محطة بنزين
ــ ( إلى بيت الثلج .. )
ــ لاحظ متعب أنت تعيد علي الإجابة نفسها للمرة التاسعة
ــ لذا من الأفضل أن تعتقني ياصديقي ولا تسأل للمرة العاشرة ..!
ضحك فيصل طويلاً , تقطع ضحكه بتيار من السعال وبدندنة للأغنية التي يدور بها مسجل السيارة وبطمأنته لـ متعب بأنه لن يسأله مجددا عن وجهته التي سيمضي إليها بعد أن يفترقا ..
انشغل فيصل بقلب الشريط على جهته الأخرى، بينما تشاغل الآخر بتقليب نظراته في السيارات المندفعة بجنون إلى اتجاه واحد:
( كلكم .. إلى أين ..؟! )
ثرثرة فيصل لم تفلح في انتشال صديقه من غيبوبة استرخاء تظاهر بها بعد يوم عمل مرهق.. ليعلق نفسه على ذاكرة سؤال نضح به الطريق المحموم من اندفاع العابرين:
( كلكم إلى أين ..؟! )
بقي واجماً، يراقب الجنون الذي يشق الطريق، وفمه يفتح طريقاً آخر لدخان السيجارة التي تشق شفتيه، وتفور بها أنفاسه..!
إلى أن اختنق بالدخان ضاحكاً عندما رن جواله برسالة حرضته على سحق سيجارته على حد زجاج النافذة..
فيصل : تضحك .. هل أرسل احدهم لك نكتة؟!
متعب : ( لا تنسَ ان تحضر معك ربطة خبز ).. هي واحدة من النكت التي يسربونها لي كل يوم..!
يتنهد متعب باجترار ضحكة ذابلة مفتعلة.. يدفن جواله في جيبه.. يخرج من الآخر علبة السجائر.. ينتشل واحدة جديدة.. يدسها بين شفتين تلوكان بضع كلمات غير مفهومة..!
فيصل: ماذا.. هل تقول شيئاً..!
التفاتة مستنفرة لمتعب تنتفض بجسده.. يسوي جلسته.. يحرك مفتاح السيارة .. يختلط ضجيج محركها بالجملة الواضحة الصارمة التي ضجّ بها فجأة:
" أحتاج للذهاب إلى محطة البنزين" .
وتندفع السيارة دون أن تأبه لا هي ولا متعب باعتراض فيصل:
ـ لكن.. البنزين فل..!
فل منساب الرائحة.. ورد مراق الشذى.. زهور تفوح في سماء المحطة.. وحده متعب من كان يتحسسها.. يستنشقها.. بتتبع طيوفها.. ويبتسم..!
لقد بدا غارقاً في قارورة عطر غائبة..!!
ـ متعب لنا أكثر من ربع ساعة ونحن نقف بجوار المحطة لا نحن عبأنا بنزين ولا نحن سرنا.. ثم مابالك أحادثك لاترد.. أنت.. ياسيد.. أنا هنا...!!
ـ لقد قبضت عليّ..!!
ـ من..؟؟!!
ـ ..........
نظرات التعجب التي استكان بها فيصل لم تجد لها طريقاً للالتقاء بحدقتي متعب المغيبتين خلف جفنين تحفّظا على دمعة رجالية مكابرة ترجمها الصدر بآهـة ممتدة .. فاضت به:
من هنا اندفعت إلى شيء يسمى «حياة».. من هنا أحببتها ياصديقي..
عبأت فشلي من معين تحريضها لي إلى الغد..!!
كنت وقتها طالباً مفلساً من كل شيء.. لاهاتف نقّال أستطيع امتلاكه.. ولا قيمة استشعرها لنفسي تشجع أحداً على امتلاكي سواها..
كنتُ أحادثها من هاتف عمومي بجوار هذه المحطة.. أستقطع من عمري التعيس لها أعماراً حالمة وأبقى معلقاً على السماعة أتنفس بصوتها.. لعنتها تمتشق جسدي .. ورائحة البنزين اللعينة تتشبث بأنفي..!
مرت الأيام باندفاع الجنون.. أدمنت هاتف المحطة.. أدمنت حبها حـد النخاع.. وأدمنت رائحة البنزين..!
عندما سارت بنا الحياة.. وجردتني منها عنوة.. وجدتني أكبر وأهرول في حياتي إلى الأمام لأتزوج غيرها.. وجدتني رجلاً في ليلة دخلة يفشل أمام عروسه التي يغادرها ويخرج بحجة البحث عن هواء..
كنت كاذبا.. خرجت لأبحث عن تلك.. من قذفتني بحب استهلكني حد العقم.. تجولت وقتها في المدينة سائراً على قدمي.. إلى أن عثرت عليّ معلقاً على ذات السماعة.. ضربت الأرقام أبحث عنها.. لم تجب.. ضربتها مرارا.. لاشيء.. ركلت هاتف المحطة... سببتها.. ولعنت نفسي.. عدت ليلتها إلى زوجتي قلبي يقطر برائحة البنزين.. وفحيح ملعون يدفعني نحوها.. جئتها مندفعا برغبة.. مؤججا بحب.. صرعتها بسهولة.. نقشت بفيضها اسم المحطة.. نمت.. أنجبت.. ومازلت..!
من يومها ياصديقي وأنا رجل أحتاج إلى (محطة بنزين ) قبل ولوجي إلى ( بيت الثلج..!
سحابتا ارهاق تفصدتا بعيني متعب على ابتسامة عريضة لـ فيصل:
متعب: ماذا.. هل راق لك حزني ياصديق..؟
فيصل: أبداً.. فقط أنا أبتسم لأنني عثرت أخيراً على إجابة لسؤال حيرني طويلاً لماذا بعد الزواج ازداد وزني وتكور جسدي وضعفت همتي وأصبحت أسير في حياتي كـ تمرجح ( البطريق ) مع أني لا أسرف في الطعام... لا عليك.. أعتقد أنني الآن فقط فهمت..!!
ضحكات عارمة تسحق الحزن.. وتهرول بالسيارة إلى الأمام بعد تنبيه رجل المرور:
" تحركا.. أنتما تقفان في المكان الخطأ " .
http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=498138
تعليق