقهى يجد فيه العابرون و أهل القرية كل أسباب الرفاه من أكل و شرب و موسيقى و إذا أراد بعضهم الاستلقاء للراحة يجد غرفا جاهزة للقيلولة.


    طلبت السيدة من "حورية" العمل لديها فهي تعرف بخبرتها الطويلة أن "حورية" قادرة على جلب أكبر عدد من الزبائن و استرضائهم إذا غضبوا. كانت تعمل طول النهار و قسطا من الليل بأجر زهيد، كانت تريد أن تهرب من عيون "الهادي" و ضمّة ذراعيه و طعم قبلاته و كانت تخلد للنوم كبالون مثقوب بعد أن يأخذ منها العشاق كل ما أرادوا، حتى مُحافظ القرية الذي دعاها ليقدّم لها عملا يصون شرفها و يحفظ غيبة حبيبها كان يستدرجها إلى فراش مكتبه ليأخذ منها في السّر ما يأخذه غيره في العلن.. تساءلت في سرّها:" لماذا يتصرّفون معي بهذه الخِسّة؟" فلا يجيبها سوى صدى وحدتها الكتومة و حرارة دموعها التي لا تجف إلا عند النوم.


    كانت تهرب تارة إلى الأماكن المقدّسة و تارة إلى النبع الجاري الواقع جنوب القرية لتغتسل من أدرانها و ذكرياتها و طورا تملأ فمها بحبوب منوّمة و تدلق فيه كأسا من الماء و تنام.. كانت حياتها خيطا متوتّرا بين ما يريده مجتمع القرية و ما يرفضه، بل كانت مقياسا حسّاسا لانفصامية القرية و رقصها البهلواني بين العبث و التكفير.


    زمن ولّى متقطّعا بين الهرب و الاختباء، بين الشهوة المقدّسة و الروحانية الشبقة، لم تكن "حورية" قد تعلّمت حرفا و لكنها كانت ك"فينوس"، جمالا ناطقا لا يحتاج إلى لغو الأبجدية، هل خانت هي "الهادي"؟، لقد انتظرته وسط صراخ جوارحها الجائعة و شبابها الثمل و أجنّتها المحتملين. كانت كل موعد طمث تضرب فخذيها و تقول :"أولادي و أولاد "الهادي"، أولادي و أولاد "الهادي"، متى تروْن النور و تدخلون المدارس و أراكم رجالا و نساء أفقأ بكم عيون نساء القرية و رجالها" و لكنها لم تكن أمّا يوما، ربّما اُمتص جمال وجهها كل خصوبتها و أغلق شعور الإثم رحِمَها بقفل من حديد.


    هكذا مرّت حياتها بين عقل و جنون حتى ماتت لكن أغلب أهل القرية يُجمِعون في جلساتهم السرّية على أنها أحبّت رجلا رومانيا عرّفها أسرار النبيذ و الجسد، ذلك الرجل الذي كان يعمل وسيطا روحيا يعتاش من أهل القرية، يقرّب لهم عالم الجن و يدّعي قدرته على العلم و تغيير المصائر، كان يتخذها معاونة له و لكن ذلك لم يمنع الاثنين من الضرب بقيم القرية عرض الحائط و التعايش كالأزواج.



    قيلت الأشياء بينهما بشكل لاسلكي فريد الالتقاط ذات مرّة كانت تغتسل فيها عند النبع و قد تعرّت كسمكة و اُنبرت تتخبّط في الماء في طقس عجائبي أدهش ذلك السائح الذي مرّ عفوا من ذلك المكان، لم تكن تعي ما حولها و هي تمارس فروض التطهير ملتحمة بقطرات النبع الحارة الهاوية من الجبل، كان يراقب بوجه طفولي تلك الجنية التي ما كان ليصدق بوجودها لولا أن تراءت أمام عينيه الاثنتين و انتثر ماء على وجهه من حركاتها المنتفضة الصاعدة نحو السماء بخيوط من ضياء.. أخذ يتابع بعينيه خريطة ذلك الجسد المنحوت من الماس و هو يحيا و يموت في قبضة الزمن المارد يُخرج من العدم الوجودَ و من النقصان الكمال ، هي الأنثى فاكهة الكون الغامضة تأخذك في عربة الموت إلى الحياة، في حدس من العوالم القصية المباغِتة لتكمل رسم وجهك.. لعن الاستعمارَ و كل الحدود التي تفصل بين الانسان و شبيهه، هو المستعمر القادم من بلاده ليتمتع بثروات بلد لم يعرف أهله كيف يحسنون استغلاله. ارتعشت حورية لمشهده و هو يلعق قطرات من البرندي الأحمر خال أنها بلّت شفتيه و مدّت يدا مضطربةإلى غصن الشجرة الملاصقة للنبع تجلب غطاء لكنّه احتضنها بسرعة البرق قبل أن تتغطى بكاملها و اُفتكّ منها قبلة شرسة قبل أن يعيدها إلى النبع و يتّحد بها و قد غطت ظلال الغروب الشفقية امتزاجهما بورقة عنب كبيرة سقطت لتوّها من السماء.



