إشكال علاقة ابن رشد بالتصوف!
في أحد فتاويه[1] يفضل ابن رشد الجد، الذي توفي في السنة التي ولد فيها ابن رشد الحفيد، “العارف بالله” على الفقيه أي “العارف بالأحكام” مقتفيا في ذلك أثر أبي حامد الغزالي في الإحياء الذي “قدم الأولياء على العلماء وفضلهم عليهم”، ومتقصيا أثر القشيري في ذلك والذي ينعته باسم “الأستاذ”. إن أهمية هذه الفتوى تكمن في مسألتين اثنتين، فهي تنبه أولا إلى أهمية “الأرض الصوفية” لنشأة التفلسف عند ابن رشد الحفيد رغم أن الجد لم يكن واعيا تماما بالخدمة التي يقدمها التصوف للتفلسف، بل وامتهانه للتفلسف، كما تبين هذه الفتوى أصول تقييم ابن رشد لشخصية الفقهاء.
دون الدخول في تحليل مستفيض لهذه الفتوى نستخلص منها أربعة أمور : أولا، معيار التفاضل بين العلماء هو المعرفة بالله.
ثانيا، الفقيه على الحقيقة هو العارف بالله، العالم بالأحكام، معلم الناس الخير.
ثالثا، مرتبة الفقهاء المقتصرين على العلم بالأحكام مرتبة دنيا.
رابعا، دعوة ابن رشد الجد الضمنية إلى سلوك الطريق الصوفي بتأكيده على حجية أقوال شيخين من شيوخه الكبار أبو حامد والقشيري، وانتصاره للمجاهدة الصوفية وطرقها في تحصيل الأحوال.
يحق لنا الآن أن نتساءل: هل كان ابن رشد الحفيد بعيدا عن توجيهات جده هذه، وغيرها من التوجيهات التي ذكرنا، أم إن هذه المعاني التي بسطها الجد وانتصر لها الحفيد من المعاني التي لابد أن يكون هذا الأخير قد تربى عليها ففعلت فيه فعلها؟ ثم نتساءل بعد ذلك فنقول : كيف لنا أن نفسر تفضيل ابن رشد الحفيد الفيلسوف على الفقيه وهو الذي يعتبر تفضيل الفقيه على الفيلسوف تفضيلا كاذبا لأنه مستمد فقط من الشهادة؟ [2]. ثم ألا يكون العارف بالله استوى متصوفا عند الجد ليصبح عند الحفيد فيلسوفا، خاصة وأن ابن رشد لا يتردد في تسمية الفيلسوف عارفا بالله؟ إن ابن رشد أضرب عن طريق التصوف لوجود موانع حالت دونه والانتصار لهذا الطريق، لكن ألم يقدم لنا ابن رشد فيلسوفه في إهاب صوفي، فيلسوف سيضرب إلى التصوف يستلهم منه كثيرا من هذه المعاني لكن الثوب التي سيظهرها فيها لن يكون سوى ثوب فلسفي، وهو العمل الذي يذكرنا بما فعله ابن طفيل أيضا في رسالته الفلسفية حي بن يقظان؟.
تجد هذه الفرضية سندها في مفهوم الفيلسوف عند ابن رشد. مثلما تجده في هذا التقابل الذي أعلن عنه ابن رشد بين الظاهر والباطن في الفلسفة وتجده في موقف ابن رشد من الصوفية بوجه عام، ومتصوفة زمانه بوجه خاص، كما تجد سندها أخيرا في فزع ابن رشد أكثر من مرة في كتابه الفقهي “بداية المجتهد” إلى ما أسماه “الذوق الفقهي”.
لنسجل، قبل ذلك، أن موقف ابن رشد من الصوفية لم يكن موقفا سلبيا كما تبادر إلى ذهن الكثيرين. ذلك أن ابن رشد لا يتحرج من الإشارة إلى مقالات الصوفية إشارة مثمن ومنتصر كما يفعل عند حديثه عن ماهية الذات الإلهية التي يدل عليها عند الصوفية -كما يقول- الاسم الأعظم[3]. وكذلك عند معالجته إشكال العلم الإلهي وتقسيمه الموجود إلى وجودين”وجود أشرف ووجود أخس وأن الوجود الأشرف هو علة الأخس مفسرا بذلك معنى قول القدماء “إن الباري سبحانه هو الموجودات كلها والمنعم بها والفاعل لها” ثم مفسرا هذا كله بقوله “ولذلك قال رؤساء الصوفية لا هو إلا هو” جاعلا هذه المعرفة “من علم الراسخين بالعلم”[4].
يؤكد تثمين ابن رشد للطريق الصوفي، في نظرنا، قرائن متعددة أحصينا بعضا منها ونفصل القول فيها وفي غيرها مما يقربنا أكثر من جانب طريف من شخصية ابن رشد:
أ- موقف ابن رشد من متصوفة زمانه.
عاش ابن رشد في عصر كثر فيه الصلحاء واشتد فيه الاهتمام بالتصوف إلى درجة أن القرن السادس الهجري، وهو قرن ابن رشد، أصبح يعتبر العصر الكلاسيكي للتصوف المغربي وهو العصر الذي أصبح مرجعا لمن جاء بعده من المتصوفة[5]. وابن رشد سيلتقي ببعض الصوفية ويعاصر بعضهم ويصاحب بعضا منهم ويتتلمذ له بعضهم:
- فممن لقي، وكان حريصا على اللقاء به، محي الدين بن عربي الذي فتح الله عليه من العلم من غير نظر ولا قراءة، بل من خلوة خلا بها كما قال عن نفسه وشهد له بها ابن رشد[6]. وموقفه من ابن عربي يدل، من جملة ما يدل، على تقدير عميق لشخص هذا الصوفي ورغبة كبيرة في مطابقة تجربته الفلسفية مع تجربة صوفية أندلسية عريقة لمتصوف ناشئ يشهد لابن رشد بالإمامة[7]. وبحثا عن سند صوفي لتجربته الفلسفية نشدانا لاطمئنان نفسي لما عنده من علم ومعرفة[8].
