دراسة نقدية لقصيدة أنا الجاسوس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د/ أحمد الليثي
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 3878

    دراسة نقدية لقصيدة أنا الجاسوس

    أنا الجاسوس
    للشاعر عبد الناصرحجازي

    أنا الجاسوس اللى انتوا بتحاكموه بتهمة إتصاله بالعدوّ
    وكل واحد فيكوا حضر" لى القرار والمشنقة
    من غير ما تلسع قلبه نارى ،
    أو يعيش لحظة فى مرارى ،
    أو يحسّ بأزمتى
    لو قلتوا قبل ما تتشنق نفسك فى إيه ؟
    هاقول : تدوّى صرختى ،
    تدّونى فرصة اصرخ واقول لكوا كلمتى
    بعدين تحطوا المشنقة ..
    فى رقبتى لجل احصل على ( حريتى )
    أنا الجاسوس اللى اتصل بعدوّكم ..
    لما اكتشفت .. إن انتوا أعدائى الأشدّ ،
    انتوا الوحوش المصّة دمى وآكلة قوتى
    انتوا اللى بتتاجروا بحياتى ولسه هتتاجرم بموتى
    إسمعونى .. يمكن ابقى لحدّ من أحفادكوا درس من الدروس
    أنا الجاسوس اللى النظام لعب بأحلامى الإزاز
    ومشيت فى وسط الاحصنة مركّب جهاز
    ضهرى الخسع .. سّبب لبطنى الضرب من كل اتجاه
    نهرى الفقير .. ممنوع يصبّ فى بحركم ،
    ممنوع يكون لى زيّكم ضلّة وشجر
    بتزرعونى ف لحظة الشهوة الحرام ..
    وبتقطفونى فى العطش ،
    بتخصخصوا حريتى ..
    وبتخطفونى بالقانون
    وبتلغوا عقدى مع الحياة بطلب إحاطة
    سلّمتوا أحلامى للصوص العولمة ..
    وقبضتوا حقى بالدولار
    ضحية بين شاشات إباحة .. شيوخ بلاستيك .. كل أشكال القمار
    ع الزيرو 900 حقق حلمك الميّت وكرّر لاتصال
    وتحوّلوا الحلم لحسابكم فى البنوك
    أنا عبدكم ... وانتوا الملوك
    أنا الحرس ... وانتوا النيام
    أنا القيام ... وانتوا الجلوس
    أنا الجاسوس ...
    اللى اتعمل لى ألف جنحة وألف محضر ...
    يوم ما فكرت انى ابيع فاكهة وخضار ،
    وكفرت بالحج اللى عارضاه الحكومة .. للى يكسب فى القمار ،
    أنا الفقير المستحى ،
    أنا النجيل المستباح
    بيتّهمنى المرتشى واللص والقواد ..
    عشان ماليش ضوافر أو حشف
    احكم بسرعة يا قاضى قبل ما تنكشف زى الرفاق
    احكم بسرعة أنا فى اشتياق اروح لقاضى بجدّ عادل
    هوّ اللى أعلم بالنفوس
    أنا الجاسوس اللى انتوا جوّعتوه لحدّ ما عضّكم
    اللى اترمى فى الحجز لحظة ما اللصوص طلعم براءة ،
    بعت صوتى ع البطاقة بحق فرخة ..
    وانتخبت اللى استباحنى ،
    اللى يوم العيد دبحنى ،
    واشتكانى لما زاد وجعى وصرخت
    وقلتم ان الثّورة أنهت ع الفوارق
    الفوارق فى ازدياد ،
    وكل خرم فى مصر بيفيّص فساد ،
    وفيه طبقتين فى البلاد :
    الأولى بتهيّأ حريمها للخديوى ،
    والتانية بتشحّت عرابى قلوبها حاف
    الأولى بتضاجع عدّوى ..
    والتانية بتحّميها بدموع العيال
