[align=justify]كان هو كل ما تبقى لها من الدنيا بعد أن فقدت كل شئ..وهى حبلى به فقدت بصرها فى إحدى الغارات التى يشنها كيان الشتات مستهدفا ابادتها هى وكل بنى جلدتها ممن بقوا فى الارض الموعودة..بقت لأنها لم تعرف هى ولا اسلافها من قبل ارضا غير تلك الارض ..
وليس لديها معلومات كافية عن ذلك العهد الذى اقتطع لهذه الاقوام المختلفين عنها لغة وشكلا وملة..كل ما وصل اليها ان كائنا لعينا يستحيل ان يكون اله قد صك صكا لا يسقط بالتقادم بملكية هذه الارض واعطاه لأسلاف هذه الاعراق المهجنة منذ الاف السنين..ولأنها لا تثق بهذا الصك ولا بالخاتم المقدس الذى يذيله فقد جلست تستقبل الغارة تلو الغارة فخورة بالصمود ..الى ان جاءت هذه الغارة..هى لا تذكر منها سوى اصوات مخيفة لطائرات خارقة لجدار الصوت..ثم انفجار مروع بعده اظلم عالمها المدرك وحل محله عالم اللا ادراك الهلامى ..عندما افاقت واستفسرت عن سبب النار المشتعلة فى عينيها والظلام الدامس الذى يحيط بها اخبروها ان دنياها اظلمت للأبد..فقد اخترقت احدى شظايا الانفجار عينيها مفقدة اياها نافذتها على الدنيا..حزنت..ولم يكن حزنها على فقدان البصر فى حد ذاته ..بل حزنت لأنها لن تستطيع ان ترى وليدها المنتظروالذى نجا بأعجوبة من نزيف كاد ان يودى به وهو لا يزال فى عالمه الصغير الضيق..لكنها عادت واعتبرت بصرها الذاهب قربانا لقوى الشر ارتضته لتترك لها ابنها المستقبلى ..عندما حانت لحظة قدومه لم يستطع شريكها فى ابوة القادم ان يذهب بها الى المستوصف العلاجى او حتى ان يأتى لها بطبيب فقد كانت ليلة من ليالى القصف ..اكتفى بأن يستدعى قابلة من الدور المجاورة فى تلك الحارة الضيقة الفقيرة..غاب لفترة.. فالعجوز كانت نائمة..فهؤلاء القوم قد تكيفوا مع الوضع حتى اصبحوا لا ينامون الا على اصوات المقاتلات ..فإن سلم الامر ..فهو نوم ثم صحو..وان وقع المحظور..فهو نوم على كل حال..مع الغياب اشتدت اسفلها الطعنات المطالبة بالحق المشروع فى التواجد..زاد من وقع الطعنات هذه الوحدة وهذا الاظلام الاجبارى الذى يحيط بها..هل تعرف هذا الشعور؟..هو شعور معصوب العينين الذى يتخبط فى قبو مظلم منهالة عليه الركلات..قررت ان تساعد هذا القادم على الخروج من شرنقته العالق بها ..تشبثت بأركان السريروبكل مافيها من عزم دفعت مطلقة صرخات متتالية قوية كتمتها للداخل كى تستفيد منها فى دفع الكائن الهش..فى نفس اللحظة التى عاد فيها الرجل ومعه العجوز كان القادم على وشك الخروج الى الدنيا ..ساعدته القابلة فى إكمال طريقه للخارج وتلقفته فاعلة به ما يفعل بالاجنة عادة عندما تصير كائنات دنيوية ثم اعطته للأم التى تساقطت عبرات عينيها العمياء وهى تتلقف وليدها متحسسة ملامحه محاولة تكوين صورة كروكية لوجهه تختزنها فى راسها وتستدعيها وقت الحاجة..اعطته ثديها الهزيل فالتقم حلمته مستدعيا اولى قطرات غذائه الفطرى ..اسمته ياسر تيمنا برمز يعتقد به قومها ..
مرت الايام وكبر الوليد بين يديها وصار طفلا ابن ثلاث ..علمته ان لا يفزع من قصف او من صوت لطائرات..وعندما صار إبن ست قالت له عندما تنام لا تنتظر صحوا..وعندما تذهب لا تنتظر ان تعود..قبل هذا اليوم المنحوس بشهور فقدت رجُلها..عندما تقاتل الاخوة المناضلين مع الاخوة اصحاب السلطة على فتات الكعكة متناسين ان الكعكة بكاملها ذهبت لمعدة اخرى وتم هضمها منذ زمن وان ما يتصارعون عليه هو مجرد نفايات ناتجة عن عملية الهضم اقتسموها بينهم قسمة عدل..
