القتيل
حلم .. وسكين .. وثلاثة مشاهد
إلى مختار عيسى
1- المشهد الأول / الضريح
فى صبح يوم آخر ، بدت السماء بعيدة – كعادتها – و أشد زرقة . على الحائط القبلي للجامع الكبير .. تكوم الجسم الضخم – مثل ضريح الولي الصالح – مخضبا بالدم . لم يكن هناك أحد بعد ، لم يكن إلا عصافير قليلة تغنى . القاتل فر ، و الشاهد فر . وليس إلا الجثة التى مازلت تئن ، وبعض العصافير " تلك التى أفلتت من الكمائن حتى هذا الصبح الباكر ".
2 – حلم القتيل
السماء بعيدة ، و الأرض بعيدة . ووجه الحبيبة مراوغ .. يطفو و يغيب . الذى مر وفات لا يعود . و أنت بين الحلم و الحلم نائم فى المنتصف ، تود النهوض ، لكن النوم جالس القرفصاء على صدرك ، كفه الرطب على عينيك ، له وجه طفل شرير وجسد مراهقة فتية ، أنت تراه .. يلبس أردية السلاطين فى حكايا الجدات ، دافئا و معطرا ، يخفى سكينه المسنونة خلف رأسك .. فى انتظار الموت الآتى غفلة .
3- المشهد الثانى / الجدار
الوسعاية أمام الجامع الكبير مفروشة – حتى الكعب – بالتراب ، و الفئران " التى استوطنت الدور و الحقول و المقابر " تجرى فى كل اتجاه ، هاهى تقترب .. و تبتعد .. وتقترب من الجثة الطازجة . المخلفات بجانب الجدار العتيق تبدو – من عيد – وكأنها جزء منه ، لكن تشى بها فوضى عفن الرائحة . النخلة الواحدة بجانب باب الميضة الصغير يابسة " قد كفت من زمن عن طرح البلح " ، و المئذنة العجوز – التى تداعبها السحب – تجاهد أن تلامس بطن السماء .
4 – الدم /
جاءوه من الأمام ، و الخلف ، و على الجانبين .. مثل صليب ، تقدم الذى يواجهه بعزم حديد ، بيده اليمين شىء كالبرق أودعه – بثبات – صدر القتيل ، فكان الجرح فى انتظار السكين ، و انساب الدم . سار خطوتين – كل خطوة فى اتجاه – ثم تعثر فى دمه ، زحف نحو الحائط القديم " فى رحلته الختامية صوب التراب الأخير " ، و لما استقر .. خط بدمه كتابة على الأرض محتها – بعد ذلك – الأقدام .
5 – المشهد الأخير / المطر
البيوت .. الكتف فى الكتف كالمؤمنين فى صلاة الجمعة ، أبواب الدكاكين المغلقة رقع باهتة فى ثوب البيوت البالى . فى طرف السماء جرح نازف ، هاهى النجمة الباقية تشرع فى الهرب أمام النهار الآزف . حائط الجامع الكبير يبدو – الآن – أكثر حضورا وجلالا ، و القتيل ممدد – مثل البشارة المؤجلة – ينتظر الدفن .
وفى أركان السماء الأربعة .. كانت غيوم الشتاء الثقيلة تبدأ المطر .. وكان صبح يوم آخر .
رءوف سالم – المحلة الكبرى
فبراير / 1989م
حلم .. وسكين .. وثلاثة مشاهد
إلى مختار عيسى
1- المشهد الأول / الضريح
فى صبح يوم آخر ، بدت السماء بعيدة – كعادتها – و أشد زرقة . على الحائط القبلي للجامع الكبير .. تكوم الجسم الضخم – مثل ضريح الولي الصالح – مخضبا بالدم . لم يكن هناك أحد بعد ، لم يكن إلا عصافير قليلة تغنى . القاتل فر ، و الشاهد فر . وليس إلا الجثة التى مازلت تئن ، وبعض العصافير " تلك التى أفلتت من الكمائن حتى هذا الصبح الباكر ".
2 – حلم القتيل
السماء بعيدة ، و الأرض بعيدة . ووجه الحبيبة مراوغ .. يطفو و يغيب . الذى مر وفات لا يعود . و أنت بين الحلم و الحلم نائم فى المنتصف ، تود النهوض ، لكن النوم جالس القرفصاء على صدرك ، كفه الرطب على عينيك ، له وجه طفل شرير وجسد مراهقة فتية ، أنت تراه .. يلبس أردية السلاطين فى حكايا الجدات ، دافئا و معطرا ، يخفى سكينه المسنونة خلف رأسك .. فى انتظار الموت الآتى غفلة .
3- المشهد الثانى / الجدار
الوسعاية أمام الجامع الكبير مفروشة – حتى الكعب – بالتراب ، و الفئران " التى استوطنت الدور و الحقول و المقابر " تجرى فى كل اتجاه ، هاهى تقترب .. و تبتعد .. وتقترب من الجثة الطازجة . المخلفات بجانب الجدار العتيق تبدو – من عيد – وكأنها جزء منه ، لكن تشى بها فوضى عفن الرائحة . النخلة الواحدة بجانب باب الميضة الصغير يابسة " قد كفت من زمن عن طرح البلح " ، و المئذنة العجوز – التى تداعبها السحب – تجاهد أن تلامس بطن السماء .
4 – الدم /
جاءوه من الأمام ، و الخلف ، و على الجانبين .. مثل صليب ، تقدم الذى يواجهه بعزم حديد ، بيده اليمين شىء كالبرق أودعه – بثبات – صدر القتيل ، فكان الجرح فى انتظار السكين ، و انساب الدم . سار خطوتين – كل خطوة فى اتجاه – ثم تعثر فى دمه ، زحف نحو الحائط القديم " فى رحلته الختامية صوب التراب الأخير " ، و لما استقر .. خط بدمه كتابة على الأرض محتها – بعد ذلك – الأقدام .
5 – المشهد الأخير / المطر
البيوت .. الكتف فى الكتف كالمؤمنين فى صلاة الجمعة ، أبواب الدكاكين المغلقة رقع باهتة فى ثوب البيوت البالى . فى طرف السماء جرح نازف ، هاهى النجمة الباقية تشرع فى الهرب أمام النهار الآزف . حائط الجامع الكبير يبدو – الآن – أكثر حضورا وجلالا ، و القتيل ممدد – مثل البشارة المؤجلة – ينتظر الدفن .
وفى أركان السماء الأربعة .. كانت غيوم الشتاء الثقيلة تبدأ المطر .. وكان صبح يوم آخر .
رءوف سالم – المحلة الكبرى
فبراير / 1989م
تعليق