[align=right]كانت تصعد إلى الحافلة عصر كل يوم من أمام مكتب البريد بوجه محتقن و دموع تركت أثرا واضحا على خديها ،و أنف يرشح بلا توقف و عينين متورمتين ،و شفتين راجفتين ، تجتاز المسافة بين باب الحافلة و المقعد الخلفي بتأرجح و إعياء ، ثم تجلس ملاصقة للنافذة، فتخبئ وجهها فيها ، ثم أسمع شهيقها يتقطع ، و نحيبها يخفت ثم يرتفع ، و تظل تمسح دموعها وأنفها بكومة كبيرة من المناديل الورقية ، وما أن تصل الحافلة قرب المسجد حتى تكون قد ابتلعت صوتها الراجف و جففت دمعها و مسحت وجهها و ترجلت بهدوء .
أذكر أنني ذات مرة أخذني بكاؤها إلى بكائي ، فبكيت أيضا بحرقة ، و دسست وجهي في النافذة المجاورة لنافذتها متحاشية نظرات الركاب الذين ظنوا – على الأغلب – أننا نبكي لذات السبب ، كان قلبي ينزف أسى كلما صعدت إلى الحافلة ، فأترجل منها أمام منزلي بروح محطمة و عينين متورمتين ، فمسافة نصف ساعة من البكاء كافية لأسترجع فيها أصغر أوجاعي و أبكيه ، بعد أن تنكأ هذه المرأة الناحبة جراحي في شهقة واحدة.
حاولت كثيرا أن أتحاشى موعد صعودها إلى الحافلة ، فلم أنجح سوى مرتين ، دائما تقف الحافلة أمام مكتب البريد فأسمع الركاب يتأففون قبل أن يروا من الصاعد إليها ، فيستغفر أحدهم ، و آخر يشتم نهاره النكد ، و أخرى تبحث في حقيبتها عن مناديل ورقية لتنفث فيها بكاءها إثر بكاء المرأة الصاعدة ، و السائق يحوقل ، دون أن يتجرأ أحدهم على الحديث معها أو مواساتها .
و أنا أشعر الآن بالذبول ، لا بد أنني استهلكت مخزون عام كامل من البكاء تعاطفا مع هذه المرأة في شهر واحد ، و أظنني سأبكي الآن دما لا دموعا إذا صعدت اليوم إلى حافلتي ... لذا كنت أول من صعد إليها ، لأجلس في المقعد الخلفي وأختار الجانب الملاصق للنافذة اليمنى – مكانها تماما – و لم أنس أن أحمل في حقيبتي كومة من المناديل الورقية الناعمة جدا ، و عندما توقفت الحافلة أمام مكتب البريد ، أظنني أخذت شهيقا طويلا قبل أن أراها تصعد ، لتصعد بعدها فتتعثر بحقيبة ، فتتأرجح بألم يزيد من أنينها الناحب ، و عندما اجتازت الممر بين المقاعد إلي المقعد الخلفي نظرت إلى مكانها المحتل بذهول قطعه النحيب ، بحثت عن مقعد أكثر انزواء ، فجلست بجانبي بيني و بين أخرى و استمرت بالنحيب و الشهيق و التمتمة – المرة الأولى التي أسمعها تتمتم فيها بما لم أفهم – مددت يدي إليها بكومة المناديل رفعت رأسها محدقة بي بهلع و خطا الدمع يتتاليان حتى رقبتها ، أخذت المناديل مني بريبة ، استهلكتها في دقيقتين ، أخرجت من حقيبتها مناديل أخرى وواصلت النحيب ، دنوت منها أكثر وضعت يدي اليسرى على يدها اليمنى ، مسحت على يدها مواسية ، رفعت رأسها من بين المناديل متفاجئة ، سألتها :
- لماذا تبكين ؟؟ اتق الله في نفسك .
تشهق أكثر، ثم تنوح نواحا مرّا .
- يا أختي ما بك ؟؟ لقد قطعت قلوبنا جميعا .
تشهق أكثر ، تنوح بصوت يرتفع أكثر فأكثر ترفع رأسها و تخفضه ، تضرب بيديها على ركبتيها و تنوح أكثر :
- أرجوك توقفي ، سوف تقتلين نفسك .
يرتفع صوتها أكثر، يتحول صوتها المرتج إلى أنين صاخب . تزعق فيّ عجوز :
- وأنت ما دخلك ؟؟!! اهتمي بنفسك .
يزعق السائق :
- يا بنت الحلال كانت هادئة ........ أوف .
