أسير الخشخاش

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعدي صبّاح
    أديب وكاتب
    • 22-06-2008
    • 26

    أسير الخشخاش

    " أسيــر الخشخــاش ... "

    سعـدي صبّـاح ..

    هبّت النسمات العليلات على مدينة الورود والجوناء مالت نحو الغروب، تسكب احمرارها مشكّلة لوحة أبدعتها أنامل ذو الجلال والإكرام ! ... هي الرمضاء راحلة عنّا إلى أن يحين صبح جديد .. هنالك قد مررتُ أمشي الهوينه ... تماشيني وحدتي أحدّق في سرب الحسناوات من حولي وهنّ يحبّكن أجمل الزهور من كتى ومسك ليل وخزامى... ، وجنب كومة الكاميليا قابلتني تجالس وحدتها وتناجي الغروب تقتنص منه سكونه وصمته الذي يعلّمها حديث النجوى ... جمال أسطوري بدّد وجه الخريف... لوحة أخر ى تضاف إلى لوحة الشفق القرمزي، كان قدري معها دون أن تدري ولا أدري... دنوتُ منها منصاعــاً بجراحي الدامية وبعذابي آمل أن تتمزّق على يدها أحزاني وتندثر كقطرات الندى على بتلات وردة ذابلة صوّحتها رياح الجنوب ، وقفتُ إزاءها ملبّيا نداء الفضول... كلمتها بجرأة لم أعهدها من قبل : " مساؤك أنيق أيتها الجميلة ثم ما سرّ خلوتك عن الموج العارم من النساء أم أنّ الغروب وراءها والفضل يعود له لأنه جمعنا...هو قدرنا منذ سقوطنا على هذا الثرى الذي آوانا بقدرة قادر وسيظلّ إلى أن نرحل الرحيل الأبدي" ...فرفعت وجه القمر الذي جمّت من خلاله أعشاب غبطتي.. نبتت أجنحتي لغلالته التي لم أرها من قبل ! تأملتها مليّـاً فتأملتني وقد شعرت بما يشبه غبطتي ! همست همس السنابل حين تشرب الرذاذ ثم راحت تمدح فضل الغروب على الحيارى في وطن يئنّ تحت ركام الخطيئة والرذيلة وأردفت مازحة بجديّة : " لقد شممتُ في أناقتك عطر الجنوب والتمستُ فيكَ شموخ الرجل البدوي .. " .. فأجبتهـا : " يا جارة الإكليل أنا من مداشره التي أنجبت الشعراء .. " .. فردّت: " أنا يا شاعري امرأة من جراح أبحث عن شاعر يزرع أحزاني في بيت من بيوت ابن أحمد الفراهيدي أو كاتب أسير الموهبة يتّخذ من جراحي قصّة مبدعة يحكم حبكتها من آهاتي وبين سطورها يكشف عمّن كان وراء تدميري وانهياري ... إلى أن صرتُ بقايا امرأة محفوفة بقنادل كان وراء تناسلها على أرض الأشراف والأسياد أعداء العقيدة والوطن...قبل أن تلجُّ الغادرة نوافذ منزلي الذي كان وكراً لملائكة رب العرش العظيم،.. وفيه كنتُ الوردة التي تتخطّر على شقائق النعمان.. ولعلمك فأنا اسمي وردة مسقطي مدينة الورود .. أحبّ الورد أموت في وردة الجزائرية لأنها غنّت للحبّ وللوطن...