في قاعة المحكمة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مجدي السماك
    أديب وقاص
    • 23-10-2007
    • 600

    في قاعة المحكمة

    في قاعة المحكمة
    بقلم: مجدي السماك
    طرق القاضي على الطاولة بالشاكوش الخشبي عدة طرقات متتابعات فيها قداسة وخشوع. ورفع رأسه فارتفعت عيناه الواسعتان، وتلفت حوله بكل ما فيهما من صرامة، وراح يديرهما ليمشى بهما على وجوه الحاضرين ويتفرس. في الحال أوقدت طرقاته المهابة في النفوس، ونثرت نظراته الرهبة في القاعة فأوجلت قلوب الجالسين وأسكتتهم.
    ثم باعد القاضي قليلاً ما بين شفتيه المطبقتين.. فانطلق لسانه بلا عائق يتلو كلاماً واضح المخارج ورنان..
    - محامي الدفاع.. تفضل.. باختصار.. القضية صارت واضحةً وضوح الشمس.
    وقف محامي المتهم وتقدم عدة خطوات وئيدات فيها ثقة عالية وطمأنينة مستتبة.. ومدّ ذراعيه عبر عباءة المحاماة الواسعة، وراح بحزم يتكلم ويعلي طبقات صوته بالتدريج، ويكزّ بأسنانه على بعض الكلمات ليؤكد أن المليون دولار صارت خارج حدود البلد.. وكلما كزّ ارتفعت كتفاه وانتفخت خدوده، وتقاربت قمم التجاعيد المملوءة بالثقة ببراءة المتهم.. وشب بجسده الفارع على طرفي فردتي حذائه ومال إلى الأمام ليقول إن المتهم مضحوك عليه، ومخدوع من مسئولين أكبر منه.. وكان جذعه يتحدب تحت عباءته الغامقة السوداء وهو يستعطف القاضي.
    ثم قاطعه محامي الإدعاء حين نهض عن كرسيه كالملدوغ، كأن مسماراً نبت فجأة في الكرسي الجالس عليه وخرق جلده.. وبجسده القصير وصوته العالي راحت حنجرته تنتفض ولسانه يؤكد..
    - ثبت يا سيادة القاضي أن المتهم سرق مليون دولار، فهو يستحق عقوبة قاسية لتردعه.. السجن عشرة أعوام يا حضرة القاضي.
    لكن القاضي أسكته بطرقتين من شاكوشه الخشبي، وسدّد نحوه نظرةً حادةً فيها تأنيب.. وطلب منه عدم مقاطعة محامي الدفاع بتاتاً.. وكانت عيون الحاضرين تقلع وتحلق في القاعة بين وجه المتهم وعيون القاضي وأفواه المحاميين المتنافرين.. وظلّت أبصارهم ترفرف حول صورة الميزان المرسومة في أعلى الجدار الأملس فوق رأس القاضي.. ثم هبطت الأبصار كلها في وقت واحد، ودفعة واحدة حطت عشرات العيون على وجه محامي الدفاع حين أردف..
    - صحيح يا سيادة القاضي أن المتهم اعترف بسرقته المليون دولار.. لكن الرحمة مطلوبة.. أرجو تخفيف الحكم إلى قطع كف يد المتهم، فهو مخدوع.. مليون دولار لا تستحق حبسه عشرة أعوام.. الرحمة يا سيادة القاضي.. ألا يكفي قطع يده ليرتدع؟.. ويكون عبرة للآخرين.
    وصار محامي الدفاع يفتح ملفاً ناوله إياه مساعده، ويخرج منه أوراقاً وإثباتات ومستندات.. ولم يكتف بهذا إنما أخرج من جيوبه الأمامية والخلفية كومات أوراق أخرى وفتافيت كمبيالات قديمة.. وصار يقرأ تواريخ وأرقاما وحادثات.. والقاضي يسمع ويسند ذقنه إلى راحته كتمثال مجبول من صمت..
    وبينما المتهم جالس في قفصه راحت تسري في جسده نوبة طمأنينة كانت كافية لأن ترخي فكه السفلي.. فتدلت شفته السفلي وبقيت العليا على حالها.. فبدا كأنما يبتسم بإحدى شفتيه.. بنصف فمه. وأخذ يململ كتلة اللحم المدكوك والعضلات المرصوصة التي تكون جسده.. وحاول أن يعزز ابتسامته ويشرك الشفة العليا مع شقيقتها، ليوسعها.
    والناس في القاعة همهمت.. وهمست.. وتحول همسها إلى كلام. واستحال كلامها إلى أمل.
    وطرق القاضي بالشاكوش.. ورفع الجلسة لربع ساعة.
    وانتهت الربع ساعة ولم تنته القضية.. فعاد القاضي وعادت معه طرقاته التي أخرست الحاضرين وأقعدتهم في أماكنهم.. وتلا الحكم بصوت عميق: حكمت المحكمة حضورياً على المتهم بقطع كفه اليمنى.
    وفرح المتهم في قفصه وكاد يطير من السعادة.. وانهال عليه المحامي وتبادلا القبلات والتهاني.. وكذلك فعل المقربون، وبعض الأصدقاء. وبسرعة خاطفة حسب المتهم في ذهنه نصيب المحامي.. ونصيب القاضي.. وما تبقى له من المليون دولار.. فزاد فرحه أكثر وكاد يموت من الفرح. وبسرعة قفز خاطرة إلى المليون القادم المخطط له بمهارة قصوى.
    وقبل أن يغادر القاضي القاعة المضطربة.. مد المتهم يده اليسرى الحقيقة وانتزع بها ذراعه اليمنى الصناعية.. وناولها للمحامي كي يوصلها بدوره في الحال إلى القاضي الذي همّ بالخروج.. وأوصاه وأكد عليه بضرورة إعادة بقية الذراع بعد قطع الكف.
    Magdi_samak@yahoo.com
    عرفت شيئا وغابت عنك اشياء
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    زميلي المبدع الجميل
    مجدى السماك
    جميلة الفكرة و أحببت أسلوب المحامى أثناء المرافعة
    كنت أنتظر مثل باقى الحضور حتى ينطق الحكم !!
    لكنك بهدوء أعصاب وترفقاً بي لم تجعلنى أنتظر كثيراً .. حتى جاء حكمك أو بالأحرى حكم قاضيك حسب الشريعة و الدين !!
    هل هو معمولٌ به هذه الأيام صديقي ؟؟
    هل استغلال الدين و الشريعة مبرر لتحليل الفعلة و الاستعداد لسرقة جديدة ؟؟
    هل هناك قضاة بتلك الوقاحة ؟؟
    ((العدل أساس الملك))
    أليست عادلة تلك المقولة !!

    لا أعرف مجدى لمَ لم أقتنع بالحكم و النهاية ؟؟
    لا تنزعج منى أرجوك .. فقط حاولت أن أترجم مخيلتى معك لكن كانت النهاية غير مقنعة و غير عادلة !!
    تحياتي لقلمك الساحر أيها المبدع .
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    يعمل...
    X