الغربة و الانفلونزا:الفصل3//كوثر خليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • كوثر خليل
    أديبة وكاتبة
    • 25-05-2009
    • 555

    الغربة و الانفلونزا:الفصل3//كوثر خليل

    الغربة و الانفلونزا



    الفصل الثالث





    الفيلا القديمة المسيّجة بخوف سريالي شائك، تلك الفيلا بعيون فولاذية يزيد من شررها ليل القرية المعتم، ارتفعت منذ حوالي ربع قرن لتـأوي كل محافظ قرية يفد ليقوم بالمهام الموكلة إليه..طاف بها وباء العزلة منذ أول يوم فلا أحد من أهل القرية يجرؤ على الدخول إليها. كانت تحرسها كلاب ضخمة يحرص سيدها على ادّخار زادها من اللحوم البشرية المتمرّدة بين الفينة و الأخرى لتكون الحَكَمَ و الشاهد الذي لا يسمع و لا يرى و لا يتكلم، المنازل المحيطة بها يحني ظهورها ذلّ مقيم يتقاطر عليها من فوق كرذاذ يسقي و لا يحمل، كبلازما ملوّّثة يجتمع فوقها الذباب و كل ذوات الأرجل فتبني بينها و بين السّماء سدّا..


    يشهد كل شيوخ القرية على عوّاد المسكين، زين شبابها الذي أتمّ دراسته الجامعية في المدينة و حين رجع لم يتحمّل ظلم المحافظ لأبيه المُسِنّ الذي كان يعمل في مكتبه: يجيب عن المطالب المتأخرة، و يحمل الهدايا التي ينفح بها أهالي القرية المترفون و المعدمون محافظ قريتهم، و يجلب الرسائل من مركز البريد البعيد، و يقوم بكل حاجيات سيده كل ذلك على قدميه و لا يعود إلى بيته إلا في ساعة متأخرة. و قد تمادى المحافظ في أوامره فصار يفرض على أمّ عوّاد القدوم إلى المكتب كلّ يوم لتنظيفه فيما يرسل الزوج للقيام بخدماته التي لا تنتهي و قد بلغت به الدناءة حدّ مراودتها و هي المرأة العفيفة المُسِنّة التي زوّجت كل بناتها و بقيت تنتظر عودة ابنها الشاب بفارغ الصبر لتحتفل بزواجه و ترى أولاده. عادت المرأة المسكينة إلى بيتها تجرّ ثوب العار بعد أن دافعت عن نفسها بكل ما أوتيت من قوّة و لكن المحافظ كان أقوى منها و أشد ضراوة. دخل عوّاد عليها البيت فوجدها تلطم وجهها و فخذيها و تضرب صدرها. لم تكن تدري ما تفعل، كانت تشعر بالعار و الانكسار و الغيظ، كانت عاجزة عن أن تدفع عن نفسها ذلك المارد الذي وقف فيه الشيطان فسلب منه العقل و الدين. كانت تصرخ:" يا بُني حرام عليك ما تفعله، حرام يا بُنيّ" و لكنّه لم يكن يسمع أو يعقل، كان يلبّي حاجة و كفى.. لم يرَ عوّاد أمّه يوما على ذلك الحال، سألها و ألحّ في السؤال لكنّها لم تكن تجيب، كانت تطلب منه أن يتركها و كفى، جُنّ جُنونه و سألها أين كانت؟ فكتمت أمر عملها في مكتب المحافظ و أخبرته بأنّها كانت لدى الجارة. لم يصدّق عوّاد كلام أمّه و لكنّه حين قابل أوّل جار له لامه الجار على ترك والده العجوز يعمل لدى المحافظ الذي يضطهده و يضطهد زوجته العجوز فيما هو يتمتّع بالراحة في الجامعة و لا يتحمّل حتّى مصاريف دراسته بمفرده ليجنّب أبويه كلّ هذا الذلّ..