وقعت البائسة وعائلتها الصغيرة من نصيب المناضلين الذين قرروا تصفية كل ما له علاقة بالطرف الاخر..اقتحموا مبنى عام تابع لأصحاب السلطة كان زوجها يعمل به وقاموا بتصفية كل من فيه..حاول التعس إفهامهم انه لا يتبع احدا بل عين هنا بموجب مرسوم سلطوى رسمى..اخبروه ..لا بل لم يخبروه..فقط دفعه هذا الملثم ذى الشارة الخضراء من فوق المبنى ليقع قتيلا..
مرت هذه الشهور..وجاء هذا اليوم..كان يوم بلا بشائر تنذر بما سيحدث فيه ..فلا قصف سبقه ولا غارات او حتى شعور مبهم بالخطر مما تحس به الامهات فى مثل تلك الحوادث
..الكون يدور فى فلكه والشمس طلعت من الشرق كعادتها كل صباح..كان باختصار يوم ممل من ايام البشرية..او هكذا بدا انه سيكون..خرج الفتى مع زميل مقعده ليلحق بمدرسته..لاحظ ان هناك اجتياحا عدوانيا اثر اطلاق صاروخ بدائى على مجتمع الشتات
لم يسفر الا عن اثارة بعض الضوضاء..مما اعتبره الكيان منافاة للذوق والادب وعدم مراعاة لأصول الجيرة وهى جرائم لا تغتفر عنده..اجتاحت عرباته ودباباته المنطقة فانسحب المناضلين لإحساسهم بعدم توازن القوى وعدم منطقية التصدى..انتشر الجنود لتمشيط المنطقة ..كان الفتى وزميله قد قفلا راجعين الى منزليهما لاستحالة وصولهما للمدرسة..اثناء عودتهما لمحهما قناص من القوة المجتاحة فصوب بندقيته نحوهما وضغط الزناد..وفى الحقيقة نحن لا نعلم ماذا دار بخلد هذا المجند ذى الاصول الروسية فى هذه اللحظة..فتصرفه غير منطقى ولا تفسير عقلانى له..فهل مافعله هى اوامر مجبور على تنفيذها ..ام اراد ان يشعر قاطنى هذه البقعة انه لا يوجد من يحميهم ان اراد هو او احد بنى لغته البطش بهم..ام هى مجرد حماقة جينية ورثها عن اسلافه..كل هذه احتمالات لا وزن لها ..لكن الحقيقة التى اكدها كل من شاهد هذه الواقعة ان رصاصة انطلقت من بندقيته مخترقة رأس الفتى ..فانهار جسده وتناثرت دمائه على الارض..فر زميله عندما رأى ذلك هاربا من مصير اسود كان ينتظره لو بقى فى مكانه ثانية اخرى..اتجه للبائسة ليخبرها بالفجيعة..اخبرها بصوت لاهث من طول المسافة التى قطعها عدوا ..خيل اليه انها تحدق به ذاهلة..لم يفهم ان التحديق هو الوضع الطبيعى لأعين عمياء..اما ما شعرت به فى هذه اللحظة فليس الذهول إنما الانسحاق الذى تحس به عندما تفقد عزيزا لديك..هذا التهاوى الذى يحل بنا ويشعرنا بهذا الالم العميق الذى نحسه يعتصر قلوبنا..فيظهر هذا كله فى دموع لا تعبر باى حال من الاحوال للناظر الينا عن الحجم الحقيقى لمأساتنا فيتجه لمواساتنا غيرعالم بما يعتمل داخلنا ..ولوعلم ما فعل ذلك..
انتشر الخبر فى الازقة والحارات فتوافدن النسوة على المنزل ثم جاء من سحبها الى المستشفى الذى وضعت به الجثة..تحسست ملامحه ومرت بأصابعها على موضع الرصاصة ..انتحبت بصوت عال ..قال لها احد الملثمين يستأذنها يا ام الشهيد سيخرج الشهيد من احد مقراتنا ليدفن..اتجهت ناحية الصوت وقالت فى حسم لن يخرج ولدى من مقر قتلة ابيه..بل سيخرج من بيت ابيه..قال الرجل محتدا اسمعى يا ام الولد.ولدك شهيد
والشهيد ليس ملكا لذويه فحسب ..بل هو ملك لكل الشعب..ضربت صدرها بقبضتها صارخة فى وجهه انا الشعب..
