متاهة الصَّمت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    متاهة الصَّمت

    متاهة الصَّمت




    ترسمُ المشهدَ بريشتها الصَّغيرة، وتظلّله بألوان الصَّمت. فتَظهر الحيويَّةُ بدونِ ضجيج كصورة فتوغرافية.[/FONT][/COLOR][/FONT][/B]
    لا تُظهِرُ ما يوحي بأنَّها ترسمُ بطلبٍ من أحدٍ، تُتقنُ عملها بمهارةٍ عالية، وتتّخذُ من الصَّمت مكاناً للمرسم ، وطقساً شخصياً لعملها الفنّي.
    دخلْنَا القرية صباحاً، كنَّا ثلاثة، نبحثُ عن أحوالِها التي باتت محيّرة للنَّاس، بين مصدّقٍ ومشكّكٍ بها؛ فمنهم من يراها صورة أسطورية، رغم ما بها من مظاهر الزَّمن الحالي المنفلت من قيود الحسابات، ومنهم من يراها حالةً مُنقَادة بفعل المسيِّرين لأحوالها. دخلْناها عند انصراف النَّاس لشؤونهم اليوميّة، فوجدْنَاها غارقةً في الصَّمتِ الضَّبابي الكثيف، لم نسمعَ صِياح الديوك، ولا خُوار الأبقار، ولا ثُغاء الأغنام، لم نسمع أصوات الأطفال؛ ومظاهرُ الحركة الطبيعية القويّة باديةٌ عليها.
    في البيادر الفسيحة كانت الحصاداتُ الخضراءُ تعمل نشيطةً، غبار التِّبن يرسمُ حزماً بيضاءَ خلفَها، والفلاحون يقدِّمون لها أكواماً من الحصيد، لكن لم نسمعْ لها هديراً ولا صوتَ أحدٍ ينادي الآخر، كلٌّ يؤدّي عمله بإتقانٍ؛ في الطريق التُّرابي بين القرية والنبع كانت الفتياتُ يتمايلْنَ بقاماتهن الرَّشيقة في طريقِهن إلى نبع القرية، ذاهباتٍ، عائداتٍ، حاملاتٍ جرارهن على أكتافهن، لم نسمع ما يجري بينهن من أحاديث ودردشات، ولا أغنياتٍ شعبية تنشدُها الرّيفيات في أعمالِهن. في مزارع الكروم كان الفلاحون يعملون بنشاط، منهم من يبني سياج المزرعة بحجارٍ بازلتيَّة سوداء، ومنهم من يقطف عناقيدَ عنبٍ ويجمعُها في سلالٍ من قصب، ولم نلحظ بأنهم يتحدثون مع بعضهم، ولم نسمع لهم كلاماً وكأنَّ على رؤوسهم الطير. في الطّرف القصيّ من القرية وعلى الصخرة المنبطحة قرب النَّهر كانت النِّساء يغسلْنَ الصُّوف بضربات من العصي، وينشرنَه على أكياسِ الخيش وقصبِ البردي المفترش على حافة النّهر، والصّغار حولهن يقفزون ويسبحون في البرك الصغيرة، و لم نسمع شيئاً من هذه الحركة.
    وحده الصّمت سيد الموقف، وكأنَّ النَّاس قد ابتلعَوا ألسنتهم، أو كأنَّ الكلامَ باتَ محرَّماً عليهم؛ سحناتُهم معجنةٌ بتقاسيمِ بصماتِ الشَّمس.
    مظاهر العمل والحياة اليوميَّة تؤكِّد استمرارية طبيعيّة لنشاط النَّاس. وحدَها كانت تلك الفتاةُ الصّغيرةُ جالسةً على كرسيٍّ صغيرٍ أمامَ أحد البيوت الطينيَّة الواطئة، ترسمُ المشاهدَ القروية بألوانٍ زاهيَّةٍ، تلوّنُ سراويل الفلاحين بالرمادي الكالح، وتنشر غسيلَ الصُّوف بلون القطن اللامع، وتُصفِّفعناقيدَ العنب بالأحمر الدَّكن، وتتركُ البيوتَ متناثرةً بفوضويَّة على كلّ الجهات، لكنَّها كانت تعملُ وفقَ قانونَ فتنةِ الصَّمتِ الذي يغلّفُها بثقلِهِ الضَّبابي. ترسمُ المشهدَ، وتظلّله بألوان الصَّمت. لاحظنا قبل مغادرتنا القرية بأنَّنا ننتقلُ إلى عالمِ السُّكوت، فلم نعُدْ نتحدَّثُ مع بعضِنا، نكتفي بتسجيل عوالم النَّاس بصمت.


