لاتطفئوا الأنوار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رنيم مصطفي
    كنوز الشرق
    • 08-11-2008
    • 257

    لاتطفئوا الأنوار

    تنطفئ الأنوار في كل مرة حتى ظننت أن الظلام رفيقي , وأن الضوء يسري شعاعه في الاتجاه المعاكس حيث لانلتقي أبداً .
    أحداث تتوالى تدغدغ كلي حيث تحطم داخلي الإنسان , ولايتبقَ في كل مرة إلا بقايا هشة ماإن تترسب في مساحاتها فتات أمل حتى يصيبها الانكسار , وأظل في رمقٍ (1) تستعبدني الهموم
    - أمي : أشعر ببعض التعب ينتابني وعدم المقدرة على استوزاء قامتي (2)...
    - لابد من مراجعة الطبيب المختص كي نطمئن جميعا ولنرَ مايقرره .
    - قرأت ملامح زعر ترتلها النظرات بعدما قام بفحص الساقين , وفي صمتٍ التقط القلم بين إصبعين ونقش على وريقة رسالة باللاتيني , وأمسك بالهاتف ليجري مكالمة لطبيب الأشعة حيث بعضاً من الحروف هي مااستوعبتها (Save the lives of sick ) .
    ثم هَمَّ قائلاً : لاأستطيع تشخيص الحالة الآن هناك فقط زيارة لطبيب آخر بعدها نرى ؟ هدئي من روعك وكوني بخير ... تجاهلت تلك الأحداث فما مررت به من قبل يجبرني على الصمود . وإلى هناك حيث قرأت القلق مع كل إنذار بالخطر من تلك الجهاز الذي يظهر سريان الدم في الأوردة , وجدت الطبيب يلتقط القلم ليخط على مواقع الألم من الجلد بالزيت الأسود ... إحدى عشر خطاً في مناطق متفرقة من الساقين ..
    بطريقة لاتثير الشكوك : أرجو أن لاتمحي العلامات حتى مراجعة الطبيب المختص .
    ماذا بي ؟ وماالحالة ؟؟
    بسيطة الحالة مجرد جلطات في الأوردة سيضطر الطبيب لعمل شقٍ بسيط لاستئصالها من تحت الجلد , ومثلها ترد علينا كثيراً ... لاتخافي ياصغيرة ..!
    وفي صباح اليوم التالي وكلي ثقة في الله تعالى , تلفني أفراد العائلة بنظرات خوف ممزوجة بالشفقة ... وكثيراً من التساؤلات لاأدري ماهي ؟ فقط توضأت وأقمت الصلاة حتى بزوغ أول خيط ضوء لتُصم أذنايَ عن السمع , وتسوقني قدماي لاأدري كيف هبطت درجات السلم وكيف وصلت إلى هناك حيث كل شيء في الموعد المحدد .... أب يبتسم ... أم تبكي ... فزع يرتسم على باقي الوجوه ..
    يقرع الطبيب باب الحجرة ويبادر بالدخول ..
    - انتظر من فضلك أود الوضوء , تتقطع الكلمات في فمي وترتجف كل أجزائي ويتقعقع لحياني (3) ولم تعد تقوى قدماي على السير لتحملني ملائكة الرحمة إلى المصعد الكهربائي ليغلق بابه دون أسرتي , وعلى أريكة في حجرة مليئة بالمعدات والأضواء أجلس لأراه وقد استدار ليذهب بباقي ضوء قد التقطته عيناي لأفقد بعدها الوعي قبل أن يقترب لظهري الذي أراد رشقه بمحقن المخدر الذي كان يعده .
    أشلاء , قذائف , صواريخ . تمر من جانبنا فننكمش ونحتمي به , ويحملنا الشموخ ... وتراقصنا الخيلاء لفدائيته عشنا معه الأحداث لحظة بلحظة , إستنشقت شذا بارود المعارك ...وتعطرت بمسك دخان الدبابات والمدافع .... كحلت عيني صوره الفدائية وانبهر عقلي من هول الحكايا , السرور يلف المكان .. والتبريكات تشعل الأضواء .. أبتسم ويبتسم الجميع ... إنها أختي في ثوب الزفاف , تعالت أصوات الغناء ...
    عمي ..! أكنت مع والدي يوم أن فقد يده حينما أمسك بالقذيفة ليلقي بها على جنود العدو...
    تبسم ... أما زال يحكي تلك الحادثة ...
    نعم كلنا يحفظها ..كنت معه ولكن هذا كان بعد المعارك .. كيف ؟ وكانت الكلمة التي على إثرها انهارت وهوى معها كل شئ...
    - لقد فقد يده عندما حاول الانتحار من أجل ..... عاهرة ؟
    ليصمت الجميع ... وتُطْفِئ أنوار العُرس ... وتنتهي المعركة


