أجهشت بالبكاء لما توارى عن نظرها واطلقت العنان لمقلتيها تثجان ما يسقي تقاسيم وجهها المجفو بالكمد الجاثم على الصدر، والغم الذي ولده فراقه، طوقتها عائشة بذراعيها تهدهد على كتفها لتخفف عنها،تبثها الصبر والعزيمة والدعوة لابنها بالتوفيق في سفره ،بدورها وجدت المراة في تلك الكلمات المواساة لترتقأ دموعها والبلسم المهدئ لانفتاء التياعها،اذ أبت عيونها أن تجودا بالمزيد لتفرغ السجية المغمومة من كلو م وجمها، هدأت النفس المضامة وتقبلت الواقع المر على قلبها والذي لم تألفه من قبل
اورك الى كرسي الناقلة المتجهة الى الدار البيضاء، تتقد في دواخله الحما سة والفضول ، تحقق له المبتغى ، في طريقه الى المدينة التي لطالما حلم بها ، سيكتشف الاشياء التي سمع عنها من الذين يأتون باخبارها ويرى بنفسه، سيشتغل مثل انداده ،انتقل اليها ليبحث عن لقمة العيش كبقية ابناء القرى في الوطن، بعدما استحال عليه الركون بالقرية وانتظار السراب ، تاه بشروده فيما الناقلة تطوي الارض وتجتاز المسافات تلوالأخرى بين المدن، احس ببعض اللوعة من فراق أمه لكن مقته للقرية والحالة التي كان عليها نأت بحزنه جانبا، فالأحرى له ان يفكر ويتخيل عمله بالمدينة ، وكيف يمكنه ان يتعامل مع اهلها المتحضرين؟ ذوي الاخلاق النيرة والمتصورة في نظرته اليهم،
يحسب انهم اناس محترمون، متفهمون وأكثر وعيا من اهل القرية الذين لا يحبذون الا الاغتباء والنميمة، لا عمل لهم سوى التربص لاصطياد خبر ما لتلوكه الألسنة، ويكون وليمة يقتسمونها بينهم واستطعامها بالاستهزاء والتمتع بنكهة مضمونها، يحلل بآراءهم ويكتسب درجة من الاشاعة بينهم كما هي العادة العرفية في كل الامصار والقفار.
لم يتودد النوم الى جفونه على طول مدة سيران الناقلة ، فالفضول اذهب عنه الغفا ولو للحظة، ظل ينظر في الزجاج وكل مدينة ادلفت اليها الناقلة، يسأل عن اسمها بعفوية وبدون تردد، كالضمآن الذي لم يكتفي من رشفات الماء ليروي عطشه، او كالساغب النهم الذي لم يكتفي بعد من اشباع بطنه .تلوح امام عينيه المساحات الخضراء والاشجار الفارعة على جانبي الطريق ، والانبهار يلفه بسحر الطبيعة التي لم يراها في منطقته الصحراوية .
وصلت الناقلة الى آخر المسار واعلن عن ذلك من طرف ( الكريسون) أي مساعد السائق، فأ خذ الركاب ينسلون منها نزولا، أما علي فقد أثارته المباني الجديدة التي لم يراها من قبل، عندما وطأت قدمه أرضية المحطة، وقف قليلا يبحث بنظره عن مخرج ما ،عدة ابواب فمن سيختار منها اقتفى الأثر الى باب يقصده جل الركاب يتتبع خطاهم حتى وجد نفسه وراء سورها ،أخرج الورقة التي كان صاحبه حماد قد دون فيها عنوانه بالمدينة المترامية الجهات.
احس بنظرات العيون المترصدة متجهة اليه. سرت قشعريرة وجل في أوصاله. أخذ ينشد ببحث ملاذا يحميه من تلك التحديقات المتلصصة حتى استكان الى جدار المحطة،
يدير له ظهره لاحتماء به، وامكانية رؤية كل ما حوله ،بينما كان ينظر الى عنوان صديقه المدون بالورقة قطع عليه احد سائقي الطاكسي لحظته ، يعرض عليه أن يقله بعد أن سأله عن وجهته ،
- هذا هو العنوان اخويا. ...... قال للسائق السيارة.
ولوجه المتسرع ا لى السيارة كان كمفرا له من تلك العيون البصاصة، التي كادت تلتهمه وخاصة انه حديث العهد بالمدينة، لم يتعود ان ترمقه النظرات بتلك الحدة المتفحصة، اضافة الى الأيادي الممدودة تطلب منه الاحسان.
وأخذت السيارة تعد المسافة بسرعتها في اتجاه العنوان الذي حفظه السائق عن ظهر قلب، وبدأت تنتقل من شارع لآخر، ومن حي الى مثله، والفتى ينظر في زجاجها ،مشدوها بما يراه من عمارات شاهقة وحدائق خضراء متناسقة لم ير مثلها من قبل، اما الدكاكين التجارية فهي لا تعد ولا تحصى، عكس القرية التي لا توجد فيهاالا اثنتان فقط . انها الجنة بعينها، لقد صدق الذين حكوا عنها، هنا لا توجد رمال ولا اوساخ لكن بالرغم من التلوث الذي يلف أجوائها فانها جديرة بان تكون حلم استقرار لاي كان . اعاده تيهانه الى ما صادفه خارج المحطة واستوقفه تساؤله، لما ذا تكفكف تلك النساء وبعض الشباب؟ اليس في المدينة عمل؟ لماذا يتوسله الاطفال ليعطف عليهم بدرهم او اقل منه؟ لماذا يستنشق بعضهم مادة ( السيليسيون)،
تذكر عادة العربي،لا شك انه الوحيد في القرية الذي يشبه اولاد المدينة وربما يتشارك معهم في المعاناة ، ولا احد يعيلهم، لكن الاخيرعلى العكس اكبرهم سنا ، له اهل القرية يعطفون عليه، وبالاخص امي هنية التي لم تتركه يحتاج لرحمة العطف الذي ينشده.