    عدّلت القرية ساعاتها على ذلك الحدث الاستثنائي الذي جمع القطبين و رجّ سباتها و مسلّماتها الأولى في علاقة الشرق بالمغرب و الشرق بالغرب و اُنقسم أهل القرية شِيَعًا و قبائل منهم الرافض مع اختلاف سبب الرفض و منهم الموافق المستتر لاستفادة أو خشية الجهر بما لا يعجب الناس.


    كانت "حورية" تعمل لدى "الأجنبي" ضمن توقيت جديد لم يتعوّده أهل القرية، فمحافظ القرية قد بارك هذا العمل علنا في اجتماع عقده يثمّن فيه الدور الجليل الذي يقوم به "الأجنبي" من أجل الحفاظ على توازن أهل القرية النفسي فهو يجعل لكل صنف من المحرّمات مقدارا يجعله مباحا عند الضرورة كما أنّ الخدمات التي يقدّمها لأهل القرية لرفع الشر و السحر و اخصاب النساء و الرجال و تعجيل زواج العوانس من الرجال و النساء لا يمكن إنكارها فهذه الحالات كثيرة في القرية و التهاون في علاجها يفتح أبواب الثورة و العصيان و هذا مما لا يعجب الحاكم بالإظافة إلى أنّهُ يداوي زبائنه بالكلام المقدس الذي يدين به كل أفراد القرية و هذا مَنٌّ ما بَعْدَهُ مَنٌّ.


    اِنجلت الفُرقة بينهما منذ حادثة النبع و صارت "حورية" تلازمه ليلا نهارا تساعده في مزج الأخلاط التي تراها أنسب لحالة الزبون فهي تعرف القرية حصاة حصاة، عشبة عشبة و بيتا بيتا أما هو فلم يبخل عليها بمعارف بلاده الحسية فقد انكشفت لها معه عوالم لم تعرفها مع أيّ من عشاقها الذين كانوا يتخبّطون بين تعب و هرب. كان يعطي اللذة وقتها كاملا و يتطهر لها تطهر العابد المخلص يدخل حرم الشهوة في جلال و انبهار و قد أعدّ لها كلّ ما يسعد النفس من طيب الريح و فخم الفُرُش و لذيذ الراح و قُرصا موسيقيا يأخذ بالألباب مما اُجتلبه من بلاده الباذخة التي تتفتح كزهرة عبّاد شمس لاحمة لتلتهم مسافات من تراب البلد مُدّعيَة تمدينه و سقايته بماء الحضارة و هي تأخذه إلى المذبحة.


    مزّقت "حورية" قماش الشرف و هي لا تعلم، كانت تنتقم في داخلها من "الهادي" وقد سلب الانتقام عقلها. ذهب رجلُها و تركها لغواية عصر مجنون دخلته عزلاء و اُنفتحت على طيباته و شروره و هي عاجزة عن إقامة الميزان. كان الجنين يتخبّط في أحشائها شهورا ثم ينزل دما و سحايا، كانت تكتم الحمل و تكتم الوضع و هي تتخبط في آلام لا يعلم شدّتها إلّاها..


    "حورية" أغنية الفقر و التخلف و الضياع، تبدّلت العلاقة بينها و بين "الأجنبي" و اُنكسرت مرّات لكنّها لم تنقطع، كان هو يكبر و يَغنى و يتعملق و كانت هي تشيخ شيئا فشيئا، كانت مرارتها تزداد يوما فيوما و هي تنتظر المُخلِّص فلا يأتي، حَجَبَها "الأجنبي" عن النبع و عن كل ما يتعلق بالقرية و أهلِها حتى صارت دمية فاخرة لا تختلف عن أية قطعة من قطع البيت الكبير الذي اُتخذه "الأجنبي" مسكنا و مكانا للعمل، كان يجني أموالا طائلة من الأهالي يضع منها نسبة معلومة في جيب المحافظ و يحتفظ بالآخر لنفسه حتى استطاع شراء نصف أراضي القرية و بسط نفوذه على مستضعفيها يأمر و ينهى و يشغّل و يعزل.. هذا الروماني الذي قدم إلى القرية عارضا خدماته على أهلها، كان لديه كل ما ينقصهم:العلم و التخطيط الطويل..أما هم فكانوا يرون أن كل ما لديهم هو من تحصيل الحاصل و كل ما ليس لديهم هو من تحصيل الحاصل أيضا و كان كل ذلك مسوّغا لأن ينطبق عنف الطبيعة على عالم البشر فيستبدّ كل من استطاع.


    بمرأى من المروج اللامعة كان "الأجنبي" يجذب نفسا طويلا يملؤه انتشاء لامحدود بالمحاصيل التي استوت و الحيوانات التي توالدت و الحليب الذي فاض في جراره، كان يضع رأس حورية بين يديه و يصرخ:" كل هذا لي، كل هذا لي يا حورية" و لكن حورية لا تجيب، رأسها المثقل بالكحول الذي أدمنته مع السنوات لم يعد يمكّنها من استيعاب ما حولها، لقد جفّف شبابها الحرمان و الاهانة و غياب الراعي..