    إنها مازالت تنتبه ..! لابد من جرعة مخدر كلي أخرى ... مازال أمامنا الكثير في مهمتنا ... كل اللحظات مبتورة , هذه الدنيا .. ليتها تتوقف عند هذا الكم من الجراح , أتلهف للنور ... كفى الضوء الأسود .. بكت الدموع ... وتألم النحيب .. كم مسح على رأسي قسوة الأيام ؟ يقاسمني الحزن ... بل يأخده عني .. أنْبُت فرحا بين ذراعيه ... يطبع قُبلة على جبيني .. أجلس بجواره .. يحكي وأحكي .. لايمل ولا أمل . مضى شهران ... كدت أنسى الصدمة الأولى , ولكن ...! رويدك أحلامي ... هونا ... لِمَ يسرقوك مني ؟ صوت الهاتف ليس ككل مرة ... وجه أمي عابث ... ترد في ذعر !
    نعم سأحضر .. لن أترككِ تذهبين وحدك .. أود رؤيته .. نجري بهلع ... لن تدخلي معى .. إبقِِِ هنا ... إبتعدي عني أود النظرة الأخيرة ... إقْتَحمْتُ المكان ولِهَوْل مارأيت ... حسرة تختلج فؤادي ... تلفح وجهي .. أهذا جدِّي الذي كنا بالأمس القريب ؟؟ تُفتح ثلاجة الموتى لأجده ممدداً بلا حراك .. تنهار قواي .. ولم أقدر على جمع شتاتي . رحل من كان يحبني ..رَحَلتْ رَوْحٌ كُنْتُ منها وهي مني ... ترك حباً في قلبي , وحيدة أنثر الحروف بلباس الألم , وحسرة لاتنطفئ ... ذكرى أعيش بها وأشقى ... أبقى أو لا أبقى ...

    تتوالى الساعات ومشرط الطبيب يتفنن في قص ولصق مايحلو له والأسرة جميعها تنتظر بالخارج ..
    تلك نبتة أمل تنبض بالحياة , الكل ينتظر .... يترقب .. أن تنكشف ستائر الغمة وتـُشعل أنوار جديدة تقشع ظلمة الأيام الكئيبة .
    توالت مخاضات المساءات . .. لعل مخاض قريب يضع بذور ضوء من رحم الغيامات الداكنة . انشغالات .. خيالات .. إستبشارات ..., تساؤلات وآمال تتراقص في عيون دامعة ... متى تشرق البسمة هنا ؟ متى يصل القادم الباكي ... يصرخ ...يوزع الفرحة علينا في همساته الرقيقة .. في نبضاته البكر..
    أنا من فكر بوردة أستقبله بها , لكن والدتي كانت تعد له رداءًا بزهورٍ وطيورٍ تتراقص عليه ألوان الشروق , والأخريات يجهزن وسادته ..لكن غفل الجميع أن يعد له طعاماً , ربما علموا انه لن يطيب له طعامنا ...
    وعلى حين عهد .. علا صراخ وتأوهات ..وارتجفت قلوب ... وزرفت عيون , والجميع يترقب البشري ! قلبي يحدثني أي بشرى على أمواج الدموع ...
    أُخِذَت أختى الكبرى إلى الغرفة المضيئة ..إذاً ستشعل الأنوار من جديد , ملابس بيضاء شفافة ... بشرى خير إنه الطبيب ..
    كل إنتهى من مهمته ... لف المكان رعب الانتظار ... رهبة الترقب ترسم تقاسيم الوجوه..وتحتار لقاءات العيون ... خيم الصمت كعادته على الموقف ... فـُتحت الغرفة المضيئة.. تسلل بعض النور إلينا.. خَرَجت والكل يلتف حولها , إلى أن استقرت على المتكأ ,
    أمي .. نريد رؤية الوليد ...
    نهرع إلى هناك نهرول خلف خيوط الضوء ... أنظر إليه ... أدقق النظر ,
    ياله من جميل .. حملته .. ضممته إلى قلبي , وبعمق نظرت إلى وجهه الملائكي , فاضت دمعة بكى حلمها من عيون تتبعت سراب وَاهِم وُشِّحَ بالسواد تساقطت على جسده العَفن , وفَرَدَ الحزن أجنحته يحبو ليحوي مساحة بلون الأسى ...! لقد فارق الحياة قبل أن يرى النور بأيام
    وبصوتٍ .. يغلبني البكاء , ويتصدع قلبي بين الضلوع
    ويضع الطبيب لمساته الأخيرة من الحياكة الدقيقة ... يرقع تلك ... ويداري ذاك ... حتى انتهى من جميع الترميمات , لأجدني بعد ساعات طوال في حجرتي طريحة الفراش أكاد يبلغ مني النسيس (4) , لاأقوى على الحراك وقد ضمدت ساقاي بالخبائب (5) والسبائخ (6) التي نبه الطبيب ألا تغادرني وأثبتتني ستة أشهر كاملة ...
    افتح عيني لأرى كل الأنوار انطفأت ...
    ماعدا نور لاينطفئ ... فرحمته وسعت كل شيء ..
    وبابه مفتوح أبداً .