- وممن عاصر، دون أن يلقى شخصه، أبا العباس السبتي، وموقفه من هذا المتصوف يدل على حرصه على فهم مواقف صوفية زمانه وتحسُّس مذاهبهم واستعانته بتلامذته على ذلك، وعلى حرص على إرجاع الموقف الصوفي إلى موقف فلسفي سابق، فابن رشد يقرأ تجارب الصوفية قراءة فلسفية حيث نجده لا يجد فرقا بين تجربة أبي العباس السبتي وموقف فلسفي قديم رغم أن أبا العباس السبتي كان يحاجج عن مذهبه بآيات الكتاب العزيز[9].
- وممن صاحب ممن كانت لهم اهتمامات بالرقائق صاحبه أبو بكر بن الطفيل الذي تكشف قصته الفلسفية “حي بن يقظان” عن اهتمام عميق بالتصوف وكذا صاحبه أبو بكر بن الجد[10].
- وممن تتلمذ عليه ممن كانوا أنصار للتصوف أبو القاسم عبد الرحيم الخزرجي، رسوله إلى أبي العباس السبتي، وقد ترك أشعارا ينحو في بعضها منحى صوفيا[11].
ب – مقدمات الطريق الصوفي والنظر الفلسفي.
يتحدث ابن رشد في فصل المقال عن المقصود الذي يرومه الشرع فيجده في “تعليم العلم الحق والعمل الحق”، مبرزا أن المعرفة بالأفعال المفيدة للسعادة والمفيدة للشقاء هو موضوع العلم العملي وهو الجزء الثاني من الفلسفة كما فهما الأسلاف. ويقف ابن رشد عند هذه الأفعال ويقسمها إلى قسمين: قسم يتعلق بـ”الأفعال الظاهرة البدنية التي تشكل موضوع الفقه”، ثم قسم يتعلق بالأفعال النفسانية مثل الشكر والصبر وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع. وقد اعتبر أبو حامد أن هذا القسم الأخير يشكل موضوع الزهد وعلوم الآخرة وأفرد له سِفره “إحياء علوم الدين” بعدما رأى الناس أضربوا عن هذه العلوم وخاضوا في الفقه في حين أن الزهد “أملك للتقوى التي هي سبب السعادة”[12]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن رشد وهو يومئ إلى كتاب الإحياء إيماءة مثمن، هو أقرب إلى “جده” منه إلى موقف شيخه المازري من هذا السفر.
إن المتأمل في هذه المعطيات يرى أن ابن رشد لا يجد غضاضة في الاعتراف بضرورة علوم الآخرة للسعادة، منتصرا لطريق الزهد، مثمنا ضمنيا صنيع أبي حامد وكأنه يعتبر ذلك من مقدمات النظر الفلسفي، وما يؤكد هذا الأمر اعتباره إماتة الشهوات أساسا من أسس النظر العلمي[13]، وهو فعل لا يكون بغير زهد، وما يؤكد ممارسة فيلسوفنا للزهد بعض الفضائل الشكلية التي ميزت شخصه منها ورعه الذي عرف به سواء في اختياراته العلمية حيث نجده في البداية مع الأورع على الأقيس[14]، أو في حياته حيث عرف بالورع والزهد وهو ما شهد له به تلميذه أبو بحر بقوله عنه “وورع لا يعارضه، من انْهَلَّ بالنسك عارضه، وانقباض عن الدنيا لايساجله، من طفحت بأسرار الخشية مراجله”[15]. وهو ما تجليه رثاثة لباس ابن رشد[16]، وتواضعه الكبير وخفضه لجناحه رغم شرفه الذي عرف به[17]. وشدة تحرجه من نقد الغزالي حين أكد على أنه لم يكن يستجيز نقد أبي حامد لولا محبته للحق[18].
وبممارسة فعل الزهد تتحقق الفضيلة و”لا سبيل لحصول العلم إلا بعد حصول الفضيلة”[19]، وبتحقق الفضيلة يحصل الكمال الخلقي وهو شرط للكمال النظري[20]، وبين الكمال النظري والاتصال بـ”الخير الأسمى” بعبارة أرسطو أوثق الأسباب، بل لعل هذا الكمال النظري لا يتحقق إلا بالاتصال، وهو ضرب من ضروب المشاهدة الصوفية إلا أنه يفتقر إلى “زيادة وضوح وعظيم التذاذ” إذا نحن استعرنا عبارة صاحب ابن رشد، أبو بكر بن طفيل. لكن ألا يمكن أن يكون ابن رشد قد أفضى، فعلا، إلى المشاهدة الصوفية؟
يبدو من بعض القرائن أن ابن رشد لم يكن بعيدا عن المجاهدات الصوفية وما تفضي إليه من مشاهدات، ذلك ما يمكن أن يفهم من قوله “وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه” عند نهاية حديثه عن الطريق الصوفي[21]. ومفهوم الاعتبار، في هذا السياق، أقرب إلى المعنى الذي يستند عليه الصوفية منه إلى المعنى الذي حرص على ضبطه في “فصل المقال”، فنحن هنا مع العبور من الشيء إلى غيره ومن ظاهره إلى سره[22]، وهذا العبور هو انتقال من حال إلى حال، وكأن ابن رشد هنا انتقل من حال السامعين بالتجربة الصوفية إلى حال المعانين لها، فعبر الظواهر إلى الباطن حتى تبينت له حقيقة هذه التجربة فرأى رأي عين ما لا يستطيع أن يكابر فيه إلا مجادل غير منصف، فأصبح وكأنه يتمثل بقول الشاعر :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ** في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل.
