على حافة الحياة/ منتدى "مطروح للنقاش"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    على حافة الحياة/ منتدى "مطروح للنقاش"

    على حافة الحياة


    سيجارة و بضع ثمالة-... أفكار تتثاءب، زمن يسخر.. من أهداب تحترق، و نشيج صارخ.. تململ شاكر في مكانه و رفع نظرة متعبة إلى نشوة فردّت عليه بمثله و عاد الصمت يحوك خيوطه الرفيعة حول رأسيهما. كان آخر عهدهما بالكلام أياما قضياها في حلاوة الشهد ثم سكتا إلى الأبد منـذ واحــد و ثلاثين عاما.
    في الأيام الأولى للزواج لم يكونا يخرجان من البيت و كأنهما يخافان أن ""يشوّه" الإختلاط بالناس صفاء عشقهما. كان كل منهما يكتشف في زوجه "الآخر" بكل رموزه في بداهة اللقيا و تعقّد الشخصية.


    لقد كان كل منهما فردا ثم صار الزوج للحظة فردا مركّب الإحساس، مثال الكينونة إلى أن فتّش كلاهما عمّا يتعبه فأطردا من الجنة. أعجب شاكر بكل صفاتها و استغرب أن تجمّع كل هذا الثراء في روحها و عقلها أمّا هي فشدّها ذكاؤه و قدرته على ترويض الأنثى فيها فكان يشعرها أنها لم تسلّم نفسها بحكم العادة أو الواجب بل نتيجة مفاوضات و كرّ و فرّ.
    أحبّت فيه كل ما يجعل من آدم رجلا حقيقيا و أحبّ فيها كل ما يجعل من حواء امرأة حقيقية و في يوم ما قال لها بمكر بريء: هل عرفت الحب قديما أقصد هل أعجبت برجل ما و أنت في بداية الشباب. أجابت بنفس البراءة: ربما كان ابن الجيران أو زميل الدراسة، لا أذكر...فلم تكن القصة ذات بال حيث لم أكن أهتم إلاّ بدراستي لم يكن هناك من سبب يجعلها تداري فالقصة عادية و ما بينهما كان أقوى بكثير رغم الأيام القليلة التي قضياها كرجل و امرأة حقيقيين. اشتعل في قلبه حريق بلا نهاية واصّاعد أمام عينيه دخان أسود كثيف حجب الأفق:
    · لماذا لم تخبريني بذلك من قبل؟
    · لم يكن الأمر هامّا لهذه الدرجة !
    لقد تمنّى في داخله لو أنها كذبت عليه ليشعر أنه الأول و الأخير في حياتها...
    · وهل أحبك ؟ هل طلب منك الزواج ؟ أفصحي.
    · لقد عرض الزواج هو و غيره و لكني لم أرض بسواك لأنك الوحيد الذي أريد...
    · هذا هراء، الزواج لم يكن يوما مقياسا للحب، الزواج ليس في نظري إلا قمامة للمشاعر المحبطة.
    · قمامة ؟ للمشاعر المحبطة ؟
    و تهاوت على الأريكة لا تحير جوابا..كان يذرع الغرفة جيئة و ذهابا كملك مخدوع و قد كشر عن أنيابه
    و كانت عيناه المحمرتان غضبا سياطا تلهب قلبها. ثم عاد إليها يستأنف التعذيب:
    ·
    تكلّمي، قولي، ماذا كان بينك و بين هؤلاء ؟
    · قلت لك لا شيء ؟ هل تشكّ في سلوكي ؟
    · كل شيء قابل للشك...
    · إذن لماذا تزوجتني؟
    · أمّا أنك قد أسقطت قناعك فسأسقط أنا أيضا هذا القناع: لقد ظننت لأيام أنني أستطيع أن أنسى أول حبّ في حياتي و لكن ذلك مستحيل لأنني اخترتك و لم تكن لي من خلفية سوى مشاعري القديمة حتى أعيش فيها من القوة ما لم أستطيع أن أعيشه مع نجوى، إنك تشبهينها لدرجة غريبة، عيناها، لون شعرها، جسدها..
    قاطعته مُنْتَحبَةً: أسْكُتْ
    · أعرف أنك لم تتزوّجيني إلاّ لغرض ما.
    · أنت ظالم، هل يمكن أن يقوم إنسان بخطوة هامة كالزواج لمجرّد غرض زائل يمكن أن يوفّره بطرق أسهل...
    · إذن لماذا أخفيت عني هذا؟
    · أنا لم أخف شيئا، كل البنات يلقين في شبابهن الاستحســـان و يطلب أيديهن الكثيرون.
    · كل البنات العابثات، مثلك...
    · أنت متخلف...
    · ماذا تقولين ؟ا
    و جذبها من شعرها حتى أسقطها أرضا و أخذ يجرّها من غرفة إلى أخرى و هي تصيح دون منقذ. شعر بالإرهاق فتركها و غادر البيت.




