الإسلام وثقافة الحوار
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وإمام المتقين، الهادي بنور رب العالمين إلى صراطه المستقيم.
الناس معادن وثقافات، وإن تهافت الناس على ثقافة الحوار، فليس كل محاور محاورا؛ لاختلاف النيات والأهداف من وراء مرماه، فضلا عن كون الدعوة دعوتان : دعوة إلى الله ودعوة إلى الإسلام.
جاء الإسلام داعيا للحوار من أجل إقامة السلام العالمي، وجاء بكل متطلبات التعايش؛ إذ جعل التفاضل بين الناس على أساس تقوى الله وجعل الناس سواسية أمام العدالة واتخذ حرية التدين سبيلا؛ إذ لا إكراه في الدين.
ودعا الإسلام الناس للإذعان للحق واتخاذه منهج حياة وجعل شعار المحاور :
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سـبأ: من الآية24)
لينطلق الحوار من أرضية المساواة بين الجميع، فإن غابت المساواة بين الطرفين غابت العدالة وانقلب الحوار إلى تفاوض لانتزاع ما يمكن انتزاعه.
أما الحوار فقد غاب بغياب أرضية المساواة. وهكذا جاءت الآية تذكر بالمنطلق : بأرضية المساواة : {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
فلسنا نحن المهتدون وأنتم الضالون. فهنا غابت أرضية العدالة والتساوي.
وما أن يبدأ الحوار حتى تتحفز النفوس للانتقام من المحاور إظهارا لمساوئه، فأثبت الحق سبحانه وتعالى، بأنه ما كان للحق أن يعرف بالرجال؛ وإنما تعرف الرجال بالحق. ومن هنا وجب غض الطرف عن أفعال هذا وذاك؛ إذ أنتم لا تسألون عما أجرمنا واقترفنا من الذنوب ولا نحن نسأل عما تفعلون:
] قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[ (سـبأ:25)
ويا لها من أرضية تطيب خاطر الخصم وتشفي الصدور:
لا يهمكم ما أجرمنا = (نحن نجرم)،
ولا نسأل عما تعملون = وأنتم تعملون!!!
ويستدعي القرآن الكريم أهل الكتاب للحوار بعد أن يحدد المنهجية:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}(آل عمران: من الآية64)
تعالوا إلى كلمة سواء: تكون هي الأرضية المشتركة بيننا لينطلق الحوار على أرض صلبة يقينية وتتجلى في التزامنا بعبودية الله وحده لا شريك له.
بهذه المبادئ انطلق المسلمون يجوبون الأرض، ويطرقون القلوب، كل همهم أن يهدي الله الخلق على أيديهم.
وهذه شهادات على سبيل المثال لا الحصر: " يعقوب المروزي يحدث عن سفيان قوله :" العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله ".(شعب الإيمان للبيهقي، ج2/288)
وهذا الشعبي يقول :" ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا ". وبرر الذهبي هذا التمني بقوله :" لأنه حجة على العالم فينبغي أن يعمل به ويُنبه الجاهل فيأمره وينهاه؛ ولأنه مظنة أن لا يخلص فيه، وأن يفتخر به، ويماري به، لينال رئاسة، ودنيا فانية "(سير أعلام النبلاء، ج 4/303.)
ودأب السلف الصالح على أنهم ما ناظروا أحداً إلا تمنوا أن يجري الله الحق على لسانه، فيقبلونه ويتم التفاهم.
وفي زمن الديمقراطية و العولمة، والنيات المبيتة، سطر الغرب ثقافة التفاوض والتحاور، وما هي إلا بمثابة إعلان حرب للسلطة الحاكمة على الشعب المحكوم؛ فبالأمس القريب كانت لغة العصا، وقانون الغاب المهيمنان على المجتمع، وإثر تحرر الشعوب من حكم الكنائس وهيمنة الحكام، جاءت الديمقراطية لترجع الأمور للناس، فاحتال المحتالون، وساقوا الناس سوقا إلى ما خططوه لهم، وفق برنامج مدروس، وأفكار معلبة، جاهزة للهضم، وانصاع الناس لها انصياعا.
