هديَّة إيفا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    هديَّة إيفا

    هديَّة إيفا



    صبري رسول


    وضعتَ حقائِـبكَ المتعبةَ على مصطبةِ المدخلِ، تنفسْتَ الصعداءَ، خفتَ لهاثُك قليلاً نظرْتَ إلى الأفقِ الرَّماديّ وراءَ سهولِ " ملامرس "(1) حيثُ كلُّ شيءٍ يتلاشَى هناك. فتوغّلتِ المسافاتُ في داخلِك.
    لم يتغيرْ شيءٌ في هذه القريةِ منذُ رحيلِكَ، فهي تستظلُّ بأشجارِ الحورِ والتُّوِت وتتكئُ على تلةٍ تخبئُ كنزاً من المالِ والحكاياتِ وتميلُ إلى السَّكينةِ والرّكودِ حتى يَخْدُش َ رقادَها ضجيجُ الصَّيفِ اللاهبِ.
    وضعتَ سبابتَكَ على الزِّر الباردِ المسقوفِ جانبَ البابِ ولم تنتظرْ فتحَهَ، بل شرعتَ تفتحُ إحدى الحقائبِ، وقلبْتَ محتوياتِها، أخرجْتَ علبةً فيها شيءٌ من قلبِك وتعبِكَ، ومجسمًا مكسواً بالوبرِ النَّاعمِ، تظنُّ أنّه "بسو"(2) بذاته وأغلقْتَها دونَ ترتيبِ فوضَى محتوياتِها، فالفوضَى تلاحقُكَ أينما كنْتَ، وكثيراً ما تدفعُ فاتورةَ فوضى غيرِك، ويحمِّلونَك ثمنَ أخطائِهم وفوضاهم أكثرَ المراتِ، وورثْتَ من فوضَى قريتِك ما يكفيك طوالَ حياتِكَ.
    هذه الهدايا لها. قلتَ ذلك في نفسِك : إنَّني وعدْتُها بالهدايا الثَّمينةِ ،لكن هل ستفرحُ بهذه ؟ وكم يكونُ حجمُ فرحتِها يا تُرى ؟وقلبْتَ المجسمَ بينَ يديك.
    كانَتْ في عامِها الثَّالث عندَما كنْتَ تعدّها أجملَ لوحةٍ أنجبَتْها صفحةُ أريافِك العذراءُ، وإحدى المفرداتِ الَّتي تشعُّ حياتك الشَّخصية وتردّدُ صدَى البيادرِ الملأى بالأغنياتِ والمسلوبةِ دائِما.
    أضافَتْ بريقاً خاصاً لأيامِك الباهتة، وغيَّرَتْ روتينَ نومِكَ ويقظتكَ الكالحَ.
    كلّما كانَتْ "تكاغي" حروفاً أو كلماتٍ مبهمةً كنتَ تشعرُ أنَّ الحياةَ تتكثَّفُ في صوتِها. إنَّها تبتسمُ ورداً ومطراً يغمرُ جسدَ القريةِ، وينعشُ أملَك المصاحب للمستحيلِ في الحياةِ، وتبكي شعراً.
    تخطَّتْ مرحلةَ الحبوِ بسرعةٍ ، وكأنّ مخلوقاتٍ غيرُ مرئيةٍ تمسكُ بها، وتجرُّها في الرَّكضِ والشَّغب، وقلَّبتْ أجواءَك الخاصَّة إلى فوضى لا مثيل لها، تعبثُ بكلِّ شيءٍ، وأصبحْتَ خـادماً مطيعاً لأوامرِها. تعبثُ بأشيائِكَ كمَا يحلو لها، وكلَّما جئْتَ إلى البيت أتَتْكَ معانقةً، تلفُّ عنقَكَ بيدِها الصَّغـيرةِ البضَّة قائلة: ((وينك بابا؟ لا تروح ثاني مرة، أو خـذْني معَك))
