[align=center]في إحدى الأمسيات الشتائية , أسدلت السماء خمارها الأسود و حل صمتٌ بلا حــدود ..و بلغ البرد غايته
من كوخ صغير تراكمت في إحدى زواياه بقايا ضوء خافت.. يعلو تارة و يخبو أخرى ..هناك .. جلست امرأة شاحبة اللون .. هُدت قواها من تعاقب الليل والنهار ،
وطفلها الصغير "أحمد" بثيابه الرثة لا يمل من سؤالها : متى يحضر أبي يا أمي ؟فإذا انتهى من أسئلته تساقطت الدموع من عينيها ،وأجابت :عما قريب يا بني .. عما قريب ..
في طرف آخر من مساحات العتمة الممتدة حيث الحياة لا تشبه الحياة ..
وفي زنزانة انفرادية باردة تعيسة ،يقبع والد أحمد الذي قبض عليه بعدما هب مسرعا لنصرة إخوانه مقدما نفسه وماله ،وعندما عاد من مهمته ، لم يستقبل استقبال الأبطال ،وإنما ألقي عليه القبض ليودع في السجن ، مخلفا وراءه زوجة شابة ،وطفل صغير لم يتجاوز سبع سنين من عمره .سبع سنين عجاف تمر عليه ، لا يرى خلالها النور ،ولا يسمع إلا أقبح الكلام ، وصمت الليل يقطعه رنين سلاسل عبثت بها أصابع سجان ظلوم ، يرقبه من فتحة صغيرة في الباب ليتأكد من وجوده ..
فلا يجد راحته ،ولا يزيح الهم عن نفسه إلا ترديد آيات من كتاب الله يتلوها
" ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدواً نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون"
وفي سجنه تقدم إليه المغريات ،وتساق إليه الشهوات ، ومحاولات الإقناع لا تكاد تنقطع ، فهم يحاولون إقناعه بأن يكون جنديا من جنودهم ، حتى أقرب الناس إليه وهم أصحابه الذين انقادوا لدواعي الشهوة قد أتوا ليغروه ،
يا أبا أحمد : أما آن لك أن تلين ، إنك ستعيش حياة هانئة ، ألاترى العيش الرغيد الذي نلناه ؟؟
فتمر في مخيلته زوجته الشابة التي تركها ولم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها ، لطالما حدثها بأن يسافر فيها إلى أقاصي الدنيا ، وأنه سيفرش لها الأرض وردا ، وسيبني لها عش الزوجية قصرا لم تره بأحلامها .
ويمر في مخيلته أيضا طفله الذي تركه صغيرا وهو اليوم يبلغ الرابعة عشر من عمره ، يتذكر ضحكاته وحركاته ،يتذكر ركوبه على ظهره ، وشراء الألعاب له .
يتذكر أصحابه ، وحياتهم التي يعيشونها ، فهم يعيشون حياة سعيدة ، والأبواب مفتحة لهم ، وقد تبوءوا أعلى المناصب وأفضلها ،ويتذكر كلامهم له بالعمر المديد الذي سيقدم له إن هو أطاع سجانيه .
تمر عليه كل هذه الأمور فيعيش في صراع مع نفسه ، فالمبادئ كسرها لا يجبر ، والموت واحد وإن تعددت أسبابه واختلفت طرقه ...
وفي الجانب الآخر ما الذي سيضيره إن هو أطاعهم وانقاد لكلامهم ، وهناك خارج السجن يحافظ على مبادئه ، فقرر تسليم نفسه لهذه المغريات.
عقارب الساعة تمر كلمح البصر ،وهذه الليلة الأخيرة تمر عليه كأصعب ليلة عاشها في حياته ، محملة بالهموم تارة ، وبالعزة والأنفة تارة أخرى ،
ومرة أخرى يعود اليه تفكيره فيتذكر إخوانه الصادقين الذين سبقوه على نفس الدرب ،ومن أعماق نفسه يسمع هاتفا يخاطبه :ماذا يضيرك كيد العبيد ؟،
وما هي الحياة الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها الإنسان ؟ وأنت تعلم أن الحرية الحقيقية هي أن يعيش الإنسان لدينه وعقيدته ومبدئه،أن يعيش رافعا رأسه ، شامخا بجبينه ، عزيزا بنفسه ، ولو لاقى في سبيل ذلك ما لاقى .