وبين هدي القرآن والسنة إلى حب الخير للعالمين وبين تلاعبات الغربيين بون شاسع، لهذا ألح القرآن في مناشدتهم اتباع الحق ونشدانه في أقوالهم وأفعالهم :
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}آل عمران:71
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق}(النساء: من الآية171).
وهي أيضا تنبيهات لنا بما أننا أضا أهل الكتاب.
والجدال طبيعة بشرية يتبين من خلال الكلمات ما تبيته القلوب، وجاءت هذه المقالات لتكشف ملابسات الحوار عند الغربيين، وليظهر ما خص به القرآن المحاور من تقنيات، وأساليب، وآداب، وما كشف له عمن يروم التلاعب ليقطع معه حبل التواصل الذي لا يفضي إلى نتيجة؛ إذ الإسراف حرام، وبخاصة إن كان من وقت الداعية وجهده.
ولئن كثرت الكتب والمقالات حول المحاور ومواصفاته وأساليبه وتقنياته فإن ما جاءت به هذه مقالات تجاوزت الأساليب والتقنيات ولم تغفلها وطرقت سبل الربانية وأبرزت مميزاتها ويسرت سبلها .
فما الأسباب والأساليب والتقنيات إلا وسيلة لطرق باب القلوب، وأنى للقلوب أن تصغي وتستجيب إلا من رحم ربك، ورحمة الله قريبة من المحسنين.
وجزاء الله منوط بقلوب العباد، فمن حصل خيرا وجده، ومن مكر شرا وجده، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد:
{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (البقرة:10)
{ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(لأنفال: من الآية70).
والربانية تفاعل بين عبد ورب ، فشتان بين عبد تصرف بإذن ربه، وانطلق لهداية الخلق، عن وعي وروية، وفهم متكامل، ورؤية شاملة، لا تتناقض في ثنايا جزئياتها؛ ليكون للعبد نصيبا من الدعوة الموكولة للنبي صلى الله عله وسلم بإذن ربه {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب : 46] ومتبعا في ذلك أمر ربه {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف : 108].
والدعوة على بصيرة: أي على علم بقانون الله في هداية خلقه، حتى لا تتناقض في أدوارها ولا تخالف توجيهات ربها، فكل خطوة يخطوها المرء محصية عليه؛ لذلك هو يوظفها لما يقربه إلى الله ويرضى بها عنه.
وقد ينبري للحوار من ظن أنه أهل لذاك، إما بعرض لما يختزنه من معلومات، وإما لما حصل من شواهد تجعله في مصاف أهل العلم؛ ويسعى بادلا قصارى جهده إرشادا للعباد؛ وما درى هذا المسكين وهو يضيع جهوده سدى وبذارا؛ بأن لله في الكون سننا لا يخرقها خارق، ولا تتبدل، ولا تتغير، ولن تجد لها تبديلا ولا تغييرا لكونها عهودا ربانية؛ والله يوفي إذا وعد، ولن يخلف الله وعده، وما على الداعية إلا إتيان الأمور من أبوابها التي سنها الله جل في علاه.
و الدعوة إلى الله هي دعوة خاصة لمن علم بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وما يستحب في حقه جل علاه، وما يستحيل أيضا، حتى لا يفتري على الله الكذب، ولا يتناقض قولا ولا فعلا، فضلا عن الإلمام بتشريعه بفهم رباني ثاقب وبعد نظر موظفا سنن الله فيما أشكلت عليه من أمور مستمدا فهمه من الله، مستلهما سنن الله في قرآنه ومستفسرا سننه في كونه...
وهي غير الدعوة إلى الإسلام والتي هي مهمة كل مسلم حيث يأمرنا جل جلاله {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل : 125].
والله جل جلاله أسأل أن ينفع بهذا المقال - وما يليه بإذنه- وييسر به سبل الهداية للعالمين ويجعله مفتاحا يفتح قلوب العالمين ويهديهم صراط الله المستقيم واستغفره من كل ذنب وأسأله أن يجازي كل من دلني على خطأ أو شطط أو زلل أو انحراف وهو الغفور الشكور سبحانه وتعالى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما والحمد لله أولا وأخيرا.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم النبيين، وإمام المتقين، الهادي بنور رب العالمين إلى صراطه المستقيم.