    غامت الدنيا في عينيها و هي لا تصدّق ما حصل. كيف يكون هذا الرجل الذي اختارته من بين الكلّ و حشا آدميا لا يفقه شيئا. إنه يربط كل شيء بفكرة الشرف، و هل يسيء ما فعلته إلى شرف الرجل، أيّ رجل... ؟ لم تستطع أن ترتفع عن الأرض فقد كان جسدها المعذّب و روحها الجريحة غير قادرين على الاستجابة فشعرت أنها تهوي شيئا فشيئا إلى حضيض بلا نهاية.
    استجمعت قواها أخيرا و ارتمت على الفراش فنامت من شدّة التوتر... عاد بعد ساعة فوجدها في الفراش. فركلها ركلة شعرت معها أن إحدى كليتيها قد فارقت مكانها فانتفضت متألمة، كان رأسها يكاد ينفجــــر و عيناها غائبتين.
    · استطعت أن تنامي؟ .. طبعا، فمثلك يحب الرجال الأقوياء.
    · أتركني و شأني !
    · أتركك و شأنك ؟ ! أنت طيبة جدّا يا صغيرتي، لن يكون ذلك قبل أن تعترفي لي اعترافا كاملا بكل ما فعلته قبل أن تعرفينني...
    · قلت لك لم أفعل شيئا... !
    أمعن في ضربها و تعذيبها حتى باحت له بقصة الحب الوحيدة في حياتها...
    · لم أكن مخطئا إذا ... قال بلهجة الظافر و هو يضع رجله على حافة السرير.
    و واصل: إذن لماذا أنكرت في البداية؟...
    · لأنني خفت أن تفهمني خطأ.
    · أنت ماكرة، أعطني اسم هذا الرجل و لقبه و عنوانه و مكان عمله، أريد أن أعرف عنه كل شيء.
    · كيف تطلب مني شيئا كهذا، إنها قصة قديمة منسية لا داعي لنبشها الآن... !
    · أنت ترفضين إذن إعطائي هذه المعلومات....؟
    · نعم.
    ·

    إذن مازالت لك علاقة بهذا الرجل و تريدين المحافظة عليها.
    · لا .. لا .. لا.
    · ما دمت بريئة كما تدعين فأعطيني ما أريده.
    عادت تستدرجه: أرجوك، إنس هذا الموضوع ستفتح علينا باب جهنّم دون طائل.
    · مازلت ترفضين؟
    و هوى بجمع يده على وجهها فسال الدم غزيرا من أنفها ترنّحت قليلا ثم تماسكت بعد أن ألقت بجسمها على الكرسي الطويل
    · هات ورقة و قلما...
    قدّم لها ما أرادت فكتبت بيد مرتجفة كل المعلومات. اتجه نحو الباب رأسا و هو يقول: سوف نلتقي ..
    لقد أحبّها فعلا في تلك الأيام القليلة و تصوّر للحظة أنها لم تكن يومـا إلاّ لــه و تصوّرت أنه لم يكن يوما إلاّ لها و مهما عرف من نساء فإن تلك العاطفة العظيمة التي يكنّها لها لا يمكن أن تعاش مرّتين. تساقطت الثواني باردة، برودة الخوف، برودة الخيبة و تذكرت قوله: "الزواج ليس في نظري إلا قمامة للمشاعر المحبطة"
    · إذن تزوّجني من أجلها، تزوّجني ليكون الفارس بعد أن كان الغلام...
    أنا لست إلاّ انعكاسا للصورة و لست الأصل، لم يحبّنـي يوما حتــى و نحن زوجان
    قطع أفكارها صوت الباب ينفتح ثم يغلق....