    تلاتين سنة وبقبض تراب ..
    فى مصالح المغضوب عليهم
    المحرومين من أى ميزة وأى ( كادر )
    أما اللى كرشه بيشغى دود ..
    اللقمة من إيده بحلل
    هو اللى يسرق واتحبس دايما مكانه ،
    هو سلطاننا فى زمانه
    أما انا ...ع السلّمة الواطية افضل احبى
    واشدّ فى هدوم الرغيف
    ولو مشيت عكس اتجاهكم ...
    يتعمل لى مخالفة وأتّاخد تحرّى ..
    واصرخ ما فيكم حدّ فكّر يلتفت
    وغصب عنى بتحلمم ،
    وغصب عنى ليلاتى يرعبنى الكابوس
    أنا الجاسوس اللى انتوا من ستين سنة بتستعبدونى
    تضحكم دايما بدونى
    بس وقت اللطم بتحنّوا لخدودى ،
    بتسرقوا الخطوة اللى رجلى محوّشاها
    رجلى اليتيمة الماشية تئزح ع البارود
    أما انتوا رجليكم بتضغط من زمان ..
    على بقّى والأمر السيادى : اسكت وبوس
    أنا الجاسوس ..اللى ان ديدان البلهارسيا تحشّ كبدى ..
    ما لقاش فى مستشفى الأميرى ..
    غير شريط طباشير ما يسوا التذكرة ،
    والطيارات محجوزة للرقاصة تتعالج بأمر من الولي
    ساذج وصدّقت الولى..
    فى يوم ما قاللى: همنع الدرس الخصوصى ..
    لجل تلقى للعيال تمن الرغيف ،
    و ف يوم ما قال ان المناصب والمراكز والمجالس ..
    من هنا ورايح هتبقى للشريف ،
    وف يوم ما قال شجر العدالة هيرمى ضله على الضعيف
    وما خدت من مطر الوعود الا البخار ،
    واستسلم الكبش الضحية للرحيل
    هموت بدلكم وانتوا تحيوا نيابة عنى
    مانا عشت عمرى اعرق بدلكم وانتوا تقبضم الفلوس
    أنا الجاسوس
    حبيت اجرب مرة حق الإختيار
    حبيت اجرب وأنتخب مرة بإرادتى ..
    فانتخبت عدوكم ..
    واختّرت ابيع العمر للّى يدفع أكتر
    ادبحونى واشحنوا بدمى الموبايلات اللى جايّة لكم ( كادوه ) ،
    أو فوّلوا بدمى الرخيص السيارات آخر موديل
    أو اشنقونى واقطعم ديل الخيانة
    مع إن كان مفروض عليكوا تبدؤا بقطع الرؤوس
    أنا الجاسوس اللى حساباتى كلها طلعت غلط
    جيت اختبر حريتى قلت لآمون :
    العهد طوّل ..
    والرعايا نفسهم يمشوا فى جنازتك
    قام حالفلى ما يمشى غير لو ساب وريث .. ياخد عزا كل الرعايا !
    فمشيت وراه ساكت ..
    ورغم سكاتى سابنى فى الطريق ..
    وتهت علما ان انا صاحب الفانوس
    أنا الجاسوس .. وكلكم جواسيس
    بتتقابلم مع الأعداء فى نص الليل ..
    بتتفقوا .. وتتواصلوا ..
    وبتتاجروا .. وبتفاصلوا ..
    وتتساهلوا ف تمن دمى ،
    بتنسوا ( قضية الأسرى )
    وتفتكروا اللى من قهره استجار بالريح ..
    وحاول يلقى فى الليل العقيم طلق الشموس
    ...........................
    آدى الدفاع عن نفسى وادى التبريرات
    حضّرتهم ..عشان اقولهم لو صحيح ..
    القهر زوّد أزمتى ،
    ولقيتنى مضطر انى اكون .. فعلا .... جاسوس