الناس معادن وثقافات، وإن تهافت الناس على ثقافة الحوار، فليس كل محاور محاورا؛ لاختلاف النيات والأهداف من وراء مرماه، فضلا عن كون الدعوة دعوتان : دعوة إلى الله ودعوة إلى الإسلام.
جاء الإسلام داعيا للحوار من أجل إقامة السلام العالمي، وجاء بكل متطلبات التعايش؛ إذ جعل التفاضل بين الناس على أساس تقوى الله وجعل الناس سواسية أمام العدالة واتخذ حرية التدين سبيلا؛ إذ لا إكراه في الدين.
ودعا الإسلام الناس للإذعان للحق واتخاذه منهج حياة وجعل شعار المحاور :
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سـبأ: من الآية24)
لينطلق الحوار من أرضية المساواة بين الجميع، فإن غابت المساواة بين الطرفين غابت العدالة وانقلب الحوار إلى تفاوض لانتزاع ما يمكن انتزاعه.
أما الحوار فقد غاب بغياب أرضية المساواة. وهكذا جاءت الآية تذكر بالمنطلق : بأرضية المساواة : {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
فلسنا نحن المهتدون وأنتم الضالون. فهنا غابت أرضية العدالة والتساوي.
وما أن يبدأ الحوار حتى تتحفز النفوس للانتقام من المحاور إظهارا لمساوئه، فأثبت الحق سبحانه وتعالى، بأنه ما كان للحق أن يعرف بالرجال؛ وإنما تعرف الرجال بالحق. ومن هنا وجب غض الطرف عن أفعال هذا وذاك؛ إذ أنتم لا تسألون عما أجرمنا واقترفنا من الذنوب ولا نحن نسأل عما تفعلون:
] قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[ (سـبأ:25)
ويا لها من أرضية تطيب خاطر الخصم وتشفي الصدور:
لا يهمكم ما أجرمنا = (نحن نجرم)،
ولا نسأل عما تعملون = وأنتم تعملون!!!
ويستدعي القرآن الكريم أهل الكتاب للحوار بعد أن يحدد المنهجية:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}(آل عمران: من الآية64)
تعالوا إلى كلمة سواء: تكون هي الأرضية المشتركة بيننا لينطلق الحوار على أرض صلبة يقينية وتتجلى في التزامنا بعبودية الله وحده لا شريك له.
بهذه المبادئ انطلق المسلمون يجوبون الأرض، ويطرقون القلوب، كل همهم أن يهدي الله الخلق على أيديهم.
وهذه شهادات على سبيل المثال لا الحصر: " يعقوب المروزي يحدث عن سفيان قوله :" العالم لا يماري ولا يداري، ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله ".(شعب الإيمان للبيهقي، ج2/288)
وهذا الشعبي يقول :" ليتني لم أكن علمت من ذا العلم شيئا ". وبرر الذهبي هذا التمني بقوله :" لأنه حجة على العالم فينبغي أن يعمل به ويُنبه الجاهل فيأمره وينهاه؛ ولأنه مظنة أن لا يخلص فيه، وأن يفتخر به، ويماري به، لينال رئاسة، ودنيا فانية "(سير أعلام النبلاء، ج 4/303.)
ودأب السلف الصالح على أنهم ما ناظروا أحداً إلا تمنوا أن يجري الله الحق على لسانه، فيقبلونه ويتم التفاهم.
وفي زمن الديمقراطية و العولمة، والنيات المبيتة، سطر الغرب ثقافة التفاوض والتحاور، وما هي إلا بمثابة إعلان حرب للسلطة الحاكمة على الشعب المحكوم؛ فبالأمس القريب كانت لغة العصا، وقانون الغاب المهيمنان على المجتمع، وإثر تحرر الشعوب من حكم الكنائس وهيمنة الحكام، جاءت الديمقراطية لترجع الأمور للناس، فاحتال المحتالون، وساقوا الناس سوقا إلى ما خططوه لهم، وفق برنامج مدروس، وأفكار معلبة، جاهزة للهضم، وانصاع الناس لها انصياعا.