    (1) رمق : بقية حياة
    (2) استوزاء القامة : انتصاب القامة
    (3) يتقعقع لحياني : يصطك الفكان
    (4) يبلغ النسيس : تشرف الروح على الموت
    (5) الخبائب : اللفائف الطويلة للجروح
    (6) السبائخ : قطع القطن التي توضع عيها الدواء
    التعديل الأخير تم بواسطة رنيم مصطفي; الساعة 06-06-2009, 13:25. سبب آخر: مراجعة إملائية
  • ريمه الخاني
    مستشار أدبي
    • 16-05-2007
    • 4807

    #2
    ماعدا نور لاينطفئ ... فرحمته وسعت كل شيء ..
    نعم صدقت غاليتي
    لك محبتي وودي

    تعليق

    • رنيم مصطفي
      كنوز الشرق
      • 08-11-2008
      • 257

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ريمه الخاني مشاهدة المشاركة
      نعم صدقت غاليتي
      لك محبتي وودي
      أستاذتي الفاضلة / ريمة
      نور الله هو الأمل لبقاء الروح
      جزيل امتناني لتشريفك هنا
      ودي ومحبتي وزهور الإيساتك

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        استاذة رنيم مصطفى
        ماذا فعلتِ بي
        وللمرة الثانية اذرف دموعا
        تأخذني لغتك واسلوبك فأشطح داخل المشهد وكأني بينهم
        قصة مؤلمة وبأحداثها مثيرة تنتهي بالأمل المتفائل
        اتمنى مراجعة النص املائيا
        تحيتي لابداعك الموفق دائما
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • رنيم مصطفي
          كنوز الشرق
          • 08-11-2008
          • 257

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          استاذة رنيم مصطفى
          ماذا فعلتِ بي
          وللمرة الثانية اذرف دموعا
          تأخذني لغتك واسلوبك فأشطح داخل المشهد وكأني بينهم
          قصة مؤلمة وبأحداثها مثيرة تنتهي بالأمل المتفائل
          اتمنى مراجعة النص املائيا
          تحيتي لابداعك الموفق دائما
          الرائعة الأستاذة / مها
          دائما انتظر نور حرفك يضيئ جوانب صفحاتي
          فشكراً لتواجدك هنا وترك بعض منك
          وجزيل امتناني للفتة الطيبة لمراجعة النص
          دمتِ بالخير والرضا
          ودي ومحبتي وزهور الإيساتك

          تعليق

          • مجدي السماك
            أديب وقاص
            • 23-10-2007
            • 600

            #6
            تحياتي

            تحياتي
            قصة جميلة..احداث صاخبة.
            مودتي
            عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              رنيم أهلا بك و هذه القصة المفعمة بالكثير
              أولا باحداثها ، وسردك / قصك الجميل
              ثانيا .. الصدق الفنى الذى لمست ، و إن عكره قليلا المفردات التى أحدثت لها هوامشا !!
              كنت أتمنى أن تشعرينى بالعفوية الحلوة ، التى تستخرج الجمال من روح الكاتب / الكاتبة دون الحاجة إلى مفردات كهذه !!

