أحلام نجيب محفوظ في فترة النقاهة ( مختارات من أحلامه)


صدر منذ فترة عن دار الشروق بالقاهرة كتاب «أحلام فترة النقاهة» لنجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل في الآداب، ويضم الكتاب 143 حلما نشرت على فترات بمجلة نصف الدنيا المصرية، ويتميز بالتكثيف الصوفي والعمق الروحاني الذي ساد كتاباته الأخيرة، وكان محفوظ قد بدأ في كتابه أحلامه بعد حادثة الاعتداء عليه عام 1994، وأصابته بضعف في الحركة والسمع. تخاطب سناء البيسي في مقدمتها للكتاب محفوظ قائلة «شباب قلمك يذهلنا جملتك اللغوية تراكيبها نجيب محفوظية بالعناية السامقة، طاوعتك الرواية فأجلستك على عرشها راضية مرضية، وها أنت في حلمك تشرخ في الأرض البكر تقبلها وتنقيها، تذريها تخصبها، تولدها تحصدها لتغدو آمرها وناهيها ومالكها المتحكم في هتكاراتها وفدادينها وغاباتها وحواريها وازقتها».
مختارات من أحلام نجيب محفوظ
أسوق دراجتي من ناحية إلى أخرى مدفوعًا بالجوع باحثًا عن مطعم مناسب لذوي الدخل المحدود، ودائمًا أجدها مغلقة الأبواب. وحانت مني التفاتة إلى ساعة الميدان، فرأيت أسفلها صديقي، فدعاني بإشارة من يده، فملت بدراجتي نحوه، وإذا به على علم بحالي، فاقترح عليّ أن أترك دراجتي معه ليسهل عليّ البحث، فنفذت اقتراحه، وواصلت البحث وجوعي يشتد، وصادفني في طريقي مطعم العائلات، فبدافع من الجوع واليأس اتجهت نحوه على الرغم من علمي بارتفاع أسعاره، ورآني صاحبه وهو يقف في مدخله أمام ستارة مسدلة، فما كان منه إلا أن أزاح الستارة فبدت خرابة ملأى بالنفايات في وضع البهو الفخم المعد للطعام، فقلت بانزعاج: ماذا جرى؟ فقال الرجل: أسرع إلى كبابجي الشباب لعلك تدركه قبل أن يشطب. ولم أضيع وقتاً فرجعت إلى ساعة الميدان، ولكنني لم أجد الدراجة والصديق.
****
جمعتنا الصداقة والنشأة وتواعدنا في تلك الحارة وذيول الليل تهبط ولا هدف لنا إلا الانشراح باللقاء والاستسلام للمزاح والضحك على طريقة القافية.وتبادلنا النكات وأخذنا نتحول إلى أشباح في الظلام وتعارفنا بأصواتنا ولم نكف عن المزاح والقافية وانطلقت قهقهاتنا تربع الجدران وتوقظ النيام. الحارة متعرجة ونحن نتقارب حتى لا تذوب في الظلمة وكلما تمادينا في الحيرة غالينا في الضحك وبدأنا نتساءل حتى نجد خلاصنا في ميدان أو شارع كبير.
وذكرنا أحدنا بأن الملكة الفرعونية التي أرادت الانتقام من الكهنة الذين قتلوا زوجها دعتهم إلي مكان يشبه هذا الذي يغبطون فيها وسلطت عليهم المياه وما كاد يفرغ من حكايته حتى هطلت السماء علينا بقوة غير معهودة وأسكتنا الرعد ومضت المياه ترتفع حتى غطت أقدامنا وزحفت علي سيقاننا وشعرنا بأننا نغرق تحت المطر في ظلم الليل ونسينا نكاتنا وضحكاتنا ولم يعد لنا من آمل في الخلاص إلا أن نطير في الفضاء.
****
هذا سطح سفينة يتوسطه عامود مقيد به رجل يلتف حوله حبل من أعلى صدره حتى أسفل ساقيه وهو يحرك رأسه بعنف يمنة ويسرة ويهتف من أعماقه الجريحة: متى ينتهي هذا العذاب. وكان ثلاثتنا ينظرون إليه بإشفاق، ويتبادلون النظر في ذهول. وتساءل صوت: من فعل بك ذلك؟ فأجاب الرجل المعذب ورأسه لا يكف عن الحركة: أنا الفاعل. لماذا؟ هو العقاب الذي أستحقه. عن أي ذنب؟ فصاح بغضب: الجهل. فقلت له: عهدنا بك ذو حلم وخبرة، جهلنا أن الغضب استعداد في كل فرد. وارتفع صوته وهو يقول: وجهلت أن أي إنسان لا يمكن أن يخلو من كرامة مهما يهن شأنه. وغلبنا الحزن والصمت.****
أسير على غير هدى، وبلا هدف. ولكن صادفتني مفاجأة لم تخطر لي في خاطري، فصرت كلما وضعت قدمي في شارع انقلب الشارع سيركاً. اختفت جدرانه وأبنيته وسياراته والمارة، وحل محل ذلك قبة هائلة بمقاعدها المتدرجة وحبالها الممدودة والمدلاة وأراجيحها وأقفاص حيواناتها، والممثلون والمبتكرون والرياضيون .. حتى البلياتشو. وشد ما دهشت وسررت وكدت أطير من الفرح. ولكن بالانتقال من شارع إلى شارع، وبتكرار المعجزة، مضى السرور يفتر والضجر يزحف، حتى ضقت بالمشي والرؤية، وتاقت نفسي للرجوع إلى مسكني. ولكم فرحت حين لاح لي وجه الدنيا وآمنت بمجيء الفرح. وفتحت الباب، فإذا بالبلياتشو يستقبلني مقهقهًا!****
الشارع الجانبي لا يخلو من مارة وأناس في الشرفات، والسيدة تسير على مهل، وتقف أحيانًا أمام معارض الأزياء. يتعرض لها أربعة شبان دون العشرين، تتجهم في وجوههم وتبتعد عن طريقهم، ينقضون عليها ويعبثون بها، تقاوم والناس تتفرج دون أي مبادرة. الشبان يمزقون ثوبها ويعرون أجزاء من جسدها. السيدة تصوت مستغيثة. راقبت ما حدث، فتوقفتُ عن السير، وملكني الارتياع والاشمئزاز، وودت أن أفعل شيئًا أو أن يفعله غيري، ولكن لم يحدث شيء. وبعد أن تمت المأساة وفر الجناة، جاءت الشرطة، وتغير المكان، فوجدت نفسي مع آخرين أمام مكتب الضابط، واتفقت أقوالنا. ولما سئلنا عما فعلناه كان الجواب بالسلب، وشعرت بخجل وقهر، وكانت يدي ترتجف وهي توقع بالإمضاء على المحضر.