    - خلاص، لن أخرجَ إلا وأنتِ على كتفِي.
    - ولنأخذْ (بسو) معنا، فأنا أحبُّها ولن نجدَ قطةً جميلةً مثلَها، ثمَّ تجرِي وراءَ (بسو) إلى أن تُمسِكها من رقبتِها قائلةً: لن أتركَها إنَّها وحيدة. هكذا تجعل من حبِّها لشيءٍ ما، قاعدةً علينا الإلتزامُ بها.
    كانَتْ (إيفوشكا)(3) تسرقُ جلّ وقتِكَ، تنصحُكَ أكثرَ مما تنصحُها، تعلِّمكَ قواعدَ الحياةِ بطريقتها الخاصة، وبمفهومها لها.
    طويْتَ عاماً كاملاً في غيابكَ، واكتفيتَ في هذه المدة بالرسائل، تجنبتَ الاتصالات التليفونية، لأنك ستبكي في سرِّكَ عقب كل اتصال، وتلوذُ إلى البكاء العميق كلّما تذكرتَ أمك، كنتَ لا تترك طرفَ ثوبها طوال النهار، وما زلتَ ذلك الطفل " الـمَرْيـَلي " .
    قلبتَ أسواق الطائف المهجور كلها، باحثاً عن أشياء لصغيرتك الجميلة، فعيونها الشَّبيه بخريطة الألوان في سهول قريتك جديرة بأن تضحك للشمس، وفيها تكمن الفصول الحزينة لحياة الفلاحين، لكنك لم تعثر على ما يليق بها، ولم تستهوِكَ حركة الألعاب في محلاتها، وكم يلفتُ نظرَك أطفالُ المدينة الأصليون، حيث أنك تكنّ لهم ولألعابهم شعوراً ينم عن ألفة إنسانية تغذيها غريزة البقاء الإنساني .
    واخترتَ من دمشق هذا المجسم الصَّغير وذلك القلب الذهبي الصغير.
    إيفوشكا شجرة زيتون صغيرة، وهي مشتعلة كدمّك، حروفها تضيء ذاكرة ينابيع القرية، وفي عينيها ينساب جمال مزارعها وسهولها الغارقة في الصمت.
    - يااااا أنتَ ...ها... ها ... صرخة مخنوقة أطلقَتْهَا أختُكَ وهي تفتح الباب ثم ألقتْ بنفسها في حضنك، عانقتْك بقوة. اجتمعت العائلة كلّـها. قرأْتَ في ملامحهم الشَّوق الفائض، ولهفةً أجمعَتْ حنينَ الأيام.
    ما زلـْتَ تحتفظ بالعلبة والمجسم ولم يسألـْكَ أحدٌ ما هذا؟ وقرأْتَ في عيون زوجتِكَ طقساً جديداً من الحياة، طقساً يثيرُ رمادَ الانكساراتِ والزَّمنِ، فأظهرَتْ ابتسامةً لم تكتملْ ملامحُ تكوينِها، فسرعان ما انتحرت أمام نظراتك. وسادَ على الجميع صمتٌ جليدي.
    أشْعِلي المدفأةَ يا ‌بنت. طلبَتْ أمكَ منهم. تفجَّرَتْ في داخلك قنبلةٌ‌ من الخوف. وصرخْتَ: أينَ إيفوشكا يا أمي؟؟ تفرسْتَ في وجوههم. دمعةٌ ملأى بالغموضِ اختزلَتْ طقسَ المنزل، وانعكسَتْ زوايا قلوبهم، وجـدتْ طريقَها إلى الانحدار على خـدّ أمكَ. وأخفَـتْ زوجتُكَ وجهَهَا بين كفيها ... ولـمْ تتكلّمْ .