    جذبها من ثيابها و هو يقول: تعالي أحدثك عن سيّدتك، تعالــــي و وضعها أمامه كطفل صغير يلقّنه درسا في الحساب أو الجغرافيا و كانت كلما أبدت أدنى اعتراض صفعها صفعة أدمت وجهها. وضعت أصابعها في أذنيها رافضة السماع فضربها، انطلقت كالسهم نحو الغرفة المجاورة و أغلقتها على نفسها بالمفتاح فقطع حبل الغسيل و خلع الباب
    و أوثقها قائلا:
    · الآن ستسمعينني جيّدا....

    كانت في حالة يرثى لها من الهلع و الإحباط منفوشة الشعر، حافية القدمين، مصدومة العواطف...استأنف الكلام:
    · كانت امرأة استثنائية، سحرني شبابها الغض و حلاوة حديثها.


    رأيتها أول مرّة في محلّ لبيع الملابس الجاهزة، كانت تقيس فستانا ألوانه أشبه بضياء القمر الخافت الساحر و كان شعرها الطويل الأسود المرسل على كتفيها بحرا أربك قراري أما عيناها و قد رفعتهما عن الفستان لتلتقيا بعينيّ الذاهلتين سيفا باترا ألقى بي في غيابات العشق السحيقة. لقد كانت آية في الجمال، كائنا سماويا في ثياب أهل الأرض. (كانت نشوة في تلك اللحظات تحترق ألما بل كانت تشعر أن كل خلية في جسمــــها تتفتت و تضيع هباء و هي تراه يتحدث عن الأخرى بصدق حقيقي، بدهشة طفل، و كأنه يعيش القصة مرّة ثانية بكافة تفاصيلها). كنت أتبعها بعد خروجها من المحلّ و أنا واقع تحت سحر عظيم لا فكاك منه حتى عرفت بيتها و كنت أقضي اليوم واقفا في الرصيف المقابل له لا أرفع عينيّ عن شباك أو باب عليّ أظفر برؤياها حتى كان يوم لا كالأيام... كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر صباحا و قد خرجت لقضاء بعض الشؤون. تبعتها حتى ابتعدت عـن المنــزل و قضت كل شؤونها و في طريق العودة بادرتها بالكلام:
    · هل تسمحين بأن أساعدك في حمل حاجياتك.
    التفتت بلطف و هي تقول: لا شكرا إن المنزل قريب. و تابعت طريقها....
    لم أعرف كيف أعيد فتح الحديث معها فأردت الدخول في الموضوع مباشرة.
    · أرجو أن تعطيني لحظات من وقتك لأعبّر لك عن ... قالت بحزم:
    · من فضلك، لا وقت لديّ.
    · قلت متوسلا و الكلمات تضطرب على لساني: لقد قضيت إحدى عشرة يوما أنتظر هذه اللحظة .. أنا..أنا.. لا أنام، أنا إسمي شاكر محام تحت التدريب أسكن في هذه المدينة منذ سبع و عشرين سنة و لم أرك إلا في ذلك اليوم الرائع، لدى محل الملابس الجاهزة. من أنت، ما اسمك ؟
    · إن كل ماتقوله لا يهمّني، فليس إلا مشاكسة عادية.
    · أنا فعلا صادق فيما أقوله، أنا أنوي الزواج منك.. إن قبلت طبعا..
    تبسّمت ابتسامة أخافتني فقد كان فيها من الهُزْء الشيء الكثير... تابعت طريقها فيما عدت أنا إلى البيت لا أفهم ما يحدث لي، لا أعرف لماذا رفضتني، كان العالم وقتها أشبه بزُجاجة تخنقني، تكاد تكسر عظام رقبتي.