فحديثه عن التصوف، من خلال هذا الاعتبار الذاتي، يمكن أن يكون حديث تجربة شخصية، شاهد فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمت ولا خطر على قلب بشر، تجربة لا نعرف عنها شيئا ما عدا هذه الإشارات الدالة التي تبادلها مع ابن عربي. فمن هذه الإشارات يلوح لنا أن الفيلسوف عند ابن رشد ليس غريبا عن المجاهدة وإن ظل أمام الملإ أقرب إلى مجاهدة التقوى وإلى مجاهدة الاستقامة أكثر من مجاهدة الكشف التي هي أخص خصائص المعرفة الصوفية إذا نحن فزعنا إلى التمييز الخلدوني في هذا الشأن[23]، وإن كان محيي الدين بن عربي قد نسب إلى ابن رشد العلم “بما خص الله عباده من النبيئين وأتباعهم من الأولياء من العلم بالله من جهة الفيض الإلهي الاختصاصي الخارج عن التعلم المعتاد من الدرس والاجتهاد ما لايقدر العقل من حيث فكره أن يصل إليه”[24] ما يؤكد عدم غرابة التجربة الصوفية عن الروح الرشدية.
عاش أبو الوليد مقبلا على النظر العقلي لفهم الكون من حوله، ممارسا للمجاهدة للتحلي بالفضائل، ولعل اشتراطه هذين الفعلين، الأخلاقي والفكري، في شخص الفيلسوف هو ما حدا به إلى أن يضفي على الفيلسوف اسما اعتبره الصوفية من أسمائهم الخاصة وهو “العارف بالله”. إن لهذا الاسم الذي اختاره ابن رشد للإشارة إلى الفيلسوف[25]، وهو الاسم الذي ورد في فتوى الجد، دلالته في هذا السياق، إذ ، يبدو، أن ابن رشد يريد لعارفه أن يكون فيلسوفا ذا عمق صوفي فجمع له بين مقدمات الطريق الصوفي ونهايات الكمال النظري قبل أن يقذف به في أتون الكشف الصوفي…
ج- عن الزوج ظاهر _ باطن
يوظف ابن رشد كثيرا من مفاهيم التصوف وآلياته في سبيل المعرفة الفلسفية، ومن أهم هذه المفاهيم مفهوما الظاهر والباطن. فيعتبر مفهوما الظاهر والباطن من المفاهيم الأساسية للتقليد الصوفي، ويبدو أن ابن رشد نقلهما من معناهما الصوفي إلى معنى فلسفي فصرف المدلول الصوفي للباطن، واستبدل به مدلولا فلسفيا، حيث يصير عنده هو معنى “البرهان”[26]. لقد أسس الصوفية مفهوم الباطن انطلاقا من أثر مشهور يقول إن للقرآن ظاهرا وباطنا[27]، واعتنى الصوفية بالباطن حتى أصبح علما من العلوم، بل أصبح غاية العلوم[28]. وارتبط الباطن عند الصوفية بالأسرار التي لا ينبغي كشفها لغير أهلها، فالخرق كل الخرق بث العلم لغير أهله كما يقول أبو حامد[29]، فالعوام في غطاء السـتـر[30] ويجب أن يبقوا كذلك، إذ ليس كل سر يكشف ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، ومن أفشى سر الربوبية فقد كفر[31].
ليست هذه المعاني الصوفية بعيدة كل البعد عن تفكير ابن رشد، وإن كان الإهاب التي سيخرجها فيه إهابا يحرص على معقولية أكثر ويتخذ مسحة فلسفية أوضح. سيؤسس أبو الوليد صرحه الفلسفي على هذا الزوج الصوفي؛ ظاهر / باطن الذي يصبح مشروعا في فضاء إنساني تختلف فيه فطر الناس في التصديق[32]. وسيحرص على إعطاء الجمهور ما ينفعهم من ظواهر في نصوصه التي وجهها إليهم وبخاصة “مناهج الأدلة” و”بداية المجتهد”، حيث يقدم في الأول العقائد الواجبة وفي الثاني الأحكام الفقهية المشهورة، معتنيا بهذه الظواهر لتأثيرها الكبير في النفوس متجنبا تأويلها حتى لا تفقد الشريعة أهميتها في حياة الناس[33]. وسيتفرغ في كتب البرهان لما يعتقده الحقائق الخفية التي لا يجب أن يطلع عليها إلا العارفون بالله. هذا التمييز بين الظاهر والباطن، عند ابن رشد، ليس تمييزا بين الحكمة والشريعة، بل إن الشريعة نفسها تحمل هذا التمييز فينقسم الشرع نفسه ظاهرا وباطنا كما انقسم القرآن عند الصوفية إلى ظهر وبطن وحد ومطلع. وانقسام الشرع إلى ظاهر وباطن، هو الذي سيسمح بهذا التلاقي بين الشرع والحكمة عندما يتعارض ظاهر الشرع مع الحقيقة الفلسفية فتتدخل آلية التأويل من أجل الجمع بين الحقائق المتعارضة، بين الباطن الشرعي والبرهان الفلسفي. وهذه الحقائق المتعارضة ظاهرا المتوافقة باطنا هي السر سواء كان سرا شرعيا أو سرا فلسفيا، فهي من “العلم الذي لا سبيل إلى إفشائه” في غير مواضعه[34]. من هذا العلم مثلا “الكلام في علم الباري سبحانه” فهو مما يحرم إثباته في كتاب[35]، فهو إذن من السر الفلسفي الذي هو أشبه بأسرار الصوفية التي منعوها عن الخلق. فالفلاسفة والصوفية يلتقون في أن من العلم ما “لا يجب أن يكتب، ولا أن يكلف الناس اعتقاد[ه]، …ومن أثبته في غير موضعه فقط ظلم، كما أن من كتمه عن أهله فقد ظلم”[36]. ولا يمكن أن يفهم الظلم هنا إلا في ضوء السياق الصوفي عند أبي حامد الذي يربط إفشاء السر بالكفر وهو ما سيحاكم ابن رشد نفسه على ضوئه أبا حامد فيكاد يتهمه بتهم قريبة من هذا المجال. لكن ابن رشد الفقيه، على خلاف الصوفية، لا يعتبر الظاهر قشورا، بل إن الظاهر عنده قد يكون منبع المعرفة ومن ثم حرصه عليه، وكلفه به[37].