    الطــائــف في ... /5/1998 م


    ============================

    (1) ملامرس : قرية شمال شرق سوريا .
    (2) بسو : اسم لدلع القطة.
    (3) إيفوشكا : اسم لدلع إيفا وهو اسم ابنتي.
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    الكاتب المبدع والقاص الجميل صبري رسول

    كهذه تثقب القلب ..سقطت في الحزن الذي دلف كالمطر
    سردك يحلق بي الى عالم القص الرفيع

    شكرا لك من الأعماق
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      المبدع الجميل " صبرى رسول " صاحب اللغة الغنية الماتعة ، و القص
      الرائق المعفم ، الحى ، بنبض ما يعتلج فى داخله ، من أشياء ، و قيم ، وحيوات
      ها أنت الليلة تبكينى صبرى .ز و أنت أمام الباب ، عرفت .. كشفتك ... فبكيت قبل أن تبدأ نوبة البكاء !!
      ياله من ثلج فعلا يحتاج إلى المدفأة !

      شكرا لك أخى الجميل على هذه المتعة مع الألم المحبب الذى يحمل الكثير من آلامنا معا
      صادفنى خطأ تكرر صبرى ، لا أدرى كيف وقع معك
      الملأى : اللام هنا مسكونة ، فتأتى الهمزة على نبرة أو على ياء
      ملأى .. كانت موجودة أيضا
      أرجو التصحيح !!

      محبتى
      sigpic

      تعليق

      • صبري رسول
        أديب وكاتب
        • 25-05-2009
        • 647

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
        المبدع الجميل " صبرى رسول "

        صادفنى خطأ تكرر صبرى ، لا أدرى كيف وقع معك
        الملأى : اللام هنا مسكونة ، فتأتى الهمزة على نبرة أو على ياء
        ملأى .. كانت موجودة أيضا
        أرجو التصحيح !!

        محبتى

        العزيز جداً والأخ ربيع
        لك تحية نديَّة
        لن أعلِّق على تعليقك، سأعود له لاحقاً.
        لكن الخطأ الإملائي الذي تحدَّثْتَ عنه (ملأى) ،أعتقدُ غير جازمٍ بالتأكيد بأنَّ الكلمة تُكتَبُ كما وردَ في النَّص ، فالتَّشكيل هكذا : مَـلأْى ) الهمزة مفتوحة، وما قبلها ساكن، والفتحُ أقوى من السكون، فتُكْتَبُ الهمزة على الألف. هكذا تؤكّد القاعدة الإملائية .
        وأستنجدُ هنا بمن له باعٌ طويل في رسم الحروف.
        على كلٍّ، كلُّ شيء جائز.
        أستغلّ الفرصة لأسألك عن التنسيق هنا في المنتدى، فالتنسيقُ لا يدعمني كما أريد، وكما أعرف في المنتديات الأخرى ،فيقع النّص أسيراً لرغبات التقنية.

        تعليق

        • محمد مطيع صادق
          السيد سين
          • 29-04-2009
          • 179

          #5
          الأخ الكاتب صبري رسول

          لقد أهدتنا إيفا هدية ...هذا النص الجميل وهذه العاطفة الحانية
          التي جعلتني أبكي كأحد أفراد عائلتك

          ولك مني خالص المحبة

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة صبري رسول مشاهدة المشاركة
            العزيز جداً والأخ ربيع
            لك تحية نديَّة
            لن أعلِّق على تعليقك، سأعود له لاحقاً.
            لكن الخطأ الإملائي الذي تحدَّثْتَ عنه (ملأى) ،أعتقدُ غير جازمٍ بالتأكيد بأنَّ الكلمة تُكتَبُ كما وردَ في النَّص ، فالتَّشكيل هكذا : مَـلأْى ) الهمزة مفتوحة، وما قبلها ساكن، والفتحُ أقوى من السكون، فتُكْتَبُ الهمزة على الألف. هكذا تؤكّد القاعدة الإملائية .
            وأستنجدُ هنا بمن له باعٌ طويل في رسم الحروف.
            على كلٍّ، كلُّ شيء جائز.
            أستغلّ الفرصة لأسألك عن التنسيق هنا في المنتدى، فالتنسيقُ لا يدعمني كما أريد، وكما أعرف في المنتديات الأخرى ،فيقع النّص أسيراً لرغبات التقنية.
            يبدو أنى لست على مايرام أخى صبرى
            نعم .. نعم .. أنا أكتبها هكذا .. و لا أدرى لم تصورتها خطأ
            سبحان الله .ز هل هو الزهايمر يغزو رأسى
            أم أن هناك علة ؟
            بالنسبة للتنسيق .. أنت تكتب النص عادى أفضل حتى يكون مقروئا
            لأن التنسق فى الخطوط لا يعطى القارىء الفرصة للقراءة فينصرف عن العمل

