خرافة بربرية
باح مجنون عامر بهواه
و كتمت الهوى فمتّ بوجدي
فإذا كان يوم القيامة نودي
من قتيل الهوى تقدمت وحدي
ليلى العامرية
و كتمت الهوى فمتّ بوجدي
فإذا كان يوم القيامة نودي
من قتيل الهوى تقدمت وحدي
ليلى العامرية
قالت جدتي
حدّث في بعض أصقاع افريقية أن أميرا نوميديا شبّ على الغزو و حب النصر... كان يشحذ النبال كل فجر لمطاردة الأسود و الضباء الشريدة و كانت تقطن غير بعيد ،في احد الكهوف العالية حسناء بربرية تعيش مع ساحرة عجوز ...
كان الأمير يسرج الجواد الأحب إليها مما ملكت يمينه و ينطلق في الفيافي يطاول الغيوم في عليائها و يغازل الشمس البعيدة ..و كان من عادته الاكتفاء بقليل من الزاد يعلّم الجسد صبر الآلهة ووحشة الأوابد.
و لما هجم (المسلمون) على نوميديا فقتلوا من قتلوا وسبوا من سبوا و ملكوا من الحرائر ما يعسر معه الحصر و العدّ..هربت تلك الحسناء إلى إحدى الشعاب البعيدة بعد أن قدمت لها الساحرة العجوز إكسير الشباب-قبل أن يسقط عليها آخر حجر في الكهف فتموت-
واستبسل الأمير طويلا في حربه ضدهم و أثخن بالجراح حتى لازم جذع نخلة بعيدة عددا من الأيام ما كان لينقضي لولا فتوّته و صبره على الشدائد.
و كانت الحسناء تراه كل ليلة في منامها بينما كان ينتفض من الحمّى بعيدا عن مخبئها الأمين و حزمت أمرها بالعودة حيث يكون كلفها ذلك ما كلفها أما هو فلم يرها قط ..حتى لما كان يرتاح قرب الكهف من طراده المتواصل ، كان يجد مكانه بعض اللبن و الخبز الساخن فيلقي النظر يمنة و يسرة فلا يرى أحدا حتى صار يعتقد أن له من الآلهة حرسا يشاركونه بطولاته و يدفعون عنه ما لا يعلم من أذى الكائنات المرئي منها و غير المرئي.
إلا انه كان- و رعاش الحمّى يتملكه- يلفظ اسمها بين الفينة و الأخرى هذيـانا و دون وعي منه و كان رفيقه الوحيد يعيد عليه كلامه فيتعجب من ذلك عجبا كبيرا و يتساءل عمّن تكون صاحبة هذا الاسم ...سيكافينيريا...
و كانت سيكافينيريا قد جمعت ما تيسّر من الزاد و لبست لباس المحاربين الأشداء حتى لا يكشف احد حقيقة أمرها و أخذت تمشي بيــن المجـاهــل و الهضاب و الوهاد غير عابئة بجنود الليل و لا بالأطياف الشريرة، كان الحب حارســها الوحـيد و كان إذا خرج عليها احد الوحـوش قدمت له من زادها و مسحت على رأسه فذهب في حال سبيله حتى صارت تفصلها مسيرة يوم عن المكان المقصود.
كان الأمير حينها قد بدأ يتماثل للشفاء و قد حزم في نفسه أمرا لا يبلغه حتى يهلك دونه...كان يقول لرفيقه : دعنا من ذكر النساء ، انه من فعل الحمّى... الحرب من شيم النفوس الكبيـرة و إني لا أراني إلا قائدا أو حاكما فردا..
كان الرفيق شديد الإعجاب بالأمير و كان يطيعه في كل أموره بل انه يتمنى في سره لو كان مكانه و كان ذلك يعجب الأمير فلم يكن يريد أن يثنيه احد عن أمر اعتزمه فكان أن وافق يوم دخولها نوميديا يوم خروجه منها غازيا طالبا امتثال قبائل القرى المجاورة لتكوين فيلق يكسر شوكة الغائرين من داخل افريقية
و خارجها...و عاش طويلا خارج نوميديا حيث كوّن جيوبا عديدة للمقاومة
و شهد في عهده البربر شأوا عظيما قبل أن تغلق الفتوحات الإسلامية أفواه الشيوخ الطيبين عن كل الحكايا الجميلة و القديمة ...و انتظرت الحسناء الجميلة طويلا طويلا قبل أن تعود إلى تلك الشعاب التي احتضنت حبها أول مرة و تقيم هنالك .
و كان الأمير إذا انتصر في إحدى الوقائع باتت الحسناء تكابد آلام المخاض حتى تضع فحلا أو اثنين مختوما بختم الآلهة و صار كل الأهالي يتبركون بها حتى سميت تلك الشعاب باسمها و كان من غريب الأقدار أن يموت الأمير منتحرا بالسمّ فلا يدفن إلا في تلك المدينة و بلغ من بركة الحسناء أن خلطت زجاجة الإكسير بمياه الأمطار الشديدة التي نزلت ذات مرّة على المدينة... فكان الأهالي يشاهدون في مطلع كل بدر صورة رجل و امرأة في عنف الشباب يطوقان القمر دون أن يتلامسا....
سيكافينيريا: الاسم الأثري لمدينة الكاف من الجمهورية التونسية.
تعليق