اعتراه نوع من الضياع بعد أن كان الامل يحدوه بأن يعمل ويكون مستقبله كابناء قريته.لا شك انه سينتظر حولا كاملا حتى يشتغل هؤلاء ثم يأتي دوره.
رمقه السائق بنظرة فا حصة اختلسها
- - واقيلا اول مرة جيتي للمدينة.
- ييه يا سيدي
سكت الاول قليلا كأنه يفكر في اختيار السؤال والآخر ينظر اليه مرة، ومرة الى الزجاج ،يستفسره بعيني المفزوع الحائر، ولازاحة صمت الفتى اردف :
- هادشي ما كاين في البلاد.
- : ييه يا سيدي هاد شي عجب كل شئ كاين في المدينة حتى المساكن كاينين فيها.
- : راه المغرب مجموع في هاد المدينة والمساكن لي شفتيهم كاين لي ما عندوا والديه.
استغرب الامر وتسا ئل ، أليس هم من البشر؟ اليس هم نتيجة العلاقة بين الام والأب؟ هذا جديد عليه لم يعرفه من قبل .
أخبره عن النسوة اللواتي يتوسلن المارة بواسطة الأطفال ، هن محترفات في المهنة اما الأطفال فهم ليسوا بأولادهن وانما اولاد بغاء يتم استغلالهم للا ستأثار بعطف الناس،
تلك عادتهن في كل مناطق المدينة وشوارعها، اسهب الفتى في تسا ؤله ليكتشف ما لم يخطرعلى البال،
أما الشبان الذين يحتسنون، ما هم الا لصوص يتحينون الفرص لاصطياد الضحايا وسرقتهم.
كل ما سمعه أثارحفيطته وخوفه من بوآن امله في ايجاد عمل بالفشل، طرأت في رأسه فكرة العودة بيد ان السائق طمأنه بأن الارزاق بيد الله،ولا يجب ان يقنط من رحمته، لأنه بالصبر والعزيمة سيأتيه الفرج، ليكون مثل اقرانه ( ولد البلاد) كما يطلقه اهل المدينة على كل وافد جديد.
ابدى اعجابه بالمدينة وتمنى ان يتيسر له الحال ويأتي بأمه رغم الخوف الذي يلفه من اللصوص الموجودون في كل انحائها، حسب ما اخبره السائق الذي نبه اخيرا
: ها حنا وصلنا اخويا.
لم يسمعه فقد سرحت به عيناه مرة اخرى .ولم يعي بوصوله الى المكان الذي يقصده، الا بعد برهة عندما بغت.واستدرك متسائلا يلتفت الى السائق الذي أرضى استفسار ه
- : حنا وصلنا يا سي علي سير شوف واش كاين صاحبك.
اندلف الاخير خارجا من الطاكسي يوصد بابها وراءه، ثم ارتد عائدا بعد خطوتين وفتح بابها مرة اخرى
يمد يده ليأخد محفظة اسماله.
أردف السائق يطمئنه اليه ويستأمنه :
- غير سير شوف ما تخاف على حوايجك .
نظر اليه مليا كمن يعتذر عما سيصدر منه وقال :
- اسيدي لي سمعت منك ما خلاني نتبق فشي حد.
ابتسم الرجل ولم يعقب عليه، وان احس في نفسيته بان ما صدر عن الآخر قلة اعتبار له، لكن عذره
حداثة عهده بالمدينة وبكورة وفادته ..
لم يعاتبه على ذلك بعد ان استكنه سريرته وعرف معدنه، فعفوية طبعه وشخصيته الطيبة يحسسك بالارتياح وخاصة بداهته الصادقة التي خبرها عنه طول مدة المسافة الى المكان . حتى انه لما أخذ اردانه لم يطلب منه اجرته وانما تركه بل ظل صامتا لم يبدي رأيا ،ليزداد حرج الفتى الذي تردد قليلا واوشك ان يدع المحفظة، لكنه استجرأ بتلقائية كمن ينأى بالطيبوبة الغبية بعيدا عنه ليقول:
- نشوف غا نرجع نخلصك .
نحنح السائق رأسه مبتسما وعيناه تتابعان الفتى الذي توارى عن نظره ليلج الى احد الازقة
المقابلة للشارع باحدى جوانبه ، اذ لا شك بأن ما أخبر به عن المدينة اثار هلعه.
وبعد مسيرة امتار قليلة اهتدى الى العنوان الذي لمحه فوق احد المحلات التجارية وتجاسر والجا اليها ،
- السلام عليكم .
رفع صاحب المحل راسه المندني بسرعة المزأود والمتفاجىء باللكنة الصوتية التي لم يعهدها عند اهل المدينة . رأى امامه صاحبه وا بتسم
- : مرحبا بصاحبي عمرك طويل البارح كنا في سيرتك.
تصافحا وتعانقا بحرارة ثم وضع الضيف حاجته ارضا فقال :
- مول الطاكسي كا يتسنى غا نمشي نخلص ليه.