خرجت الجنازة المهيبة من بيتها كما ارادت وتقدمها الملثمين براياتهم الخضراء مطلقين رصاصات بنادقهم فى الهواء وسار خلفهم آلاف المشيعين من مختلف ارجاء هذه المنطقة المنكوبة فى صمت تام وفى رؤوسهم تدور تساؤلات خافتة..لماذا يطلقون النار فى الهواء..هل تحية للشهيد..ام لعجزهم عن توجيهها لصدور من قتلوه..ام يطلقونها ابتهاجا لاكتسابهم سببا جديدا لاستمرار تواجدهم..دارت فى رؤوسهم ولم يستطيعوا النطق بها ابدا..فالرايات الخضراء تملأ المكان……
___________________________________________ [/align]
وليس لديها معلومات كافية عن ذلك العهد الذى اقتطع لهذه الاقوام المختلفين عنها لغة وشكلا وملة..كل ما وصل اليها ان كائنا لعينا يستحيل ان يكون اله قد صك صكا لا يسقط بالتقادم بملكية هذه الارض واعطاه لأسلاف هذه الاعراق المهجنة منذ الاف السنين..ولأنها لا تثق بهذا الصك ولا بالخاتم المقدس الذى يذيله فقد جلست تستقبل الغارة تلو الغارة فخورة بالصمود ..الى ان جاءت هذه الغارة..هى لا تذكر منها سوى اصوات مخيفة لطائرات خارقة لجدار الصوت..ثم انفجار مروع بعده اظلم عالمها المدرك وحل محله عالم اللا ادراك الهلامى ..عندما افاقت واستفسرت عن سبب النار المشتعلة فى عينيها والظلام الدامس الذى يحيط بها اخبروها ان دنياها اظلمت للأبد..فقد اخترقت احدى شظايا الانفجار عينيها مفقدة اياها نافذتها على الدنيا..حزنت..ولم يكن حزنها على فقدان البصر فى حد ذاته ..بل حزنت لأنها لن تستطيع ان ترى وليدها المنتظروالذى نجا بأعجوبة من نزيف كاد ان يودى به وهو لا يزال فى عالمه الصغير الضيق..لكنها عادت واعتبرت بصرها الذاهب قربانا لقوى الشر ارتضته لتترك لها ابنها المستقبلى ..عندما حانت لحظة قدومه لم يستطع شريكها فى ابوة القادم ان يذهب بها الى المستوصف العلاجى او حتى ان يأتى لها بطبيب فقد كانت ليلة من ليالى القصف ..اكتفى بأن يستدعى قابلة من الدور المجاورة فى تلك الحارة الضيقة الفقيرة..غاب لفترة.. فالعجوز كانت نائمة..فهؤلاء القوم قد تكيفوا مع الوضع حتى اصبحوا لا ينامون الا على اصوات المقاتلات ..فإن سلم الامر ..فهو نوم ثم صحو..وان وقع المحظور..فهو نوم على كل حال..مع الغياب اشتدت اسفلها الطعنات المطالبة بالحق المشروع فى التواجد..زاد من وقع الطعنات هذه الوحدة وهذا الاظلام الاجبارى الذى يحيط بها..هل تعرف هذا الشعور؟..هو شعور معصوب العينين الذى يتخبط فى قبو مظلم منهالة عليه الركلات..قررت ان تساعد هذا القادم على الخروج من شرنقته العالق بها ..تشبثت بأركان السريروبكل مافيها من عزم دفعت مطلقة صرخات متتالية قوية كتمتها للداخل كى تستفيد منها فى دفع الكائن الهش..فى نفس اللحظة التى عاد فيها الرجل ومعه العجوز كان القادم على وشك الخروج الى الدنيا ..ساعدته القابلة فى إكمال طريقه للخارج وتلقفته فاعلة به ما يفعل بالاجنة عادة عندما تصير كائنات دنيوية ثم اعطته للأم التى تساقطت عبرات عينيها العمياء وهى تتلقف وليدها متحسسة ملامحه محاولة تكوين صورة كروكية لوجهه تختزنها فى راسها وتستدعيها وقت الحاجة..اعطته ثديها الهزيل فالتقم حلمته مستدعيا اولى قطرات غذائه الفطرى ..اسمته ياسر تيمنا برمز يعتقد به قومها ..
مرت الايام وكبر الوليد بين يديها وصار طفلا ابن ثلاث ..علمته ان لا يفزع من قصف او من صوت لطائرات..وعندما صار إبن ست قالت له عندما تنام لا تنتظر صحوا..وعندما تذهب لا تنتظر ان تعود..قبل هذا اليوم المنحوس بشهور فقدت رجُلها..عندما تقاتل الاخوة المناضلين مع الاخوة اصحاب السلطة على فتات الكعكة متناسين ان الكعكة بكاملها ذهبت لمعدة اخرى وتم هضمها منذ زمن وان ما يتصارعون عليه هو مجرد نفايات ناتجة عن عملية الهضم اقتسموها بينهم قسمة عدل..
وقعت البائسة وعائلتها الصغيرة من نصيب المناضلين الذين قرروا تصفية كل ما له علاقة بالطرف الاخر..اقتحموا مبنى عام تابع لأصحاب السلطة كان زوجها يعمل به وقاموا بتصفية كل من فيه..حاول التعس إفهامهم انه لا يتبع احدا بل عين هنا بموجب مرسوم سلطوى رسمى..اخبروه ..لا بل لم يخبروه..فقط دفعه هذا الملثم ذى الشارة الخضراء من فوق المبنى ليقع قتيلا..