    بقيت أياما لا أبرح البيت، كنت كمن سقط من عل، واهن الجسم، مشتّت الأفكار و لكني لم أستسلم... قلت لنفسي: لقد صوّرها الحب لعيني على هذا الكمال السماوي أما هي فلم تكن إلاّ بشرا ، فتاة عادية ككل البنات.
    واطمأننت إلى هذا التفسير و عزمت على أن أرسل والدتي لخطبتها فقد توفى أبي قبل ثماني سنوات. لم تكن أمي مقتنعة تماما بنجاح المهمة و لكن الحالة التي رأتني عليها جعلتها تفعل أي شيء حتى و لو كان مصيره الفشل.
    حملت أمي هدية مناسبة و ذهبت لخطبتها، كان البيت على درجة كبيرة من الترف حيث فتح لها الباب خادم
    و استقبلها رجل واضح الهمة أنيق الملبس لوّنت السنون مفرقيه ببعض البياض الجذاب. طلب منها الجلوس فجلست بهدوء واضح و هي تحاول السيطرة على الموقف إلى أكبر حدّ ممكن حتى تنجح في مهمتها.
    قدمت لها خادمة زنجية بعض المرطبات و مشروبا باردا و لكنها لم ترض أن تمسّ شيئا قبل طرح طلبها.
    قال الرجل باحترام:
    · تفضلي سيدتي، لماذا شرفتنا بهذه الزيارة؟
    قالت و قد أضفت عليها كلماته بعض الثقة
    · لقد جئت في أمر جلل، و أرجو أن لا أردّ خائبة يا سيدي..
    · ما هذا الأمر ؟ أعدك أنّي لن أتأخر في تلبيته إن كان ذلك في وسعي.
    · ابني يا سيدي محام تحت التدريب و قد ..
    · لقد فهمت ما تريدين..أن أساعده على فتح مكتب في المدينة، هذا أمر يسير...
    · لا يا سيدي، لقد شارف على إتمام التدريب و قد ترك أبوه المرحوم بعض عقارات يمكن أن يستغل أحدها كمكتب له.
    · هذا جيّد إذن ما الأمر؟
    ·

    لقد رأى ولدي ابنتكـم المصون في أحد المحـلات ذات يوم
    و أعجب بها أيّما إعجاب، بل إنه مريض منذ أيام لا يقوى على الحركة أو العمل و قد أصرّ على أن آتي لخطبتها في أقرب وقت.
    · إذن هذا هو الطلب، قلت إنه محام تحت التدريب و أن له عقارات تركها له والده.
    · نعم، فقد كفانا الله ذلّ السؤال بعد موته رحمه الله و شاكر ابني الوحيد فلا داعي لأن أصف لك حالي و أنا أراه يذوب أمامي كشمعة تحترق. أنت أب و تفهمني.
    · لقد قبلت طلبك أيتها السيّدة، نجوى مثل ابنتي فأنا عمّها و قد تركها أبوها أمانة في رقبتي و أنا لن أجد أفضل من ابنك زوجا لها فيكفي أنه يحبّها كل هذا الحب.
    شعرت أمي بسعادة لا حدود لها و هي تسمع هذه الكلمات و أخرجت الهدية بيد مرتجفة و هي تقول :
    هذه الهدية من شاكر إلى نجوى، أرجو أن تعجبها.
    لكنها استطردت قائلة: لكن ... ألن تطلب رأيها ؟
    قال بعدم اكتراث: قلت لك إني عمّها و هي لن ترفض فهي تحترم رأيي جيدا.
    قالت: متى نعلن الخطبة رسميا؟ قال: ليكن ذلك بعد أسبوعين.
    استأذنت أمي و قلبها يكاد يغادر صدرها من شدة الخفقان و عادت بسرعة إلى البيت و ما أن فتحت الباب حتى أخذت تزغرد و تدور فـي الغرفة و كأنها هي العاشقة لا أنا.