هرول الى السائق الذي ينتظر
- سمح لي يا سيدي تعطلت عليك هاك رزقك.
قدم له قطعة نقدية بقيمة العشرة دراهم ،اعرض عن اخذها في لحظته بعد ان رأى قيمة ما تحمله الكف الممدودة اليه وقال رافضا
- : لا يا سي علي هنا ماشي بحال البلاد راه المدينة هدي .
تجهمت اسارير الفتى بعض الشئ دلالة على استغرابه :
- اخويا حنا غير بعشرة دراهمباش كا نركبوا عندنا مدة نصف الساعة واكثر، انت غير ربع ساعة هدي.
اوشك السائق ان يشرح له الفرق لكنه استغنى عن ذلك عندما تدخل حماد
- : مالك تعطلتي يا سي علي خلصتي للسيد.
- قول ليه الله يخليك شحال كنتخلصوا من المحطة الى هنا.
دس حماد يده في جيبه وأخرج ورقة من فئة العشرين درهما ليضيف.
- هاك اسيدي رزقك، واعذره راه ما يعرف، هدي اول مرة جا للمدينة
عندما أخذ اجرته ابدى تفهمه لجهل علي، واستكان لاعتذار حماد ثم ارتأى بابتسامته أن يلطف الجو لما رأى تقطيبة في محيا علي،
- فاهمك، سي علي باقي ما عارف والو، انا عادروا وعليها انا غانصبر ونسمح في عشرة دراهم بلا ما يتقلق .
شكر له حماد زهده وانبرى في وصف علي بالبليد وسذاجته ( اوالبوجادي( كما يطلق على من يستجد وجوده بالمدينة،ثم ودعهما وتحركت بسيارته لتخلف دويها في الاسماع كأنها تعكس عدم رضا السائق عن تاخره .
- دخل يا صاحبي،
نده حماد لصديقه لما لاحظ تردد ه قبل ان يدلف بتؤدة ليجلس على كرسي أعد بين اللوازم الغذائية المرفوفة في الجدار والأخرى المرتبة فوق أرضية المحل .
سأله معاتبا اياه على عدم طلبه لشئ يسد به رمقه جراء جوع ربما ألم به وهو في عهدة السفر .
بدوره لم يتردد الأخير في طلب مشروب يروي به العطش الذي اعتراه من التعب مع القنوط الذي تسلل الى خوالجه وقوض امله وانقلب الى توجم بعد ان كان مليئا بالنشاط ، وارتياب من سفره الى المدينة ،اذ رسم لها في مخيلته اليافعة صورة الجنة التي يسعى اليها كل مرزوء في عيشه ، ومن نابت عليه دواهي الزمان، والزمته البحث عن المستقبل بعيدا عن بلدته لينشد مستقبله وضمانا للقمة عيش مريحة تكفل له كرامته وشخصيته، عساه يستريح من الكد والتعب الدي كابده في خماسة لم تعد تدر عليه ما يوازي كدحه، وبالأخص تلك الايام التي عم فيها القحل كل النواحي والمناطق المجاورة لقريته.
قال حماد وهو يمد له معلب عصير ،
- : سبحان الله عمرك طويل البارح سولني عليك السيد لي غادي تخدم عنده .
رفع عينيه وعلامة الفرح يبش بها محياه
- هي الخدمة كا تسناني وانا في طريقي كابد الفقسة والخلعة شادني من المحطة حتى لهنا. اراها في نهي.
- لايا صاحبي بلا ما نسبفوا الاحداث علاه انا ضامن راسي غا نعيش حتى للغد ،حتى نشوفوا مولاها..
وفي انغداق الليل واستحان وقت الاندلاق الى الراحة ذهبا الى البيت ، اذ أحال حماد محله للاغلاق.
بعد تناول طعام العشاء ، ركن كل منهما الى النوم ، وفي انتظار وقت الاستفاق ظل علي شاردا ينظر في الظلام الدامس الذي يغطي الغرفة ، تائها في شروده ، يتخيل العمل الذي ينتظره، كيف هو؟ يتأمله في بحبوجة لبه . كم سيبلغ اجره ؟ كيفما كان فهو الآن سيعمل وعليه ان لا يشترط، بعد ان كان يتوسل ايجاد ولو فرصه تضمن له شغلا يريحه من شؤم العطالة ، لا حق له في ان يبدي أي اعتراض ولو كانت اجرته زهيدة، عليه ان يتعلم اولا ، لانه لا يعرف سوى الخماسة التي يمقتها ايما مقت . جافى النوم مقلتيه وهو يتقلب في فراشه تارة يمينا وأخرى للشمال،اما صاحبه حماد فيغط في نوم عميق، يستمع لتشاخيره المحتشمة ، نائم قرير النفس والخاطر ، حر نفسه لا يعمل عند احد ولا سلطة الا سلطته على نفسه، بينما هو سينتظر حتى انبلاج الصباح، ليعمل كأجير يستجدي رزقه عند غيره .
حماد صديق علي يكبره بسنتين لكنه على عكسه لا يحب الدوار مثله منبهر بالعصرنة .والحداثة
يدعي التحضر بدون ان يستوعب معناه، منساق وراء المظاهر يعيب على الدوار انه خارج الحضارة ويعتبر اهله بدائيين.
كان منهمكا يتصفح الأوراق في المكتب ، لما سمع دقدقة على الباب. ودون ان يرفع رأسه قال: - لي في الباب يدخل.
اندلق الاثنان الى الداخل .
: السلام عليكم .