مرت هذه الشهور..وجاء هذا اليوم..كان يوم بلا بشائر تنذر بما سيحدث فيه ..فلا قصف سبقه ولا غارات او حتى شعور مبهم بالخطر مما تحس به الامهات فى مثل تلك الحوادث
..الكون يدور فى فلكه والشمس طلعت من الشرق كعادتها كل صباح..كان باختصار يوم ممل من ايام البشرية..او هكذا بدا انه سيكون..خرج الفتى مع زميل مقعده ليلحق بمدرسته..لاحظ ان هناك اجتياحا عدوانيا اثر اطلاق صاروخ بدائى على مجتمع الشتات
لم يسفر الا عن اثارة بعض الضوضاء..مما اعتبره الكيان منافاة للذوق والادب وعدم مراعاة لأصول الجيرة وهى جرائم لا تغتفر عنده..اجتاحت عرباته ودباباته المنطقة فانسحب المناضلين لإحساسهم بعدم توازن القوى وعدم منطقية التصدى..انتشر الجنود لتمشيط المنطقة ..كان الفتى وزميله قد قفلا راجعين الى منزليهما لاستحالة وصولهما للمدرسة..اثناء عودتهما لمحهما قناص من القوة المجتاحة فصوب بندقيته نحوهما وضغط الزناد..وفى الحقيقة نحن لا نعلم ماذا دار بخلد هذا المجند ذى الاصول الروسية فى هذه اللحظة..فتصرفه غير منطقى ولا تفسير عقلانى له..فهل مافعله هى اوامر مجبور على تنفيذها ..ام اراد ان يشعر قاطنى هذه البقعة انه لا يوجد من يحميهم ان اراد هو او احد بنى لغته البطش بهم..ام هى مجرد حماقة جينية ورثها عن اسلافه..كل هذه احتمالات لا وزن لها ..لكن الحقيقة التى اكدها كل من شاهد هذه الواقعة ان رصاصة انطلقت من بندقيته مخترقة رأس الفتى ..فانهار جسده وتناثرت دمائه على الارض..فر زميله عندما رأى ذلك هاربا من مصير اسود كان ينتظره لو بقى فى مكانه ثانية اخرى..اتجه للبائسة ليخبرها بالفجيعة..اخبرها بصوت لاهث من طول المسافة التى قطعها عدوا ..خيل اليه انها تحدق به ذاهلة..لم يفهم ان التحديق هو الوضع الطبيعى لأعين عمياء..اما ما شعرت به فى هذه اللحظة فليس الذهول إنما الانسحاق الذى تحس به عندما تفقد عزيزا لديك..هذا التهاوى الذى يحل بنا ويشعرنا بهذا الالم العميق الذى نحسه يعتصر قلوبنا..فيظهر هذا كله فى دموع لا تعبر باى حال من الاحوال للناظر الينا عن الحجم الحقيقى لمأساتنا فيتجه لمواساتنا غيرعالم بما يعتمل داخلنا ..ولوعلم ما فعل ذلك..
انتشر الخبر فى الازقة والحارات فتوافدن النسوة على المنزل ثم جاء من سحبها الى المستشفى الذى وضعت به الجثة..تحسست ملامحه ومرت بأصابعها على موضع الرصاصة ..انتحبت بصوت عال ..قال لها احد الملثمين يستأذنها يا ام الشهيد سيخرج الشهيد من احد مقراتنا ليدفن..اتجهت ناحية الصوت وقالت فى حسم لن يخرج ولدى من مقر قتلة ابيه..بل سيخرج من بيت ابيه..قال الرجل محتدا اسمعى يا ام الولد.ولدك شهيد
والشهيد ليس ملكا لذويه فحسب ..بل هو ملك لكل الشعب..ضربت صدرها بقبضتها صارخة فى وجهه انا الشعب..
خرجت الجنازة المهيبة من بيتها كما ارادت وتقدمها الملثمين براياتهم الخضراء مطلقين رصاصات بنادقهم فى الهواء وسار خلفهم آلاف المشيعين من مختلف ارجاء هذه المنطقة المنكوبة فى صمت تام وفى رؤوسهم تدور تساؤلات خافتة..لماذا يطلقون النار فى الهواء..هل تحية للشهيد..ام لعجزهم عن توجيهها لصدور من قتلوه..ام يطلقونها ابتهاجا لاكتسابهم سببا جديدا لاستمرار تواجدهم..دارت فى رؤوسهم ولم يستطيعوا النطق بها ابدا..فالرايات الخضراء تملأ المكان……
___________________________________________ [/align]
تعليق