بسم الله الرحمن الرحيم
نحو تجديد الفقه باعتماد ضوابط السنن الإلهية
مقدمات
الرؤية والمنهج
تنبعث همم المجددين لتطوير العلوم الشرعية والنهوض بها إلى مستوى التحديات المعاصرة حيث ترتفع عن زخم هذا الكم الهائل من المعطيات " العلمية " المتعارضة والمتلاطمة أحيانا والمتضاربة، بل والمتناقضة في كثير من الأحيان.
رونق التجديد ببريقه اللامع يجذب الأنظار, ويغري بالانقياد له والسير على دربه لعل الباحث يأتي بما لم تصله أيدي الجهابذة, ولم تتطاول عليه أيادي المتطفلين ؛ والإغراء غرور، وهو سبيل الشيطان ومصيدته لإلقاء المرء في بحر الخسران.
وبين إغراء الشيطان وجذب بريق التجديد اللامع مسافة تقاس ب {لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } [هود: 43]. يركب بعضنا سفينة بحره وكل زاده وهمه مجدافه الأوحد وشراعه ضد العواصف الهوجاء لا تنفك عن مناهج البحث العلمي.
فيا لغفلة الصالحين ! وأين هذا من مشركي الأمس القريب فقد كانوا يلجئون إلى الله بالدعاء الخالص حتى يستقر بهم القرار على اليابسة ؟، فكيف بالعبد المؤمن؟ وبالباحث المؤمن والقرآن يؤكد {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} [الكهف : 17]؟؛ فهل نبتغي عن الولي الحميد بديلا؟ وهو الذي يستدعينا لبابه {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى : 28].
والمتطلع للمجلات العلمية المحكمة، والمواقع العلمية، لتبهره العناوين أحيانا ؛ إذ المستجيبون لدواعي التجديد انساقوا وراء تطلعات للغد الأفضل ؛ فمن قائل بالحفر في غياهب فلسفة الفقه، ومن مناد بالمقاصد العليا للشريعة، ومن جاث على الركب على عتبة عالم يستلهم سبل تطوير منهجه، وما كان الله ليضيع أجر المحسنين. ولم يقتصر الركب عليهم ؛ إذ همت طائفة واهتمت بتعدد القراءات ونادت بدراسة القرآن دراسة أية وثيقة تاريخية بعيدا عن دلالات الأصولي وقواعده اللغوية، ولئن واجه السلف هذه الفئام وانتهى أمرهم إبانها، فإنهم وجدوا نهمهم ومبتغاهم في زمن الشبكة العنكبوتية؛ ليعاودوا الهجمة، ولئن عدنا إليهم لا لنقصيهم من الحلبة، بل ليدمغ حقنا باطلهم، ويؤوبوا إلى رشدهم.
ويجمع بين دواعي صف المجدّين حاجز صدق الصادقين المسهم في البناء على نور من ربهم، والذي لولاه لهام الهائمون في تخوم الصحراء وسرابها، وما تتصيدهم هناك من هوام عطشى إلى الدماء المتوثبة, فضلا عما تتربص بهم من أقدار.
تقنية التميز والتمايز بفضل الله
وبالتأكيد فإنه { لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ } [هود: 43] وإن من يضع قدمه على صراط الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما كان له أن يسير على هدي السوي إلا رحمة من ربك؛ فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والنموذج والأسوة، ومع ذلك يخاطبه ربه بقوله : { وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} [الإسراء : 74].
ويؤكد هذا المنحى قوله سبحانه وتعالى : { وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ} [النساء : 113]. فهل بان لنا واتضح بأنه ليس هناك إلا رب وفضل، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وتلك أولى الملاحظات وأهمها على درب البحث العلمي.
ثانيها : أن من رشف من دلو منهج البحث العلمي زاده أدرك سبل تلاحم الأفكار وتسلسلها، وأهمية ذلك في وضوح الرؤية وتحليل الموضوع ؛ إذ لولا هذا التناغم والانسجام بين المبنى والمعنى لما كان هناك داع لخوض غمار البحث، ولولا الزبدة ما كان للمرء أن يتعب نفسه ؛ إذ الحليب أفيد للذات من اللبن.