    ********
    د. أحمد الليثي
    رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    ATI
    www.atinternational.org

    تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
    *****
    فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.
  • د/ أحمد الليثي
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 3878

    #2


    بداية أحيي الأستاذ الشاعر عبد الناصر حجازي على هذه "الدرة".

    وأرى أنه لا ينبغي فصل جماليات القصيدة وأدواتها الفنية التي تم استغلالها للتعبير عن فكرة -هي في الحقيقة بارعة- ومناقشة الفكرة من حيث هي فكرة مجردة، ألا وهي الجاسوسية، وخاصة أن الشاعر في الحقيقة لم يقل أن من تدور على لسانه هذه الأبيات هو جاسوس بالفعل. والفرق بين الفعل والقول شاسع ومعروف.

    ومن جانب آخر إذا نظرنا إلى الواقع الفعلي الذي نعايشه كل يوم نجد بيننا المرتشي والحرامي والفاسد والقواد وعديم الضمير ... إلخ وإذا توجهت بسؤالك إلى فطرة كل منهم أجابتك أن ما يقومون به من أفعال إنما هي أمور مستقبحة منكرة. ولكن استقباح الفعل لا يعني الإقلاع عنه. كذلك فإن من يتقاضى الرشوة يومياً مثلاً وهو متيقن قبح صنيعه إنما يحاول أن يجد مبرارت وقتية لنفسه يسوِّغ بها فعله، ليس إنكاراً لقبح القبيح، وإنما حفاظاً على ماء الوجه. أما من يستمرأون القبيح فوجوههم مكشوفة، وفطرتهم ممسوخة. "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يفعلون".

    ومن هنا فهذا الجاسوس الخيالي قد أوجد لنفسه من المبررات ما يسمحه له بالقيام بفعلٍ لا يختلف في قبحه عما نراه يومياً في حياتنا. ولكن الفرق أن هذا الجاسوس ساغ مبررات من قلب الواقع، وحين تجتمع كل هذه الأحداث على شخص واحد (هو المواطن العادي، عديم الوسطة، اللي مالوش ضهر) تصبح الحياة عيشاً لا يطاق. وكما يقولون الغريق يتعلق بقشة. أما الرد المقابل فهو "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها"، والرد على هذا أيضاً أن "جاسوسنا" يموت بالفعل كل يوم، بل جفت أثداؤه، وقطعها الجزار، وألقاها للكلاب. أما حريته فقد سلبوها منه يوم مولده، وسلبوها منه في شبابه، واستعبدوه طيلة حياته. ولأن جلاديه أهل نفاق فإنهم يحاكمونه بتهمة الجاسوسية. مع العلم أن جاسوسنا ليس جاسوساً بالفعل.

    وإذا تعدينا الحدود القطرية المحلية الضيقة، واعتبرنا العالم كله دولة واحدة -ذلك أن جاسوسنا منزوع الجنسية- نجد أن هذا الجاسوس إنما يحاول الخروج من مأزق عكر عليه حياته. والأمثلة على مشروعية هذا التصرف من حيث المبدأ قائمة. فالملايين يتركون بلادهم ليعملوا في بلاد أخرى، والملايين يهاجرون من أوطانهم بحثاً عن عيش كريم في أرض أخرى سرعان ما تصبح لهم أوطاناً. فمع اعتبار كوكب الأرض وحدة واحدة غير مقسمة فإن ما يفعله جاسوس قصيدتنا هو أنه انتقل من مكان الضيق إلى مكان الفرج. أما وسيلته في هذا الانتقال فهي أشبه بمن نغص عليه جارُه حياتَه فرحل عنه، ثم اتفق مع عدو لجاره على الاقتصاص من جار السوء ذاك. فهل أصبح القصاص أمراً تستنكره النفوس؟