آسفة لأنها لم تغنِّي لذئبة العصر التي افترست جيلا بأكمله،. وانسكبت قطرات مالحة خضّلت أهداباً ما شاء وصوّر.." .. امتلكتني رغبة في البكاء فهاج جرحي وفاضتْ عبراتي وبرقّة كلمتها : " أختاه دعِ البكاء جانبـاً فأنا هنا لأكفكف دموعك التي أيقظت شجني.." .. فاحمرّت وجنتاها وبادرت بالثناء عليّ ، فببصيرتها الصائبة وعقلها الراجح قالت :" إنّك رجل من صنف النخيل تبدو على محيّاك براءة يوسف عليه السلام.. واستطردت : أطلب الكلمة منك شاعري لأبوح لك بما يشبه السرّ فأنا الساعة أحيا حياة التعاسة والعذاب مستاءة حدّ الإحباط والقنوط وذلك منذ اليوم الذي تسللت فيه تلك البلية لثنايا من كان يوقد لنا فوانيس الدجى بأرجاء البيت السّعيد..أرضعته أنفاسا قاتلة حتى أفقدته الصواب ..إلى أن أصبح يشعر انه بين أحضان قديسة هيمانة به حد الموت ...شبقية زاوجت بين البغي ولذة الخيانة ،دون أن يدر أنه بأحضان كلبة وابلة دامنة على الجيفة ، أعدّت بحبكة خيوط تعاسته وتعاسة من صانت فِراشه بعساكر عفّتها الذين يطلقون الرصاص على المتطفّلين... أدخلته حزبها ككلّ أسراها بالإكراه... هي الدجّالة المتسلّطة التي تسللت بفعل فاعل إلى ديار المسلمين ... لتردع عصافير الأمل والطمأنينة وتقتل حمام السكينة والعيش الرغيد...لقد كانت وراء
    الشرخ الذي انقلبت من وراءه سعادة الأسرة إلى جحيم ! ...أوهمته بالشعور الكاذب والقوة الواهية ثم مع الأيام أفقدته الثقة بكل من على البسيطة.... أدمنها ناسكاً متعبّداً وذاب في عشقهـا حدّ الهوس أو الجنون ! .. لا لجمالها يا شاعري ولكن للبهرجة والسحر الذي أعدّته أنامل الشيطان.. أوهمته بصولجان كسرى وتاج قيصر... داست شموخه غرست فيه الحاقدة بحقدٍ و ضغينة أدنى السّخافات ... عوّدته نومة الأدغال الخالية ... نحتت له عرائس من وهم وفاتنات يترنّحن من حوله ساكرات حدّ الثمالة... يداعبهنّ في الخيال ليسقط مترنّحـاً حتى يراه الصّادي والغادي... شيّدت له بروجـاً في لجة السراب..قادته ككل الأسرى إلى حياة السكارى وأبناء الليل... سقته بساديتها كأس الرذيلة يا شاعري... علّمته طقوسـاً يرفضها الدين وترفضها الأعراف يا شاعري... بعد كلّ غروب مع مومسات حبلى بوباء يشقّ على الأساة ردعه.. وصبايا أخريات يرضعن الخطيئة من بولهـا مع بداية كلّ ظلام ! " .. ولقد كنتُ متتبعا لسرد الحكاية المدهشة إلى أن أحسست بغصة مؤلمة تصعد إلى حلقي كالحنظل فقاطعتها : " أختاه رجاء إن كانت الغادرة من بنات المدينة ؟ " فردّت متثائبة وانتوت سحق أسئلتي ليتلاشى الضباب : " هي ليست من مدينة الورد ولا هي بشرية ياشاعري ... إنّهـا حشيشة بمثابة دودة مجنّحـة تآمر وإياها على نفسه أتاها أو أتته لتنخر عظامه حتى يموت موتة الكلاب الضالّـة ! " .. فوقفتُ واجفـاً مرتجفـاً فإذا بالمدينة توقد أنوارهـا، فودّعت بقايا وردة على أمل كتابة قصّة " أسير الخشخاش..."