    قفزت من الفراش و عانقتها و قبلت جبينها و يديها و لا أدري كيف طفرت من عيني دمعتان و أنا أرى آثار تلك المقابلة على وجهها...
    تكلفت أمي بكل المصاريف أما أنا فعشت أياما لا أدري عددها هائما في سعادة أثيرية لا تحملني قدماي بل أجنحة ملوّنة إلى السماوات العلى.
    و حان اليوم الموعود فذهبنا إلى بيت نجوى فوجدنا كل شيء على ما يرام و كانت هي أحلى من بدر في سماء صافية و لكن ما إن وقعت عيناها عليّ حتى كساها حزن غامض و شعرت بالشقاء ينسكب في صدري و يملؤه... حاولت أن أرسم الابتسامة على وجهي و أنا أشقّ صفوف المدعوّين و لكن الألم كان يعتصر قلبي و لا أدري هل تفطّن أحد إلى ذلك أم لم يتفطن...
    جلسنا جنبا إلى جنب. كنت أحاول النظر إليها فتتلهى عني بردّ التحية على المدعوين و قد رأيتها غير مرّة تسرق النظر إلى الساعة و كأنّ اللحظات أبد لا ينجلي.
    و ضعت في إصبعها محبس الخطبة و انتهى كل شيء و تسابـــق المدعوون إلى تهنئتنا و بعد أن غادروا عن آخرهم قالت لي على انفراد: أريد أراك غدا، على الساعة العاشرة صباحا، في محلّ الملابس الجاهزة.
    سألتها: هل هناك شيء خطير؟
    · لا، فقط أريد أن نتحدث قليلا.
    قلت: حسنا، اتفقنا، ليلتك سعيدة.
    عدت أنا و أمي إلى البيت و قلبي يحدثني بغير الخير و لم أكن أعرف أأفرح أم أحزن فقد تذكرت ملامحها عند دخولي و عدم اكتراثها بي طيلة الحفل فبتّ قلقا مسهدا، بل إن أمي لاحظت ذلك و لكنها قالت :
    · أدعو الله أن يهبك الهناء و السعادة يا ولدي، لا تستغرب تصرّفها فهو الارتباك و الخجل كما أنها يتيمة و هذا ينقص من سعادتها بيوم كهذا فلا تفكّر كثيرا بالأمر.


    التقينا كما طلبت فأخذتها إلى مطعم مناسب و بعد أن جلسنا قلت لها:
    · لماذا أردت أن نتقابل اليوم بالذات، ماذا كنت تريدين أن تقولي لي ؟
    · لقد مات أبي و أمي في حادث سيارة و لم يكن لي من العمر أكثر من خمس سنين، كان أبي يملك المال و العقـــارات و كان عمّي مفلسا لا يقع في يده درهم حتى ينفقه فلمّا مات أبي استحوذ هو على كل شيء حتى أنه لم يتجشم الإنفاق عليّ لأدرس رغم أن كل المال من حقي بعد موت والدي وقد خطبني قبلك كثيرون و لكنه لم يوافق و أبعدهم دون أن يستشيرني و ها قد وافق عليك أيضا دون أن يطلب رأيي فهل تعرف لماذا وافق عليك رغم أنه لم يرك قطّ
    · لماذا؟.. قلت مذهولا.
    · لأنك ستصير محاميا بعد شهور و لأن لك عقارات و لأنـك و حيد والديك فلا خوف من أن يشاركك أحد في الميراث.
    · و ما هو رأيك أنت ؟
    · أنا لا أهتم بكل هذه الحسابات و لا أريدك زوجا لي...
    · و لماذا لم تعترضي منذ البداية ؟
    · لأن عمّي أرغمني على القبول و هدّدني بأنه سيطردني من البيت إن لم أفعل فقد قام بتزوير كل الأوراق الرسمية و كل ثروة والدي هي تحت تصرفه الآن.
    · ما دمت لا تهتمين للأمور المادية و مادامت ثروة أبيك قد خرجت من يديك فلماذا لا نتزوج و سأعوّضك عن كل الحرمان الذي عانيته ماديا و معنويا.
    ·
    لقد قلت لك إني لا أريدك..
    · ربما لأنك لا تعرفينني كما يجب و لكن لن تجدي قلبا كقلبي..
    · لماذا لا تريد أن تفهم....
    · حسنا، أعطيني سببا واحدا يجعلك ترفضينني.
    · أكره فيك كل ما جعل عمّي يقبلك و يسلّطك سيفا على رقبتي...ووضعت محبس الخطبة على المنضدة و اختفت.
    كان كل ما حدث كابوسا مفزعا تمنيت الاستفاقة منه بأســرع وقـت و رفعت جسدي قطعة قطعة وأنا أشعر بظلم يعتصر روحي و بثورة مكبوتة تضيق بها ضلوعي... فكّرت في العودة إلى عمّها و لكني مع كل ما فعلته معي لم أكن أريد أن أزيد من عذابها و فضّلت أن ألعق جراحي في ركن من غرفتي الموحشة.
    و أردت أن أثأر للظروف التي حالت بيني و بين نجوى. كنت أطارد
    طيفها في التفاتتك، في ابتسامتك في كلماتك و أشعر بسرور خفي كلما لا مست الحقيقة الذكرى و كأنني أمتلك الأقدار التي سخرت مني ذات يوم.
    كانت نشوة في تلك اللحظة حطام امرأة، لقد شعرت أنــها تشيـخ و تشيخ حتى يصير لها من العمر مائة عام أو يزيد... شعرت أن عمرها رحلة انتهت قبل أن تبدأ و لم يبق غير العدم يسْخر من آمالها و شبابها المتعطش للحياة.
    فكّ شاكر و وثاقها فبقيت ملتصقة بالأرض كقطعة قماش ملقاة بلا اكتراث فلم يكن لها من القوة ما يمكّنها من مغادرة المكان أما هو فقد خرج و لم يقض ليلته في البيت فقد كان يشعر أن البيت أضيق من أن يحويهما معا.