    إن القارئ المعترض على فكرة الجاسوسية ولا يجد لها مسوغاً إنما ينطلق من أفكار مسبقة، وأطر متجذرة بحكم العادة وليس بحكم الطبيعة. فالعادة والواقع تخبرنا أن الأرض دول مقسمة، والعدو الذي تعتبره دولة ما عدوا إنما هو عدو لجميع الدولة وليس عدواً لأفراد معينين فيها، وأن غاية الجاسوسية في نهاية الأمر هو معرفة نقاط ضعف العدو، أو وضع خطط للتفوق عليه حال انقلب الشعور بالعداء إلى نزوع بالفعل ... إلخ. ولكن فكرة الاقتصاص من جار السوء بالاتفاق مع شخص آخر لا تلقى نفس الاعتراض، بل قد يجد لها البعض ألف ألف مبرر. أما الطبيعة (أو الفطرة) فتقول لنا إن التجسس من قبائح الأمور، ولكننا بالغريزة نسعى للبقاء، فحب البقاء، والتمسك بأهداب الدنيا، والسعي بمنتهى القوة لرغيد العيش أمور يتفق فيها الجميع، وإن اختلفت درجات المحاولة لتحقيقها، وتباينت الأولويات.

    لقد اكتشف هذا الجاسوس منذ البداية أن ليس كل ما كان يشاع عن "الأعداء" حقيقياً، بمعنى أن العدو "الحقيقي" له لم يكن حسبما كانوا يلقننونه. فذاك العدو لم يمتص دمه، ولم يأكل قوته، ولم يشتد عليه. فلماذا إذاً يعاديه؟ نعم، هو يعترف بعدائه، ولكن هناك عداء أشد عليه من عداء عدوه التقليدي. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة. استمعوا إليه يقول:

    إن انتوا أعدائى الأشدّ ،
    انتوا الوحوش المصّة دمى وآكلة قوتى
    انتوا اللى بتتاجروا بحياتي ولسه هتتاجرم بموتي.

    تتلو هذه الأسطر تفاصيل ينخلع منها الفؤاد، ولا يشعر بحقيقة مرارتها إلا من يده في النار. فحين نتحدث مثلاً عن آلام مصر ونحن في غربة عنها، أو ننقل واقعاً سمعنا عنه، ولم تره عيوننا، أو رأيناه مشاهدة ولم يكن تأثيره مباشر على حياتنا ... إلخ، فلا يمكن لأي قول -مهما بلغت براعته- أن ينقل حقيقة الألم. ذلك أن كل تعبير يتضاءل أمام صرخة المظلوم المتعب الذي يجأر بأعلى صوته ليقول "آآآه".

    انظروا إلى جاسوس القصيدة، وقد عرض قضيته كلها في سطر واحد:
    "انتوا اللى بتتاجروا بحياتي ولسه هتتاجرم بموتي"

    إن حياته لم تعد حياته رغم ياء الملكية، فلم يعد له سلطان عليها؛ لأنه لو كان يملك التصرف فيها لما سمح لأحد بالمتاجرة فيها دون العودة إليه. فهم قد تاجروا بحياته ولم يستأذنوه. عاملوه كالرقيق الأصم الأبكم الأعمى، أو أقل من ذلك. ثم هو يعلم أنهم حين يسلبونه تلك الحياة التي لم يملكها يوماً، فسيفعلون بموته ما فعلوه بحياته. وهو هنا لا يخمن وإنما يتحدث بيقين صدق المقدمة، فلا بد وأن تصدق النتيجة. وهو يريد أن يقول لهم هذه "حياتي"، والحياة تأتي ومعها الحرية التي يمنحها الله للناس وهم في أصلاب آبائهم. ولكنه لم يعرف للحرية طعماً، ويدرك أن حريته الحقيقة إنما هي في موته. فلتتاجروا بموتي فروحي لن تبالي:
    بعدين تحطوا المشنقة ..
    فى رقبتى لجل احصل على (حريتى)

    وكما يقول الشاعر:
    من شاء أن يحيا: يموت.