    لم يتحمّل عوّاد سماع ذلك الكلام فعاد إلى أمّه صارخا :"كيف تكتمين عنّي أمر عملك لدى المحافظ؟" تلعثمت الأم و قالت :" حياة مُرّة يا ولدي، الله يبعد عنك أولاد الحرام" سأل عوّاد :" وهل ذهبت إلى العمل هذا الصّباح؟" اِرتاعت الأم و نفت ذلك و لكنّه أحسّ في داخله بما كانت تكتمه أمّه و لم يستطع أن يذِلّها أكثر مما فعل المحافظ. اِنطلق عوّاد كالسّهم نحو مكتب المحافظ و دخل عليه و عيناه تلتهبان شررا و قهرا :" أيّها النتن، ماذا فعلت بأمّي؟" ارتجف المحافظ و حاول أن يتمالك نفسه :" من أمّك أيها الصغير؟ هل أضعتها؟ أغرب عن وجهي" صاح عوّاد:" أمي هي صالحة زوجة خادمك الأمين عيسى" اِصطكّت أسنانه و أنكر معرفته بها لكن عوّاد أمسكه من رقبته و ضغط عليها حتى كاد يقتله فاُنفلت بحركة غريزية و مدّ يده إلى درج المكتب و أخذ مسدّسه المحشوّ دائما و الجاهز أبدا و أطلق عليه النار. تعوّد المحافظ في مثل هذه الحالات أن يقوم بكل شيء بمفرده و هكذا كان الجسد الغض و الشهادة الجامعية من نصيب كِلاب الفيلا المعزولة التي كانت تدور كَرَحى لتسحق في كل مرّة واحدا ممن لا يُعجبون صاحبَ السيادة و لم يجرؤ أحد في القرية على سرد الحكاية لكن أبا عوّاد فقد عقله أمّا أمّ عوّاد فماتت حسرة على شرفها وولدها و زوجها.


    كان يحيى مدرّسا كفؤا، أمّ سلمان تذكر كيف اقتاد الدركُ زوجها بعد أن اُتُهِم بتلقين الأفكار الثورية لأبناء مدرسته و تشجيعهم على التمرّد و العصيان و فتح عيونهم على الصراعات الطبقية و صرف هؤلاء عن المقرر المدرسي لأنّه يكرّس الاستبداد و اختيارات الدولة. يَحيى أنقذ أطفال القرية من أوحال الأزقة و المستنقعات، وقف في وجوه من يشغّلونهم و يستغلونهم في شكل عصابات للتسوّل، وقف في وجوه آبائهم ليعطيهم فرصة أن يكونوا مساوين للأطفال في كلّ مكان، سنوات طويلة من المحن و الكفاح و العناد قضاها ليرفع الجهل و الإهانة عن جيل بكامله. لم يعبأ بالأمراض التي توالت على جسمه عاما فعاما، لم يفكّر يوما أن يأخذ مالا منهم لقاء الساعات الطوال التي كان يقضيها بعد الدوام و هو يراهم بعيونهم الصغيرة المتعطشة لكل كلمة يقولها يتابعون كلّ حركاته و سكناته، و يرون فيه المثل الأعلى الذي إن نجحوا فذلك من أجله و إن تجاوزوا قدراتهم الصغيرة و قدّموا أكثر مما يقدرون عليه فذلك من أجله أيضا. كان يبلع مشاكله في صمت و يقابل صراخ زوجته و أبنائه بالتسويف الذي تحوّل إلى كذب عَارٍٍ. لقد أخذ على عاتقه مسؤولية انتشال القرية من القاع لأنه يعلم أن الوصول إلى الغايات يقتضي الأخذ بالأسباب و هو يعلم أن أطفال القرية منجم ذهب ينبغي إحسان استغلاله و بذلك يرفع عن وطنه كابوس التبعية و المحسوبية.


    يَحيى يُحبّ وطنَه، هذا ما تعلّمه من أبيه و أمّه و جدّه و جدّته و كلّ من علّمه و عَاشرَه، الوطن فكرة مقدّسة و التراب أغلى من اللحم و هذا ما يريد أن يعلّمه لأطفال القرية، و لكن الوطن صار دولة و الدولة صارت حزبا و الحزب صار رجُلا واحدا و هكذا صار الوطن زجاجة خمر صغيرة تختنق فيها الأفكار و المصالح و الهموم و يفكّر الناس في مغادرتها لِ"وطن" آخر. الوطن صار أنيقا بما يكفي: أعلام ملونة، سيارات فخمة، ترسانة حربية تُوجّه نحو الداخل قبل الخارج، هيبة فساتين و بدلات و سترات مضادة للرصاص و مسدّسات فخمة تقبع في مكان قريب جاهزة للدفاع "الشرعي"..


