قصة : المستمع الوحيد للأمسية الشعرية !!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    قصة : المستمع الوحيد للأمسية الشعرية !!

    المستمع الوحيد للأمسية الشعرية

    قصة بقلم : نبيل عودة

    قال عني الناقد مرقص في دراسة نقدية لديواني الأخير إنني شاعر موهوب وواعد وإنه قرأ ديواني الشعري الأخير "يا طلت أحبابنا" على نَفَس واحد، وأنه صعق من قدرتي اللغوية ومعرفتي النسبية الممتازة بالقواعد والإملاء، إذ لم يجد إلا خمسة أغلاط في الصفحة الواحدة فقط مما يعتبر إنجازاً عظيماً للثقافة العربية في البلاد، وخاصة في الجنس الشعري.
    ويقول الناقد مرقص إن هذا تحوُّل عظيم في الصياغة الشعرية وانخفاض الأخطاء إلى رقم من خانة واحدة في كل صفحة. وإن هذا الانجاز يجب أن يسجل على اسمي.
    كذلك، أشاد الناقد بمقال نشر على صفحتين في جريدة "الانفصال" واسعة الانتشار بأني برزت كشاعر حداثي، لشدة غرائبية معاني شعري وتركيبته التي لا يمكن أن يفهمها أحد بدون شرح الشاعر أو الناقد، والحمد لله أن أحداً لم يتصل معي لتلقي شروحات حول قصائدي، لأني أنا أيضاً بيني وبينكم لا أفهم ما أكتب.. وأحتاج لمن يشرح لي إبداعاتي الشعرية، التي لم أتوقع أن تجد مثل هذا التقييم النقدي الرائع. وأعتمد على الناقد مرقص لشرح ما اكتب.
    وبعد هذا التقييم الذي يثلج الصدر لأن جلوسي في حفلات التكريم لي ولشعري كثرت بعد النقد البنّاء مثلاً، وهو أمر يثير الرهبة في البداية أول مرة دُعيتُ إلى "الخيمة المدنية" وأخرى كرمتُ في "المكتبة العلمية"، وأصدرت مجلة "المغرب" عدداً خاصاً ساهم فيه 30 شاعراً وأديباً وناقداً أشادوا بتجربتي الشعرية، ومرة كُرِّمتُ في نادي الأدباء. وآخرها على خشبة المنتدى الشعري الذي كان سابقاً خاناً للحمير.
    وقد كتب احد المقهورين والغيورين من تكريمي عنواناً استفزازياً لخبر نشر في صحيفته: "تكريم شاعر في خان الحمير".
    ليمت في غيظه. ذلك الصحفي سيسقط بالتأكيد في امتحان الإملاء. وبالتلخيص.. صرت اسماً معروفاً أنشر قصائدي في الصحافة المحلية، وأحياناً أنشر نفس القصيدة في عشرة صحف محلية، وأنشر في مواقع الانترنت، وأغيّر صورتي كل شهر بصورة جديدة يلتقطها لي أفضل المصورين على خلفية حدائق البهائيين أو شاطئ البحر الأبيض المتوسط أو على خلفية جبل الجرمق. ولكن أحسن صوري وأنا في مكتبي أفكر ويدي تحتضن ذقني وخدي الأيمن.
    وفي التكريم في "خان الحمير" أعني خان الحمير سابقاً، واليوم مسرح المنتدى الثقافي، قال الناقد مرقص إني قد أكون الشاعر العربي الثاني، بعد أدو نيس الذي سيرشح بجدارة لجائزة نوبل للأدب مما أثلج صدري لدرجة خفت أن تتجمد ضربات قلبي من حرارة الجلوس الطويل على مقاعد خشبية متعبة في حفلات التكريم.
    المهم أن الناقد مرقص يقبض (1000) شيكل عن كل حلقة تكريم، وهو غيور على تعريف القراء بأدبي، ولا يفوت تكريماً دون أن يهل بطلعته ليتحف المستمعين بتقييمه الكبير لإبداعاتي الشعرية واصفاً شعري بالتجديد والتحديث والانقلاب والثورة على المعاني والأوزان والأساليب القديمة: ولكنه ليته يشرح لي، بيني وبينه، كيف توصَّل إلى ما لم يكن في ذهني، مثبتاً عبقرية نقدية نادرة.. وحقاً.. المبدع وظيفته الإبداع فقط، وليس فهم ما يبدع أو تحليله، هذه وظيفة الناقد بدون نقاش.