    الرّياض في 15\1\2009م
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    نعم كان الصمت هو سيد الحالة تماما
    لم يستطع أحدالاجتراء عليه
    ظل يحكم سيطرته على كل شىء
    القرية .. الناس .. الفلاحين .. العابرين .. المكان
    حتى ذرات الهواء .. و التخوم حول القرية .. الصمت فقط هومن تكلم
    حتى أنه أخرس الحدث فما كان !!!

    كأنه مشهد من تلك المشاهد القديمة قبل السينما الناطقة
    أو قبل أن تتعلم الأشياء الكلام !!

    شكرا لك
    sigpic

    تعليق

    • صبري رسول
      أديب وكاتب
      • 25-05-2009
      • 647

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      نعم كان الصمت هو سيد الحالة تماما
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      لم يستطع أحدالاجتراء عليه
      ظل يحكم سيطرته على كل شىء
      القرية .. الناس .. الفلاحين .. العابرين .. المكان
      حتى ذرات الهواء .. و التخوم حول القرية .. الصمت فقط هومن تكلم
      حتى أنه أخرس الحدث فما كان !!!

      كأنه مشهد من تلك المشاهد القديمة قبل السينما الناطقة
      أو قبل أن تتعلم الأشياء الكلام !!

      شكرا لك




      العزيز ربيع
      تحية لك
      لا أعرف لـمَ كلّ هذا الصَّمت في عالمنا
      لِـمَ تتوسع مساحة الصّمت حتى في الكتابة
      الصّمتُ أصبح مرض العصر.
      شكراً لمرورك البهيّ
      دمتَ بخير

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        نص عميق
        احيانا نفضل الصمت
        ربما يكون أبلغ من الكلام
        ولولا الصمت ما شاهدنا تلك التفاصيل الصغيرة والمشاهد الجميلة من خلال أقصوصتك
        سرد سلس ولغة صافية وريشة صامتة ذكية

        تحيتي لقلمـــــــــــك وفكرك الطيب




        *
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • أحمد أنيس الحسون
          أديب وكاتب
          • 14-04-2009
          • 477

          #5
          بدا العالم صامتاً يا أخي
          وكأنه بات الخبز.
          لغة سردية بشعرية جميلة.
          لوحة حاكت الأرض والإنسان والواقع المخيّم.

          دمت بخير وسرد جميل أخي صبري.
          sigpicأيها المارون عبر الكلمات العابرة ..

          اجمعوا أسماءكم وانصرفوا
          آن أن تنصرفوا
          آن أن تنصرفوا

          تعليق

          • سمية البوغافرية
            أديب وكاتب
            • 26-12-2007
            • 652

            #6
            هذه القصة قرأتها منذ مدة وبذات المتعة قرأتها هنا مرتين
            منفتحة على دلالات كثيرة وتعيش في الذاكرة حتى بعد إسدال الستار عليها
            أحببتها جدا لغة ومبنى ومعنى
            وأحييك عليها أستاذ صبري رسول
            تحياتي وتقديري

            تعليق

            • صبري رسول
              أديب وكاتب
              • 25-05-2009
              • 647

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
              نص عميق
              احيانا نفضل الصمت
              ربما يكون أبلغ من الكلام
              ولولا الصمت ما شاهدنا تلك التفاصيل الصغيرة والمشاهد الجميلة من خلال أقصوصتك
              سرد سلس ولغة صافية وريشة صامتة ذكية