    صار الوضع الجديد مزعجا، من غير المريح أن تعيش في مكان لا تنطبق عليه مواصفات الوطن، و من غير المنطقي أن لا يبقى الحسن حسنا و القبيح قبيحا، و من المؤلم أن لا يفهمه الآخرون كما لو كان قادما من كوكب آخر. من المُحزن أن تضيع سنين نضاله و أحلام عمره في إخصاب هذه الصحراء التي يوم حان حصادُها كشرت عن أنيابها كأن لم يسقها من دمائه و أعصابه و لم يغذّها من رذاذ أحلامه، من المحزن أن يترك عائلته تعاني الفقر و الحاجة و هو قادر على الاستثراء من الأهالي كما فعل غيره من أبناء القرية حتى صاروا من أعيانها و كبرائها.


    كيف يدرّس جيلا لا يعلم شيئا عن حب الله و الوطن و الوالدين و لا يهمّه أن يعلم، كيف يدرّس جيلا تبرّر الغاية لديه الوسيلة و تتساوى عنده كل القيم يلبس لكل حال لَبوسها فهو مع الحق و الباطل معا و هو مع دعم هذا و ذاك معا لا يرى إلا شبحَه في المرآة متعاليا متعملقا يسير حيث تسير مصلحته. أي وطن بلا حنين و أيّ وطن بلا ذاكرة؟


    صار الأطفال الذين يدرّسهم جواسيس و مخبرين بوعي أو بغير وعي، يتآمرون على نزاهته و شقائه و مبادئه التي عاش عمره يدافع عنها و يكرّسها، مبادئ في الحقيقة لا تضرّ أ حدا و لكنّها لم تضرّ غير صاحبها.


    كان يشرح للمحافظ مأساته و خيبته في الجيل الجديد :" أنت أب و تعلم، هؤلاء الأطفال في قبضة شيطان مريد يحرّكهم حيث شاء و لا أحد يعلم مبلغ قوّته و تأثيره. على كلّ واحد منّا من موقعه الخاص أن يقوم بدوره علّنا نستطيع حبس هذا الطوفان المتقدّم بلا رحمة، إن أبناءنا يضيعون، مستقبلنا كلّه يضيع و لا أحد يفعل شيئا"


    كان المحافظ يجابهه بقرائن عقدت لسانه، كان يسرد عليه كل ما كان يحدث في الفصل و بعد الفصل كما لو كان واحدا من تلاميذه. كان المحافظ يعيد عليه الأحداث في قالب اتهامي


    فقال يَحيى :" ما تحاسبني عليه هو مبادئنا و حضارتنا التي من واجبنا نقل مجلوباتها لأحفادنا، نحن لسنا مطالبين بنقل آليات معرفية فقط يمكن أن يتعلّمها الطالب في أيّ مكان، نحن مطالبون بتغذية روحه و إشعاره بالفخر ّحتى يقدّم لأبنائه كما قدّم له آباؤه"


    أجاب المحافظ غاضبا :" نحن مطالبون، نحن مطالبون، من الذي طالبكم؟ الدولة هي التي تطالبكم بمقرر محدد عليكم تطبيقه و عدم الحياد عنه قيد أنملة"


    قال يَحيى :" مقرر غريب عنّا و عن حضارتنا، مقرر لا روح فيه"


    قال المحافظ :" هل تتقاضى أجرا لتقوم بخطبة عصماء في حضارتنا و مزاياها؟ هذا العصر عصر العلم، العلم ثم العلم"


    صرخ يَحيى :"هذه لائكية ممجوجة تهدف إلى إفراغ الشعب من كل مقوماته و ركائزه الحضارية"


    كانت كلمة اللائكية وترا حسّاسا ضربه يَحيى فاُضطرب المحافظ و جأر كالملسوع :" لائكية، لائكية؟ أنتَ ضدّ النظام إذن كما استنتجتُ من البداية"


    قال يحيى :"أنا مع الوطن"


    قال المحافظ :" و ضدّ النظام"


    كان مصير يحيى كمصير عوّاد، تحجّج المحافظ بطول اجراءات المقاضاة و طول مدّة السّجن و لكن كلاب الفيلا كانت الشاهدَ الوحيد على نهاية يحيى وسط شكوك الأهالي و حدسهم الذي لم يخُنهم يوما: يحيى كان وجبة الكلاب في ليلة باردة من ليالي شهر ديسمبر، ليلتها كان عواء الكلاب موحشا و كذلك عوى أهل القرية فيما كان المحافظ يشرب نخب اللائكية الجديدة"