            أما من حيث أى معلومة أخرى ، أنا مثلك .. ربما تتفوق على فى ذلك !!

            تحيتى و تقديرى
            sigpic

            تعليق

            • صبري رسول
              أديب وكاتب
              • 25-05-2009
              • 647

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
              الكاتب المبدع والقاص الجميل صبري رسول

              كهذه تثقب القلب ..سقطت في الحزن الذي دلف كالمطر
              سردك يحلق بي الى عالم القص الرفيع

              شكرا لك من الأعماق



              العزيزة مها
              تحية لك
              كلّنا نعيش حياتنا بحزنٍ شفيف
              كلّنا نسطّر للحزن
              ونبحث عن الابتسامة فلا نجدها
              شكراً لمرورك المضيء
              دمتِ مضيئةً

              تعليق

              • صبري رسول
                أديب وكاتب
                • 25-05-2009
                • 647

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                يبدو أنى لست على مايرام أخى صبرى
                نعم .. نعم .. أنا أكتبها هكذا .. و لا أدرى لم تصورتها خطأ
                سبحان الله .ز هل هو الزهايمر يغزو رأسى
                أم أن هناك علة ؟
                بالنسبة للتنسيق .. أنت تكتب النص عادى أفضل حتى يكون مقروئا
                لأن التنسق فى الخطوط لا يعطى القارىء الفرصة للقراءة فينصرف عن العمل

                أما من حيث أى معلومة أخرى ، أنا مثلك .. ربما تتفوق على فى ذلك !!

                تحيتى و تقديرى


                العزيز ربيع
                تحية لك
                قراءتك ووقوفك عند المفردات دليل على دقة القراءة لديك
                ودليل على اهتمامك بالنّصوص التي تقف عندها
                وهذا يُسجَّلُ لك وليس عليك
                وكلّنا نخطئ ونصيب
                وسلامتك من الأمراض
                تلك الملاحظة ليست مرضاً لا سامح الله
                بل حرصٌ واهتمام
                لك تقديري ومحبتي
                دمتَ مبدعاً

                تعليق

                • حماد الحسن
                  سيد الأحلام
                  • 02-10-2009
                  • 186

                  #9
                  لم يتغير شيء في هذه القرية !!!