    بات شاكر ليلته في السيارة فلم يُردْ أن يقحم أمه العجوز في مشاكله التي لن تعود عليها إلا بالألم و الحسرة... أما نشوة فقد جلست على كرسي قرب النافذة تنتظر قدومه حتى ساعة متأخرة من الليل فداخلـها الفــــزع و تصوّرت الأسوأ.
    دخلت أشعة الشمس من أسفل باب المستودع الذي تربض فيه السيارة فأفاق بعد ليلة لم ير فيها النوم إلاّ في الهزيع الأخير.
    اتجه إلى أقرب مقهى و دلف بين المناضد ليجد نفسه أمام الحوض، فتح الحنفية و غسل وجهه جيدا محاولا طرد بقايا إرهاق و ارتسمت على المرآة صورة شخص مُنْهَك، بعينين متورمتين و خصلات غير مرتّبة و ثياب تغلّف جسدا فقد إحداثياته.
    ألقى بجسده على أقرب كرسي و أومأ للنادل أَنْ هَات القهوة... فكّ رباط عنقه و أخذ يتأمل في اهتمام وجوه رُوَّاد المقهى، لم يَر َوجها واحدا يعزف لحن الفرح فهذا شارد و الآخر غارق في همومه وواحد يحاول أن يجعل من رقعة الشطرنج حَلْبَةَ صراع واقعية ينتصر فيها على الملك بكل رمــوزه و آخر يشرب "النرجيلة" بعدم اكتراث و كأن العالم كلّه لا يساوي سحابة دخان تصّاعد هنا و هناك تنفثها صدور الحاضرين.
    وضع النادل القهوة على المنضدة أما هو فمازال غارقا في أفكاره يُرسل النظر هنا و هناك دون وعي...
    تفطن إلى فنجان القهوة يتوسط المنضدة و كأنه يقول له: "احملني فأنا لا أتحمّل هذا الكم من السّواد الذي يملؤني ..اشرب القهوة حتى أتمتع للحظات بنشوة الفراغ، براحة الفراغ، ألا ترى كل هؤلاء الناس ألا يتمنى الواحد منهم لو كان يستطيع أن يفرغ ما في داخله فيصير خفيفا، خفيفا، كريشة في الفضاء الرحيب"..