د - بين الذوق الفقهي والذوق الفلسفي:
نقدم هاهنا فرضية تزعم أن مناداة ابن رشد، في “بداية المجتهد” بما أسماه “الذوق الفقهي” يحمل مسحة صوفية ظاهرة يمكن اعتبارها من آثار البيئة الفقهية الصوفية التي ترعرع فيها، خاصة أن ابن رشد لم يضبط ما يعنيه بهذا المفهوم على غير عادته. وعندما يظل مفهوم ما عصيا عن التحديد فإن الحرج يلازم تطبيقاته.
إن الدلالة العربية لكلمة ذوق ترتبط في الحقيقة بالمحسوسات، وتطلق كلمة ذوق على المعاني مجازا[38]، ويربط المعجم الفلسفي الذوق بالتجربة الشخصية التي لا تتقيد بقواعد معينة وتتدخل فيه الميولات[39]، لكن هذا لا يعني أن الذوق الفقهي له علاقة بالاستحسان. فالاستحسان باعتباره “دليلا ينقدح في نفس المجتهد لا تساعد العبارة عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره … هوس” عند أبي حامد “لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولابد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه بالأدلة أو تزيفه”[40]. إذا كان الذوق ليس استحسانا بهذا المعنى فماذا يعني؟
أما أبو حامد الغزالي، الذي يبدو أن ابن رشد يستلهمه، فيتحدث عن ذوق الشعر الذي يفرق به صاحب العروض بين الموزون وغير الموزون، وهو ذوق يختص به قوم ويحرم منه آخرون. فالذوق نوع من “إحساس وإدراك” وجداني يقوى عند بعض الناس فيستخرجون منه “الموسيقى والأغاني والأوتار” ويعطل عند آخرين[41]. ومن جملة من يقوى عندهم الفقهاء، أي المجتهدون، لأن ابن رشد يعتبر الفقيه مجتهدا، وعندما يستعمل الذوق في الفقه فإنه يتحرك في فضاء هذه المسائل التي لم ينصب عليها دليل ولا ينتبه إليها من الفقهاء إلا خواصهم ممن خص هذه الحاسة؛ حاسة الذوق، وهي أقرب إلى مفهوم الحدس المؤسس على المعرفة العلمية. فالمجتهد من الفقهاء، عند أبي حامد، له”في كل مسألة ذوق يختص بها” ويفوض الغزالي “ذلك إلى رأي المجتهد”[42]، فكأن هناك منطقة فقهية لا يحكم فيها سوى الذوق الفقهي.
فالفقيه الذي له إلمام كبير بالفقه قد تعترضه بعض المسائل التي لا يستطيع بيان دليل واضح عليها مثل الناقد الذي ينصت إلى الشعر فيجده جميلا موزونا دون أن يستطيع جلاء مواطن الجمال والوزن فيه. وكيف ما كان الحال فنحن في مجال الفقه نشتغل بملكة متعالية عن كل تحديد، ملكة تفسر بطريقة ذاتية سببا من أسباب الاختلاف الفقهي وتؤسس لتصويب المجتهدين عنده[43]، إنها ملكة تنقدح شرارتها من العمل الفقهي المضني، كما ينقدح “الحدس الصناعي” من عمل الطبيب وتجربته العلمية[44]. والذوق الفقهي هنا نوع من الحدس الصناعي الذي ينقدح من عمل الفقيه وتجربته الفقهية، لكن تفضيل ابن رشد تعبير “الذوق الفقهي” على “الحدس الصناعي” هو اختيار دال على ملكة عصية على التحديد[45]، ملكة تنتمي إلى فضاء متعال لعله هذا الفضاء الفقهي - الصوفي الذي ترعرع فيه ابن رشد.
* * *
لكن، إذا كان موقف ابن رشد من التصوف موقفا إيجابيا فلم لم ينتصر له انتصارا كاملا كما فعل جده وأبو حامد من قبل؟
إن عدم الانتصار الصريح والمباشر للتصوف يفسره عند ابن رشد كون طرق التصوف طرقا غير نظرية من جهة، وكون التعليم الصوفي ليس من التعليم الشرعي في شيء من جهة أخرى، ذلك أن التعليم الشرعي تعليم نافع للأكثر في حين أن التعليم الصوفي تعليم خاص يضرب إلى الباطن، ونحن، كما يقول أبو حامد الغزالي : “… لم نتعبد بالباطن، وإنما أمة محمد من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ظاهرا، إذ لا وقوف على الباطن..”[46].
ولكن هذا لا يعني أن كل تعليم غير شرعي تعليم مرفوض، فالتعليم الفلسفي هو أيضا تعليم غير شرعي ولكنه تعليم مقبول، كل ما في الأمر أنه تعليم يجب حجبه على غير أهله كالتعليم الصوفي، وإثباته في غير موضعه وتكليف الناس اعتقاده ظلم. ولعل هذا الموقف الرشدي من الدروس التي تلقاها أيضا من “الأمر الغالب ” في عصره، أي من كتب ابن تومرت التي عرف عنه العناية بها، فقد اطلع ابن رشد على مجموع “أعز ما يطلب” وشرح “العقيدة الحمرانية” التي أكد فيها ابن رشد “أن في الطريقة الجمهورية الاحتياط والسلامة من كل عيب والنجاة من كل تشويش وفتنة” لأن المطلوب المواظبة على الوظائف الشرعية والالتزام بتعظيم الحقوق الإسلامية وسلوك الطريقة الحنفية السمحة والبعد عما يقدح عقائد المؤمنين[47].
