قوّة الكلم
(المقالة من منشوراتي في صحيفة "الخبر" اليومية الجزائرية لعام 1992)
ما جدوى كلمة أو بضع كلمات لتغيير أوضاعنا السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، أوضاعنا التي أقل ما يقال عنها أنها "زفت" على طول الخط ؟ ما جدوى كلمة أو بضع كلمات لهز نفوس غدت خامدة كأنها خشب جامدة، و ما جدوى كلمة أو بضع كلمات لبعث الأجساد البالية من الأجداث الخالية إلا من ذكرى "حبيب و منزل" (؟!) من ذكرى أنها احتوت نفوسا في يوما ما ثم غدت جثثا تمشي لكنها لا تتقدم، تعيش و لكنها لا تحيى !هل للكلمة، إذا شُحنت بالصدق، قوة تستطيع بعث الأجساد البالية و هز النفوس الخامدة و تغيير أوضاعنا "الزفت" كلها ؟ نعم ! إن لها لقوةً تستطيع النهوض بأمة من الحضيض الأسفل إلى القمة السامقة إن هي "استمدت قوتها من ضمائر الشعوب و من مشاعر الإنسان و من صُراخات البشرية و من دماء المكافحين الأحرار" كما قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله، زيادة على شحنة الصدق.(المقالة من منشوراتي في صحيفة "الخبر" اليومية الجزائرية لعام 1992)
و لئن كان كفاحنا، نحن العرب، أمس من أجل التحرر من براثن الاستدمار الغاشم [الظالم] و من أجل الانعتاق من ربقة هيمنته المهينة، سلاحنا في ذلك العزيمة القوية و الاستماتة المستمرة، فإن كفاحنا اليوم من أجل التحرر من التبعية الاقتصادية و الثقافية و السياسية و من أجل الانعتاق من ربقة المديونية المذلة [ومن التبعية للغرب في أي مجال] سلاحنا في ذلك الكلمة الصادقة الدائمة و العمل الجاد الدؤوب المبتكر، و في هذا السياق يقول سيد قطب دائما :" إن السر (سر قوة الكلمة) العجيب ليس في بريق الكلمات و موسيقى العبارات، إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات و ما وراء المدلولات ! إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية و المعنى المفهوم إلى واقع ملموس"
و قد يشكك بعض الناس في جدوى الكلمة و يهونون من شأنها، و قد يتشكك الكُتاب أنفسهم في فعاليتها و خطورتها و لهؤلاء و أولئك نقول:"لا تشكوا في فعالية الكلمة و خطورتها و لا تشكوا في جدواها و لا تهونوا من شأنها، لأن الكلمة الحق الصادقة ستكون حتما صائبة و ستفعل في النفوس و العقول فعل السحر في الأجسام و الأبدان". يقول سيد الأستاذ سيد قطب أيضا:" إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كبيرا، و لكن بشرط واحد: أن يموتوا هُمْ لتعيش أفكارهم، إن أطعموا أفكارهم من لحومهم و دمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون أنه الحق، و يقدمون دماءهم فداء لكلمة الحق، إن أفكارنا و كلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية، و عاشت بين الأحياء" رحم الله سيد قطب فقد عمل بما يدعو له فمات و عاشت أفكاره.
و نختم هذه الوقفة بقولنا "في البدء كانت الكلمة" و لولا خطورة الكلمة لما خافها الطغاة و لما حاربها البغاة ! و رحم الله القائل :
"ولضربةٌ من كاتب بمداده = أمضى و أنفذ من غُرر الحسام".
تعليق