    كان من حظي ، بعد شهرين أن أدعى للمشاركة في أكبر أسبوع للثقافة العربية.. وقد ظهر اسمي مع عشرة من أبرز شعراء وشاعرات شعبنا، لإحياء أمسية شعرية كبيرة، عريفها الناقد مرقص...
    في الليلة الموعودة، استحممت مستعملاً صابوناً خاصاً يصنع من زيت الزيتون المعطر بزيت الغار لعل الشاعرات الأنيقات ينتبهن لسحر رائحتي، لعل وعسى... ذهبت إلى حلاق نسائي، ليصفف شعري بشكل مناسب للأمسية الشعرية.. ونظف لي حواجبي وشعر أنفي وأذني، وغطى أظافري بمانيكور لا لون له، ولكنه يعطي لمعاناً جذاباً. اشتريت قميصاً وبنطلوناً من ماركة "بييركاردان" بـ (1825) شاقل فقط، وحذاء أسود صناعة ايطالية فاخرة بـ (640 ) شيكل فقط. ولأبرز حضارياً وحداثياً اشتريت سوار ذهب عريضاً بـ (3250) شاقل فقط لأزين معصمي وأحرك يدي ذات اليمين وذات اليسار. كذلك اشتريت زجاجة بيرفيوم للرجال كلفتني (650) شاقل أيضا. يقول أصحاب التجربة أنها كفيلة بترويض أكثر النساء شراسة . ولتغطية نفقاتي فرضت على والديّ أن يحصلا على قرض من بنكهما يسددانه بأقساط شهرية من معاش التقاعد. فابنهما شاعر كبير. وها أنا أقرأ لهما المقال النقدي للناقد مرقص وأخبار التكريم ولكني لم أذكر خان الحمير باسمه القديم بل باسمه الحديث مسرح المنتدى الثقافي...
    صحيح أن والدي اعترض قائلاً:"هل تريدنا أن نجوع ستة أشهر من أجل نزواتك؟ ارجع إلى عملك في التبليط واتركنا من تبليط الكلام الذي لا يطعم خبزاً، هل تظن ما تكتبه شعراً؟ كنت معلماً للغة العربية ولا أجد جملة واحدة مفيدة لديك"!!
    جاهل !!
    ولكن أمي كانت من صفي. وقبل سفري إلى الأمسية بسيارة أجرة رشتني بالملح حتى لا أصاب بعين السوء من الغيورين.
    في الأمسية الموعودة كنت الأكثر توهجاً ولمعاناً. أشد كم قميصي لأظهر جمال سوار الذهب وأحرك يدي بنصف دائرة للاتجاهين لألفت انتباه الجمهور للذهب اللامع، والمؤسف أن الحضور كان قليلاً، إذ في القاعة ثمانية أشخاص... أي أقل من عدد الشعراء باثنين. وإذا أضفنا الناقد عريف الأمسية نصبح (11) على المنصة مقابل (8) مستمعين.
    وبعد تأخر نصف ساعة التزاماً بالتقاليد القومية، قررنا أن نبدأ احتراماً للجمهور الذي جاء للاستماع.
    بعد أن انتهى أول شاعرين من إلقاء شعرهما، لم يتبق في القاعة إلا شخص واحد. يا للأسف ويا للعار على هذا المستوى الثقافي المتدني لشعبنا. ولكن بعد التشاور بيننا قررنا أنه احتراماً للمستمع الوحيد الباقي، أن نواصل قراءاتنا الشعرية...
    وبالفعل لم نتوقف ، بل أطلنا وأجدنا احتراماً للمستمع الوحيد، الذي بان عليه في الساعتين الأخيرتين التعب والإرهاق، ولكنه لم يغادر المقعد حباً بالأدب والشعر، فاستمرت الأمسية لأربع ساعات كاملة... احتراماً للمستمع الوحيد!!
    وعندما انتهينا من إلقاء قصائدنا، قررت أن أتوجه لهذا المستمع الرائع بالتقدير الكبير على حبه لشعرنا، وبقائه للاستماع رغم تعبه وإرهاقه، وتعبنا نحن أيضاً من كثرة ما قرأنا، وأن أهديه ديواني الأخير، اعترافاً بذائقته الأدبية، ويا ليتني ما توجهت لأشكره .
    قال لي وهو يلوح بيده غاضباً، ويقذف ديواني بعيداً : " قتلتوني ..عفت ديني.. هيك وهيك لأم الشعر.. أنا البواب، أنتظر أن تنهوا ثرثرتكم لأقفل القاعة وأذهب للنوم".
    نبيل عودة – nabiloudeh@gmail.com
  • صبري رسول
    أديب وكاتب
    • 25-05-2009
    • 647