    وليس في الموت حريته فحسب، بل هو يعلم أنه بعد الموت سيتمكن من لقاء قاض عادل، ووسيلته لهذا اللقاء هو أن يحكم عليه قاضي الدنيا الظالم بالموت. فإذا به يتلهف للقائه "أنا في اشتياق" حتى يحكي له قضيته الحقيقة، مع علمه أن الله أعلم بالنفوس، ولا تجوز عليه الخديعة. ولكن دافع هذه الرغبة هو أنه يريد أن يمتلك زمام أمره ولو لمرة واحدة. وأمام قاضي الآخرة يعلم أنه سيعطى الفرصة ولن يقوى جبابرة الدنيا على منعه. وليس هذا من قول أو اعتقاد الجواسيس، وإنما قول المؤمنين واعتقادهم. ومن هنا نراه يخاطب قاضي الدنيا "المكشوف" (احكم بسرعة يا قاضى قبل ما تنكشف) بقوله:
    احكم بسرعة أنا فى اشتياق اروح لقاضى بجدّ عادل هوّ اللى أعلم بالنفوس

    ويفارق الشاعر بين الحياة والموت في قوله:
    "انتوا اللى بتتاجروا بحياتي ولسه هتتاجرم بموتي"
    في أول القصيدة، وبين فكرة الحياة والموت في نهايتها حين يقول:
    "هاموت بدلكم وانتوا تحيوا نيابة عني"

    فهو يعلم أنهم لن يحيوا حياته، بل سيحيوا نيابة عنه ما كان ليتبقى من حياته لو أنهم لم يعجلوا به إلى حتفه بما فعلوه به طيلة عمره.

    والجاسوس رغم أنه قد سُلِب حياته، وسلب عدم التحكم فيما يحل به بعد موته " ولسه هتتاجرم بموتي"، فقد كانت له أحلام. وهذا شيء لا يملك السيطرة عليه إي إنسان مهما فعل. ولكن الحقيقة المرة أن يكتشف أن أحلامه لم تكن سوى أحلام من زجاج، لم يكسِّرها النظام، وإنما تلاعب بها. والفرق يبعث على المرارة. فلو أن النظام كان قد كسَّر أحلامه لعلم أن الأمل مفقود، ولكن ما حدث هو أنهم أبقوا على أحلامه الزجاجية وتلاعبوا بها حتى يبقونه واهماً فيسلبون منه مايشاءون بحجة الأمل. "أنا الجاسوس اللى النظام لعب بأحلامى الإزاز"، وكانت ثمرة التلاعب أنه تلقى الصفعات والضرب من كل اتجاه:
    سّبب لبطنى الضرب من كل اتجاه

    وبينما هو متعلق بأحلامه، كانت هناك أمور تحدث أراد أن يتعداها ولا يتوقف عندها حفاظاً على أحلامه، ورغبة في تحقيقها:
    نهرى الفقير .. ممنوع يصبّ فى بحركم ،
    ممنوع يكون لى زيّكم ضلّة وشجر
    بتزرعونى ف لحظة الشهوة الحرام ..
    وبتقطفونى فى العطش ،
    بتخصخصوا حريتى ..
    وبتخطفونى بالقانون
    وبتلغوا عقدى مع الحياة بطلب إحاطة
    سلّمتوا أحلامى للصوص العولمة ..
    وقبضتوا حقى بالدولار
    ضحية بين شاشات إباحة .. شيوخ بلاستيك .. كل أشكال القمار
    ع الزيرو 900 حقق حلمك الميّت وكرّر لاتصال
    وتحوّلوا الحلم لحسابكم فى البنوك
    أنا عبدكم ... وانتوا الملوك
    أنا الحرس ... وانتوا النيام
    أنا القيام ... وانتوا الجلوس
    أنا الجاسوس ...
    اللى اتعمل لى ألف جنحة وألف محضر ...
    يوم ما فكرت انى ابيع فاكهة وخضار ،
    وكفرت بالحج اللى عارضاه الحكومة .. للى يكسب فى القمار ،
    أنا الفقير المستحى ،
    أنا النجيل المستباح
    بيتّهمنى المرتشى واللص والقواد ..
    عشان ماليش ضوافر أو حشف
    احكم بسرعة يا قاضى قبل ما تنكشف

    كل هذه عذابات وصرخات تحملها، ثم يكون جزاؤه "المشنقة" لأنه لم يقبل أن يتحمل أكثر، لأنه قال "كفى"، لأنه قال "ارحموني". هذه جريمته. وكما عرض الشاعر القضية في جملة واحدة، نراه في براعة يلخص الجريمة في كلمة واحدة هي: "عضكم". وهذه العضة لم تكن عضة غدر وخيانة، وإنما ردة فعل غير محسوبة، نوع من المعاملة بالمثل غير مقبول؛ لأنه لو كان قد حسبها لما عض أحداً. فهو صابر صابر. ولكنهم زادوا فوق كل المرار السابق أن "جوعوه". والجوع .... كافر.

