تحدٍّ
وكأن عقرباً لدغه انتفض هيثم ..
كالملسوع قفز من فراشه، نظر إلى ساعته، ألقى نظرة من شباك المنزل ثم انطلق ليرتدي ملابسه .
أين تذهب يا أخي ؟
أسأله وأنا أعرف أن الحصول على جواب ما من هذا الصغير هو ضرب من المستحيل، أتأمل فيه ملامحه التي تشعر معها بعمق شقاوته وحجم النشاط الذي يبشر بطاقة لا تخمد .
لم يكن يعرف الراحة أو السكون، لا يثنيه حظر التجول من الانطلاق والعودة بعد غروب الشمس دائماً وكأن الحظر يسري على أي أحد سواه .
ينطلق متجاوزاً سياراتهم ومدرعاتهم، يراوغهم فينتصر عليهم، يتجاوز تحصيناتهم ليصل إلى هدفه أياً كان وأينما كان .
لكم تمنيت لو امتلكت قلباً شجاعاً كقلبه الصغير، وشجاعة توازي ما يحمل قلبه من لامبالاة، آه كم أخشى عليك يا أخي الصغير ..
هيثم :
- لا تهتم أخي فلسوف ألعب بالجوار ولن أبتعد .
- لكن حظر التجول يكاد يبدأ .
- ومنذ متى نخشى حظرهم يا أخي ؟ أسطح المنازل هي شوارعنا والأزقة هي بواباتنا والحجارة رصاصنا فلا تخش شيئاً .
كنت أعلم أن فصاحته تعجزني دائماً لذا فقد تمنيت له التوفيق، وانطلقت لأعد فنجان الشاي المسائي، بينما كان هيثم ينسحب في صمت خارج المكان ..
أعددت فنجان الشاي، ووالدتي في صلاة العصر تنظر بطرف عينها إلى الصغير الذي ينسحب من المكان، لا تستطيع إنهاء الصلاة وتحاول لفت نظري، تتنحنح تارة وتكبِّر تارة وأنا أعرف ماذا تريد لكني أنتظر لكي تنهي صلاتها ..
لما انتهت من صلاتها، قامت مسرعة تصرخ وهي تهرع إلى خارج المكان باحثة عن الطفل الذي كان مصدر تعبها دائماً :
- أين ذهب هيثم يا ولدي ؟
- لا تقلقي والدتي فهو في الجوار .
- أخاف أن يبتعد وقد اقترب حظر التجول .
- لا تخافي فقد تعودنا منه أن يعود رغم الحظر، فاطمئني ..
- فإن حدث له مكروه فستتحمل أنت مسئوليته، فهذا الطفل يكبر قبل أوانه واني لأخاف أن يفكر في عملٍ ما يضره ويقضي على طفولته وقلبي ..
- اطمئني يا حاجة .
أقولها وأنا نفسي لا أشعر بالاطمئنان ، أنتهي من إعداد فنجان الشاي، وأحمله إلى النافذة الوحيدة التي تطل على الشارع، الشمس كانت تلقي بظلالها الداكنة على الأفق، والغيوم احتشدت في السماء منذرة بليلة عاصفة وسيارات الجيش الإسرائيلي بدأت تنتشر على أطراف المخيم بينما يرتفع صوت بعربية ركيكة:
" منع تجول.. منع تجول حتى إشعار آخر… كله يروح بيته…"
وهكذا مع النداء اليومي الذي تعودنا عليه، وألفنا صوته حتى أصبح جزءاً من روتين اليوم كفنجان الشاي وفطور الصباح .