وبين هدي القرآن والسنة إلى حب الخير للعالمين وبين تلاعبات الغربيين بون شاسع، لهذا ألح القرآن في مناشدتهم اتباع الحق ونشدانه في أقوالهم وأفعالهم :
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}آل عمران:71
{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق}(النساء: من الآية171).
وهي أيضا تنبيهات لنا بما أننا أضا أهل الكتاب.
والجدال طبيعة بشرية يتبين من خلال الكلمات ما تبيته القلوب، وجاءت هذه المقالات لتكشف ملابسات الحوار عند الغربيين، وليظهر ما خص به القرآن المحاور من تقنيات، وأساليب، وآداب، وما كشف له عمن يروم التلاعب ليقطع معه حبل التواصل الذي لا يفضي إلى نتيجة؛ إذ الإسراف حرام، وبخاصة إن كان من وقت الداعية وجهده.
ولئن كثرت الكتب والمقالات حول المحاور ومواصفاته وأساليبه وتقنياته فإن ما جاءت به هذه مقالات تجاوزت الأساليب والتقنيات ولم تغفلها وطرقت سبل الربانية وأبرزت مميزاتها ويسرت سبلها .
فما الأسباب والأساليب والتقنيات إلا وسيلة لطرق باب القلوب، وأنى للقلوب أن تصغي وتستجيب إلا من رحم ربك، ورحمة الله قريبة من المحسنين.
وجزاء الله منوط بقلوب العباد، فمن حصل خيرا وجده، ومن مكر شرا وجده، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد:
{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (البقرة:10)
{ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(لأنفال: من الآية70).
والربانية تفاعل بين عبد ورب ، فشتان بين عبد تصرف بإذن ربه، وانطلق لهداية الخلق، عن وعي وروية، وفهم متكامل، ورؤية شاملة، لا تتناقض في ثنايا جزئياتها؛ ليكون للعبد نصيبا من الدعوة الموكولة للنبي صلى الله عله وسلم بإذن ربه {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب : 46] ومتبعا في ذلك أمر ربه {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف : 108].
والدعوة على بصيرة: أي على علم بقانون الله في هداية خلقه، حتى لا تتناقض في أدوارها ولا تخالف توجيهات ربها، فكل خطوة يخطوها المرء محصية عليه؛ لذلك هو يوظفها لما يقربه إلى الله ويرضى بها عنه.
وقد ينبري للحوار من ظن أنه أهل لذاك، إما بعرض لما يختزنه من معلومات، وإما لما حصل من شواهد تجعله في مصاف أهل العلم؛ ويسعى بادلا قصارى جهده إرشادا للعباد؛ وما درى هذا المسكين وهو يضيع جهوده سدى وبذارا؛ بأن لله في الكون سننا لا يخرقها خارق، ولا تتبدل، ولا تتغير، ولن تجد لها تبديلا ولا تغييرا لكونها عهودا ربانية؛ والله يوفي إذا وعد، ولن يخلف الله وعده، وما على الداعية إلا إتيان الأمور من أبوابها التي سنها الله جل في علاه.
و الدعوة إلى الله هي دعوة خاصة لمن علم بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وما يستحب في حقه جل علاه، وما يستحيل أيضا، حتى لا يفتري على الله الكذب، ولا يتناقض قولا ولا فعلا، فضلا عن الإلمام بتشريعه بفهم رباني ثاقب وبعد نظر موظفا سنن الله فيما أشكلت عليه من أمور مستمدا فهمه من الله، مستلهما سنن الله في قرآنه ومستفسرا سننه في كونه...
وهي غير الدعوة إلى الإسلام والتي هي مهمة كل مسلم حيث يأمرنا جل جلاله {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل : 125].
والله جل جلاله أسأل أن ينفع بهذا المقال - وما يليه بإذنه- وييسر به سبل الهداية للعالمين ويجعله مفتاحا يفتح قلوب العالمين ويهديهم صراط الله المستقيم واستغفره من كل ذنب وأسأله أن يجازي كل من دلني على خطأ أو شطط أو زلل أو انحراف وهو الغفور الشكور سبحانه وتعالى وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما والحمد لله أولا وأخيرا.
تعليق