على أن أيسر المناهج هو قرع باب الله واستمطار فضله من علم ورحمة حتى يلهمنا الصواب والرشاد ويسدد الخطى ويثبت الأقدام؛ وليكون أسوتنا الخضر عليه السلام إذ وصفه ربه بقوله : { آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف : 65]. ولما يحصل لنا اليقين بأنه ليس هناك إلا رب وفضل أدركنا لا محالة بأنه لا سبيل إلى فضل الله إلا بالسؤال والتذلل والدعاء....
ثالثها : أن لا سبيل أيسر لعلم الله إلا باتخاذ تقوى الله زادا، لقوله سبحانه : { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة : 282].
رابعها : التدثر بمعقبات يحفظون العبد من أمر الله. الفرار إلى الله هروب في استسلام كلي إلى الرءوف الرحيم ليتولى شأننا وليلبسنا لباس التقوى لباسا يقي من بأس الله بما تحصن به المسلم من استغفار وتسبيح وتهليل وتكبير وحوقلة وحمد. وكفى بربنا وكيلا.
خامسها : التحصين من كيد الشيطان ؛ فقد أوصانا جل جلاله بأن نلتجئ إليه كلما نزغنا نزغ من الشيطان, ونفر إلى باب حصنه : الاستعادة به من كيد الشيطان وكفى به سبحانه سميعا عليما.
وإذا حصل اليقين بما في الدار ازداد حرصنا على ولوج الباب معتمدين عليه سبحانه وقد لبسنا لباس عز بباب التذلل بين يديه, وتشرفنا بملامسة فضله, والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
وهذا نور فضله يشق الفضاء ليبزغ لكل ذي عينين بأنه عطاء من ربك, وما كان للعبد فيه إلا تحصيل الحاصل من خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب والجمع والنشر. وقبل عرض ماهية السنن الإلهية وما ينبثق عنها من علوم وفضل تأتي الفقرة الموالية لتعرب عن ضرورة التجديد بإطلالة على ما بين الفقه المقاصدي والسنن الإلهية من تباين في النظرة التحليلية ومنطلق التصور.
الفقه بين الفكر المقاصدي والسنن الإلهي
ةفي كل آونة وكلما استجد أمر وجدنا فقهاء يتصدون له، وكأنهم جنود مجندة في خدمة الدين؛ لينفوا عنه انتحال المبطلين، وغلو المغالين، وانحراف المنحرفين، وهو جهد مأجور وسعي مشكور وعمل متقبل إن شاء الله.
رضع فقهاؤنا ألبان الفقه من ثدي أساتذتهم وألفوه وألفهم، وحنوا عليه وافتخروا به، وليس لهم عنه صبر، ولا هم عنه ينفطمون، كما لم يسعوا إلى تطويره ليتأقلم مع المستجدات، أو ليبرهنوا بأن ما معهم من وسائل فقهية، وطرق تحليل، قد تبلوا ويتجاوزها الزمان.
والشرع حين يدعونا للمراجعة لا للتراجع، يريد منا فقه سنن الله في كونه واستخلاص العبر والعظات، وتوظيفها في مخططنا الجديد. { يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء : 26].
ولا ينكر منكر بأن الفقه بات منذ زمان في حاجة إلى مراجعة وتطوير، كيف نمسك الواقع لإدخاله في حوزة الشرع؟ كيف نراوده؟ كيف نتدرج معه؟...
ولا نروم فقهاء ألفوا السكوت عن المباح وغض الطرف عن المكروه، والتعايش مع الحرام، وشهادة الزور، فهؤلاء كان الله لهم يوم لقائه؛ إنما نقصد أولئك الجهابذة الذين يطل رأسهم في كل محفل وفي كل ناد ويسمعون صوتهم الوسطي ولو غضب العالم، فهؤلاء ذروة سنام الإسلام وقناته التي لا تلين: وعليهم شد يدك.
انبثقت جهود الصادقين وانطلقت مما رمى إليه المقاصديون من تجديد النظر وتسديده إلى كل صغيرة وكبيرة، لكن الهم مشتت الأوصال مبعثر الجهود لا يلتئم له شمل ولا يجمعه جامع مهما بالغنا القول مدحا في مسلك فقهائنا؛ لذا لا نحتاج إلى استدلال وبيان، فما من الفقهاء الربانيين إلا وقد احتك بمعضلات تشيب لها الولدان.
