لا مكـــــان للأسمــــاك الصغيرة...
[align=justify]
رغم انى ولدت فى احضان القرية الا انى لم اكن يوما فلاحا ولا امسكت فأسا..فجدى لأبى
كان يملك بعض الافدنة وعندما مات ورث ابى بعضها لكنه لم يستطع مراعاتها بحكم سفره الدائم لبلاد النفط مطاردا لقمة عيش لينة لن يجدها الا هناك ..عهد بها الى اجراء غير امناء سرقوا خيرها مما اضطره لبيعها فى النهاية..وولدت انا بعد ان بيعت..رغم ذلك ارتبطت بالاراضى والحقول عن طريق"عم صاوى"..شيخ هرم قارب السبعين ..فلاح اصيل يتماهى فى ارضه وتتماهى فيه فتجدها ترتسم على وجهه بلونها وتعرجاتها وتشققاتها..
كنت اذهب معه الى حقله اسامره شاربا معه الشاى فى خصه البوصى ..وكنت كثيرا ما اطلب منه ان يعلمنى الفلاحة فكان يجيبنى ساخرا.."انت واد افندى مش بتاع زرع وقلع"..
كنت بعدما انتهى من تناول الشاى اتركه لمتابعة عمله واذهب لرأس الحقل لأجلس امام الترعة..اتأمل مياهها التى كساها جوها المحيط بلونه الاخضر..ارمى فيها بحجر واتتبع الدوائرالمرتسمة..ارقب القواقع الحاملة للبلهارسيا والمترسبة على جانبيها فى سكون انتظارا للعائل الذى ستسكنه بمجرد ولوجه الماء..تلفت انتباهى بعض الاسماك الصغيرة
من نوع "المشط" وبعض "القراميط" التى تظهر فى لحظة وسرعان ما تختفى داخل عالمها المحبب.. اظل هكذا الى ان ينتهى "عم صاوى" من عمله فيرتدى جلبابه
الفلاحى المهترئ ويحملنى خلفه على حماره ساحبا بقرته الوحيدة عائدا مع حلول الغروب لبيته المجاور لبيتنا.. صارت جلسات شاى الحقل وتأمل الترعة بأسماكها الصغيرة عادة لازمتنى على مدى سنوات اجتزت فيها الطفوله للشباب..وعندما استلزم دخولى الجامعة
الذهاب للمدينة ذات الضجيج..والقاذورات..لم يبتلعنى الضجيج..ولم تلوثنى القاذورات..
بل ظللت وفيا لجذورى مخلصا لعادتى الاثيرة..فكنت اتحين يوم الاجازة بفارغ صبر لأعود متلهفا لمجالسة هذا الشيخ اشرب شايه واسمع حكاياه.. فقد كان ككل نظرائه حكاء بطبعه..كان يسرد على كيف كانت معاناتهم شبابا وعملهم كأجراء عند عائلة " الخلايلة"
الاقطاعية ذات الاصل الشركسى ..وكيف لم يكن يجرؤ احد الاهالى على ركوب حمار او انتعال حذاء اثناء المرور امام احد بيوت هذه العائلة ..كان يقول "شفنا ايام زى التوتية
..كان فطورنا زى عشانا ..عيش ناشف وجبنة قديمة من الزلعة..لحد ما جه عبد الناصر ..يومية الاجرى بقت ربع جنيه بدل شلن والارض اتاخدت من الخلايلة واتوزعت
علينا انا وسيدك وغيرنا كتير من اهل البلد وبقينا احنا والخلايلة راس براس..واول ما اتنشأت الشركة قدمت لابنى "مصطف" ووظفته فيها وجوَزته معايا فى البيت..ولما البنات كبروا وديت كل واحدة بيت عدلها وانقضت بفضل الله..من ساعتها وآهى ماشية..
