
بقايا إنسان
جلس في مقهى إحدى الفنادق الكبرى بالمدينة..يحتسي فنجاناً من القهوة ..تبدو على سحنته علامات ألم وقهر.
ضجيج أفكار مؤلمة تلف عقله..أصوات ارتشاف القهوة الساخنة ..همسات وقهقهات يغلفها النفاق..سحب دخان تحجب حقيقة الوجوه..نظارات سوداء تغطي الأحاسيس والمشاعر التي تنقلها العيون.
أدرك النادل ذو البشرة السمراء والذي يقف داخل (الكانتين) المواجه لطاولة الرجل ما يدور بخلده..كان يراقبه عن كثب..وسرعان ما دنا منه قائلاً ..(الساعة السابعة مساء هذا اليوم سيكون هنا حفل عشاء لإعضاء في جمعية حقوق الإنسان..انتظرهم خارجاً واعرض مشكلتك لأحدهم).
اختفى ..وكمن أفاق من غفلة لم يتسنَ له معرفة القائل..حيث تاه في زحمة النادلين..صوَّب نظره فى أرجاء المكان ..تناهت له أصوات موسيقى تنبعث من إحدى زوايا المقهى.
وفي المساء ..يبدو أن حفل العشاء قد أوشك على النهاية..لاحظ بضع أشخاص يتتابعون في مغادرة مقر الحفل الذي تسوَّر بالحراس..كانت القهوة تغمر المكان بأريجها الفواح..بالرغم من تعرضها لاغتصاب شنيع من روائح التبغ النتنة..جرّته قدماه إلى حيث الباب وبمصادفة أول مغادر كان يلبس ربطة عنق حمراء ..قدم نفسه وراح يشكو ..قاطعه الرجل المهم وراح يُهدِّيء من روعه..أوصاه خيراً ..أعطى إشارة لأحد حراسه الشخصيين بأن يهتم بأمره..ومن ثم غادر المكان..حصل على بطاقة زيارة ..تنفس الصعداء.
نظر إلى حيث يقف نادل المقهى من بُعد..بدت عيناه تومضان فرحا ًوشكراً..خرج..في حين نظر النادل الأسمر نحو الباب نظرة ملؤها الشفقة..
هناك..وعند باب المبنى الذي يضم مكتب الرجل المهم ..وقف الرجل مغمض العينين ..وشفتاه تتمتمان بشيء ما..يمسح ذرات عرق مجهدة ..يبلع ريقه عدة مرات .. عرض بطاقته للحراس..قاموا بالإجراءات الخاصة..دخل المبنى تنقصه نصف أغراضه الشخصية ..يتأبطه يميناً ويساراً شخصان ضخما الجثة..مشيا معه في ردهة طويلة محاطة بجدران صامتة لا تخلو من عيون زجاجية تتلفت نحو الجهات الأربعة..راحا يتلوان عليه بروتوكولات ..ذكرا له قائمة طويلة بالممنوعات والمسموحات ..حذراه من مغبة الإعتراضات ..سردا له العقوبات الصارمة التي ستلحق به إذا لم يمتثل للأوامر ..أجبراه على الاختصار وإلا فإن كل كلمة يتفوه بها خارجة عن المطلوب ستكون ضده.
التـــزم الصمت مشدوها..وبعد ساعة ..زج إلى السجن بتهمة إزعاج رجل مهم.
******
تعليق