    الخمر و الدموع و العربدة و ذئاب الليل، ظنّت أنّها نسيت كل ذلك و لكن "الأجنبي" ملّ الطعم الحار و حنّ لِلَحْمِ بِلادِه فنبذها و صار يقدّمها لكل زبون يتعامل معه من خارج القرية أما هو فينزل كل أسبوع إلى المدينة ليطمئن على زوجته الأجنبية و ولديه "فيليب" و "كلود".


    لقد وهبت "حورية" نفسها لِ"الآخر" كما فعل "الهادي" و خانت كما خان و اُستمتعت كما استمتع و عادت خائبة كما عاد فما كان جدوى طول الطريق و الحال أنها بين الشبيهين أقرب و أخصب و هي مع "الآخر" عقيم، عقيم.

    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    لا أدرى أستاذة ..أحسست أنك تتحدثين عن دمية .. مغيبة تماما ، من الإرادة ،و الرفض ، وحتى الكلام .. كأنها محض بلهاء جميلة وقعت فى يد قادرة ، على السيطرة عليها ، و على كل ما تملك من فتن ..!
    كانت الفتنة التى خلفها الهادى خلفه هنا ، حديث القرية ، و فتنتها ، التى لم يكشف عن مفاتنها سوى هذا الأجنبى ، بل أنه تمتع إلى أبعد حد بهذه المفاتن ، باستلاب جديد لوعيها ، و حياتها ، و كل ما تمثل .. فكانت هرة ندور خلفه دون حتى إشارة رفض ، و ذلك كله يتم بمباركة محافظ البلدة ، الذى ينال حصته كأى قواد
    لسكوته و مشاركته فى التآمر على أهل بلدته ، و التى من المفترض أنها عرينه إن جاز لنا القول !!
    هو فصل حورية إذا سيدتى ..و هذا الأجنبى اللئيم، الذى كان له مفعول السحر ، عندأهل هذه البلدة ، فقد قدم لهم كل ما لذ و طاب ، من تفجير خزانة الممنوعات و المحرمات ، وتحطيم التابو الذى كان يحمل لهم الحماية و الوقاية من السقوط .. بينما أيضا المحافظ فى أوج سعادته و غناه ، و كما يحدث فى معظم بلداننا العربية ، نعم حين حط الأجنبى ، أو كما تكون يد الجهل و الشعوذة مطلقة بمباركة القائمين على نواصى الأمور ، أو تشجيع الاتجار و نشر المخدرات التى تعمل على تغيب الوعى ، وضمان السلامة لهم كحكام و قابضين على الأمور !

    الحديث كثير أستاذة
    استمتعت هنا بالفعل ، و إن تمردت على حالة حورية ، و على صورتها الغرائبية ، و التى كانت أقرب إلى صورة كاريكاتيرية أو لنقل صورة هزلية رسمها فنان تشكيلى باتقان !!

    تحيتى و تقديرى
    sigpic

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      [align=right]
      شكرا على هذا الاهتمام بنصي يا ربيع الملتقى

      كم نثور عليها، حورية، و كم نحبّها


      "حورية" أغنية الفقر و التخلف و الضياع" حورية "جفّف شبابها الحرمان و الاهانة و غياب الراعي.."
      "رأسها المثقل بالكحول الذي أدمنته مع السنوات لم يعد يمكّنها من استيعاب ما حولها"

      [/align]
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      • محمد السنوسى الغزالى
        عضو الملتقى
        • 24-03-2008
        • 434

        #4
        "حورية" العاشقة المعشوقة أذلّها الرجال بعد رحيل "الهادي". كانوا طيورا لاحمة تحوم حول شبابها و كان جمالها أشرس أعدائها فلم تستطع ترويضه بكل الطرق. سجنت نفسها في المنزل و تفرّغت للطهو و العبادة و أبدا لم تنسَ. كان الوقت يتسلّى بها، يقطع أوصالها ببطء و يبلي جسمها الغض.
        ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
        يالقلبك الوضيء يا كوثر..اعجبني هذا الجزء..ويالسرحان البهي..حكاية ومضمون باذخ ..وقراءة مُتأنية بجمل توشي الكلمات التي توقفك كثيرا..وهذا هو النص الرائع الذي يسقط في المُخيلة فتتصوره هو وشخوصه وتفاصيل المكان والزمان ايضا..شكرا لامتاعك الجميل سيدتي.
        [B][CENTER][SIZE="4"][COLOR="Red"]تــــــــــــــــــدويناتــــــــــــــــــــي[/COLOR][/SIZE][/CENTER][/B]
        [URL="http://mohagazali.blogspot.com/"]http://mohagazali.blogspot.com/[/URL]

        [URL="http://shafh.maktoobblog.com/"]http://shafh.maktoobblog.com/[/URL]
        [BIMG]http://i222.photobucket.com/albums/dd312/lintalin/palestine-1.gif[/BIMG]

        تعليق

        • كوثر خليل
          أديبة وكاتبة
          • 25-05-2009
          • 555

          #5
          شكرا لاهتمامك أستاذ محمد السنوسي الغزالي
          أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

          تعليق

          يعمل...
          X