[glint]السفينة[/glint]
[align=justify]أقلعت السفينة زاحفة تشق موج البحر.. بعد حين، لم نعد نر سوى زرقة من فوقنا ومن تحتنا وعلى طول مد البصر في كل اتجاه!..
عقارب الساعة تدور والسفينة ترتطم بالأمواج.. كما تدور أشياء كثيرة في عقولنا وتصطدم بالأحداث..
بدأت الشمس ترحل نحو الغروب ونحن نلاحقها! وهي في الأفق كأنها تغطس في الأعماق رويدا رويدا!.. كانت أروع لوحة لم يرسمها إنسان شاهدتها في حياتي وهي تتكون رسومات وألوانا شيئا فشيئا.. مما زاد اللوحة بهاء وروعة تلك الدلافين التي كانت تغوص بارتماءات مذهلة تبعث في النفس الفرحة والسرور، أما طيور النورس أضفت على اللوحة رونقا وهي تستعد لتوديع ذلك المساء الذي افتخر به!.. لكن السحب العسجدية كانت سر كمال جمال اللوحة... أفلت الشمس ولم تغب من ذاكرتي تلك اللوحة الجد رائعة..
لازالت السفينة زاحفة تمخر عباب البحر.. بعد حين، لم نعد نر سوى السواد! ظلام في ظلام في كل اتجاه! حتى السماء اكفهرت وتجهمت.. فجأة! برق البرق ودوى الرعد مزمجرا، الموج بدأ يثور.. إنها عاصفة هوجاء! بل هي لوحة ثانية لا نظير لها...
أمر الربان المسافرين بأن لا يبقوا على ظهر السفينة!.. الكل نزل إلى باطنها وهي تزحف بنا.. تارة تميل إلى اليسار.. وتارة تميل إلى اليمين.. حتى نظنها أنها انقلبت! ثم تعود بنا لتكرر التجربة آلاف المرات كأنها مهد صبي تدحرجه أمه بقوة شديدة!.. حينها لم يكن سوى الصمت سيد الموقف!..
تدحرج الرعب في قلوبنا تدحرجا حتى ملك القلب كله.. واستنارت الوجوه بضوء شاحب يعبر عن شدة الخوف!.. حملتني الذكرى يوم حملتنا سفينة سيدنا نوح!.. يوم كنا ندعو الرحمان لئن أنجيتنا من هذه لنعمل صالحا... نسينا ما وعدنا الرحمن.. وها نحن اليوم من ركابها!.. مناجاة سرية كانت تتدفق من القلوب.. لم يرق لي هذا المشهد المظلم! ففضلت أن أكون على ظهر السفينة لأرقب اللوحة التي فلتت مني أحد مشاهدها المروعة!...فصعدت إلى فوق.. وشاهدت ما يئن منه من هم في بطن السفينة..
لازالت السفينة تسير.. في كل مرة يظهر أحد الركاب ليؤنس وحشتي تحت المطر...
[/align]
[align=left]
بقلم: محمد معمري
[/align]
تعليق