فيتنفس تنفسا عميقا ، ثم يرفع هامته وينادي :
أيها السجان لقد أجبتكم الى ما تريدون...فاجمع أصحابك لأسمعهم ما يريدون..
فيصيح سجانه صيحة النصر ، وترتسم على محياه علامات الانتصار ، وينادي أصحابه ،فيفرحون حينما يسمعون ذلك .
وأخيرا .... لقد أجابنا الى ما نريد ..
وبغطرسة وتعالي : ما هو جوابك ؟
فيجيبهم إجابة الحر :" ما عنــدكم ينفد وما عند الله باق " ، إن جنتي في صدري أينما ذهبت ، فقتلي راحة ، وسجني سياحة .
وحينها ...يشتاطون غضبا ، ويشعرون بخيبة أمل مريرة معتبرينها إهانة لمشاعرهم ...
فلا يجدون حينئذ بُدا من تنفيذ حكمهم ،في ليلة يسلم فيها روحه لخالقه ، محملا بالعزة والشموخ ، والأنفة الكبرياء .
وفي الخارج .. تسمع زوجته بنبأ خروجه ، فالظلمة ماذا يريدون منه بعدما نفذوا فيه حكمهم الجائر ،فوجوده عندهم يسبب لهم الهلع ، وأنى لقلب جُبل على الهلع أن يرى الأسد أمامه ،
تحضر زوجته لتتسلم جثة زوجها يرافقها ولدها ليرى عزة والده ،فتراه رافعا سبابته الموحدة ، وبابتسامة ثغر لا يوفق لها إلا الشرفاء ،
فلا تملك نفسها إلا أن تطلق الزغاريد ، ليكون زوجها "حر في زمن العبيد"[/align]
من كوخ صغير تراكمت في إحدى زواياه بقايا ضوء خافت.. يعلو تارة و يخبو أخرى ..هناك .. جلست امرأة شاحبة اللون .. هُدت قواها من تعاقب الليل والنهار ،
وطفلها الصغير "أحمد" بثيابه الرثة لا يمل من سؤالها : متى يحضر أبي يا أمي ؟فإذا انتهى من أسئلته تساقطت الدموع من عينيها ،وأجابت :عما قريب يا بني .. عما قريب ..
في طرف آخر من مساحات العتمة الممتدة حيث الحياة لا تشبه الحياة ..
وفي زنزانة انفرادية باردة تعيسة ،يقبع والد أحمد الذي قبض عليه بعدما هب مسرعا لنصرة إخوانه مقدما نفسه وماله ،وعندما عاد من مهمته ، لم يستقبل استقبال الأبطال ،وإنما ألقي عليه القبض ليودع في السجن ، مخلفا وراءه زوجة شابة ،وطفل صغير لم يتجاوز سبع سنين من عمره .سبع سنين عجاف تمر عليه ، لا يرى خلالها النور ،ولا يسمع إلا أقبح الكلام ، وصمت الليل يقطعه رنين سلاسل عبثت بها أصابع سجان ظلوم ، يرقبه من فتحة صغيرة في الباب ليتأكد من وجوده ..
فلا يجد راحته ،ولا يزيح الهم عن نفسه إلا ترديد آيات من كتاب الله يتلوها
" ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدواً نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون"
وفي سجنه تقدم إليه المغريات ،وتساق إليه الشهوات ، ومحاولات الإقناع لا تكاد تنقطع ، فهم يحاولون إقناعه بأن يكون جنديا من جنودهم ، حتى أقرب الناس إليه وهم أصحابه الذين انقادوا لدواعي الشهوة قد أتوا ليغروه ،
يا أبا أحمد : أما آن لك أن تلين ، إنك ستعيش حياة هانئة ، ألاترى العيش الرغيد الذي نلناه ؟؟
فتمر في مخيلته زوجته الشابة التي تركها ولم تتجاوز الخامسة والعشرين من عمرها ، لطالما حدثها بأن يسافر فيها إلى أقاصي الدنيا ، وأنه سيفرش لها الأرض وردا ، وسيبني لها عش الزوجية قصرا لم تره بأحلامها .