الحركة بدأت تختفي من الشوارع تدريجياً، وبقايا الحجارة تنتشر وتغطي الأرض التي اسودت من لون الإطارات المحترقة، وأعتمت وقد لونتها مظاريف الرصاص الملقاة أرضاً بلون ذهبي انعكست عليه أشعة الشمس وهي تكاد تختفي لتغوص في قلب البحر…
ارتشفت رشفة من كأس الشاي الذي كاد يبرد، وعدت أتأمل المشهد الذي استرعى انتباهي … صبية يرتدون ملابس صيفية لا تتناسب والجو الماطر، ينتشرون هنا وهناك يختبئون خلف الأطلال الملقاة، يتلفتون حولهم في حذر شديد، وشيئاً فشيئاً بدأوا يختفون من المنطقة وكأنهم لم يكونوا أحسست أن الأمر يحمل في طياته شيئاً خطيراً، ماذا يفعل أولئك الصبية ؟ وأي شيء يخططون له ؟ في هذا اليوم الذي ينبئ بليلة لن تنتهي بسهولة، لمحت أحدهم وقد اختبأ خلف جدار مجاور، ومن بعيد كانت سيارات الاحتلال تواصل دورياتها وصدى مكبرات صوتهم لا زال يتردد في كل مكان… بدأت ملامح الصبي تتضح وهو يقترب أكثر ..
هذا هو هيثم ذاته، يختبئ تحت مرأى بصري، ينظر حوله يميناً فيساراً، يبدأ فجأة في التحرك لينطلق جرياً نحو جدار في الناحية المقابلة، أحسست أنها ساعة الصفر ابتعدت قليلاً عن النافذة وأنا أتوقع أن أسمع صوت انفجار، أي أمر تنتوي فعله أيها الصغير؟ وأي تبرير سأقدمه للوالدة التي تجلس في صدر البيت تنتظر عودتك ؟ ..
لا زال يجري بسرعة كالبرق، ينقض على الجدار ويقفز قفزة هائلة وهو يلامس بيده الحائط المنهار صائحاً بانتصار :
- حيي. *
ومن كل مكان برز الصبية المختفون، وقد سبقهم صديقهم، بينما علت أمارات الحنق على وجه زميلهم حارس الجدار، وهو يظهر من بعيد وقد خاب أمله ..
هدأت هواجسي ، ابتسامة مرتاحة تنتشر على وجهي أخيراً، تنفست الصعداء والأطفال يواصلون لعبتهم، بينما تظهر أطراف الدبابات على مرمى المخيم.
كالملسوع قفز من فراشه، نظر إلى ساعته، ألقى نظرة من شباك المنزل ثم انطلق ليرتدي ملابسه .
أين تذهب يا أخي ؟
أسأله وأنا أعرف أن الحصول على جواب ما من هذا الصغير هو ضرب من المستحيل، أتأمل فيه ملامحه التي تشعر معها بعمق شقاوته وحجم النشاط الذي يبشر بطاقة لا تخمد .
لم يكن يعرف الراحة أو السكون، لا يثنيه حظر التجول من الانطلاق والعودة بعد غروب الشمس دائماً وكأن الحظر يسري على أي أحد سواه .
ينطلق متجاوزاً سياراتهم ومدرعاتهم، يراوغهم فينتصر عليهم، يتجاوز تحصيناتهم ليصل إلى هدفه أياً كان وأينما كان .
لكم تمنيت لو امتلكت قلباً شجاعاً كقلبه الصغير، وشجاعة توازي ما يحمل قلبه من لامبالاة، آه كم أخشى عليك يا أخي الصغير ..
هيثم :
- لا تهتم أخي فلسوف ألعب بالجوار ولن أبتعد .
- لكن حظر التجول يكاد يبدأ .
- ومنذ متى نخشى حظرهم يا أخي ؟ أسطح المنازل هي شوارعنا والأزقة هي بواباتنا والحجارة رصاصنا فلا تخش شيئاً .
كنت أعلم أن فصاحته تعجزني دائماً لذا فقد تمنيت له التوفيق، وانطلقت لأعد فنجان الشاي المسائي، بينما كان هيثم ينسحب في صمت خارج المكان ..
أعددت فنجان الشاي، ووالدتي في صلاة العصر تنظر بطرف عينها إلى الصغير الذي ينسحب من المكان، لا تستطيع إنهاء الصلاة وتحاول لفت نظري، تتنحنح تارة وتكبِّر تارة وأنا أعرف ماذا تريد لكني أنتظر لكي تنهي صلاتها ..