              تحيتي لقلمـــــــــــك وفكرك الطيب




              *

              العزيزة مها
              تحية لك
              قد يمنحنا الصَّمتُ وقتاً للتفكير
              وقد يمنحنا الهناء
              لكن صمت الحياة مشهدٌ لا نعرف كيف نرسمه
              أشكرك على عطر مرورك
              كوني بخير دائما

              تعليق

              • دريسي مولاي عبد الرحمان
                أديب وكاتب
                • 23-08-2008
                • 1049

                #8
                ومع سمفونية الصمت نكتشف ذواتنا بعيدا عن صخب النزق ونلامس بمكاشفة لحد التمزق عمق الحقيقة بألوانها المختلفة...
                متاهة الصمت هذه...هي مأوى الحكمة ببساطتها...
                تقديري

                تعليق

                • حماد الحسن
                  سيد الأحلام
                  • 02-10-2009
                  • 186

                  #9
                  الصمت مرض العصر

                  المشاركة الأصلية بواسطة صبري رسول مشاهدة المشاركة
                  متاهة الصَّمت




                  ترسمُ المشهدَ بريشتها الصَّغيرة، وتظلّله بألوان الصَّمت. فتَظهر الحيويَّةُ بدونِ ضجيج كصورة فتوغرافية.[/font][/color][/font][/b]
                  لا تُظهِرُ ما يوحي بأنَّها ترسمُ بطلبٍ من أحدٍ، تُتقنُ عملها بمهارةٍ عالية، وتتّخذُ من الصَّمت مكاناً للمرسم ، وطقساً شخصياً لعملها الفنّي.
                  دخلْنَا القرية صباحاً، كنَّا ثلاثة، نبحثُ عن أحوالِها التي باتت محيّرة للنَّاس، بين مصدّقٍ ومشكّكٍ بها؛ فمنهم من يراها صورة أسطورية، رغم ما بها من مظاهر الزَّمن الحالي المنفلت من قيود الحسابات، ومنهم من يراها حالةً مُنقَادة بفعل المسيِّرين لأحوالها. دخلْناها عند انصراف النَّاس لشؤونهم اليوميّة، فوجدْنَاها غارقةً في الصَّمتِ الضَّبابي الكثيف، لم نسمعَ صِياح الديوك، ولا خُوار الأبقار، ولا ثُغاء الأغنام، لم نسمع أصوات الأطفال؛ ومظاهرُ الحركة الطبيعية القويّة باديةٌ عليها.
                  في البيادر الفسيحة كانت الحصاداتُ الخضراءُ تعمل نشيطةً، غبار التِّبن يرسمُ حزماً بيضاءَ خلفَها، والفلاحون يقدِّمون لها أكواماً من الحصيد، لكن لم نسمعْ لها هديراً ولا صوتَ أحدٍ ينادي الآخر، كلٌّ يؤدّي عمله بإتقانٍ؛ في الطريق التُّرابي بين القرية والنبع كانت الفتياتُ يتمايلْنَ بقاماتهن الرَّشيقة في طريقِهن إلى نبع القرية، ذاهباتٍ، عائداتٍ، حاملاتٍ جرارهن على أكتافهن، لم نسمع ما يجري بينهن من أحاديث ودردشات، ولا أغنياتٍ شعبية تنشدُها الرّيفيات في أعمالِهن. في مزارع الكروم كان الفلاحون يعملون بنشاط، منهم من يبني سياج المزرعة بحجارٍ بازلتيَّة سوداء، ومنهم من يقطف عناقيدَ عنبٍ ويجمعُها في سلالٍ من قصب، ولم نلحظ بأنهم يتحدثون مع بعضهم، ولم نسمع لهم كلاماً وكأنَّ على رؤوسهم الطير. في الطّرف القصيّ من القرية وعلى الصخرة المنبطحة قرب النَّهر كانت النِّساء يغسلْنَ الصُّوف بضربات من العصي، وينشرنَه على أكياسِ الخيش وقصبِ البردي المفترش على حافة النّهر، والصّغار حولهن يقفزون ويسبحون في البرك الصغيرة، و لم نسمع شيئاً من هذه الحركة.
                  وحده الصّمت سيد الموقف، وكأنَّ النَّاس قد ابتلعَوا ألسنتهم، أو كأنَّ الكلامَ باتَ محرَّماً عليهم؛ سحناتُهم معجنةٌ بتقاسيمِ بصماتِ الشَّمس.
                  مظاهر العمل والحياة اليوميَّة تؤكِّد استمرارية طبيعيّة لنشاط النَّاس. وحدَها كانت تلك الفتاةُ الصّغيرةُ جالسةً على كرسيٍّ صغيرٍ أمامَ أحد البيوت الطينيَّة الواطئة، ترسمُ المشاهدَ القروية بألوانٍ زاهيَّةٍ، تلوّنُ سراويل الفلاحين بالرمادي الكالح، وتنشر غسيلَ الصُّوف بلون القطن اللامع، وتُصفِّفعناقيدَ العنب بالأحمر الدَّكن، وتتركُ البيوتَ متناثرةً بفوضويَّة على كلّ الجهات، لكنَّها كانت تعملُ وفقَ قانونَ فتنةِ الصَّمتِ الذي يغلّفُها بثقلِهِ الضَّبابي. ترسمُ المشهدَ، وتظلّله بألوان الصَّمت. لاحظنا قبل مغادرتنا القرية بأنَّنا ننتقلُ إلى عالمِ السُّكوت، فلم نعُدْ نتحدَّثُ مع بعضِنا، نكتفي بتسجيل عوالم النَّاس بصمت.