    الطاهر، مفكّر القرية و صاحب المخطوطات الكثيرة التي شهد أغلب عقول القرية من الصامتين أنّ له فكرا مميّزا و قلما سخيّا. الطاهر، نفاه المحافظ إلى عالم الجنون دون أن يكون مجنونا حقّا و أحاط به أطفالَ القرية و مجانينَها يستفزّونه و يضحكون على كلامه الغريب عن مسلّماتهم وأفكاره التي تطلع مع الشمس خلف الجبل فَتَشِي بظلام القرية و سكونها الأبدي. يعيش في زريبة مغطاة بالزنك يملكها أحد الفلاحين ينظفها كل يوم قبل أن يخلد إلى نوم متقطع يرى فيه صور المحافظ و قد اُختلفت هيِئته و اُتّحد بشخصية الأب الذي لا يُحبّه و الدركي الذي أخافَه صغيرا و ذكور كل الحيوانات المتغطرسة التي يكرهها كالطاووس و ديك الحبش ، كان الطاهر عاشقا للبلاد فصار عاشقا للخمر يحتسيها من أي مكان فهي حرام و كل السبل إليها تتلبّس بالحرام فكيف يفكّر الطاهر بطرق نظيفة لاقتنائها و هو المُعدم الذي إن وجد طعاما لا يجد قلما و أوراقا. أحاطه المحافظ بالجنون و الشبهة فلم يعد أحد يستطيع أن يقترب منه أو يقضي له حاجة إلّا وجد اُسمه لدى المحافظ و وابلا من الاستفسارات ينتظره.


    كان كل ما يريده أن يبقى ملتصقا بالقرية، يمشي على ترابها و إسفلتها و يشمّ روائحها الطيبة و العطنة و يغتسل في واديها و يرى وجوه أهلها حتى و إن ضربوه، تلك القرية منبع إلهامه و ملجأ أفكاره يهرب بها من تصنّع أهل الحاضرة و عيونهم المتلصصة على كل شيء. القرية هي منفاهُ و المنفى الآخر، رهان أخذه على نفسه أن يرفع الجهل عن المومس و البوليس و و كل من فسد دمُه بسبب الركود و الاستسلام للموت البطيء. آلى على نفسه تهذيب كل أهل القرية و صقل أرواحهم للجمال و الفضيلة. أراد أن يطهرهم و يرسل طبائعهم على حبّ الأشواق و الفن و المعرفة و يجعلَهم يمشون على السراط الذي مشى عليه فيرق قلب الواحد منهم لصوت العصفور و رفّة الفراشة و دمعة المحتاج علّهم يرتفعون عن كل ما يجذبهم إلى أدران الطمع فيثير بينهم العنف و لكن من يُسكت ذلك الهرج الذي يملأ القرية حتى تبتدئ صلواتِها، وحده كان يسمع صوته و الآخرون يطوّقهم زمن عنكبوت بخيوطه اللدنة، يغصّون في مرارتهم و ذاكرتهم التي تملؤها رائحة البارود، خيبات متتالية لشخوص كان ذنبهم الوحيد الانتماء لهذه القرية.


    القرية مستنقع لعين و التراجع مستحيل، الخارج منها مفقود و الباقي فيها مفقود أيضا. تخلّى الحزب عن القرية بعد أن وعدها بالمشاريع و طرْد البطالة و حين فازت قائمته أدار لها ظهره. هذا المحافظ الذي بَرَكَ على رقاب أهل القرية منذ عقود، مازال يبلع و لا يشبع و كلابه تزيد و لا تنقص و كلّما زادت كان لا بد من قربان زائِد لتبيت الكلاب ليلَها راضية.


    الطاهر أراد أن يوقظ القرية من سباتها، بدأ بأصحابه المقربين فلم يستطيعوا الاكتواء بنار الحقيقة وحدهم،خانوه و وَشَوْا به لدى من يهمّه الأمر و لكنّه لم ييأس فهذا الصلصال لن يحيى إلا حياة واحدة. على إيقاعات الرعب كان الطاهر يكتب و يبكي و ينثر نصوصه من فوق جبل القرية أو يضع أوراقه تحت حجر علّ أحدا يهتمّ بها فتفعل فيه الفعل الذي يرجوه. هذه الحياة رحلة قطار، تتلاشى الأسئلة و تتلاشى الذكريات و تبقى كلمة، تغيّر إنسانا، تغيّر شعبا، متى اقتنع بها.