    أنا الجاسوس اللى انتوا جوّعتوه لحدّ ما عضّكم
    وجاء تجويعه هذا بعد أن قدم لهم ما شاءوا، فلبى رغباتهم -طوعاً أو كرها- فماذا فعل لهم ليكون جزاؤه ما ناله منهم:
    بعت صوتى ع البطاقة بحق فرخة ..
    وانتخبت اللى استباحنى ،
    اللى يوم العيد دبحنى ،
    واشتكانى لما زاد وجعى وصرخت

    العضة هنا ليست عضته، فهم عضوه وعضوه، واستباحوه وذبحوه، ولما صرخ من الوجع كمموه وأخرسوه وأخرجوا له المشنقة بعد أن وضعوه في الحجز يوم أطلقوا سراح اللصوص. والسبب أنه إذا بدأ يعض فلا أمان للصوص في الخارج. وهنا المفارقة الجميلة. يحبسونه ويطلقون اللصوص حماية لهم من العض، ولم يكن حبسهم إلا إلى أن يحل هو محلهم. وهذ سياسة الظالمين: حين تفتح الشعوب أفواهها يحبسونها. وإذا لم يتمكنوا من حبس شعب بكامله في الزنازين حبسوهم جواً وبحراً وبراً بالعقوبات الاقتصادية، والحصار والتجويع، وإن استطاعوا لمنعوا القطر من السماء، ولسحبوا الهواء.

    وهو في توجهه "للعدو" لم يقترف إثماً، فهم فعلوا أكثر من ذلك. فالطبقة المسيطرة على مقاليد الأمور باعت عرضها وكرامتها وحريتها، وقبلت بالدنية والدنس "الأولى بتضاجع عدّوى". وأي فعل تقارنه بهذا لا يصل إلى نفس درجة الانحطاط. فالتجسس للعدو لا يعدو أن يكون تجسساً، جريمة واحدة. أما مضاجعة العدو فهو جريمة أبشع، وأكثر من مجرد جريمة واحدة. لا تحاكموا جاسوس القصيدة، حاكموا من فعلوا أكثر منه. فكلنا جاسوس القصيد.

    وعلى الرغم من أنه لا يمكن أن يسيطر أحد على "أحلامه" إلا أنه جعل أحلامه تبعاً لهوى جلاده، فصدقه حين قال:
    وقلتم ان الثّورة أنهت ع الفوارق

    وأخذ يحلم، وينتظر النتيجة، ويترقب تحقيق الوعد. وقبل أن يتحقق الوعد تحقق عكسه:
    الفوارق فى ازدياد ،
    وكل خرم فى مصر بيفيّص فساد

    وقبل أن يفيق كانت النوازل تترى، وهو مع كل هذا على عهده مصدق للوعود، يحلم بالخلاص:
    وصدّقت الولى..
    فى يوم ما قاللى: همنع الدرس الخصوصى ..
    لجل تلقى للعيال تمن الرغيف ،
    و ف يوم ما قال ان المناصب والمراكز والمجالس ..
    من هنا ورايح هتبقى للشريف ،
    وف يوم ما قال شجر العدالة هيرمى ضله على الضعيف

    والنتيجة:
    وما خدت من مطر الوعود الا البخار

    ثم لم تفتأ الأحلام أن تحولت إلى كوابيس مرعبة مفزعة منغصة للعيش فوق تنغيص الحياة، لا تمر ليلة بدونها على مدى ستين عاماً. فلا راحة في يقظة ولا راحة في نوم:
    وغصب عنى ليلاتى يرعبنى الكابوس
    أنا الجاسوس اللى انتوا من ستين سنة بتستعبدونى