    سعـدي صبّاح ...
    sebbah@maktoob.com
    رِجَالُ حَارَتِنَا يَقْتُلُونَ نَوَارِسَ عَنْتَرَةْ
    تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
    السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
    العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!
    ** **
    سعدي صبّاح / الجزائر
    sebbah@maktoob.com
    www.sebbah.jeeran.com
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    سعدي جاسم
    أسير الخشخاش هذه قرأتها سابقا
    ليس هنا
    جميلة هي بكل تلك الآفة التي باتت تفتك بالناس وعلى حد سواء
    بل وصل الأمر في وطني أن يدمن عليها ألطفال.. تصور
    وحتى متى يظل الإنسان حبيس الوهم والخشخاش او غيره
    نص موجع أشكرك زميلي
    تحياتي لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      لى عودة أخى المبدع

      تحيتى
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        كان العنوان أول الكشف ، وآخره
        و لا أدرى لم كان خيارك ؟
        المهم كانت اللغة هنا جميلة ن تنساب على رقعة القصة
        بسلاسة وشاعرية وجمال ، و إن ذهبت فى بعض الأحيان إلى مناطحة الصخور ، و النحت فى المباشر !
        ربما ما ظل خلفية للحديث هو القصة الحقيقة ، و القصة الأجمل الذى كنا ننتظرها
        و لكن هكذا شئت أن تكون زاوية النظر ، أو تسليط الإضاءة على ما رأينا و فقط

        شكرا لك سعدى الذى يذكرنى اسمه بعملاق الثورة الجزائرية ، و أيضا الشاعر الكبير
        تقبل خالص محبتى و تقديرى لقلمك
        تحيتى و تقديرى
        sigpic

        تعليق

        • سعدي صبّاح
          أديب وكاتب
          • 22-06-2008
          • 26

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          سعدي جاسم
          أسير الخشخاش هذه قرأتها سابقا
          ليس هنا
          جميلة هي بكل تلك الآفة التي باتت تفتك بالناس وعلى حد سواء
          بل وصل الأمر في وطني أن يدمن عليها ألطفال.. تصور
          وحتى متى يظل الإنسان حبيس الوهم والخشخاش او غيره
          نص موجع أشكرك زميلي
          تحياتي لك
          الزميلة الوفية عائدة محمد أحيي فيك روح الإبداع والتعامل والتفاعل مع نصوص الآخرين شكرا
          رِجَالُ حَارَتِنَا يَقْتُلُونَ نَوَارِسَ عَنْتَرَةْ
          تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
          السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
          العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!
          ** **
          سعدي صبّاح / الجزائر
          sebbah@maktoob.com
          www.sebbah.jeeran.com

          تعليق

          • سعدي صبّاح
            أديب وكاتب
            • 22-06-2008
            • 26

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            لى عودة أخى المبدع

            تحيتى
            المحترم ربيع عقب الباب مرحبا بك في قلبي
            رِجَالُ حَارَتِنَا يَقْتُلُونَ نَوَارِسَ عَنْتَرَةْ
            تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
            السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
            العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!
            ** **
            سعدي صبّاح / الجزائر
            sebbah@maktoob.com
            www.sebbah.jeeran.com

            تعليق

            • سعدي صبّاح
              أديب وكاتب
              • 22-06-2008
              • 26

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              كان العنوان أول الكشف ، وآخره
              و لا أدرى لم كان خيارك ؟
              المهم كانت اللغة هنا جميلة ن تنساب على رقعة القصة
              بسلاسة وشاعرية وجمال ، و إن ذهبت فى بعض الأحيان إلى مناطحة الصخور ، و النحت فى المباشر !
              ربما ما ظل خلفية للحديث هو القصة الحقيقة ، و القصة الأجمل الذى كنا ننتظرها
              و لكن هكذا شئت أن تكون زاوية النظر ، أو تسليط الإضاءة على ما رأينا و فقط

              شكرا لك سعدى الذى يذكرنى اسمه بعملاق الثورة الجزائرية ، و أيضا الشاعر الكبير
              تقبل خالص محبتى و تقديرى لقلمك
              تحيتى و تقديرى
              العزيز ربيع شكرا على القراءة السريعة والمتفحصة للنص شكرا على التفاعل والإستمرارية ///شكري وتقديري
              رِجَالُ حَارَتِنَا يَقْتُلُونَ نَوَارِسَ عَنْتَرَةْ
              تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
              السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
              العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!
              ** **
              سعدي صبّاح / الجزائر
              sebbah@maktoob.com
              www.sebbah.jeeran.com

              تعليق

              يعمل...
              X