رفع رأسه وابتسم حال رأيته لحماد وصاحبه
- : مرحبا بسي حماد وفيتي بكلمتك.
- : علاه حنا دراري يا سي عبد الرحيم .
- اجلسوا اش بغيتوا تشربوا.
- : لي كاين ما غادي نجلسوا بزاف.
-لاواه بقوا شويا محالكم هذا .
ها الولد لي وصيتيني عليه انا أضمنه لك راه معقول وثقة لي حطيتيه فيها يهنيك منها
- : هدا لي كا نتمناه غير يشمر ويتحزم ما يخصوا حتى خير.
نظر الى علي وسأ له عن اسمه ومستواه الدراسي ،خرج من المستوى الاعدادي مضطرا ليأخد مكان ابيه في الخماسة استحسن الرجل ذلك مبديا اسفه لبكرة تخليه عن الدراسة، مذكرا بامكانية أن يصبح شخصا آخرأهم في حال لم يعتزل التعليم . بيد أنه عبرعن رأيه في التعليم مستهجنا الحالة التي بها ينصف ممتهنيه وبشكل عام في الوطن، واهمال لأصحاب الشهادات الذين ينتظرون الوظائف جزاء تفانيهم في الدراسة،وطول انتظارهم.ثم أضاف
- المعقول هو المهم يا سي علي غادي تكون موظف ديال راسك،ملي عرفت تكتب وتقرا واقيلا حتىالفرنسية، لو عرفتيها غا تنفعك.
علي : غير شويا كا نعرف نقاد حروفها ونقراهم .قول قراية الحسيفة.
عكس قول الفتى مرارة الاحباط الذي يخامره والاحساس بدونية شأنه في الحياة ، لم يتمكن من استكمال تعليمه وان سخر منه، والنصيب الذي يناله الطالب ويكافأ به بعد ان يستوفي شروط الترقي المعرفي، معتبرا من أصحاب الشهادات على نتوع درجاتها المتفوقة ، وعلى رأيه فلا بأس ان اكتسب المرء نوعا من المعرفة لينمي بها وعيه الادراكي.
بالنسبة له لا يكفي ما تعلمه، ولا شك انه يتحسر أسفا لحاله السيء لأنه لا يستحق ذلك . تذكر وعد الحاج ابراهيم الذي كان سيتكفل بمصاريف دراسته ، بعد فوات الاوان أدرك خطأه عندما رفض عرض الرجل ، وخاصة بعد أن رأى المدينة التي استهون صعوبة العيش فيها . كان من الأفضل له لو تكرم وتنازل عن اعتزازه بنفسه وقبل كرم الرجل ،وتجنب هذه الظروف التي هو عليها.
لمااتفقوا على أجرة العمل ودعاه، بعدان طلب من علي بان يبكر في الصباح ليبدأ في عمله الجديد ،
لم يسعه الفرح الغامر لنفسيته، و في الطريق، أطرق يثني على حماد، يشكر له صنيعه ، يأكد أنه سيحفظ جميله حتى تسنح له فرصة لرده.
في الصباح وجد رب عمله ينتظر ، وبعد السلام ورده، دله الرجل على طريقة عمله ، سيتكلف بمراقبة العمال بمستودع مواد البناء الذي يبعد بحوالي كلمترين عن هناك، بعد ان يتم شحن ناقلة او اثتتبن وربما أكثر حسب الطلب، ثم يقفل المستودع ليأتي له بالفاتورة قصد امضائها، استدرك أيضا باخباره عن سلفه الذي كان في نفس المهمة ، وعن سبب استغناءه عنه، ذلك انه ضبط تلاعباته وسرقته لبعض اكياس السيما مند مدة طويلة، ولما اكتشف الامر عن طريق الصدفة بفضل نفاد مخزون المواد بشكل لم يتوقعه ،أخذ يتقصى حتى عرف المسؤول عن ذلك، وكذا اعتراف بعض العمال ضده ، وقد تم طرد بعض من تورط معه بشكل مباشر. وحذره من الذين لم يصرفهم وأخذ الاحتياط اتقاء لشر مكائدهم . كما وعده بتحسن اجرته التي هي الف درهم حاليا، بعد ثلاثة شهور سيكافأه بزيادتها الى أكثر، عندما يختبر مدى همته وتفانيه في العمل.
اطمئن علي وازيح عنه حمل الفضول الذي يشوب تفكيره لمعرفة كنه عمله لا شك ان الرجل ذو أصل شريف يعرف قدر العامل وكد حه ، وعليه فتلك بادرة خيربالنسبة له ، ومنذ ذلك اليوم واصل ا عمله باعتيادية ألفها بسرعة أثارت اعجاب مستخدمه ، ومرت أيام وأسابيع، وعلى ما يبدو فقد غفل عن ارسال خبر عن كيفية أحواله لأمه ، ربما ستنشغل عليه وخاصة انه اوشك ان يمضي شهران عن رحيله من البلدة،لا شك انها ستنشد لخبره أثرا.
ياتي سي عبد الرحيم في واسطة عقد ابيه السوسي الاصل والذي توفي وترك ثلاثة ذكور مع ثروة تغنيهم عن الكفاف، أتى الرجل الى الدار البيضاء في الستينات من القرن الماضي وكون ثروة لا يستهان بها ، قسمها الورثة فيما بينهم بالتراضي، كان من نصيب عبد الرحيم تلك الشقة في العمارة التي يوجد بها مكتبه وكذلك مستودع مواد البناء والشركة التي يدخل في نطاقها، يتميزعن اخوته بحبه لبلدته التي ازداد بها، يزورها كلما سنحت له الظروف ،بالاضافة الى البيت العصري الذي شيده هناك ، عكس اخوته الذين لا يفكرون حتى في ذكرها ، اللهم بعض المناسبات كفرح احد من الاصدقاء دعاهم في فصل الصيف .