ويمر في مخيلته أيضا طفله الذي تركه صغيرا وهو اليوم يبلغ الرابعة عشر من عمره ، يتذكر ضحكاته وحركاته ،يتذكر ركوبه على ظهره ، وشراء الألعاب له .
يتذكر أصحابه ، وحياتهم التي يعيشونها ، فهم يعيشون حياة سعيدة ، والأبواب مفتحة لهم ، وقد تبوءوا أعلى المناصب وأفضلها ،ويتذكر كلامهم له بالعمر المديد الذي سيقدم له إن هو أطاع سجانيه .
تمر عليه كل هذه الأمور فيعيش في صراع مع نفسه ، فالمبادئ كسرها لا يجبر ، والموت واحد وإن تعددت أسبابه واختلفت طرقه ...
وفي الجانب الآخر ما الذي سيضيره إن هو أطاعهم وانقاد لكلامهم ، وهناك خارج السجن يحافظ على مبادئه ، فقرر تسليم نفسه لهذه المغريات.
عقارب الساعة تمر كلمح البصر ،وهذه الليلة الأخيرة تمر عليه كأصعب ليلة عاشها في حياته ، محملة بالهموم تارة ، وبالعزة والأنفة تارة أخرى ،
ومرة أخرى يعود اليه تفكيره فيتذكر إخوانه الصادقين الذين سبقوه على نفس الدرب ،ومن أعماق نفسه يسمع هاتفا يخاطبه :ماذا يضيرك كيد العبيد ؟،
وما هي الحياة الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها الإنسان ؟ وأنت تعلم أن الحرية الحقيقية هي أن يعيش الإنسان لدينه وعقيدته ومبدئه،أن يعيش رافعا رأسه ، شامخا بجبينه ، عزيزا بنفسه ، ولو لاقى في سبيل ذلك ما لاقى .
فيتنفس تنفسا عميقا ، ثم يرفع هامته وينادي :
أيها السجان لقد أجبتكم الى ما تريدون...فاجمع أصحابك لأسمعهم ما يريدون..
فيصيح سجانه صيحة النصر ، وترتسم على محياه علامات الانتصار ، وينادي أصحابه ،فيفرحون حينما يسمعون ذلك .
وأخيرا .... لقد أجابنا الى ما نريد ..
وبغطرسة وتعالي : ما هو جوابك ؟
فيجيبهم إجابة الحر :" ما عنــدكم ينفد وما عند الله باق " ، إن جنتي في صدري أينما ذهبت ، فقتلي راحة ، وسجني سياحة .
وحينها ...يشتاطون غضبا ، ويشعرون بخيبة أمل مريرة معتبرينها إهانة لمشاعرهم ...
فلا يجدون حينئذ بُدا من تنفيذ حكمهم ،في ليلة يسلم فيها روحه لخالقه ، محملا بالعزة والشموخ ، والأنفة الكبرياء .
وفي الخارج .. تسمع زوجته بنبأ خروجه ، فالظلمة ماذا يريدون منه بعدما نفذوا فيه حكمهم الجائر ،فوجوده عندهم يسبب لهم الهلع ، وأنى لقلب جُبل على الهلع أن يرى الأسد أمامه ،
تحضر زوجته لتتسلم جثة زوجها يرافقها ولدها ليرى عزة والده ،فتراه رافعا سبابته الموحدة ، وبابتسامة ثغر لا يوفق لها إلا الشرفاء ،
فلا تملك نفسها إلا أن تطلق الزغاريد ، ليكون زوجها "حر في زمن العبيد"[/align]
تعليق