إن غلبة التأمل الفلسفي على ابن رشد وغلبة مهنة القضاء وشخصية الفقيه عليه كل ذلك سينتج لديه مواقف من المعارف التي تند عن التعليم الشرعي، فيقف من التصوف موقف السكوت لا موقف الرفض ويبدى صرامة في إذاعة مقالات الصوفية في المدينة الإسلامية خيفة الفتنة كما أبدى نفس الموقف من مقالات المتكلمين والتصريح بمقالات الفلاسفة ،كما علَّمه التقليد الفلسفي الأندلسي خاصة مع ابن طفيل. لقد شطّ الصوفية في التأويل كما شطّ غيرهم من المتكلمين و”متفلسفة العصر” فأنشأوا أقاويل غريبة عن المجتمع الإسلامي “بعيدة من ظاهر الشريعة” كفيلة بإشاعة الفوضى العقدية[48]، لذا سيكون موقف القاضي صارما، من هذه الأقاويل جميعها، انسجاما مع مقصد الشارع الذي ما بعث إلا لرفع الاختلاف[49].
سكت ابن رشد، كفقيه، عن المعرفة الصوفية لأغراض عملية ولأن في المعرفة الفقهية، التي هي معرفة قريبة من الناس، كفاية، وخاصة عند من لا يرى من الفقهاء فرقا بين الواجب والفضيلة، بل يُدخل الفضيلة في الواجب
في أحد فتاويه[1] يفضل ابن رشد الجد، الذي توفي في السنة التي ولد فيها ابن رشد الحفيد، “العارف بالله” على الفقيه أي “العارف بالأحكام” مقتفيا في ذلك أثر أبي حامد الغزالي في الإحياء الذي “قدم الأولياء على العلماء وفضلهم عليهم”، ومتقصيا أثر القشيري في ذلك والذي ينعته باسم “الأستاذ”. إن أهمية هذه الفتوى تكمن في مسألتين اثنتين، فهي تنبه أولا إلى أهمية “الأرض الصوفية” لنشأة التفلسف عند ابن رشد الحفيد رغم أن الجد لم يكن واعيا تماما بالخدمة التي يقدمها التصوف للتفلسف، بل وامتهانه للتفلسف، كما تبين هذه الفتوى أصول تقييم ابن رشد لشخصية الفقهاء.
دون الدخول في تحليل مستفيض لهذه الفتوى نستخلص منها أربعة أمور : أولا، معيار التفاضل بين العلماء هو المعرفة بالله.
ثانيا، الفقيه على الحقيقة هو العارف بالله، العالم بالأحكام، معلم الناس الخير.
ثالثا، مرتبة الفقهاء المقتصرين على العلم بالأحكام مرتبة دنيا.
رابعا، دعوة ابن رشد الجد الضمنية إلى سلوك الطريق الصوفي بتأكيده على حجية أقوال شيخين من شيوخه الكبار أبو حامد والقشيري، وانتصاره للمجاهدة الصوفية وطرقها في تحصيل الأحوال.
يحق لنا الآن أن نتساءل: هل كان ابن رشد الحفيد بعيدا عن توجيهات جده هذه، وغيرها من التوجيهات التي ذكرنا، أم إن هذه المعاني التي بسطها الجد وانتصر لها الحفيد من المعاني التي لابد أن يكون هذا الأخير قد تربى عليها ففعلت فيه فعلها؟ ثم نتساءل بعد ذلك فنقول : كيف لنا أن نفسر تفضيل ابن رشد الحفيد الفيلسوف على الفقيه وهو الذي يعتبر تفضيل الفقيه على الفيلسوف تفضيلا كاذبا لأنه مستمد فقط من الشهادة؟ [2]. ثم ألا يكون العارف بالله استوى متصوفا عند الجد ليصبح عند الحفيد فيلسوفا، خاصة وأن ابن رشد لا يتردد في تسمية الفيلسوف عارفا بالله؟ إن ابن رشد أضرب عن طريق التصوف لوجود موانع حالت دونه والانتصار لهذا الطريق، لكن ألم يقدم لنا ابن رشد فيلسوفه في إهاب صوفي، فيلسوف سيضرب إلى التصوف يستلهم منه كثيرا من هذه المعاني لكن الثوب التي سيظهرها فيها لن يكون سوى ثوب فلسفي، وهو العمل الذي يذكرنا بما فعله ابن طفيل أيضا في رسالته الفلسفية حي بن يقظان؟.
تجد هذه الفرضية سندها في مفهوم الفيلسوف عند ابن رشد. مثلما تجده في هذا التقابل الذي أعلن عنه ابن رشد بين الظاهر والباطن في الفلسفة وتجده في موقف ابن رشد من الصوفية بوجه عام، ومتصوفة زمانه بوجه خاص، كما تجد سندها أخيرا في فزع ابن رشد أكثر من مرة في كتابه الفقهي “بداية المجتهد” إلى ما أسماه “الذوق الفقهي”.
لنسجل، قبل ذلك، أن موقف ابن رشد من الصوفية لم يكن موقفا سلبيا كما تبادر إلى ذهن الكثيرين. ذلك أن ابن رشد لا يتحرج من الإشارة إلى مقالات الصوفية إشارة مثمن ومنتصر كما يفعل عند حديثه عن ماهية الذات الإلهية التي يدل عليها عند الصوفية -كما يقول- الاسم الأعظم[3]. وكذلك عند معالجته إشكال العلم الإلهي وتقسيمه الموجود إلى وجودين”وجود أشرف ووجود أخس وأن الوجود الأشرف هو علة الأخس مفسرا بذلك معنى قول القدماء “إن الباري سبحانه هو الموجودات كلها والمنعم بها والفاعل لها” ثم مفسرا هذا كله بقوله “ولذلك قال رؤساء الصوفية لا هو إلا هو” جاعلا هذه المعرفة “من علم الراسخين بالعلم”[4].
يؤكد تثمين ابن رشد للطريق الصوفي، في نظرنا، قرائن متعددة أحصينا بعضا منها ونفصل القول فيها وفي غيرها مما يقربنا أكثر من جانب طريف من شخصية ابن رشد:
أ- موقف ابن رشد من متصوفة زمانه.