                  المشاركة الأصلية بواسطة صبري رسول مشاهدة المشاركة
                  هديَّة إيفا



                  صبري رسول


                  وضعتَ حقائِـبكَ المتعبةَ على مصطبةِ المدخلِ، تنفسْتَ الصعداءَ، خفتَ لهاثُك قليلاً نظرْتَ إلى الأفقِ الرَّماديّ وراءَ سهولِ " ملامرس "(1) حيثُ كلُّ شيءٍ يتلاشَى هناك. فتوغّلتِ المسافاتُ في داخلِك.
                  لم يتغيرْ شيءٌ في هذه القريةِ منذُ رحيلِكَ، فهي تستظلُّ بأشجارِ الحورِ والتُّوِت وتتكئُ على تلةٍ تخبئُ كنزاً من المالِ والحكاياتِ وتميلُ إلى السَّكينةِ والرّكودِ حتى يَخْدُش َ رقادَها ضجيجُ الصَّيفِ اللاهبِ.
                  وضعتَ سبابتَكَ على الزِّر الباردِ المسقوفِ جانبَ البابِ ولم تنتظرْ فتحَهَ، بل شرعتَ تفتحُ إحدى الحقائبِ، وقلبْتَ محتوياتِها، أخرجْتَ علبةً فيها شيءٌ من قلبِك وتعبِكَ، ومجسمًا مكسواً بالوبرِ النَّاعمِ، تظنُّ أنّه "بسو"(2) بذاته وأغلقْتَها دونَ ترتيبِ فوضَى محتوياتِها، فالفوضَى تلاحقُكَ أينما كنْتَ، وكثيراً ما تدفعُ فاتورةَ فوضى غيرِك، ويحمِّلونَك ثمنَ أخطائِهم وفوضاهم أكثرَ المراتِ، وورثْتَ من فوضَى قريتِك ما يكفيك طوالَ حياتِكَ.
                  هذه الهدايا لها. قلتَ ذلك في نفسِك : إنَّني وعدْتُها بالهدايا الثَّمينةِ ،لكن هل ستفرحُ بهذه ؟ وكم يكونُ حجمُ فرحتِها يا تُرى ؟وقلبْتَ المجسمَ بينَ يديك.
                  كانَتْ في عامِها الثَّالث عندَما كنْتَ تعدّها أجملَ لوحةٍ أنجبَتْها صفحةُ أريافِك العذراءُ، وإحدى المفرداتِ الَّتي تشعُّ حياتك الشَّخصية وتردّدُ صدَى البيادرِ الملأى بالأغنياتِ والمسلوبةِ دائِما.
                  أضافَتْ بريقاً خاصاً لأيامِك الباهتة، وغيَّرَتْ روتينَ نومِكَ ويقظتكَ الكالحَ.
                  كلّما كانَتْ "تكاغي" حروفاً أو كلماتٍ مبهمةً كنتَ تشعرُ أنَّ الحياةَ تتكثَّفُ في صوتِها. إنَّها تبتسمُ ورداً ومطراً يغمرُ جسدَ القريةِ، وينعشُ أملَك المصاحب للمستحيلِ في الحياةِ، وتبكي شعراً.
                  تخطَّتْ مرحلةَ الحبوِ بسرعةٍ ، وكأنّ مخلوقاتٍ غيرُ مرئيةٍ تمسكُ بها، وتجرُّها في الرَّكضِ والشَّغب، وقلَّبتْ أجواءَك الخاصَّة إلى فوضى لا مثيل لها، تعبثُ بكلِّ شيءٍ، وأصبحْتَ خـادماً مطيعاً لأوامرِها. تعبثُ بأشيائِكَ كمَا يحلو لها، وكلَّما جئْتَ إلى البيت أتَتْكَ معانقةً، تلفُّ عنقَكَ بيدِها الصَّغـيرةِ البضَّة قائلة: ((وينك بابا؟ لا تروح ثاني مرة، أو خـذْني معَك))