****
في الجو شيء مثير للأعصاب، فهو من عدة نواح تبرز رؤوس وتختفي بسرعة. وجرت شائعة مثل الشهاب تنذر بوقوع الحرب. وترددت كلمة (الحرب) على الألسنة، وعمت الحيرة والانزعاج، ورأيت من يحمل تموينًا لتخزينه. وجعلت أتذكر تلك الأيام المكدرة، هل نبقى أم نهاجر؟ ولكن إلى أين؟ ولذت بمقر المكان الآمن من الخطر، وجاء رجل من الأمن وقال صراحة: إن الدولة تريد أن تعرف طاقة الأسر على إيواء من يحتاجون إلى إيواء لا سمح الله. وتضاعف الاضطرابات، وأعلنت أمي وهي تعيش وحدها في بيت كبير أنها على استعداد لإيواء أسرة كاملة. أما أنا فوجدت أننا يمكننا الاستغناء عن حجرة واسعة تسع لشخصين، وأصبحت حذراً عند سماع أي صوت أو الإجابة على أي سؤال. وطرق ببابي مخبر ودعاني إلى القسم، ولما سألته عن سبب الاستدعاء أجاب بخشونة أنه لا يعرف، وقطع حديثنا انطلاق صفارة الإنذار.
****
جمعتنا حديقة. درج صاحبنا يغني ونحن نسمع ونطرب ويعلو منا هتاف الوجد والاستحسان. وأزعجنا العباد، فشكونا إلى الشرطة. ورأينا الشرطة قادمة فتفرقنا لائذين بالفرار. جريت في الاتجاه الذي اتفق، وكلما نظرت خلفي رأيت الشرطي يجري في أثري بكل قوة وإصرار. وظهر لي شخص يجري أمامي وكأنه يفر مني. من يكون ذلك الشخص؟ ذكرتني رشاقته وجميل قوامه بالحبيبة الغائبة. اطّرد الجري. الشرطي يريد اللحاق بي، وأنا أرى أن أهرب منه وألحق بالحبيبة. وهكذا صعدنا البرج، وفوق سطحه منتني النفس باحتضان حبيبتي، ولكنها تخطت السور وهوت من ذلك العلو الشاهق إلى الأرض. فقدت عقلي، وزاد من تعاستي اقتراب الشاطئ، فوثبت من فوق السور وراء حبيبتي. توقعت أفظع ألم، وكان لارتطامي بالأرض دوي مثل قنبلة، لكني لم أشعر بأي ألم. وقمت واقفاً في تمام الصحة، تلفتُّ فلم أجد لحبيبتي أثراً، ونظرت إلى أعلى البرج، فرأيت الشرطي يطل علينا وهو يغرق في الضحك.
****
تم التفاهم بيني وبين المالك، ودعاني الرجل لمعاينة ما تم التفاهم عليه، أرانى شقة ممتازة، وزوجته الحسناء، وابنها وهو طفل في الثالثة، وطابت نفسي بما رأت، وتحدد موعد الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي للتسليم والتسلم، ولكني في الحقيقة لم استطع صبرا، ودفعتني قوة لا تقاوم للذهاب إلى الشقة، وفتح لي الباب المالك نفسه، وما أن رآني حتى ثار غضبه، وصفق الباب في وجهي بغضب ارتجت له الجدران وبت ليلة مسهدة أتساءل بقلق بالغ عن الصفقة والمصير.****
هذه محكمة وهذه منضدة يجلس عليها قاض واحد وهذا موضع الاتهام يجلس فيه نفر من الزعماء وهذه قاعة الجلسة حيث جلست أنا مشوقا لمعرفة المسؤول عمّا حاق بنا. ولكني أحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل حتى اعتدل القاضي في جلسته استعدادا لإعلان الحكم باللغة العربية فاسترددت للأمام ولكن القاضي أشار إلي أنا ونطق بحكم الإعدام فصرخت منبهاً إياه بأنني خارج القضية وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج ولكن لم يعبأ أحد بصراخي.
تعليق