نخلةٌ بلا ظلالْ
(1)
وراء الباب الخشبي، تقفُ أمي أمام مرآتها العتيقة وذاكرتها، تخلع ملامحها، ثمّ تلبسُ وجعها، ترى نفسها كما تقولُ: نخلةً مهيضةَ الأعذاق لا ظلّ لها، تصفق، تغني، وترقص، تحرقُ ما تنبتهُ من عتابٍ في غصن العود ومبخرها كل ليلةٍ، إلى أن يهيجَ الغلس.
كانت تغسلُ بالدخانِ جدرانَ غرفتها، وملاءة السرير الصوفية، وفساتينها الملونة، وتدوِّرُ يديها كأنها تمسك رحىً، وهي تسفُّ بالمبخر على صندوقها الهندي المزخرف بالمسامير الذهبية ذات الرؤوس المحدبة اللامعة.
ثمّ تضفرُ موجَ شعرها الفحمي، وتلقي فوقَ كتفيها جديلتين نسيقـتـيْن، بعد أن تعقدهما بالمشموم وقلائد الرازﮔـي الناصعِ، وتطوِّقُ معصميها بسوارينِ مزخرفين، تشمهما وتقبلهما، وفي راحتيها ينبت الحناءُ كأنها عروسٌ يزفها القدر كل ليلة.
كانت دائماً تهمسُ لنا وتحذرنا، أنا وأختي الصغيرة، أن لا نتكلم أبداً عندما نراها طالعةً مثلَ القمر التُم، شامخة القد، متوردةَ الوجنتين، حاسرة القذال، لأنّ الملائكة والأرواح الطيبة يحفُّونَ من حولها، وسيحملونها لأبي البعيد، عابرةً على غيمةٍ، بليلةٍ باردةٍ بصحبة نجم سهيل، لتنشدَ ونحنُ نمشي أمامها موّالاً قاتماً:
يا ليل رد لي خـبر وينه حبايبنا
في البر لو في البحر يا ليل جاوبنا
تركونا ويه القــهر والحزن ذوَّبنا
ثمّ تشخص ببصرها للسماء، وتشيرُ للقمر الطالعِ كعيونٍ خرساء تحشرُ بؤبؤها في قميص الكون الأسود، وتغني:
يا ﮔمر وين الـﮔمر يزهي بمرابعنا
لفراﮒُ أوضيم الدهر سيـَّـلْ مدامعنا
ملنا الصبر والسـهر يا ربي تجمـعنا
ونسمعها تتمتمُ، ثم تفزعُ وترتعد، فتتوقف عن الهمس، وتقول أن القمر يصرخُ في وجهها:
- سهيل فقؤوا عينيه، فشربَ دمهُ الليلُ، وجعلوه جذاذاً، لا ينور ولا يدور !
يتبع ،،،،،،،،
تعليق