عاش ابن رشد في عصر كثر فيه الصلحاء واشتد فيه الاهتمام بالتصوف إلى درجة أن القرن السادس الهجري، وهو قرن ابن رشد، أصبح يعتبر العصر الكلاسيكي للتصوف المغربي وهو العصر الذي أصبح مرجعا لمن جاء بعده من المتصوفة[5]. وابن رشد سيلتقي ببعض الصوفية ويعاصر بعضهم ويصاحب بعضا منهم ويتتلمذ له بعضهم:
- فممن لقي، وكان حريصا على اللقاء به، محي الدين بن عربي الذي فتح الله عليه من العلم من غير نظر ولا قراءة، بل من خلوة خلا بها كما قال عن نفسه وشهد له بها ابن رشد[6]. وموقفه من ابن عربي يدل، من جملة ما يدل، على تقدير عميق لشخص هذا الصوفي ورغبة كبيرة في مطابقة تجربته الفلسفية مع تجربة صوفية أندلسية عريقة لمتصوف ناشئ يشهد لابن رشد بالإمامة[7]. وبحثا عن سند صوفي لتجربته الفلسفية نشدانا لاطمئنان نفسي لما عنده من علم ومعرفة[8].
- وممن عاصر، دون أن يلقى شخصه، أبا العباس السبتي، وموقفه من هذا المتصوف يدل على حرصه على فهم مواقف صوفية زمانه وتحسُّس مذاهبهم واستعانته بتلامذته على ذلك، وعلى حرص على إرجاع الموقف الصوفي إلى موقف فلسفي سابق، فابن رشد يقرأ تجارب الصوفية قراءة فلسفية حيث نجده لا يجد فرقا بين تجربة أبي العباس السبتي وموقف فلسفي قديم رغم أن أبا العباس السبتي كان يحاجج عن مذهبه بآيات الكتاب العزيز[9].
- وممن صاحب ممن كانت لهم اهتمامات بالرقائق صاحبه أبو بكر بن الطفيل الذي تكشف قصته الفلسفية “حي بن يقظان” عن اهتمام عميق بالتصوف وكذا صاحبه أبو بكر بن الجد[10].
- وممن تتلمذ عليه ممن كانوا أنصار للتصوف أبو القاسم عبد الرحيم الخزرجي، رسوله إلى أبي العباس السبتي، وقد ترك أشعارا ينحو في بعضها منحى صوفيا[11].
ب – مقدمات الطريق الصوفي والنظر الفلسفي.
يتحدث ابن رشد في فصل المقال عن المقصود الذي يرومه الشرع فيجده في “تعليم العلم الحق والعمل الحق”، مبرزا أن المعرفة بالأفعال المفيدة للسعادة والمفيدة للشقاء هو موضوع العلم العملي وهو الجزء الثاني من الفلسفة كما فهما الأسلاف. ويقف ابن رشد عند هذه الأفعال ويقسمها إلى قسمين: قسم يتعلق بـ”الأفعال الظاهرة البدنية التي تشكل موضوع الفقه”، ثم قسم يتعلق بالأفعال النفسانية مثل الشكر والصبر وغير ذلك من الأخلاق التي دعا إليها الشرع. وقد اعتبر أبو حامد أن هذا القسم الأخير يشكل موضوع الزهد وعلوم الآخرة وأفرد له سِفره “إحياء علوم الدين” بعدما رأى الناس أضربوا عن هذه العلوم وخاضوا في الفقه في حين أن الزهد “أملك للتقوى التي هي سبب السعادة”[12]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن رشد وهو يومئ إلى كتاب الإحياء إيماءة مثمن، هو أقرب إلى “جده” منه إلى موقف شيخه المازري من هذا السفر.
إن المتأمل في هذه المعطيات يرى أن ابن رشد لا يجد غضاضة في الاعتراف بضرورة علوم الآخرة للسعادة، منتصرا لطريق الزهد، مثمنا ضمنيا صنيع أبي حامد وكأنه يعتبر ذلك من مقدمات النظر الفلسفي، وما يؤكد هذا الأمر اعتباره إماتة الشهوات أساسا من أسس النظر العلمي[13]، وهو فعل لا يكون بغير زهد، وما يؤكد ممارسة فيلسوفنا للزهد بعض الفضائل الشكلية التي ميزت شخصه منها ورعه الذي عرف به سواء في اختياراته العلمية حيث نجده في البداية مع الأورع على الأقيس[14]، أو في حياته حيث عرف بالورع والزهد وهو ما شهد له به تلميذه أبو بحر بقوله عنه “وورع لا يعارضه، من انْهَلَّ بالنسك عارضه، وانقباض عن الدنيا لايساجله، من طفحت بأسرار الخشية مراجله”[15]. وهو ما تجليه رثاثة لباس ابن رشد[16]، وتواضعه الكبير وخفضه لجناحه رغم شرفه الذي عرف به[17]. وشدة تحرجه من نقد الغزالي حين أكد على أنه لم يكن يستجيز نقد أبي حامد لولا محبته للحق[18].
وبممارسة فعل الزهد تتحقق الفضيلة و”لا سبيل لحصول العلم إلا بعد حصول الفضيلة”[19]، وبتحقق الفضيلة يحصل الكمال الخلقي وهو شرط للكمال النظري[20]، وبين الكمال النظري والاتصال بـ”الخير الأسمى” بعبارة أرسطو أوثق الأسباب، بل لعل هذا الكمال النظري لا يتحقق إلا بالاتصال، وهو ضرب من ضروب المشاهدة الصوفية إلا أنه يفتقر إلى “زيادة وضوح وعظيم التذاذ” إذا نحن استعرنا عبارة صاحب ابن رشد، أبو بكر بن طفيل. لكن ألا يمكن أن يكون ابن رشد قد أفضى، فعلا، إلى المشاهدة الصوفية؟
يبدو من بعض القرائن أن ابن رشد لم يكن بعيدا عن المجاهدات الصوفية وما تفضي إليه من مشاهدات، ذلك ما يمكن أن يفهم من قوله “وهذا بين عند من أنصف واعتبر الأمر بنفسه” عند نهاية حديثه عن الطريق الصوفي[21]. ومفهوم الاعتبار، في هذا السياق، أقرب إلى المعنى الذي يستند عليه الصوفية منه إلى المعنى الذي حرص على ضبطه في “فصل المقال”، فنحن هنا مع العبور من الشيء إلى غيره ومن ظاهره إلى سره[22]، وهذا العبور هو انتقال من حال إلى حال، وكأن ابن رشد هنا انتقل من حال السامعين بالتجربة الصوفية إلى حال المعانين لها، فعبر الظواهر إلى الباطن حتى تبينت له حقيقة هذه التجربة فرأى رأي عين ما لا يستطيع أن يكابر فيه إلا مجادل غير منصف، فأصبح وكأنه يتمثل بقول الشاعر :
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ** في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل.