اورك الى كرسي الناقلة المتجهة الى الدار البيضاء، تتقد في دواخله الحما سة والفضول ، تحقق له المبتغى ، في طريقه الى المدينة التي لطالما حلم بها ، سيكتشف الاشياء التي سمع عنها من الذين يأتون باخبارها ويرى بنفسه، سيشتغل مثل انداده ،انتقل اليها ليبحث عن لقمة العيش كبقية ابناء القرى في الوطن، بعدما استحال عليه الركون بالقرية وانتظار السراب ، تاه بشروده فيما الناقلة تطوي الارض وتجتاز المسافات تلوالأخرى بين المدن، احس ببعض اللوعة من فراق أمه لكن مقته للقرية والحالة التي كان عليها نأت بحزنه جانبا، فالأحرى له ان يفكر ويتخيل عمله بالمدينة ، وكيف يمكنه ان يتعامل مع اهلها المتحضرين؟ ذوي الاخلاق النيرة والمتصورة في نظرته اليهم،
يحسب انهم اناس محترمون، متفهمون وأكثر وعيا من اهل القرية الذين لا يحبذون الا الاغتباء والنميمة، لا عمل لهم سوى التربص لاصطياد خبر ما لتلوكه الألسنة، ويكون وليمة يقتسمونها بينهم واستطعامها بالاستهزاء والتمتع بنكهة مضمونها، يحلل بآراءهم ويكتسب درجة من الاشاعة بينهم كما هي العادة العرفية في كل الامصار والقفار.
لم يتودد النوم الى جفونه على طول مدة سيران الناقلة ، فالفضول اذهب عنه الغفا ولو للحظة، ظل ينظر في الزجاج وكل مدينة ادلفت اليها الناقلة، يسأل عن اسمها بعفوية وبدون تردد، كالضمآن الذي لم يكتفي من رشفات الماء ليروي عطشه، او كالساغب النهم الذي لم يكتفي بعد من اشباع بطنه .تلوح امام عينيه المساحات الخضراء والاشجار الفارعة على جانبي الطريق ، والانبهار يلفه بسحر الطبيعة التي لم يراها في منطقته الصحراوية .
وصلت الناقلة الى آخر المسار واعلن عن ذلك من طرف ( الكريسون) أي مساعد السائق، فأ خذ الركاب ينسلون منها نزولا، أما علي فقد أثارته المباني الجديدة التي لم يراها من قبل، عندما وطأت قدمه أرضية المحطة، وقف قليلا يبحث بنظره عن مخرج ما ،عدة ابواب فمن سيختار منها اقتفى الأثر الى باب يقصده جل الركاب يتتبع خطاهم حتى وجد نفسه وراء سورها ،أخرج الورقة التي كان صاحبه حماد قد دون فيها عنوانه بالمدينة المترامية الجهات.
احس بنظرات العيون المترصدة متجهة اليه. سرت قشعريرة وجل في أوصاله. أخذ ينشد ببحث ملاذا يحميه من تلك التحديقات المتلصصة حتى استكان الى جدار المحطة،
يدير له ظهره لاحتماء به، وامكانية رؤية كل ما حوله ،بينما كان ينظر الى عنوان صديقه المدون بالورقة قطع عليه احد سائقي الطاكسي لحظته ، يعرض عليه أن يقله بعد أن سأله عن وجهته ،
- هذا هو العنوان اخويا. ...... قال للسائق السيارة.
ولوجه المتسرع ا لى السيارة كان كمفرا له من تلك العيون البصاصة، التي كادت تلتهمه وخاصة انه حديث العهد بالمدينة، لم يتعود ان ترمقه النظرات بتلك الحدة المتفحصة، اضافة الى الأيادي الممدودة تطلب منه الاحسان.
وأخذت السيارة تعد المسافة بسرعتها في اتجاه العنوان الذي حفظه السائق عن ظهر قلب، وبدأت تنتقل من شارع لآخر، ومن حي الى مثله، والفتى ينظر في زجاجها ،مشدوها بما يراه من عمارات شاهقة وحدائق خضراء متناسقة لم ير مثلها من قبل، اما الدكاكين التجارية فهي لا تعد ولا تحصى، عكس القرية التي لا توجد فيهاالا اثنتان فقط . انها الجنة بعينها، لقد صدق الذين حكوا عنها، هنا لا توجد رمال ولا اوساخ لكن بالرغم من التلوث الذي يلف أجوائها فانها جديرة بان تكون حلم استقرار لاي كان . اعاده تيهانه الى ما صادفه خارج المحطة واستوقفه تساؤله، لما ذا تكفكف تلك النساء وبعض الشباب؟ اليس في المدينة عمل؟ لماذا يتوسله الاطفال ليعطف عليهم بدرهم او اقل منه؟ لماذا يستنشق بعضهم مادة ( السيليسيون)،
تذكر عادة العربي،لا شك انه الوحيد في القرية الذي يشبه اولاد المدينة وربما يتشارك معهم في المعاناة ، ولا احد يعيلهم، لكن الاخيرعلى العكس اكبرهم سنا ، له اهل القرية يعطفون عليه، وبالاخص امي هنية التي لم تتركه يحتاج لرحمة العطف الذي ينشده.