                  - خلاص، لن أخرجَ إلا وأنتِ على كتفِي.
                  - ولنأخذْ (بسو) معنا، فأنا أحبُّها ولن نجدَ قطةً جميلةً مثلَها، ثمَّ تجرِي وراءَ (بسو) إلى أن تُمسِكها من رقبتِها قائلةً: لن أتركَها إنَّها وحيدة. هكذا تجعل من حبِّها لشيءٍ ما، قاعدةً علينا الإلتزامُ بها.
                  كانَتْ (إيفوشكا)(3) تسرقُ جلّ وقتِكَ، تنصحُكَ أكثرَ مما تنصحُها، تعلِّمكَ قواعدَ الحياةِ بطريقتها الخاصة، وبمفهومها لها.
                  طويْتَ عاماً كاملاً في غيابكَ، واكتفيتَ في هذه المدة بالرسائل، تجنبتَ الاتصالات التليفونية، لأنك ستبكي في سرِّكَ عقب كل اتصال، وتلوذُ إلى البكاء العميق كلّما تذكرتَ أمك، كنتَ لا تترك طرفَ ثوبها طوال النهار، وما زلتَ ذلك الطفل " الـمَرْيـَلي " .
                  قلبتَ أسواق الطائف المهجور كلها، باحثاً عن أشياء لصغيرتك الجميلة، فعيونها الشَّبيه بخريطة الألوان في سهول قريتك جديرة بأن تضحك للشمس، وفيها تكمن الفصول الحزينة لحياة الفلاحين، لكنك لم تعثر على ما يليق بها، ولم تستهوِكَ حركة الألعاب في محلاتها، وكم يلفتُ نظرَك أطفالُ المدينة الأصليون، حيث أنك تكنّ لهم ولألعابهم شعوراً ينم عن ألفة إنسانية تغذيها غريزة البقاء الإنساني .
                  واخترتَ من دمشق هذا المجسم الصَّغير وذلك القلب الذهبي الصغير.
                  إيفوشكا شجرة زيتون صغيرة، وهي مشتعلة كدمّك، حروفها تضيء ذاكرة ينابيع القرية، وفي عينيها ينساب جمال مزارعها وسهولها الغارقة في الصمت.
                  - يااااا أنتَ ...ها... ها ... صرخة مخنوقة أطلقَتْهَا أختُكَ وهي تفتح الباب ثم ألقتْ بنفسها في حضنك، عانقتْك بقوة. اجتمعت العائلة كلّـها. قرأْتَ في ملامحهم الشَّوق الفائض، ولهفةً أجمعَتْ حنينَ الأيام.
                  ما زلـْتَ تحتفظ بالعلبة والمجسم ولم يسألـْكَ أحدٌ ما هذا؟ وقرأْتَ في عيون زوجتِكَ طقساً جديداً من الحياة، طقساً يثيرُ رمادَ الانكساراتِ والزَّمنِ، فأظهرَتْ ابتسامةً لم تكتملْ ملامحُ تكوينِها، فسرعان ما انتحرت أمام نظراتك. وسادَ على الجميع صمتٌ جليدي.
                  أشْعِلي المدفأةَ يا ‌بنت. طلبَتْ أمكَ منهم. تفجَّرَتْ في داخلك قنبلةٌ‌ من الخوف. وصرخْتَ: أينَ إيفوشكا يا أمي؟؟ تفرسْتَ في وجوههم. دمعةٌ ملأى بالغموضِ اختزلَتْ طقسَ المنزل، وانعكسَتْ زوايا قلوبهم، وجـدتْ طريقَها إلى الانحدار على خـدّ أمكَ. وأخفَـتْ زوجتُكَ وجهَهَا بين كفيها ... ولـمْ تتكلّمْ .