ومع ذلك يبقى القول بغير بينة حجة على صاحبه؛ مما يدفعنا للتساؤل كيف تعامل فقهاؤنا فضلا عن سياسيينا مع هجرة اليهود إلى فلسطين جماعات وأفواجا؟ كيف واجه فقهاؤنا مسألة القروض الربوية بأوربا والمغرب؟ كيف تحرك فقهاؤنا في معالجة قضية أوربا المستهزئة بالرسول الكريم؟ وما موقف فقهائنا من المشاركات في لعبة " الديمقراطية"؟...كيف وكيف...
ألم يكن أحد محاور الجامعة الدول العربية والإسلامية الحد من الهجرة اليهودية؟ ولم فشلت الجهود؟ ولم لا نراجع ضوابطنا؟ ما كان لفقه يخذلنا مرة بأن نعتمده ثانية، والمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. وكيف عمدنا إلى إحلال الربا بأوربا والمغرب؟ وكيف دعا فقهاؤنا لمقاطعة البضع والسلع الدنمركية؟ وهل هذه هي المواجهة الحضرية المثلى؟
من الاختلاف إلى الائتلاف دأب الصالحين؛ لرأب الصدع، ورفع التحديات، في وجه الباطل وأهله، وإنها لمهمة شاقة لولا تأليف القلوب من لدن العزيز الحكيم، فإليه نضرع وعليه نتوكل وإليه نلجأ وكفى بربنا وكيلا.
لا يختلف مسلمان بأن لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله، وأن الله استعبدنا باتخاذ الأسباب، وجعل لكل شيء سببا وقانونا، وأنه سبحانه وتعالى خلق الخلق وأمر الأمر رحمة بهم، وذلل الخلائق للإنسان.
وإذا اتضح الأمر بداهة، فلم لا نتخذ أفعاله سبحانه وتعالى مطية لنفقه الفقه من باب سنن الله القرآنية، فعهوده الربانية لا تنخرم ولا يخلف الله وعده، وعهوده معادلات رياضية لا تنفك مقدمتها عن نتيجتها.
كما تمثل السنن الإلهية وحدة متكاملة شملت كل مجالات الحياة، وبإمكانها إحصاء أحداث لا عد لها ولا حصر بتداخل العوامل المتشابكة في الحدث الواحد مما يمكننا من تجاوز تساؤل الفقهاء سابقا : "كيف يمكن للنصوص المحدودة والمعدودة أن تحكم الأحداث التي لا حد لها ولا عد"؟
اجتهد أسلافنا لزمانهم ومكانهم وصار فقهنا عالة عليهم، فما بالنا لا نجتهد لزماننا ومكاننا بما يمكننا من رفع التحدي عاليا في وجه كل مخالف؟
وأمام فقه السنن الإلهية تذوب كل المشاكل وتحل كل العقد رحمة من ربك، فمثلا لم يفلح العالم العربي أو الإسلامي من الحد من هجرة اليهود إلى فلسطين لوعده سبحانه وتعالى {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }[الإسراء : 104]، وكان لزاما لمن يعتمد النص أن يمضي في نهجه على ضوء هذا النص دون أن يصطدم معه أو يعاكسه ويخالفه.
وما كان لمحللي الربا أن يدوسوا الوعود الربانية : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [278]فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ [279] } البقرة، كيف نمتطي صهوة الاضطرار ونجيز ما حرم الله وتوعد أهله بالحرب، مع أن الفقهاء لا يقبلون القول بالاضطرار في مسألتي الزنا والقتل؟
و" اللعبة الديمقراطية " لعبة حقا يمرر منها الحكام المعارضين لهم تمرير قنوات المياه في البيت؛ ليفسح لها المجال متى شاءوا، ويقننونه بالقدر الذي يريدون، وليخرجوا قنواتها متى شاءوا، كل هذا دون أدنى ضمانات ما دامت الإدارات لا تعمل وفق قوانين تحدد السير كل إدارة على حده، بل تمضي في سيرها وفق مقتضيات التعليمات، فمن يثق بحكام تحللوا من كل القيود؟
ما ترك الله جلا في علاه جثة الفرعون إلا عبرة لمن يعتبر، والحجاب المستور غطى العيون وأعمى البصائر.