    وبينما هم جاسوسنا أن يحصل هو وعياله على "رغيف"، إذا بالرغيف يستعصي عليه، وهو يحبو محاولاً الإمساك بتلابيبه فلا يقوى عليه:
    أما انا ...ع السلّمة الواطية افضل احبى
    واشدّ فى هدوم الرغيف

    ولذلك حين وعدوه بمنع الدروس الخصوصية، لم يملك إلا أن يتشبث بالأمل فصدق في سذاجة البسطاء الكلام:
    ساذج وصدّقت الولى..
    فى يوم ما قاللى: همنع الدرس الخصوصى ..

    لم يتحول حلمه إلى طموح أكبر منه. كان حلمه أن يجد "تمن الرغيف". ولكن جلاده لم يرض بأن يترك له حتى الفتات.

    وحين مرض مرضاً عضالاً، أعطوه شريطاً حشوه طباشير، زيادة في الخديعة.
    ما لقاش فى مستشفى الأميرى ..
    غير شريط طباشير ما يسوا التذكرة
    وراح هو بنفسه إلى "مستشفى الأميري"، ودفع ثمن التذكرة –وهو من لا يجد ثمن الرغيف- وأعطوه في النهاية ما لا يكافئ القليل الذي دفعه. فها هو الذئب يعالج الحمل. ولكنه ليس حملاً للتسمين. وإنما يكون التسمين لذوي "الكروش" الذي لا يشبعون، وما امتلئت أحشائهم بالدود إلا من أكلهم السحت. وهنا نجد المفارقة البديعة بين قول الشاعر:
    ديدان البلهارسيا تحشّ كبدى
    وقوله:
    للى كرشه بيشغى دود …
    اللقمة من إيده بحلل
    هو اللى يسرق واتحبس دايما مكانه ،
    هو سلطاننا فى زمانه

    فحتى حظه من ديدان البطن اختلف. ويصور الشاعر ديدان البلهارسيا التي أصابته من عمله لأجل جلاده وكأنها على اتفاق معه لتنهش كبده نهشاً، وتحشه حشاً.

    أما ربات هز البطون فهم لا يحتاجون حتى لحجز "تذكرة" في المستشفى الأميري، بل طائراتهم رهن إشارة الولي. وقد أبدع الشاعر حين أنهى سطره بكلمة "التذكرة" ليأتي بعدها مباشرة هذا السطر:
    والطيارات محجوزة للرقاصة تتعالج بأمر من الولي
    وهنا لا حاجة "لتذكرة".

    وزاد على ذلك كله أنهم استكثروا عليه الضحك، بل استكثروا عليه أن يكون معهم وهم يضحكون:
    تضحكم دايما بدونى

    أما حنينهم ورقة قلوبهم فلا تكون إلا للقسوة والرغبة في الإذلال وانتهاك الكرامة:
    بس وقت اللطم بتحنّوا لخدودى

    ولما أفاق جاسوسنا على صحوة الموت، واشرأبت نفسه لمسايرة "الأحياء" رأى أن يفعل فعلهم، ففكر أن يكون جاسوساً، حتى وإن لم يضاجع عدوه كما يفعل جلادوه. ولكنهم كانوا من الجشع والنفاق حتى أنهم لم يسمحوا له بذلك؛ إذ لا يمكن لطبقة من تحش أكبادهم ديدان البلهارسيا أن يرتفعوا لطبقة من امتلئت كروشهم بالدود جشعاً وطمعاً، ولا يمكن لطبقة الخديوي أن تتساوى وطبقة عرابي.
    وفيه طبقتين فى البلاد :
    الأولى بتهيّأ حريمها للخديوى ،
    والتانية بتشحّت عرابى قلوبها حاف

    وهكذا كل جَشِعٍ وجَشَعٍ. لا مساواة في الجشع إلا بالقوة. أما إذا كنت بلا ظهر:
    "ضهرى الخسع"
    فليس لك إلا الضرب على البطن:
    سّبب لبطنى الضرب من كل اتجاه

    وإذا كنت ممن لجمت أفواههم بأرجل جلاديهم:
    أما انتوا رجليكم بتضغط من زمان ..
    على بقّى
    فليس لك إلا طاعة الأوامر وتقبيل الأرجل:
    والأمر السيادى : اسكت وبوس
    وهنا كبت حرية معجون برغبة في الإذلال.

