الرسام
ثبت القماش الأبيض على لوح الرسم المنتصب أمامه، وراح يتحسس جسد اللوح المتلبس بالقماش بيده اليسرى، بينما كانت اليمنى ممسكة بالفرشاة التي كان يعبث بها في لوح الألوان.
سكنت جوارحه برهة قليلة، ملأ صدره من هواء الغرفة، بشهقة قوية، كأنه يحاول أن يصعد ركام العاطفة الذي بقلبه إلى دماغه، الذي أرسل بدوره سيالة عصبية، جعلت يده اليمنى تنتفض في ارتعاش، ليبدأ الضربات الأولى على ذلك البياض الذي قرر أن يعكر صفوه، بما يعتلج في صدره من هموم.
كانت الضربات مشحونة بالوتر الذي يملأ كيانه، وكانت سريعة بإيقاع متصاعد، كبداية السامفونية التاسعة لبيتهوفن، لكنه سرعان ما بدأ يفتر شيئاً فشيئاً، كما في السامفونية نفسها.
وضع الفرشاة جانباً، وابتعد خطوتين، تأمل تلك اللطخات الأولى، وبرقت عيناه سروراً لهذه البداية، لأنه طالما اعتاد من نفسه أن يستصعب البدايات دائماً، كانت البداية في كل أمر الكابوس الذي ينغص عيشه، وكم عانى من الفراغ الفني، ليبقى شهوراً دون أن يخط خطاً واحداً، لمجرد تعنت تلك البداية، وتفلتها منه، ولا شك أن ما يؤرق حياته في هذه الفترة، كيف يبدأ الخطوة الأولى من أجل التقرب من تلك الحلوة التي دخلت وجدانه مؤخراً.
زفر زفرة حارقة نابعة من أعماقه الملتهبة حباً وحرماناً، أحس بوهن في أعضائه، فرك عينيه محاولاً أن يزيح غشاوة النعاس التي علتهما، ولكنها الغشاوة عادت كالغراء على جفنيه، فاستسلم لها، وتمدد متهالكاً على الأريكة وسط المرسم.
نهض نشيطاً، واتجه نحو قطعة المرآة المثبتة على الجدار أمامه، تفرس في وجهه، قرر أن يعدل في قسماته، سيجعل وجهه بهياً، لعلها تفتتن به، وقد تعفيه عناء القيام بالخطوة الأولى، ولعلها تتحرش به بغمزة أو ابتسامة، ولما لا بدعوة جريئة، سيتجاهلها بعض الوقت، ثم سيلبي الدعوة بسرور.
اتجه إلى مرسمه، ثم عاد حيث المرآة، وهو يحمل الفرشاة ولوح الألوان، وإسنفنج محو، ألصق أمامه موديلاً لأحد نجوم الفن، من محطمي قلوب الغواني، راح يطمس ملامحه بالأسفنجة، ويرسم له وجهاً جديداً وسيماً قسيماً.
ارتدى طقماً جديداً يناسب طلعته البهية الجميلة، وخرج متوجهاً إلى المحطة، لينتظر مرورها، ولم يلبث إلا قليلاً حتى جاءت. لم تكن وحدها، كان معها ثلة من الفاتنات اللاتي وقفن جاحظات الأعين، وأطلقن لحاظهن تتمسح بوجهه القسيم، ولما أعيتهن الحيل في أن ينلن منه نظرة، رحن يصفرن بجرأة لم يكن ليعهدها حتى في الأحلام، فالتفت إليهن، واتجه نحوهن، وما إن اقترب حتى وقعت إحداه مغشياً عليها، لأن قلبها الرقيق لم يكن ليحتمل حضرة هالته البهية، لكنه لم يأبه لها، ومد يده إلى حبيبته، التي سلمت له نفسها، بينما طار هو بها كريشة، طوف بها في حدائق غناء، مشى بها تحيط يده بخصرها الذي يحاكي مدارات زحل، وتنشم ريح شعرها الحريري.
جلسا معاً وسط الزهور التي راحت تطلق أريجها الفواح ابتهاجاً بهما. أنعش قلبه العليل بقربها، سرت السعادة في دمه، وملأت خلايا جسمه بأجمعها.
كان الجو ربيعاً، وزادت حبات المطر التي بدأت تتساقط ناعمة من شاعرية المكان، كان مطراً منعشاً، تدغدغ قطراته حنايا القلب، غير أن زخاته زادت من وتيرتها، رأى سترته بدأت تتلون بصباغات ممتزجة، أدرك لتوه أن وجهه هو مصدرها، تلمس وجهه، فلم يجد ملامحه المعتادة، لقد اختفى أنفه، واختفت تضاريس من وجنته، فانخلع لذلك قلبه، ولكنه انتبه إلى القطرات التي كانت تنزل على وجه حبيبته، كانت تنزل على جبهتها لتمر بحواجبها جارفة إياها، ثم تواصل النزول لتترك خطوطاً كأودية على الوجنتين اللتين كانتا بحمرة الورد، وملاسة المرمر، وتتالت ضربات حبات المطر على وجهها، لتحوله إلى وجه مسخ، وتذكره بحلقة داروين المفقودة، ………………نظر إليها دهشاً،… صاح وشفتاه مزمومتان:
…………………………آه هي أيضاً رسامة.