              المهم أحببت هذا العمل الحميمى الحالة !!

              تحيتى و تقديرى
              sigpic

              تعليق

              • رنيم مصطفي
                كنوز الشرق
                • 08-11-2008
                • 257

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                تحياتي
                قصة جميلة..احداث صاخبة.
                مودتي
                الفاضل الأستاذ / مجدي
                ممتنة لحضورك الطيب والثناء على القصة
                دمت بالخير والرضا
                ودي والدعاء

                تعليق

                • رنيم مصطفي
                  كنوز الشرق
                  • 08-11-2008
                  • 257

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                  رنيم أهلا بك و هذه القصة المفعمة بالكثير
                  أولا باحداثها ، وسردك / قصك الجميل
                  ثانيا .. الصدق الفنى الذى لمست ، و إن عكره قليلا المفردات التى أحدثت لها هوامشا !!
                  كنت أتمنى أن تشعرينى بالعفوية الحلوة ، التى تستخرج الجمال من روح الكاتب / الكاتبة دون الحاجة إلى مفردات كهذه !!

                  المهم أحببت هذا العمل الحميمى الحالة !!

                  تحيتى و تقديرى
                  سيدي الفاضل / ربيع
                  سعدت كثيراً أن راقت قصتي لذائقتكم
                  أما بعض المفردات التي أدرجتها
                  ماهي إلا إثراءاً للغتنا الجميلة كي نتذكرها
                  لحرفك أستاذي هنا تحية واعتزاز
                  ولك الود وباقة من النسرين والخزامي

                  تعليق

                  • محمد مطيع صادق
                    السيد سين
                    • 29-04-2009
                    • 179

                    #10
                    تحية طيبة للاخت الكاتبة

                    ماعدا نور لاينطفئ ... فرحمته وسعت كل شيء ..
                    تحتاج هذه الخاتمة أن نفرد لها ردا قبل أن نثني على النص الجميل
                    فهي الخيط الذي عقد الأطراف المتفرقة في القصة في ثوب واحد..الضوء الخافت والظلام الدامس الذي رافقها ثم في النهاية ضوء الأمل ..لقد جعلتني للحظة أشعر أن القصة حصلت معك حقيقة فالغثيان الذي يطبق على الملقى في غرفة العمليات وتخالط الصور صحيح كما ورد تقريبا
                    فقد كنت مرة أحد زوارها ...أحسنت وبارك الله بك
                    وتقبلي مني خالص الشكر والتقدير

                    تعليق

                    • رنيم مصطفي
                      كنوز الشرق
                      • 08-11-2008
                      • 257

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد مطيع مشاهدة المشاركة
                      تحية طيبة للاخت الكاتبة

                      تحتاج هذه الخاتمة أن نفرد لها ردا قبل أن نثني على النص الجميل
                      فهي الخيط الذي عقد الأطراف المتفرقة في القصة في ثوب واحد..الضوء الخافت والظلام الدامس الذي رافقها ثم في النهاية ضوء الأمل ..لقد جعلتني للحظة أشعر أن القصة حصلت معك حقيقة فالغثيان الذي يطبق على الملقى في غرفة العمليات وتخالط الصور صحيح كما ورد تقريبا
                      فقد كنت مرة أحد زوارها ...أحسنت وبارك الله بك
                      وتقبلي مني خالص الشكر والتقدير
                      الفاضل الأستاذ / محمد
                      مؤكد أنها خاتمة مهما أفردنا لها من ردود لن نفيها حقها
                      لأنه مهما لفح أرواحنا من ألم , ومهما أصابنا شقاء تفتح له الأفواه , بل ومهما ارتشفنا المرارة في كؤوس ...!
                      فهناك جراح مهما ضمدناها باللفائف , وحتى لو برئنا منها , لايكفها بكاء
                      لذا كان نور الله هو الأمل في البقاء
                      سيدي الفاضل .. أشكرك على قراءتك الواعية بيد أنك لاحظت أن القصة حقيقية وأن مايدور في حجرة الجرحة للملقى وتخالط الصور أعتقد لايقدر على وصفها إلا من استلقى هناك ...
                      أما القلم كان دوره هنا أن ترجمها حروفاً
                      جزيل امتناني لمرورك هنا وترك بعض منك
                      ودي وكثير الدعاء

                      تعليق

                      يعمل...
                      X