يزعق رجل لم أر وجهه:
- سامحك الله، ما الذي سيسكتها الآن ؟
ترفع رأسها و تنظر للجميع بهلع ، و أنا أشعر بجسدي يتضاءل ، أبتعد عنها ، أقفز إلى مقعد آخر ، تستمر بالشهيق ، نقترب من المسجد ، تقوم من مكانها ، تلملم مناديلها الغارقة ، فجأة تعانقني بحرارة ، تقبلني ، و تنزل .[/align]
أذكر أنني ذات مرة أخذني بكاؤها إلى بكائي ، فبكيت أيضا بحرقة ، و دسست وجهي في النافذة المجاورة لنافذتها متحاشية نظرات الركاب الذين ظنوا – على الأغلب – أننا نبكي لذات السبب ، كان قلبي ينزف أسى كلما صعدت إلى الحافلة ، فأترجل منها أمام منزلي بروح محطمة و عينين متورمتين ، فمسافة نصف ساعة من البكاء كافية لأسترجع فيها أصغر أوجاعي و أبكيه ، بعد أن تنكأ هذه المرأة الناحبة جراحي في شهقة واحدة.
حاولت كثيرا أن أتحاشى موعد صعودها إلى الحافلة ، فلم أنجح سوى مرتين ، دائما تقف الحافلة أمام مكتب البريد فأسمع الركاب يتأففون قبل أن يروا من الصاعد إليها ، فيستغفر أحدهم ، و آخر يشتم نهاره النكد ، و أخرى تبحث في حقيبتها عن مناديل ورقية لتنفث فيها بكاءها إثر بكاء المرأة الصاعدة ، و السائق يحوقل ، دون أن يتجرأ أحدهم على الحديث معها أو مواساتها .
و أنا أشعر الآن بالذبول ، لا بد أنني استهلكت مخزون عام كامل من البكاء تعاطفا مع هذه المرأة في شهر واحد ، و أظنني سأبكي الآن دما لا دموعا إذا صعدت اليوم إلى حافلتي ... لذا كنت أول من صعد إليها ، لأجلس في المقعد الخلفي وأختار الجانب الملاصق للنافذة اليمنى – مكانها تماما – و لم أنس أن أحمل في حقيبتي كومة من المناديل الورقية الناعمة جدا ، و عندما توقفت الحافلة أمام مكتب البريد ، أظنني أخذت شهيقا طويلا قبل أن أراها تصعد ، لتصعد بعدها فتتعثر بحقيبة ، فتتأرجح بألم يزيد من أنينها الناحب ، و عندما اجتازت الممر بين المقاعد إلي المقعد الخلفي نظرت إلى مكانها المحتل بذهول قطعه النحيب ، بحثت عن مقعد أكثر انزواء ، فجلست بجانبي بيني و بين أخرى و استمرت بالنحيب و الشهيق و التمتمة – المرة الأولى التي أسمعها تتمتم فيها بما لم أفهم – مددت يدي إليها بكومة المناديل رفعت رأسها محدقة بي بهلع و خطا الدمع يتتاليان حتى رقبتها ، أخذت المناديل مني بريبة ، استهلكتها في دقيقتين ، أخرجت من حقيبتها مناديل أخرى وواصلت النحيب ، دنوت منها أكثر وضعت يدي اليسرى على يدها اليمنى ، مسحت على يدها مواسية ، رفعت رأسها من بين المناديل متفاجئة ، سألتها :
- لماذا تبكين ؟؟ اتق الله في نفسك .
تشهق أكثر، ثم تنوح نواحا مرّا .
- يا أختي ما بك ؟؟ لقد قطعت قلوبنا جميعا .
تشهق أكثر ، تنوح بصوت يرتفع أكثر فأكثر ترفع رأسها و تخفضه ، تضرب بيديها على ركبتيها و تنوح أكثر :
- أرجوك توقفي ، سوف تقتلين نفسك .
يرتفع صوتها أكثر، يتحول صوتها المرتج إلى أنين صاخب . تزعق فيّ عجوز :
- وأنت ما دخلك ؟؟!! اهتمي بنفسك .
يزعق السائق :
- يا بنت الحلال كانت هادئة ........ أوف .
يزعق رجل لم أر وجهه:
- سامحك الله، ما الذي سيسكتها الآن ؟
ترفع رأسها و تنظر للجميع بهلع ، و أنا أشعر بجسدي يتضاءل ، أبتعد عنها ، أقفز إلى مقعد آخر ، تستمر بالشهيق ، نقترب من المسجد ، تقوم من مكانها ، تلملم مناديلها الغارقة ، فجأة تعانقني بحرارة ، تقبلني ، و تنزل .[/align]
تعليق