اعتراه نوع من الضياع بعد أن كان الامل يحدوه بأن يعمل ويكون مستقبله كابناء قريته.لا شك انه سينتظر حولا كاملا حتى يشتغل هؤلاء ثم يأتي دوره.
رمقه السائق بنظرة فا حصة اختلسها
- - واقيلا اول مرة جيتي للمدينة.
- ييه يا سيدي
سكت الاول قليلا كأنه يفكر في اختيار السؤال والآخر ينظر اليه مرة، ومرة الى الزجاج ،يستفسره بعيني المفزوع الحائر، ولازاحة صمت الفتى اردف :
- هادشي ما كاين في البلاد.
- : ييه يا سيدي هاد شي عجب كل شئ كاين في المدينة حتى المساكن كاينين فيها.
- : راه المغرب مجموع في هاد المدينة والمساكن لي شفتيهم كاين لي ما عندوا والديه.
استغرب الامر وتسا ئل ، أليس هم من البشر؟ اليس هم نتيجة العلاقة بين الام والأب؟ هذا جديد عليه لم يعرفه من قبل .
أخبره عن النسوة اللواتي يتوسلن المارة بواسطة الأطفال ، هن محترفات في المهنة اما الأطفال فهم ليسوا بأولادهن وانما اولاد بغاء يتم استغلالهم للا ستأثار بعطف الناس،
تلك عادتهن في كل مناطق المدينة وشوارعها، اسهب الفتى في تسا ؤله ليكتشف ما لم يخطرعلى البال،
أما الشبان الذين يحتسنون، ما هم الا لصوص يتحينون الفرص لاصطياد الضحايا وسرقتهم.
كل ما سمعه أثارحفيطته وخوفه من بوآن امله في ايجاد عمل بالفشل، طرأت في رأسه فكرة العودة بيد ان السائق طمأنه بأن الارزاق بيد الله،ولا يجب ان يقنط من رحمته، لأنه بالصبر والعزيمة سيأتيه الفرج، ليكون مثل اقرانه ( ولد البلاد) كما يطلقه اهل المدينة على كل وافد جديد.
ابدى اعجابه بالمدينة وتمنى ان يتيسر له الحال ويأتي بأمه رغم الخوف الذي يلفه من اللصوص الموجودون في كل انحائها، حسب ما اخبره السائق الذي نبه اخيرا
: ها حنا وصلنا اخويا.
لم يسمعه فقد سرحت به عيناه مرة اخرى .ولم يعي بوصوله الى المكان الذي يقصده، الا بعد برهة عندما بغت.واستدرك متسائلا يلتفت الى السائق الذي أرضى استفسار ه
- : حنا وصلنا يا سي علي سير شوف واش كاين صاحبك.
اندلف الاخير خارجا من الطاكسي يوصد بابها وراءه، ثم ارتد عائدا بعد خطوتين وفتح بابها مرة اخرى
يمد يده ليأخد محفظة اسماله.
أردف السائق يطمئنه اليه ويستأمنه :
- غير سير شوف ما تخاف على حوايجك .
نظر اليه مليا كمن يعتذر عما سيصدر منه وقال :
- اسيدي لي سمعت منك ما خلاني نتبق فشي حد.
ابتسم الرجل ولم يعقب عليه، وان احس في نفسيته بان ما صدر عن الآخر قلة اعتبار له، لكن عذره
حداثة عهده بالمدينة وبكورة وفادته ..
لم يعاتبه على ذلك بعد ان استكنه سريرته وعرف معدنه، فعفوية طبعه وشخصيته الطيبة يحسسك بالارتياح وخاصة بداهته الصادقة التي خبرها عنه طول مدة المسافة الى المكان . حتى انه لما أخذ اردانه لم يطلب منه اجرته وانما تركه بل ظل صامتا لم يبدي رأيا ،ليزداد حرج الفتى الذي تردد قليلا واوشك ان يدع المحفظة، لكنه استجرأ بتلقائية كمن ينأى بالطيبوبة الغبية بعيدا عنه ليقول:
- نشوف غا نرجع نخلصك .
نحنح السائق رأسه مبتسما وعيناه تتابعان الفتى الذي توارى عن نظره ليلج الى احد الازقة
المقابلة للشارع باحدى جوانبه ، اذ لا شك بأن ما أخبر به عن المدينة اثار هلعه.
وبعد مسيرة امتار قليلة اهتدى الى العنوان الذي لمحه فوق احد المحلات التجارية وتجاسر والجا اليها ،
- السلام عليكم .
رفع صاحب المحل راسه المندني بسرعة المزأود والمتفاجىء باللكنة الصوتية التي لم يعهدها عند اهل المدينة . رأى امامه صاحبه وا بتسم
- : مرحبا بصاحبي عمرك طويل البارح كنا في سيرتك.
تصافحا وتعانقا بحرارة ثم وضع الضيف حاجته ارضا فقال :
- مول الطاكسي كا يتسنى غا نمشي نخلص ليه.
هرول الى السائق الذي ينتظر
- سمح لي يا سيدي تعطلت عليك هاك رزقك.
قدم له قطعة نقدية بقيمة العشرة دراهم ،اعرض عن اخذها في لحظته بعد ان رأى قيمة ما تحمله الكف الممدودة اليه وقال رافضا
- : لا يا سي علي هنا ماشي بحال البلاد راه المدينة هدي .