    ويبلغ النفاق مداه حين يذهب بنا الشاعر إلى مخبوء صدر جلاده قرب نهاية القصيدة -كما فعل في أولها- فيخبرنا أنهم سيعلنونه خائناً، وسيحاكمونه على تهمة خُضِّبَت أيديهم بدمها قبله:
    اشنقونى واقطعم ديل الخيانة

    يقول أنا الذيل وأنتم الرأس. وذيل الحية إن قطعته عاد ونما. فراس الفساد قائم، والذيول كثيرة. وهو يعلم أن موته ليس نهاية المطاف، بل مجرد قطع لذيل يمكن الاستغناء عنه حين تنمو له أسنان.

    ويذكرنا الشاعر هنا بقول غيره على لسان أم تهدهد وليدها وهي تحكي له عن أبيه الذي اقتطفته يد نفس الغادر:
    كذبوا وقالوا عن بطولته خيانة
    وأمامنا التقرير ينطق بالإدانة
    هذا الذي قالوه عنه غداً يُرَدَّدُ عن سواه
    يا من رأى الدنيا ولكن لم يرَ فيها أباه.


    وهكذا نرى الشاعر يلخص لنا في بداية قصيدته ما ينهي به، فيحدثنا عن الحرية، والموت والحياة، والأحلام ... إلخ. فأوجز ثم استعرض مفصلاً ثم أكد خاتماً بما افتتح به. ولكنه لم يشأ أن يتركنا -وكلنا هو- دون أمل في المستقبل، فقال:

    وحاول يلقى فى الليل العقيم طلق الشموس

    وهذه صورة بارعة أيضاً جمع فيها الشاعر الليل والشموس، دلاله على غلبة النور على الظلمة، فالليل واحد والشموس كثيرة، وجمع بين العقم والطلق، دلالة على ولادة حياة جديدة من قلب العقم الذي يحتاج التغلب عليه إلى قوة وغلبة وإصرار وتحد، وإيمان بالله العدل المقسط.

    تحية للأستاذ الشاعر عبد الناصر حجازي، وقبلة على جبين البراعة.

    دمت سالماً.[/align]
    د. أحمد الليثي
    رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    ATI
    www.atinternational.org

    تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
    *****
    فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.

    تعليق

    • د/ أحمد الليثي
      مستشار أدبي
      • 23-05-2007
      • 3878

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عبد الناصر حجازى مشاهدة المشاركة
      عزيزى الدكتور/أحمد الليثى
      الحديث عن مداخلتك يطول، وهى ليست مداخلة بقدر ماهى دراسة، ودراسة واعية مستنيرة تدلل على متلق غيرعادي وناقد جاد يملك أدواته جيدا.
      وأنا فى غاية السعادة لتواجد مبدع ومتذوق وناقد مثلك بالمنتدى فأنت حقيقة إضافة ومحل تقدير وأنا سعدت بك كما سعدت بعدة متذوقين ونقاد بالمنتدى شرفتمونى جميعا بمداخلاتهم الثرية .
      وأشكر حضراتكم جميعا
      فقد أستطعت ببراعة النفاذ إلى عمق المعانى والإسقاطات وقلت ما أردت أن أقوله بعبقرية فى التأويل.
      ويكفى أن أقول لك إننا -- أدباء بورسعيد -- تناولنا هذه الدراسة-- ومعها بعض المداخلات الأخرى --بالدرس والاستمتاع .
      وأنا شاكر على هذا المجهود المخلص وذاك الفكر الراقى المستنير.
      تقبل أسمى آيات العرفان
      ..........
      د. أحمد الليثي
      رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
      ATI
      www.atinternational.org

      تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
      *****
      فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.

      تعليق

      يعمل...
      X