                  الطــائــف في ... /5/1998 م


                  ============================

                  (1) ملامرس : قرية شمال شرق سوريا .
                  (2) بسو : اسم لدلع القطة.
                  (3) إيفوشكا : اسم لدلع إيفا وهو اسم ابنتي.



                  الأستاذ المحترم صبري
                  مساء الخير:
                  ليس في الرد مبالغة إذا قلت لك أبكيتني يارجل, ورحمة الله تتغمدك ايفا, الطفلة التي جعلنا والدها برقته وشجنه أن نسمعها ونراها ونشعر بها ونندب غيابها, وما أروعك أنك تصر بأنه لم يتغير شيء في القرية , مع أني شعرت أنها انقلبت رأساً على عقب,ولكن الساعة تماماً مثلها منذ عشر سنين , نحن من تغير , سقف غرفتي مكانه, ولايزال دخان السجائر يؤكد وجودي.
                  شكراً لك سيدي.
                  ودمتم بمودة واحترام بالغين

                  تعليق

                  • آمنه الياسين
                    أديب وكاتب
                    • 25-10-2008
                    • 2017

                    #10
                    لم اكن اعلم بأني سأبكي بكل هذه القوة

                    ساعود من جديد

                    فعلاً لا استطيع ان اكمل الآن

                    خالص احترامي

                    ر
                    ووو
                    ح

                    تعليق

                    • آسيا رحاحليه
                      أديب وكاتب
                      • 08-09-2009
                      • 7182

                      #11
                      قصة حزينة و لكنها جميلة جدا لغة و سردا.
                      تحيّتي لك.
                      يظن الناس بي خيرا و إنّي
                      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                      تعليق

                      • مصطفى الصالح
                        لمسة شفق
                        • 08-12-2009
                        • 6443

                        #12
                        وضعتني في حالة لا احسد عليها

                        طوال القراءة وانا اشعر بان هناك شيء ما لكنك ادخرته للنهاية المفجعة

                        تاثرت كثيرا

                        واعجبني النص بسرديته وصوره المتقنة

                        تحيتي وتقديري
                        [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                        ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                        لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                        رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                        حديث الشمس
                        مصطفى الصالح[/align]

                        تعليق

                        • صبري رسول
                          أديب وكاتب
                          • 25-05-2009
                          • 647

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة حماد الحسن مشاهدة المشاركة
                          الأستاذ المحترم صبري
                          مساء الخير:
                          ليس في الرد مبالغة إذا قلت لك أبكيتني يارجل, ورحمة الله تتغمدك ايفا, الطفلة التي جعلنا والدها برقته وشجنه أن نسمعها ونراها ونشعر بها ونندب غيابها, وما أروعك أنك تصر بأنه لم يتغير شيء في القرية , مع أني شعرت أنها انقلبت رأساً على عقب,ولكن الساعة تماماً مثلها منذ عشر سنين , نحن من تغير , سقف غرفتي مكانه, ولايزال دخان السجائر يؤكد وجودي.
                          شكراً لك سيدي.
                          ودمتم بمودة واحترام بالغين

                          العزيز الأستاذ حماد


                          تحية طيبة لك


                          أعتذر منك ومن القلب لتأخري في الرّد عليك


                          وأرجو أن تكون بخير


                          قراءتك صحيحة يا عزيزي


                          فقد فهمتَ الفكرة تماماً، لم يتغير شيء


                          فقط شيء واحد وجدته مفقوداً


                          والنّص يعالج هذا الغياب


                          شكراً لحضورك البهي


                          كن بخير يا عزيز

                          تعليق

                          • آمنه الياسين
                            أديب وكاتب
                            • 25-10-2008
                            • 2017

                            #14
                            أستاذ صبري رسول

                            مساؤك خير وعافية ...

                            وجعت اوجاعنا يا سيدي بهذه القصة التي أظنها واقع عشته

                            عبرت بـ صدق كبير فقد عشنا القصة معك ولشدة هذا الصدق

                            فقد كنت اقرأ ودموعي تنهمر بقوة ... أحسستك

                            وأحسست شدة حزنك وأنت تكتب

                            رحمها الله وأثابها الجنة

                            تحاياي

                            ر
                            ووو
                            ح

                            تعليق

                            • بسمة الصيادي
                              مشرفة ملتقى القصة
                              • 09-02-2010
                              • 3185

                              #15
                              هي الإبتسامة حين تنكر، على شفاه تعصف فيها الرياح والأعاصير فجأة ..
                              وتقرر الحياة بلحظة، أن تأخذ كلّ شيء ...
                              صقيع .. ومدفأة صغيرة ، وبعض القشّ ..! هل ذلك يدفئ؟! لا
                              هاجرت الشمسُ النهارَ، فما بقي سوى معانقة مجسّم "بسو"، والنوم العميق..

                              الأستاذ صبري رسول القدير:
                              قصّة مؤلمة، بأسلوب رقيق متقن..
                              أحيّك على هذا القلم، الذي نقش حرفه في أعماقنا ..
                              تحياتي العبقة لك ..
                              في انتظار ..هدية من السماء!!

                              تعليق

                              يعمل...
                              X