مناديل ورقية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ريما إبراهيم فائق
    عضو الملتقى
    • 23-02-2009
    • 20

    مناديل ورقية

    [align=right]كانت تصعد إلى الحافلة عصر كل يوم من أمام مكتب البريد بوجه محتقن و دموع تركت أثرا واضحا على خديها ،و أنف يرشح بلا توقف و عينين متورمتين ،و شفتين راجفتين ، تجتاز المسافة بين باب الحافلة و المقعد الخلفي بتأرجح و إعياء ، ثم تجلس ملاصقة للنافذة، فتخبئ وجهها فيها ، ثم أسمع شهيقها يتقطع ، و نحيبها يخفت ثم يرتفع ، و تظل تمسح دموعها وأنفها بكومة كبيرة من المناديل الورقية ، وما أن تصل الحافلة قرب المسجد حتى تكون قد ابتلعت صوتها الراجف و جففت دمعها و مسحت وجهها و ترجلت بهدوء .
    أذكر أنني ذات مرة أخذني بكاؤها إلى بكائي ، فبكيت أيضا بحرقة ، و دسست وجهي في النافذة المجاورة لنافذتها متحاشية نظرات الركاب الذين ظنوا – على الأغلب – أننا نبكي لذات السبب ، كان قلبي ينزف أسى كلما صعدت إلى الحافلة ، فأترجل منها أمام منزلي بروح محطمة و عينين متورمتين ، فمسافة نصف ساعة من البكاء كافية لأسترجع فيها أصغر أوجاعي و أبكيه ، بعد أن تنكأ هذه المرأة الناحبة جراحي في شهقة واحدة.
    حاولت كثيرا أن أتحاشى موعد صعودها إلى الحافلة ، فلم أنجح سوى مرتين ، دائما تقف الحافلة أمام مكتب البريد فأسمع الركاب يتأففون قبل أن يروا من الصاعد إليها ، فيستغفر أحدهم ، و آخر يشتم نهاره النكد ، و أخرى تبحث في حقيبتها عن مناديل ورقية لتنفث فيها بكاءها إثر بكاء المرأة الصاعدة ، و السائق يحوقل ، دون أن يتجرأ أحدهم على الحديث معها أو مواساتها .
    و أنا أشعر الآن بالذبول ، لا بد أنني استهلكت مخزون عام كامل من البكاء تعاطفا مع هذه المرأة في شهر واحد ، و أظنني سأبكي الآن دما لا دموعا إذا صعدت اليوم إلى حافلتي ... لذا كنت أول من صعد إليها ، لأجلس في المقعد الخلفي وأختار الجانب الملاصق للنافذة اليمنى – مكانها تماما – و لم أنس أن أحمل في حقيبتي كومة من المناديل الورقية الناعمة جدا ، و عندما توقفت الحافلة أمام مكتب البريد ، أظنني أخذت شهيقا طويلا قبل أن أراها تصعد ، لتصعد بعدها فتتعثر بحقيبة ، فتتأرجح بألم يزيد من أنينها الناحب ، و عندما اجتازت الممر بين المقاعد إلي المقعد الخلفي نظرت إلى مكانها المحتل بذهول قطعه النحيب ، بحثت عن مقعد أكثر انزواء ، فجلست بجانبي بيني و بين أخرى و استمرت بالنحيب و الشهيق و التمتمة – المرة الأولى التي أسمعها تتمتم فيها بما لم أفهم – مددت يدي إليها بكومة المناديل رفعت رأسها محدقة بي بهلع و خطا الدمع يتتاليان حتى رقبتها ، أخذت المناديل مني بريبة ، استهلكتها في دقيقتين ، أخرجت من حقيبتها مناديل أخرى وواصلت النحيب ، دنوت منها أكثر وضعت يدي اليسرى على يدها اليمنى ، مسحت على يدها مواسية ، رفعت رأسها من بين المناديل متفاجئة ، سألتها :
    - لماذا تبكين ؟؟ اتق الله في نفسك .
    تشهق أكثر، ثم تنوح نواحا مرّا .
    - يا أختي ما بك ؟؟ لقد قطعت قلوبنا جميعا .
    تشهق أكثر ، تنوح بصوت يرتفع أكثر فأكثر ترفع رأسها و تخفضه ، تضرب بيديها على ركبتيها و تنوح أكثر :
    - أرجوك توقفي ، سوف تقتلين نفسك .
    يرتفع صوتها أكثر، يتحول صوتها المرتج إلى أنين صاخب . تزعق فيّ عجوز :
    - وأنت ما دخلك ؟؟!! اهتمي بنفسك .
    يزعق السائق :
    - يا بنت الحلال كانت هادئة ........ أوف .
    يزعق رجل لم أر وجهه:
    - سامحك الله، ما الذي سيسكتها الآن ؟
    ترفع رأسها و تنظر للجميع بهلع ، و أنا أشعر بجسدي يتضاءل ، أبتعد عنها ، أقفز إلى مقعد آخر ، تستمر بالشهيق ، نقترب من المسجد ، تقوم من مكانها ، تلملم مناديلها الغارقة ، فجأة تعانقني بحرارة ، تقبلني ، و تنزل .[/align]
  • فؤاد الكناني
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 09-05-2009
    • 887

    #2
    جميلة بسيطة رائعه تحياتي لك اخت ريما النص فيه نوع من الكوميديا السوداء ومن الجيد انك تركت فيه مجالا واسعا للتأويل والاستنتاج فهذا افضل لتفاعل القاريء مع القصة

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      كنت مع المشهد بكل مشاعره
      كل مرة يزيدني ادهاشا ورغبة في معرفة السبب
      اسلوب سلس ولغة مضيئة

      شغفت بقراءتك هنا

      تحية ألق و ود
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      يعمل...
      X