                  الرّياض في 15\1\2009م





                  مساء الخير أستاذ صبري رسول
                  ولكنك بصمتك أشد بلاغة من الناطقين, شكراً للمشاركة وننتظر منك الكثير, أيها المبدع الذي لايمكن تجاوزه على حين غرة.
                  ودمتم بمودة واحترام بالغين

                  تعليق

                  • صبري رسول
                    أديب وكاتب
                    • 25-05-2009
                    • 647

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أحمد أنيس الحسون مشاهدة المشاركة
                    بدا العالم صامتاً يا أخي
                    وكأنه بات الخبز.
                    لغة سردية بشعرية جميلة.
                    لوحة حاكت الأرض والإنسان والواقع المخيّم.

                    دمت بخير وسرد جميل أخي صبري.


                    العزيز أحمد أنيس حسون
                    تحية لك
                    أشكرك على حضورك البهي
                    وسعيد باستمتاعك بالنّص
                    وإعجابك به
                    أعتذر لتأخري على الرد، حيث كنت غافلاً عنه
                    كن بخير

                    تعليق

                    • صبري رسول
                      أديب وكاتب
                      • 25-05-2009
                      • 647

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة سمية البوغافرية مشاهدة المشاركة
                      هذه القصة قرأتها منذ مدة وبذات المتعة قرأتها هنا مرتين
                      منفتحة على دلالات كثيرة وتعيش في الذاكرة حتى بعد إسدال الستار عليها
                      أحببتها جدا لغة ومبنى ومعنى
                      وأحييك عليها أستاذ صبري رسول
                      تحياتي وتقديري

                      العزيزة سمية
                      تحية لك
                      أشكرك على قراءتك للنص أكثر من مرة
                      وحضورك يزيد من جمال النص
                      دمتِ مبدعة
                      وأعتذر للتأخير عليك
                      كوني بخير

                      تعليق

                      • صبري رسول
                        أديب وكاتب
                        • 25-05-2009
                        • 647

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
                        ومع سمفونية الصمت نكتشف ذواتنا بعيدا عن صخب النزق ونلامس بمكاشفة لحد التمزق عمق الحقيقة بألوانها المختلفة...
                        متاهة الصمت هذه...هي مأوى الحكمة ببساطتها...
                        تقديري
                        العزيز دريسي
                        تحية لك
                        شكرا لمرورك البهي
                        وشكرا لقراءتك ووقوفك هنا
                        كن بخير

                        تعليق

                        يعمل...
                        X