تجهمت اسارير الفتى بعض الشئ دلالة على استغرابه :
- اخويا حنا غير بعشرة دراهمباش كا نركبوا عندنا مدة نصف الساعة واكثر، انت غير ربع ساعة هدي.
اوشك السائق ان يشرح له الفرق لكنه استغنى عن ذلك عندما تدخل حماد
- : مالك تعطلتي يا سي علي خلصتي للسيد.
- قول ليه الله يخليك شحال كنتخلصوا من المحطة الى هنا.
دس حماد يده في جيبه وأخرج ورقة من فئة العشرين درهما ليضيف.
- هاك اسيدي رزقك، واعذره راه ما يعرف، هدي اول مرة جا للمدينة
عندما أخذ اجرته ابدى تفهمه لجهل علي، واستكان لاعتذار حماد ثم ارتأى بابتسامته أن يلطف الجو لما رأى تقطيبة في محيا علي،
- فاهمك، سي علي باقي ما عارف والو، انا عادروا وعليها انا غانصبر ونسمح في عشرة دراهم بلا ما يتقلق .
شكر له حماد زهده وانبرى في وصف علي بالبليد وسذاجته ( اوالبوجادي( كما يطلق على من يستجد وجوده بالمدينة،ثم ودعهما وتحركت بسيارته لتخلف دويها في الاسماع كأنها تعكس عدم رضا السائق عن تاخره .
- دخل يا صاحبي،
نده حماد لصديقه لما لاحظ تردد ه قبل ان يدلف بتؤدة ليجلس على كرسي أعد بين اللوازم الغذائية المرفوفة في الجدار والأخرى المرتبة فوق أرضية المحل .
سأله معاتبا اياه على عدم طلبه لشئ يسد به رمقه جراء جوع ربما ألم به وهو في عهدة السفر .
بدوره لم يتردد الأخير في طلب مشروب يروي به العطش الذي اعتراه من التعب مع القنوط الذي تسلل الى خوالجه وقوض امله وانقلب الى توجم بعد ان كان مليئا بالنشاط ، وارتياب من سفره الى المدينة ،اذ رسم لها في مخيلته اليافعة صورة الجنة التي يسعى اليها كل مرزوء في عيشه ، ومن نابت عليه دواهي الزمان، والزمته البحث عن المستقبل بعيدا عن بلدته لينشد مستقبله وضمانا للقمة عيش مريحة تكفل له كرامته وشخصيته، عساه يستريح من الكد والتعب الدي كابده في خماسة لم تعد تدر عليه ما يوازي كدحه، وبالأخص تلك الايام التي عم فيها القحل كل النواحي والمناطق المجاورة لقريته.
قال حماد وهو يمد له معلب عصير ،
- : سبحان الله عمرك طويل البارح سولني عليك السيد لي غادي تخدم عنده .
رفع عينيه وعلامة الفرح يبش بها محياه
- هي الخدمة كا تسناني وانا في طريقي كابد الفقسة والخلعة شادني من المحطة حتى لهنا. اراها في نهي.
- لايا صاحبي بلا ما نسبفوا الاحداث علاه انا ضامن راسي غا نعيش حتى للغد ،حتى نشوفوا مولاها..
وفي انغداق الليل واستحان وقت الاندلاق الى الراحة ذهبا الى البيت ، اذ أحال حماد محله للاغلاق.
بعد تناول طعام العشاء ، ركن كل منهما الى النوم ، وفي انتظار وقت الاستفاق ظل علي شاردا ينظر في الظلام الدامس الذي يغطي الغرفة ، تائها في شروده ، يتخيل العمل الذي ينتظره، كيف هو؟ يتأمله في بحبوجة لبه . كم سيبلغ اجره ؟ كيفما كان فهو الآن سيعمل وعليه ان لا يشترط، بعد ان كان يتوسل ايجاد ولو فرصه تضمن له شغلا يريحه من شؤم العطالة ، لا حق له في ان يبدي أي اعتراض ولو كانت اجرته زهيدة، عليه ان يتعلم اولا ، لانه لا يعرف سوى الخماسة التي يمقتها ايما مقت . جافى النوم مقلتيه وهو يتقلب في فراشه تارة يمينا وأخرى للشمال،اما صاحبه حماد فيغط في نوم عميق، يستمع لتشاخيره المحتشمة ، نائم قرير النفس والخاطر ، حر نفسه لا يعمل عند احد ولا سلطة الا سلطته على نفسه، بينما هو سينتظر حتى انبلاج الصباح، ليعمل كأجير يستجدي رزقه عند غيره .
حماد صديق علي يكبره بسنتين لكنه على عكسه لا يحب الدوار مثله منبهر بالعصرنة .والحداثة
يدعي التحضر بدون ان يستوعب معناه، منساق وراء المظاهر يعيب على الدوار انه خارج الحضارة ويعتبر اهله بدائيين.
كان منهمكا يتصفح الأوراق في المكتب ، لما سمع دقدقة على الباب. ودون ان يرفع رأسه قال: - لي في الباب يدخل.
اندلق الاثنان الى الداخل .
: السلام عليكم .
رفع رأسه وابتسم حال رأيته لحماد وصاحبه
- : مرحبا بسي حماد وفيتي بكلمتك.
- : علاه حنا دراري يا سي عبد الرحيم .
- اجلسوا اش بغيتوا تشربوا.
- : لي كاين ما غادي نجلسوا بزاف.
-لاواه بقوا شويا محالكم هذا .