    #2
    نص جميل

    العزيز نبيل
    تحية لك
    النّص جميل للغاية
    تخيلتُ أنك تكتب جزءا من السيرة
    الذاتية في البداية .
    وشدتني القراءة إلى الآخر
    والنهاية جاءت مدهشة للغاية
    بحيث تركت أثراً جميلاً في النفس
    دمتَ متألقاً.

    تعليق

    • نبيل عودة
      كاتب وناقد واعلامي
      • 03-12-2008
      • 543

      #3
      الزميل صبري رسول
      القصة هي سيرة ذاتية حقا .. انما لأدبنا المأزوم داخل اسرائيل .. ولضياع ثوابت ثقافية ، وتسيب نادر في الثقافات .. اقرأ هذا المقال الذي كتبه زميل لي يتطرق لجانب آخر للموضوع ولكنه مكمل لقصتي ... مثل نقطتين في نفس البحر...


      [align=center]العَلْقَم...[/align]
      [align=center]بقلم: سيمون عيلوطي[/align]

      تذكَّرتُ وأنا أقرأ هذا الكم الهائل من الكتابات التي تطل علينا كل يوم من قبل العديد العديد من الكتَّاب والأدباء يتحدَّثون فيها عن الشاعر محمود درويش بعد مغادرته لنا. أقول : ذكَّرتني هذه الكتابات بحكاية رواها لي المرحوم والدي عندما كنتُ صغيراً.. مفادها أن الشخص الكبير وصاحب الجاه والنّفوذ، يحاول الجميع التّقرب منه ومصادقته..بل حتى من تربطه به صلة قرابة بعيدة تخص جد جد الجد، يُظهِر نفسه وكأنّه ابن عمه(البدري) اللزم ، بهدف الإستفادة من سلطانه ونفوذه، في حين يتنكّر ويتهرّب ويخجل من أخيه إذا كان فقيراً معدماً، خوفاً من أن يسأله ذات يوم عن حاجة ما. ولما رأى انفعالي ودهشتي مما سمعت، ألحقها بحكاية أخرى، قال اسمع يا بُني: النَّجاح له مئة أب ، ذلك لأن الجميع يدَّعي بأنه صاحب الدَّور البارز في تحقيقه..، أما الفشل فيتيم، الجميع يتهرّب من الإعتراف بالمسؤولية عن حدوثه .
      ولأن محمود درويش شاعر كبير، ابتليَ ( وكان الله في عونه) بأن أصبح "من الواجب" على كل من عرفه أو لم يعرفه، وعلى كل من قرأه أو لم يقرأه، وكل من آمن بطريقه أو من أشاح بوجهه عنه خوفا على وظيفته من هذا الطَّريق،أن يكتب عنه كلاماً الكثير منه "لا يسمن ولا يغني عن جوع "، ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل أصبحت تقام الندوات والمنصّات يتحدَّث فيها كل من ادَّعى أنه على صلة به أو على اطّلاع على شعره ، وأنا أستغرب أن كاتباً رفض أن أقرأ قصيدة أهديتها لمحمود درويش في أحد البرامج الإذاعية التي كان يقدّمها ، وذلك خوفاً على وظيفته من اسم محمود درويش ، يكتب عنه اليوم ،(بعد تقاعده طبعاً) مقالة يشعرك فيها وكأنّه من أقرب المقرّبين إليه ، والأدهى أن كاتباً آخر انسحب من ندوة شعرية أقيمت في بيت الكرمة في حيفا، لأنني أعلنتُ أنني سأقرأ قصيدة وطنية في هذه الأمسية ، ولم تنفع معه شفاعة عريف النّدوة آنذك ، طيّب الذّكر الشاعر مؤيد إبراهيم ، فأصرَّ على الإنسحاب لأنه كان مدير احدى المدارس ويخاف على موقعه هذا أن "يطير من بين يديه"، والغريب العجيب أن هذا الكاتب اليوم ، وبعد غياب شاعرنا الكبير ، نراه يُفيد من هذا الغياب ، (فمصائب قوم عند قوم فوائد) والذي تزامن بعد تقاعده ومحاولة تقرّبه من المنابر والوطنية.. فأصبح يكتب في الصّحف التي كان يخاف أن (يجيب سيرتها) بالأمس ، ويتحدَّث في النَّدوات عن علاقته الحميمة بدرويش بعد أن منعَ توزيع كُتبه على المعلّمين في مدرسته، إلى درجة أن درويش لم يكن يعرف تناول طعام العشاء – كما يقول - إلا بمشاركته له ، وأنا على يقين من أن الصحف التي تنشر له والقيِّمين على النَّدوات الذين يدعونه، لو كانوا يعرفون عنه هذه الأمور لما جعلوه يظهر بمظهر (دلّيلوني ما إلْكو غيري) ولما دعيَ كذلك إلى مثل هذه المنابر والمنصّات ، وأعرف أن من تركه بعد التخرج من المدرسة ، لينتسب إلى حزب صهيوني بهدف الحصول على وظيفة معلِّم ، أصبح اليوم ، وبعد أن تقاعد ولم يعد بحاجة إلى ذلك الحزب ، إذ ضمن المعاش ، فأخذ يُظهر نفسه وكأنه أقرب إلى محمود درويش من محمود درويش إلى ذاته !!
      والملاحظ أنهم لا يتحدّثون عن شعر محمود درويش ، أو عن ابداعه الذي تطوَّّر من خلال المراحل التي مرَّ بها مثلاً ، بل عن أمور لا تهم الجمهور ولا تفيده بشئ ، وسرّني أنني وجدتُ كاتباً كبيرأ، وهو محرر الملحق الثقافي في جريدة "الحياة" ، عبده وازن، يكتب مقالاً حول هذا الكم الهائل من الكتابات التي خصّت محمود درويش بعد رحيله ، ولكن فاته وفاتني أن نذكر أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، بل تجاوزه إلى منح جوائز على اسمه، ولولا أن لحق نفسه ، وفزَّّ من مرقده في رام الله وفي اللحظة المناسبه، رافضاً تسمية جائزة اسرائيلية على اسمه،لربَّما مرّ هذا الأمر، وذاق "لا سمح الله"، كل ما فيه من علقم .
      (سيمون عيلوطي- شاعر بالفصحى وبالعامية، الناصرة).

      تعليق

      يعمل...
      X