    .شرب شاكر محتوى الفنجان بصفة آلية و كأنه يذعن لأمر الفنجــان و وضع الحساب على الطاولة ثم خرج....
    عادت نشوة إلى ماضيها و ذكرياتها فلم يكن حاضرها يشي إلّا بسواد عظيم يخترق كل مساحة للضوء في حياتها و يكتسحها، عادت نشوة بنتا صغيرة يتلهّف عليها الشبان، بنتا يملؤها الطموح و الثقة في غد، لن تنكر أن شاكر كان بالنسبة إليها مقعد راحة من قصة حبّ مرهقة باءت بالفشل لأن طرفها الآخر كان ضعيفا و لكنها مع ذلك أحبته حقا
    و نذرت نفسها لحبّه فلم يكن في عالمها سواه، لم يعد لها ماض منذ أن عرفته، صار هو زمنها و الحقيقة الوحيدة في حياتها...
    لماذا يتعسّف عليها بتلك الطريقة، لماذا يحدّثها عن الأخرى فيفرغها من كيانها... لا شيء فيها لها، كل جميل فيها لنجوى وتذكرت كلماته:"الزواج ليس إلا قمامة للمشاعر المحبطة" فشعرت بجسدها كله يبرد و يتصلب و يتقيأ ذاته، كيف سمح لنفسه أن يعذبها بتلك الطريقة و كأنها مجرم حرب، ماذا اجترحت من فعل لتلقى ما لقيت؟
    رفعت جسدها بصعوبة و تحركت كآلي ترتّب غرف المنزل و تغسل بعض كؤوس متناثرة على سفرة المطبخ فمنذ ثلاثة أيام لم يأكلا شيئا و لم يضعا في جوفهما سوى سائل القهوة الأسود.
    كانت غارقة في تمزّقها بين ما انتظرته و ما وجدته من شكل للحياة في هذه الشقة الصغيرة التي ظنتها مرفأها الأخير حين دار المفتاح في القفل فارتعـدت و ندّت منها آهة مكتومة و هي ترى هذا الحبيب الجلاّد يقتحم الشقة ثانية ليسلط عليها سيوف العذاب...




    عرف من حركتها أنها في المطبخ فذهب إليها، لم تلتفت فقد كانت متحفزة لكل حركة تبدر منه، احتضنها من الخلف بقوة، تشنجت، كانت تريد و لا تريد... ترقرقت في عينيها دمعتان، أدارها في اتجاهه و امسك وجهها بين يديه فأبعدتها بحركة غريزية و كأنها تخاف أن يضربها أو يعنفها فأخذه برفق بين يديه ودسه في صدره و كأنه يعتذر بطريقة غير مباشرة. لم تنطق، كانت حزينة، مقهورة لا تعرف ما تفعل... أخذ منديلا بيده الأخرى و جفّف يديها ثم أخذها إلى خارج المطبخ ..أجلسها على حافة السرير و هو ينظر إليها بعطف، كانت أشبه بدمية جامدة، كمتهم ينتظر القصاص لم يتكلم هو أيضا، لكنه أخذ يداعب كل جسدها بوجهه و يقبلها أحيانا من شعرها أو صدرها، كانت تهتز و ترتعش و تنحبس الآهات في حنجرتها، تتمنى لو تستطيع أن تحتضنه أو تفعل ما يفعل ولكن طيف الأخرى كان يجثم على لهفتها و رغبتها في أن يعود إليها كما كان و تعود هي كما كانت، استجمعت قواها و قالت: لست مطالبا بأي واجب زوجي نحوي، أعرف أنك مازلت تحبّها و لن أقبل أن يكون جسدي مطيّة لغرضك منها، أنا الآن جسد بلا روح، فكرة جميلة عاشت أياما ثم تبخرت كالعطر في جوف السماء، وربما لم توجد أصلا...
    أسكتها بقبلاته و شعرت للحظة بأنها تتجرد من ماضيها و من سواد الأيام التي عاشاها كمتهم و جلاد و سكنت و هي تطرد شيئا ثقيلا جثم على صدرها، شيء كالخيبة وانسداد السبيل. عانقته مغمضة العينين و همست:"ضع رأسك على صدري و ستعرف كم من البحار قطعت لأتسمع صدى أنفاسك .. كم موحش غيابك، كم مربك صدودك كم واسع صدرك، كم ضيق صبري..."
    قال بصوت خافت:" لا أحبّ أن يشتهيك غيري."
    قالت: و هل أحبّ أن تشتهي غيري، إن هذا الماضي الذي تحمله يرهقني أكثر منك، يقتل كل نبض في داخلي، ليتني لم أكن كما أنا، لقد صرت أكره هذا الشبه المدمّر بيني و بينها...
    وقف و كأنه ينفض يديه من شيء ما و عيناه في حزن قاتم: الأيام كفيلة بإصلاح كل شيء...
    أغلق الباب وراءه و عبر الشارع... كان آخر ما يذكره صوت منبّه السيـارة و هي تخترق جسده...