ها الولد لي وصيتيني عليه انا أضمنه لك راه معقول وثقة لي حطيتيه فيها يهنيك منها
- : هدا لي كا نتمناه غير يشمر ويتحزم ما يخصوا حتى خير.
نظر الى علي وسأ له عن اسمه ومستواه الدراسي ،خرج من المستوى الاعدادي مضطرا ليأخد مكان ابيه في الخماسة استحسن الرجل ذلك مبديا اسفه لبكرة تخليه عن الدراسة، مذكرا بامكانية أن يصبح شخصا آخرأهم في حال لم يعتزل التعليم . بيد أنه عبرعن رأيه في التعليم مستهجنا الحالة التي بها ينصف ممتهنيه وبشكل عام في الوطن، واهمال لأصحاب الشهادات الذين ينتظرون الوظائف جزاء تفانيهم في الدراسة،وطول انتظارهم.ثم أضاف
- المعقول هو المهم يا سي علي غادي تكون موظف ديال راسك،ملي عرفت تكتب وتقرا واقيلا حتىالفرنسية، لو عرفتيها غا تنفعك.
علي : غير شويا كا نعرف نقاد حروفها ونقراهم .قول قراية الحسيفة.
عكس قول الفتى مرارة الاحباط الذي يخامره والاحساس بدونية شأنه في الحياة ، لم يتمكن من استكمال تعليمه وان سخر منه، والنصيب الذي يناله الطالب ويكافأ به بعد ان يستوفي شروط الترقي المعرفي، معتبرا من أصحاب الشهادات على نتوع درجاتها المتفوقة ، وعلى رأيه فلا بأس ان اكتسب المرء نوعا من المعرفة لينمي بها وعيه الادراكي.
بالنسبة له لا يكفي ما تعلمه، ولا شك انه يتحسر أسفا لحاله السيء لأنه لا يستحق ذلك . تذكر وعد الحاج ابراهيم الذي كان سيتكفل بمصاريف دراسته ، بعد فوات الاوان أدرك خطأه عندما رفض عرض الرجل ، وخاصة بعد أن رأى المدينة التي استهون صعوبة العيش فيها . كان من الأفضل له لو تكرم وتنازل عن اعتزازه بنفسه وقبل كرم الرجل ،وتجنب هذه الظروف التي هو عليها.
لمااتفقوا على أجرة العمل ودعاه، بعدان طلب من علي بان يبكر في الصباح ليبدأ في عمله الجديد ،
لم يسعه الفرح الغامر لنفسيته، و في الطريق، أطرق يثني على حماد، يشكر له صنيعه ، يأكد أنه سيحفظ جميله حتى تسنح له فرصة لرده.
في الصباح وجد رب عمله ينتظر ، وبعد السلام ورده، دله الرجل على طريقة عمله ، سيتكلف بمراقبة العمال بمستودع مواد البناء الذي يبعد بحوالي كلمترين عن هناك، بعد ان يتم شحن ناقلة او اثتتبن وربما أكثر حسب الطلب، ثم يقفل المستودع ليأتي له بالفاتورة قصد امضائها، استدرك أيضا باخباره عن سلفه الذي كان في نفس المهمة ، وعن سبب استغناءه عنه، ذلك انه ضبط تلاعباته وسرقته لبعض اكياس السيما مند مدة طويلة، ولما اكتشف الامر عن طريق الصدفة بفضل نفاد مخزون المواد بشكل لم يتوقعه ،أخذ يتقصى حتى عرف المسؤول عن ذلك، وكذا اعتراف بعض العمال ضده ، وقد تم طرد بعض من تورط معه بشكل مباشر. وحذره من الذين لم يصرفهم وأخذ الاحتياط اتقاء لشر مكائدهم . كما وعده بتحسن اجرته التي هي الف درهم حاليا، بعد ثلاثة شهور سيكافأه بزيادتها الى أكثر، عندما يختبر مدى همته وتفانيه في العمل.
اطمئن علي وازيح عنه حمل الفضول الذي يشوب تفكيره لمعرفة كنه عمله لا شك ان الرجل ذو أصل شريف يعرف قدر العامل وكد حه ، وعليه فتلك بادرة خيربالنسبة له ، ومنذ ذلك اليوم واصل ا عمله باعتيادية ألفها بسرعة أثارت اعجاب مستخدمه ، ومرت أيام وأسابيع، وعلى ما يبدو فقد غفل عن ارسال خبر عن كيفية أحواله لأمه ، ربما ستنشغل عليه وخاصة انه اوشك ان يمضي شهران عن رحيله من البلدة،لا شك انها ستنشد لخبره أثرا.
ياتي سي عبد الرحيم في واسطة عقد ابيه السوسي الاصل والذي توفي وترك ثلاثة ذكور مع ثروة تغنيهم عن الكفاف، أتى الرجل الى الدار البيضاء في الستينات من القرن الماضي وكون ثروة لا يستهان بها ، قسمها الورثة فيما بينهم بالتراضي، كان من نصيب عبد الرحيم تلك الشقة في العمارة التي يوجد بها مكتبه وكذلك مستودع مواد البناء والشركة التي يدخل في نطاقها، يتميزعن اخوته بحبه لبلدته التي ازداد بها، يزورها كلما سنحت له الظروف ،بالاضافة الى البيت العصري الذي شيده هناك ، عكس اخوته الذين لا يفكرون حتى في ذكرها ، اللهم بعض المناسبات كفرح احد من الاصدقاء دعاهم في فصل الصيف .
تعليق