    هناك، في أعلى الجبل، لاقاه المحافظ، كان يكتب و العرق و الدموع تملأ وجهه و تسيل على نحره، هناك ضغط المحافظ على الزناد و قدّم الجثة التي مازالت تضطرب فيها الحياة وجبة ملكية للكلب الذي دلّه على مكانه لكنّ الكلب رفض الهدية و أخذ يلعق جراح الطاهر ليضمّدها و بدلا من ذلك عضّ فخذ المحافظ و كاد يُسقطه من الجبل.


    دُفِن الطاهر مع ما بقي من أوراقه و اُزدادت سماء القرية حزنا بعد الحادثة. صار كل شيء في القرية متوقعا مسبقا، كان المحافظ شفرة حادّة تندسّ في خصر القرية لتنزع يوما فيوما عضوا من أعضائها و لا تبقي غير ستار الجلد يستر الفقدان الفاضح الذي يلفّها. الفيلا مقلاع يُشهَرُ كل يوم و كل ليلة في وجه من تحدّثه نفسه أن يكون ذاتَه، إما أن تكون كالآخرين و إمّا أن لا تكون..جرثومة الأجداد يرثها الأحفاد، ميراث نتن و الحرية لا تتجزّأ.
    أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    دُفِن الطاهر مع ما بقي من أوراقه و اُزدادت سماء القرية حزنا بعد الحادثة. صار كل شيء في القرية متوقعا مسبقا، كان المحافظ شفرة حادّة تندسّ في خصر القرية لتنزع يوما فيوما عضوا من أعضائها و لا تبقي غير ستار الجلد يستر الفقدان الفاضح الذي يلفّها. الفيلا مقلاع يُشهَرُ كل يوم و كل ليلة في وجه من تحدّثه نفسه أن يكون ذاتَه، إما أن تكون كالآخرين و إمّا أن لا تكون..جرثومة الأجداد يرثها الأحفاد، ميراث نتن و الحرية لا تتجزّأ.
    __________________
    ليل قابض ، ليل لا ينحل ، لا تأتيه الشمس ، فى هذى القرية
    ليل راسخ كالموت
    كالسيف
    كقضاء الله ، فى أرض حكمت للموت
    الظلمة طافحة فى كل الأرجاء
    الظلمة كانت فى قريتنا وباء
    يتمدد كل مساء .. كل مساء
    و الصبح حلم لا يأتى
    حلم يحتضن الآهة و الدمعة و الأشلاء
    لا علم .. لا مسعى
    و لا حتى بصيص يسعى بين الخلق
    فالناس
    إما ضد .. و إما على الضد جاسوس أو مرشد
    و ما بينهما يرزح فى أحلام رغيفه
    و الغد الذى لا يأتى !
    ملعونة ياقريتى
    مسجونة
    محاطة بالكلاب و العسس
    و أنا محض فرد .. وجبة ليست بالغنى
    لكنها تصلح للكلاب
    ليحيى الحزب الواحد
    و الموت الواحد
    شنقا أو جنونا ، أو رميا برصاصة
    ليعيش العقل فى أدران ووسخ الحاكم
    فلتحيا كل الأشباه
    لا حكمة .. لا نبتة تخضوضر فى حقل مسموم
    لا غد
    الصورة قاتمة كالموت
    ليس أمامى إلا قبورا فارغة ، لفظت أشلاء القرية
    ماتت هذى القرية
    فهل يبعث رب القرية
    من يسأل موتاها : أو يحيى هذه الله بعد موتها ؟!

    كوثر خليل .. من مداد الدم يأتى نشيجك
    فأرجو ألا تطيلى الموت بى !!
    sigpic

    تعليق

    • كوثر خليل
      أديبة وكاتبة
      • 25-05-2009
      • 555

      #3
      هنالك كانت الفتاة تسير بقدميها الصغيرتين في الحقل تمرر يديها على الأزهار و تشتمّ عبيرها و هنالك كانت تسترق مرأى قطرات الندى المرتعشة على الأزهار. كثيرا ما كانت تحب السير في ذلك الحقل البعيد و لكنها لم تعلم إلا حين كبرت أن قطرات الندى تلك، المرتعشة على جسد الورد، لم تكن سوى دموع الربيع.
      أن تهدي شخصا وردة في حياته، أفضل ألف مرّة من أن تضع باقة على قبره

      تعليق

      يعمل...
      X