    كوثر خليل
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • محمد السنوسى الغزالى
    عضو الملتقى
    • 24-03-2008
    • 434

    #2
    الحكاية فيها الكثير من الدروس..ونحن نعاني من تغييب العقل وغياب الوعي..لذلك نرفض في مجتمعاتنا ان لكل من الرجل والمرأة ماضي قبل ان يعرف احدهما الاخر.والواقع ان شعور احد الزوجين بان الاخر خرج من قمقمه عليه مباشرة في ليلة العرس هو شعور ساذج ما في ذلك شك..لكننا نعيش هذا الشعور لأننا لانشتغل في علاقاتنا على تقنيات الشفافية والاعتراف لثمن تبعاتها الباهض للغاية..في هذه الجزئية اعجب بالعلاقات الواضحة في المجتمع الاوروبي او الغربي عموما لادراكهم ووعيهم لهذه المسألة ، نحتاج نحن الى مزيد من الوقت لكي نفهم..وإن كان عامل الزمن ليس في صالحنا ابدا..تماما مثل حديثنا عن ما بعد الحداثة مع اننا لم نتعرف على الحداثة بعد وبوعي..شكرا لقلبك الجميل كوثر.
    [B][CENTER][SIZE="4"][COLOR="Red"]تــــــــــــــــــدويناتــــــــــــــــــــي[/COLOR][/SIZE][/CENTER][/B]
    [URL="http://mohagazali.blogspot.com/"]http://mohagazali.blogspot.com/[/URL]

    [URL="http://shafh.maktoobblog.com/"]http://shafh.maktoobblog.com/[/URL]
    [BIMG]http://i222.photobucket.com/albums/dd312/lintalin/palestine-1.gif[/BIMG]

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      شكرا لتشجيعك أستاذ محمد السنوسي الغزالي:
      سأحاول في كل مرّة أن أطرح قضية ما، قضية ماضي الزوجة بالخصوص لا تزال تخرج آدم من جنّته و قد يكون الأمرأحيانا محض شكوك مبالغ تسببت فيها شهادة مغرضة.
      تحيتي
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      • قرويُّ الجبال
        أديب وكاتب
        • 26-12-2008
        • 247

        #4
        الحب هو من احب الناس جميعا واراد لهم الخير اي حالة ارتقاء بالمجتمع

        انها مأساة تخلفنا يا كوثر.....!
        امة ما زال تفكيرها بمجرى بولها...
        ويا ليتهم دافعوا عن
        هذا المجرى ....
        علوج الغرب اغتصبت عشرات الالوف بالعراق من النساء والاطفال البنين والنبات............؟؟؟؟؟؟؟؟
        ولم نرى ردة فعل لهؤلاء القائمين على الدين والدنيا ؟!
        بل بالعكس يباركون ذلك ؟!

        حسب تسلسل ظهور الشرائع عند البابليين..
        المشرع المسمى اوروكاجينا سمح ان تتزوج المرأة رجلين وان اخطأت واحبت ثالث غيرهما ترمى بنهر الفرات حتى الموت.؟؟؟

        ابراهيم الخليل تزوج اخته سارى؟؟؟


        الملكة حدشبسوت تزوجت اخوها حتى لا يضيع الملك..الخ الخ

        وانا استنتج من تشريع اوروكاجينا بان المرأة كانت هي البداية بالتاريخ بمرحلة المشاعية وتتزوج من تريد وتترك من تريد لحظة تشاء؟! اي تتزوج بواحد واثنين وثلاثة...ولكن تنظيم الارث والملكية والمجتمع المدني لا بد من تحديد لامور العلاقة الجنسية اي الزواج؟!
        مع الوقت اصبحت المراة سلعة مثل اي سلعة تباع وتشترى بالشاقل
        فلذلك اصبح على الرجل ان يعرف كل اسرار سلعته ومشاكلها حتى لا يأكل الضرب وينام على الدرب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


        وانا اقول حتى لو كانت النزاهة والحب مطلقة بين المرأة والرجل؟!

        اليس المرأة تحلم بالمنام وتستنوم برجل اخر بدون ارادتها؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

        وكذلك الرجل اليس يحلم ويستنوم بامراة اخرى خارجا عن ارادته حتى لو كان نبيا؟؟؟؟؟

        فنحن امة الكذب ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
        نعيش بالوهم ونكذب على انفسنا على طريقة الله امر بالستره؟!


        اخوك ِ القروي

        تعليق

        يعمل...
        X