ثبت القماش الأبيض على لوح الرسم المنتصب أمامه، وراح يتحسس جسد اللوح المتلبس بالقماش بيده اليسرى، بينما كانت اليمنى ممسكة بالفرشاة التي كان يعبث بها في لوح الألوان.
سكنت جوارحه برهة قليلة، ملأ صدره من هواء الغرفة، بشهقة قوية، كأنه يحاول أن يصعد ركام العاطفة الذي بقلبه إلى دماغه، الذي أرسل بدوره سيالة عصبية، جعلت يده اليمنى تنتفض في ارتعاش، ليبدأ الضربات الأولى على ذلك البياض الذي قرر أن يعكر صفوه، بما يعتلج في صدره من هموم.
كانت الضربات مشحونة بالوتر الذي يملأ كيانه، وكانت سريعة بإيقاع متصاعد، كبداية السامفونية التاسعة لبيتهوفن، لكنه سرعان ما بدأ يفتر شيئاً فشيئاً، كما في السامفونية نفسها.
وضع الفرشاة جانباً، وابتعد خطوتين، تأمل تلك اللطخات الأولى، وبرقت عيناه سروراً لهذه البداية، لأنه طالما اعتاد من نفسه أن يستصعب البدايات دائماً، كانت البداية في كل أمر الكابوس الذي ينغص عيشه، وكم عانى من الفراغ الفني، ليبقى شهوراً دون أن يخط خطاً واحداً، لمجرد تعنت تلك البداية، وتفلتها منه، ولا شك أن ما يؤرق حياته في هذه الفترة، كيف يبدأ الخطوة الأولى من أجل التقرب من تلك الحلوة التي دخلت وجدانه مؤخراً.
زفر زفرة حارقة نابعة من أعماقه الملتهبة حباً وحرماناً، أحس بوهن في أعضائه، فرك عينيه محاولاً أن يزيح غشاوة النعاس التي علتهما، ولكنها الغشاوة عادت كالغراء على جفنيه، فاستسلم لها، وتمدد متهالكاً على الأريكة وسط المرسم.
نهض نشيطاً، واتجه نحو قطعة المرآة المثبتة على الجدار أمامه، تفرس في وجهه، قرر أن يعدل في قسماته، سيجعل وجهه بهياً، لعلها تفتتن به، وقد تعفيه عناء القيام بالخطوة الأولى، ولعلها تتحرش به بغمزة أو ابتسامة، ولما لا بدعوة جريئة، سيتجاهلها بعض الوقت، ثم سيلبي الدعوة بسرور.
اتجه إلى مرسمه، ثم عاد حيث المرآة، وهو يحمل الفرشاة ولوح الألوان، وإسنفنج محو، ألصق أمامه موديلاً لأحد نجوم الفن، من محطمي قلوب الغواني، راح يطمس ملامحه بالأسفنجة، ويرسم له وجهاً جديداً وسيماً قسيماً.
ارتدى طقماً جديداً يناسب طلعته البهية الجميلة، وخرج متوجهاً إلى المحطة، لينتظر مرورها، ولم يلبث إلا قليلاً حتى جاءت. لم تكن وحدها، كان معها ثلة من الفاتنات اللاتي وقفن جاحظات الأعين، وأطلقن لحاظهن تتمسح بوجهه القسيم، ولما أعيتهن الحيل في أن ينلن منه نظرة، رحن يصفرن بجرأة لم يكن ليعهدها حتى في الأحلام، فالتفت إليهن، واتجه نحوهن، وما إن اقترب حتى وقعت إحداه مغشياً عليها، لأن قلبها الرقيق لم يكن ليحتمل حضرة هالته البهية، لكنه لم يأبه لها، ومد يده إلى حبيبته، التي سلمت له نفسها، بينما طار هو بها كريشة، طوف بها في حدائق غناء، مشى بها تحيط يده بخصرها الذي يحاكي مدارات زحل، وتنشم ريح شعرها الحريري.
جلسا معاً وسط الزهور التي راحت تطلق أريجها الفواح ابتهاجاً بهما. أنعش قلبه العليل بقربها، سرت السعادة في دمه، وملأت خلايا جسمه بأجمعها.
كان الجو ربيعاً، وزادت حبات المطر التي بدأت تتساقط ناعمة من شاعرية المكان، كان مطراً منعشاً، تدغدغ قطراته حنايا القلب، غير أن زخاته زادت من وتيرتها، رأى سترته بدأت تتلون بصباغات ممتزجة، أدرك لتوه أن وجهه هو مصدرها، تلمس وجهه، فلم يجد ملامحه المعتادة، لقد اختفى أنفه، واختفت تضاريس من وجنته، فانخلع لذلك قلبه، ولكنه انتبه إلى القطرات التي كانت تنزل على وجه حبيبته، كانت تنزل على جبهتها لتمر بحواجبها جارفة إياها، ثم تواصل النزول لتترك خطوطاً كأودية على الوجنتين اللتين كانتا بحمرة الورد، وملاسة المرمر، وتتالت ضربات حبات المطر على وجهها، لتحوله إلى وجه مسخ، وتذكره بحلقة داروين المفقودة، ………………نظر إليها دهشاً،… صاح وشفتاه مزمومتان:
…………………………آه هي أيضاً رسامة.
تعليق