تلك هي الحالة السائدة لدى معظم حكام الأمة الإسلامية، وقد نهانا الشرع عن الركون للظالمين، فكيف بمن يسبغ عليهم ألقابا لبسوها زورا وكذبا؟ وكيف بمن ساندهم أو أعانهم على ما هم فيه من باطل فضلا عمن تذرع بمساعدتهم في بعض الأمر وغفلوا قوله عز من قائل {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [25] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [26]}محمد، والأمر مقيد بمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فكيف بمن أعطى ثمرة قلبه عن طواعية؟ وهل بعد هذا يقول قائل أو يسوغ لمسوغ ركوب درب الظالمين أو اتهام من تخلف عن الركب؟
ونسي المسلمون سنة الاستهزاء بالرسل؛ إذ لا سبيل لمنعها{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر : 11]، والفعل للمضارع دل على الاستمرارية سواء في الحاضر أو المستقبل، فلم نحاول عبثا المقاطعة الاقتصادية للدنمرك وهل في طاقتنا مقاطعة أوربا بكاملها؟ لو نحن شهرنا الحرب على كل من ارتكب كبيرة من المسلمين قبل غيرهم لاتضح لنا الأمر بأننا عبثا نمضي في درب مظلم، فكيف بنا نحرض تارك الصلاة، فضلا عن أنظمة استدارت وجهتها معرضة عن تعاليم الدين لتبدو للخاص والعام بأنها حامية للدين ولو في جانب من جوانبه.
ولنا أن نقف وقفة مع قوله سبحانه وتعالى {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر : 95]، ومعلوم بأن الله جل في علاه إذا أراد أمرا هيأ له أسبابه، وحينما أخبرنا بأنه سبحانه وتعالى نزل القرآن استعمل جل جلاله لفظ الجمع في قوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9]، ومعلوم بأن التنزيل كان بأمر الله ونزل به الروح الأمين فضلا عن الملائكة، وحتى لا نفهم قوله سبحانه وتعالى {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}[الحجر : 95]، فهما سلبيا كما قال بعض الخطباء في خطبهم، بأن الله تولى الدفاع عن نبيه وعصمه من الناس حيا وميتا، وهو قول وإن كان صحيحا نتج فهما سلبيا للنص، بل لا بد من فئة من العلماء يذودون عن نبيهم بقوة الحجة والبرهان ويرفعوا التحدي عاليا في وجه كل مستهزئ بوعد الله ويبشرونهم بما أعد الله لهم من عذاب دنيا وأخرى.
ولا نقبل الانجرار لردود الأفعال العفوية والطائشة، فما لنا إلا مسايرة سنن الله ولا نعاكسها، كما لا نرضى أن نستميل كل من هب ودب لمهمة أشرف وأعظم للذب عن نبي الهدى ورسول رب العالمين، بفكر هجين، وردود أفعال قد تنعكس سلبا على أحوالنا، بعد أن شهر من شهر الحرب المقاطعة على شركة كوكا كولا، فما كان منها إلا أن فتحت باب طمع انقادت له أكثرية القوم.
والمتدبر الذي اعتنى بكل كتب الفقه على اختلاف مذاهبها ووحدة ميادينها ليفاجأ من الثغرات الكبيرة التي لم يتطرق لها أي مذهب وأي اجتهاد على الإطلاق: فأين الكلام عن القانون الدستوري والإداري والاقتصادي والاجتماعي الذي نص عليه القرآن؟
بل وأين القصص القرآني والأمثال والعظات التي جاءت لتبين المغزى من تلاقي السنن القرآنية و الكونية وانسجامها البديع؟ وإذا أدركنا أن مجرد القصص القرآني شمل زهاء ثلث القرآن ألممنا آنئذ المدى الشاسع الذي أهملناه في فقهنا وهمنا في صحاري التقعيد للقواعد الفقهية النسبية والتي تتعارض في كثير من الأحيان مع النصوص، فضلا عن الهيام في تخوم صحاري الفقه المقاصدي.
لسنا بحمد الله دعاة فتنة بل علمنا الله أن ندعوه كيلا نكون دعاة فتنة للكافرين فأحرى لبعضنا { رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة : 5] وحصر المهمة في أجلة العلماء حتى يقدموا نموذجا حضاريا لمحاورة المستهزئين؛ لعلهم عن غيهم يتوبون، وإلى ربهم يئوبون لمواصلة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن.
هذه النماذج الفقهية تبين لكل ذي رأي حصيف البون الشاسع بين ما أفتى به المفتون بفكر مقاصدي بعيدا كل البعد عن تعاليم الكتاب.
فما السنن الإلهية وما هي مميزاتها وقواعدها الكبرى فضلا عن خصائصها، وسبل جريانها؟ ذلك ما تسوقه الفقرة الثانية من البحث والله سبحانه ولي حميد.
تعليق