
إلتقته في الرواق المؤدي إلى قاعة المعلمين فحيته برقتها المعهودة ، و كعادته رد بتحية جافة و واصل سيره .. إلا أنها استوقفته و هي عازمة هذه المرة أن تبوح له بمكنون قلبها من حب و ألم و شوق و لوعة..لكنها تلعثمت بعدما استوقفته، كانت تريد أن تقول له أحبك فلم تستطع ، كانت تريد أن تقول له اشتاق إليك رغم أني أراك كل يوم ، كانت تريد أن تقول كلاما كثيرا، لكنها بقيت مسمرة تنظر إليه فحسب .
ـ نعم يا أستاذة أهناك شيء ؟
لم تتمكن من قول ما تريد فراحت ترفع صوتها و تجهر بالخصام
ـ ما بك ؟ لماذا تعاملني دائما هكذا ؟
ـ كيف أعاملك ؟ أنا أحترمك كثيرا يا أستاذة ؟
ـ تحترمني و تعاملني كنكرة ..
أراد أن يلطف الجو و يهدئها و يفهم ، إذ أنه يرى زميلته متوترة و مضطربة و تقول كلام غير مفهوم و عيناها مغرورقة بالدموع الحبيسة و على ما يبدو أنه السبب .
ـ لا سيدتي أنت معرفة و علم صدقيني ..
ـ أرأيت .. أنا جادة معك و أنت تهزأ و تسخر..
ـ لم أقصد .. لكن ... ما المشكلة ؟؟ ماذا فعلت لك ؟؟
ـ أنت حقا لا تعلم ؟؟؟
ـ لا.
ـ لا شيء؟؟؟
ـ لا.. لا شيء.
استدارت و قد تساقطت تلك الدموع التي كانت تحبسها و همت بالانصراف ... لكنه أمسكها من ذراعها يريد معرفة الذي اقترفه في حقها . فوجدها مجهشة باكية مكسورة .. مما زاد في دهشته و استغرابه، و تزاحمت الأسئلة في رأسه.
ـ أرجوك زهرة ماذا حدث ؟؟
ـ ماذا حدث ؟؟؟ ... حدث أني سئمت من ارتداء الملابس الجميلة و التباهي بها أمامك فيلاحظن الكل إلا أنت .. و راحت تلومه بأن ليس له نظر .. و أنه لا يشم عطورها الفاخرة إذا مرت قربه .. و أنه لا ينظر إليها .. و لا يكلمها إذا تكلم .. و انه لا يفهم حين تأتيه تسأل عن أمر تافه متساذجة و كل أصواتها الأخرى تقول أحبك و نعتته بالحمق و أنه مغفل ..و أنه كالثلاجة أو الحجر ،و أقسمت جهد أيمانها لو أنها اقتربت من ثلاجة كما تقترب منه لاستحالت الثلاجة فرنا مستعر ، و لو لمست الحجر كما لمسته لتفتت الحجر و اندثر .. ثم قالت : ألم تفهم أيها الأحمق أني أحبك ...
و قبل أن تكمل كلامها أطرق و استدار و انصرف ... فأحست بمرارة في حلقها ، لم تعرفها من قبل ، و طعنة في صدرها مزقته شر ممزق ... استجمعت قواها التي تبعثرت في كل مكان و قبل أن تسقط ..أمسكته من ذراعه ..تستند عليها و تستفسر .. كيف يمكنه تركها ؟ كيف يدير لها ظهره بعدما تجردت أمامه و عرت نفسها و باحت له بما يختلج في صدرها .
ـ قل شيئا ؟؟؟ لا تتركني هكذا ..
دون أن ينظر إليها و دون أن يرفع رأسه قال : اعذريني سيدتي أنا بغيرك مغرم....
سقطت المسكينة في ذاك الرواق كما تسقط الأوراق الذابلة في الخريف .. لم يحاول مسكها و لم يرفعها من الأرض و انصرف ..و بكيت أنا من داخل قاعة المعلمين ، و لم أستطع رفعها أو أتحرك أو أنصرف ..
تعليق