فحديثه عن التصوف، من خلال هذا الاعتبار الذاتي، يمكن أن يكون حديث تجربة شخصية، شاهد فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمت ولا خطر على قلب بشر، تجربة لا نعرف عنها شيئا ما عدا هذه الإشارات الدالة التي تبادلها مع ابن عربي. فمن هذه الإشارات يلوح لنا أن الفيلسوف عند ابن رشد ليس غريبا عن المجاهدة وإن ظل أمام الملإ أقرب إلى مجاهدة التقوى وإلى مجاهدة الاستقامة أكثر من مجاهدة الكشف التي هي أخص خصائص المعرفة الصوفية إذا نحن فزعنا إلى التمييز الخلدوني في هذا الشأن[23]، وإن كان محيي الدين بن عربي قد نسب إلى ابن رشد العلم “بما خص الله عباده من النبيئين وأتباعهم من الأولياء من العلم بالله من جهة الفيض الإلهي الاختصاصي الخارج عن التعلم المعتاد من الدرس والاجتهاد ما لايقدر العقل من حيث فكره أن يصل إليه”[24] ما يؤكد عدم غرابة التجربة الصوفية عن الروح الرشدية.
عاش أبو الوليد مقبلا على النظر العقلي لفهم الكون من حوله، ممارسا للمجاهدة للتحلي بالفضائل، ولعل اشتراطه هذين الفعلين، الأخلاقي والفكري، في شخص الفيلسوف هو ما حدا به إلى أن يضفي على الفيلسوف اسما اعتبره الصوفية من أسمائهم الخاصة وهو “العارف بالله”. إن لهذا الاسم الذي اختاره ابن رشد للإشارة إلى الفيلسوف[25]، وهو الاسم الذي ورد في فتوى الجد، دلالته في هذا السياق، إذ ، يبدو، أن ابن رشد يريد لعارفه أن يكون فيلسوفا ذا عمق صوفي فجمع له بين مقدمات الطريق الصوفي ونهايات الكمال النظري قبل أن يقذف به في أتون الكشف الصوفي…
ج- عن الزوج ظاهر _ باطن
يوظف ابن رشد كثيرا من مفاهيم التصوف وآلياته في سبيل المعرفة الفلسفية، ومن أهم هذه المفاهيم مفهوما الظاهر والباطن. فيعتبر مفهوما الظاهر والباطن من المفاهيم الأساسية للتقليد الصوفي، ويبدو أن ابن رشد نقلهما من معناهما الصوفي إلى معنى فلسفي فصرف المدلول الصوفي للباطن، واستبدل به مدلولا فلسفيا، حيث يصير عنده هو معنى “البرهان”[26]. لقد أسس الصوفية مفهوم الباطن انطلاقا من أثر مشهور يقول إن للقرآن ظاهرا وباطنا[27]، واعتنى الصوفية بالباطن حتى أصبح علما من العلوم، بل أصبح غاية العلوم[28]. وارتبط الباطن عند الصوفية بالأسرار التي لا ينبغي كشفها لغير أهلها، فالخرق كل الخرق بث العلم لغير أهله كما يقول أبو حامد[29]، فالعوام في غطاء السـتـر[30] ويجب أن يبقوا كذلك، إذ ليس كل سر يكشف ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، ومن أفشى سر الربوبية فقد كفر[31].
ليست هذه المعاني الصوفية بعيدة كل البعد عن تفكير ابن رشد، وإن كان الإهاب التي سيخرجها فيه إهابا يحرص على معقولية أكثر ويتخذ مسحة فلسفية أوضح. سيؤسس أبو الوليد صرحه الفلسفي على هذا الزوج الصوفي؛ ظاهر / باطن الذي يصبح مشروعا في فضاء إنساني تختلف فيه فطر الناس في التصديق[32]. وسيحرص على إعطاء الجمهور ما ينفعهم من ظواهر في نصوصه التي وجهها إليهم وبخاصة “مناهج الأدلة” و”بداية المجتهد”، حيث يقدم في الأول العقائد الواجبة وفي الثاني الأحكام الفقهية المشهورة، معتنيا بهذه الظواهر لتأثيرها الكبير في النفوس متجنبا تأويلها حتى لا تفقد الشريعة أهميتها في حياة الناس[33]. وسيتفرغ في كتب البرهان لما يعتقده الحقائق الخفية التي لا يجب أن يطلع عليها إلا العارفون بالله. هذا التمييز بين الظاهر والباطن، عند ابن رشد، ليس تمييزا بين الحكمة والشريعة، بل إن الشريعة نفسها تحمل هذا التمييز فينقسم الشرع نفسه ظاهرا وباطنا كما انقسم القرآن عند الصوفية إلى ظهر وبطن وحد ومطلع. وانقسام الشرع إلى ظاهر وباطن، هو الذي سيسمح بهذا التلاقي بين الشرع والحكمة عندما يتعارض ظاهر الشرع مع الحقيقة الفلسفية فتتدخل آلية التأويل من أجل الجمع بين الحقائق المتعارضة، بين الباطن الشرعي والبرهان الفلسفي. وهذه الحقائق المتعارضة ظاهرا المتوافقة باطنا هي السر سواء كان سرا شرعيا أو سرا فلسفيا، فهي من “العلم الذي لا سبيل إلى إفشائه” في غير مواضعه[34]. من هذا العلم مثلا “الكلام في علم الباري سبحانه” فهو مما يحرم إثباته في كتاب[35]، فهو إذن من السر الفلسفي الذي هو أشبه بأسرار الصوفية التي منعوها عن الخلق. فالفلاسفة والصوفية يلتقون في أن من العلم ما “لا يجب أن يكتب، ولا أن يكلف الناس اعتقاد[ه]، …ومن أثبته في غير موضعه فقط ظلم، كما أن من كتمه عن أهله فقد ظلم”[36]. ولا يمكن أن يفهم الظلم هنا إلا في ضوء السياق الصوفي عند أبي حامد الذي يربط إفشاء السر بالكفر وهو ما سيحاكم ابن رشد نفسه على ضوئه أبا حامد فيكاد يتهمه بتهم قريبة من هذا المجال. لكن ابن رشد الفقيه، على خلاف الصوفية، لا يعتبر الظاهر قشورا، بل إن الظاهر عنده قد يكون منبع المعرفة ومن ثم حرصه عليه، وكلفه به[37].