مرة تغلى ومرة ترخص ..مرة تضيق ومرة تفرج..وما فيش فى ايدنا غير قولة الحمد لله"
فى احدى المرات كنت قد انقطعت عن نزول البلدة فترة تقارب الشهرين بسبب امتحانات
نهاية العام التى ما ان فرغت منها حتى لملمت اشيائى وعدت مسرعا الى بلدتى ممنيا نفسى بإجازة طويلة يتخللها العديد من احاديث الحقل ومئات من براريد الشاى..ذهبت الى الرجل فوجدته مكدودا يـتأمل طين ارضه ..حييته وجلست بجواره سائلا عن احواله قال لى فيما قال " الواد (مصطف) هايسيبوه الشركة..قالوله هنديك قرشين وتطلع عشان خلاص الشركة هاتتباع..الواد بيقولى خلاص يابه نبيع الارض والقرشين اللى تجيبهم على القرشين اللى هايطلعولى نخش بكام سهم فى مصنع طوب..بيقول عايز يريحنى ..
قلت له دانت يا ابن الكلب عايز تموتنى "..صمت لحظات ثم اخذ حفنة من تراب الارض ونظر لى قائلا " الارض دى جتتى.. حد يبيع جتته "..قالها وساد الصمت لآخر الجلسة..
هذه المرة لم اشرب شايا ولم تظهر اسماك الترعة لطغيان نبات ورد النيل الطفيلى على سطحها..كانت اسوأ إجازاتى على الاطلاق حيث شهدت بيع الارض ورقود عم صاوى
مريضا بمرض لا يعرف عنه سواه..زرته يوما فأخبرنى به قائلا "انا معلول بالارض يا ابنى"..من وقتها بدأت عاداتى تتغير ..احسست ان قريتى تغترب عنى..لم تعد لدى تلك اللهفة للعودة..لم اعد انتظر الاجازة بل صرت اتململ كلما نزلت البلدة فى اجازة..لم يكن يهون على هذا الشعور الا زياراتى القليلة للشيخ الذى صار مُقعدا ..قال لى فى احداها محزونا "المصنع خُسروالقرشين ضاعوا..الواد قهران وانا خايف ليجراله حاجة"..
وبالفعل لم يمر الكثير حتى مات "مصطفى ابن الثامنة والاربعين بسكتة قلبية..تنامى هذا الشعور بالاغتراب داخلى ..احسست ان قريتى تقتلعنى من طينها كأى ثمرة هشة من ثمارها التى تقتلع كل عام فى مواسم الحصاد والجمع وتذهب للمدينة لتفترس..تملكنى هذا الاحساس فلم اعد ازورها الا فى المناسبات ثم اعود الى منفاى مسرعا.
منذ اسابيع مات "عم صاوى"..علمت بنبأ وفاته فعدت لتأدية الواجب متذكرا آخر حوار لى معه..كان يشكو لى احفاده وهو يقول "العيال بقوا عواطلية ..جابوا "طبق" و "سيفر" للتلفزيون وكل ليلة يجيبوا الصيع بتوع البلد يفرجوهم عالنسوان الملط ويلموا من كل نفر خمسة جنيه..جرسونى على آخر العمر"..واريته الثرى هو وكل ما يعنيه لى المكان..وانا راحل قادتنى قدماى الى الترعة..ربما كى اودعها..لم اجد ترعة بل تجويف خالى من الحياة يتوسطه شكل اسطوانى على هيئة ماسورة ضخمة يصب فوقها
كتل خراسانية صماء ورجل واقف يوجه العمال قيل لى انه المهندس المشرف على المشروع ..توجهت اليه مستفسرا..اخبرنى ان الترعة ستردم لتحل محلها تلك الماسورة
لتمر من خلالها المياه لرى الارض عبرنظام معين استرسل دون مناسبة فى شرحه وايضاح مزاياه التى تتلافى عيوب نظام الترع قاطعته سائلا "والسمك الصغير؟"..ردد باندهاش "سمك صغير!!" ثم ضحك ضحكة طويلة مستخفة وهو يتابع "انت بتحب تصطاد واللا ايه ؟!"..غادرته متجاهلا سؤاله الساخر غير حافل بتندر العمال وقهقهاتهم
عائدا للمدينة ذات الضجيج..والقاذورات..ابتلعنى الضجيج..ولوثتنى القاذورات.[/align]
تعليق