لما انتهت من صلاتها، قامت مسرعة تصرخ وهي تهرع إلى خارج المكان باحثة عن الطفل الذي كان مصدر تعبها دائماً :
- أين ذهب هيثم يا ولدي ؟
- لا تقلقي والدتي فهو في الجوار .
- أخاف أن يبتعد وقد اقترب حظر التجول .
- لا تخافي فقد تعودنا منه أن يعود رغم الحظر، فاطمئني ..
- فإن حدث له مكروه فستتحمل أنت مسئوليته، فهذا الطفل يكبر قبل أوانه واني لأخاف أن يفكر في عملٍ ما يضره ويقضي على طفولته وقلبي ..
- اطمئني يا حاجة .
أقولها وأنا نفسي لا أشعر بالاطمئنان ، أنتهي من إعداد فنجان الشاي، وأحمله إلى النافذة الوحيدة التي تطل على الشارع، الشمس كانت تلقي بظلالها الداكنة على الأفق، والغيوم احتشدت في السماء منذرة بليلة عاصفة وسيارات الجيش الإسرائيلي بدأت تنتشر على أطراف المخيم بينما يرتفع صوت بعربية ركيكة:
" منع تجول.. منع تجول حتى إشعار آخر… كله يروح بيته…"
وهكذا مع النداء اليومي الذي تعودنا عليه، وألفنا صوته حتى أصبح جزءاً من روتين اليوم كفنجان الشاي وفطور الصباح .
الحركة بدأت تختفي من الشوارع تدريجياً، وبقايا الحجارة تنتشر وتغطي الأرض التي اسودت من لون الإطارات المحترقة، وأعتمت وقد لونتها مظاريف الرصاص الملقاة أرضاً بلون ذهبي انعكست عليه أشعة الشمس وهي تكاد تختفي لتغوص في قلب البحر…
ارتشفت رشفة من كأس الشاي الذي كاد يبرد، وعدت أتأمل المشهد الذي استرعى انتباهي … صبية يرتدون ملابس صيفية لا تتناسب والجو الماطر، ينتشرون هنا وهناك يختبئون خلف الأطلال الملقاة، يتلفتون حولهم في حذر شديد، وشيئاً فشيئاً بدأوا يختفون من المنطقة وكأنهم لم يكونوا أحسست أن الأمر يحمل في طياته شيئاً خطيراً، ماذا يفعل أولئك الصبية ؟ وأي شيء يخططون له ؟ في هذا اليوم الذي ينبئ بليلة لن تنتهي بسهولة، لمحت أحدهم وقد اختبأ خلف جدار مجاور، ومن بعيد كانت سيارات الاحتلال تواصل دورياتها وصدى مكبرات صوتهم لا زال يتردد في كل مكان… بدأت ملامح الصبي تتضح وهو يقترب أكثر ..
هذا هو هيثم ذاته، يختبئ تحت مرأى بصري، ينظر حوله يميناً فيساراً، يبدأ فجأة في التحرك لينطلق جرياً نحو جدار في الناحية المقابلة، أحسست أنها ساعة الصفر ابتعدت قليلاً عن النافذة وأنا أتوقع أن أسمع صوت انفجار، أي أمر تنتوي فعله أيها الصغير؟ وأي تبرير سأقدمه للوالدة التي تجلس في صدر البيت تنتظر عودتك ؟ ..
لا زال يجري بسرعة كالبرق، ينقض على الجدار ويقفز قفزة هائلة وهو يلامس بيده الحائط المنهار صائحاً بانتصار :
- حيي. *
ومن كل مكان برز الصبية المختفون، وقد سبقهم صديقهم، بينما علت أمارات الحنق على وجه زميلهم حارس الجدار، وهو يظهر من بعيد وقد خاب أمله ..
هدأت هواجسي ، ابتسامة مرتاحة تنتشر على وجهي أخيراً، تنفست الصعداء والأطفال يواصلون لعبتهم، بينما تظهر أطراف الدبابات على مرمى المخيم.
*******************
* هذه الكلمة علامة الوصول إلى الهدف في لعبة "الاستغماية " بنسختها الفلسطينية .
تعليق