د - بين الذوق الفقهي والذوق الفلسفي:
نقدم هاهنا فرضية تزعم أن مناداة ابن رشد، في “بداية المجتهد” بما أسماه “الذوق الفقهي” يحمل مسحة صوفية ظاهرة يمكن اعتبارها من آثار البيئة الفقهية الصوفية التي ترعرع فيها، خاصة أن ابن رشد لم يضبط ما يعنيه بهذا المفهوم على غير عادته. وعندما يظل مفهوم ما عصيا عن التحديد فإن الحرج يلازم تطبيقاته.
إن الدلالة العربية لكلمة ذوق ترتبط في الحقيقة بالمحسوسات، وتطلق كلمة ذوق على المعاني مجازا[38]، ويربط المعجم الفلسفي الذوق بالتجربة الشخصية التي لا تتقيد بقواعد معينة وتتدخل فيه الميولات[39]، لكن هذا لا يعني أن الذوق الفقهي له علاقة بالاستحسان. فالاستحسان باعتباره “دليلا ينقدح في نفس المجتهد لا تساعد العبارة عنه ولا يقدر على إبرازه وإظهاره … هوس” عند أبي حامد “لأن ما لا يقدر على التعبير عنه لا يدري أنه وهم وخيال أو تحقيق ولابد من ظهوره ليعتبر بأدلة الشريعة لتصححه بالأدلة أو تزيفه”[40]. إذا كان الذوق ليس استحسانا بهذا المعنى فماذا يعني؟
أما أبو حامد الغزالي، الذي يبدو أن ابن رشد يستلهمه، فيتحدث عن ذوق الشعر الذي يفرق به صاحب العروض بين الموزون وغير الموزون، وهو ذوق يختص به قوم ويحرم منه آخرون. فالذوق نوع من “إحساس وإدراك” وجداني يقوى عند بعض الناس فيستخرجون منه “الموسيقى والأغاني والأوتار” ويعطل عند آخرين[41]. ومن جملة من يقوى عندهم الفقهاء، أي المجتهدون، لأن ابن رشد يعتبر الفقيه مجتهدا، وعندما يستعمل الذوق في الفقه فإنه يتحرك في فضاء هذه المسائل التي لم ينصب عليها دليل ولا ينتبه إليها من الفقهاء إلا خواصهم ممن خص هذه الحاسة؛ حاسة الذوق، وهي أقرب إلى مفهوم الحدس المؤسس على المعرفة العلمية. فالمجتهد من الفقهاء، عند أبي حامد، له”في كل مسألة ذوق يختص بها” ويفوض الغزالي “ذلك إلى رأي المجتهد”[42]، فكأن هناك منطقة فقهية لا يحكم فيها سوى الذوق الفقهي.
فالفقيه الذي له إلمام كبير بالفقه قد تعترضه بعض المسائل التي لا يستطيع بيان دليل واضح عليها مثل الناقد الذي ينصت إلى الشعر فيجده جميلا موزونا دون أن يستطيع جلاء مواطن الجمال والوزن فيه. وكيف ما كان الحال فنحن في مجال الفقه نشتغل بملكة متعالية عن كل تحديد، ملكة تفسر بطريقة ذاتية سببا من أسباب الاختلاف الفقهي وتؤسس لتصويب المجتهدين عنده[43]، إنها ملكة تنقدح شرارتها من العمل الفقهي المضني، كما ينقدح “الحدس الصناعي” من عمل الطبيب وتجربته العلمية[44]. والذوق الفقهي هنا نوع من الحدس الصناعي الذي ينقدح من عمل الفقيه وتجربته الفقهية، لكن تفضيل ابن رشد تعبير “الذوق الفقهي” على “الحدس الصناعي” هو اختيار دال على ملكة عصية على التحديد[45]، ملكة تنتمي إلى فضاء متعال لعله هذا الفضاء الفقهي - الصوفي الذي ترعرع فيه ابن رشد.
* * *
لكن، إذا كان موقف ابن رشد من التصوف موقفا إيجابيا فلم لم ينتصر له انتصارا كاملا كما فعل جده وأبو حامد من قبل؟
إن عدم الانتصار الصريح والمباشر للتصوف يفسره عند ابن رشد كون طرق التصوف طرقا غير نظرية من جهة، وكون التعليم الصوفي ليس من التعليم الشرعي في شيء من جهة أخرى، ذلك أن التعليم الشرعي تعليم نافع للأكثر في حين أن التعليم الصوفي تعليم خاص يضرب إلى الباطن، ونحن، كما يقول أبو حامد الغزالي : “… لم نتعبد بالباطن، وإنما أمة محمد من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ظاهرا، إذ لا وقوف على الباطن..”[46].
ولكن هذا لا يعني أن كل تعليم غير شرعي تعليم مرفوض، فالتعليم الفلسفي هو أيضا تعليم غير شرعي ولكنه تعليم مقبول، كل ما في الأمر أنه تعليم يجب حجبه على غير أهله كالتعليم الصوفي، وإثباته في غير موضعه وتكليف الناس اعتقاده ظلم. ولعل هذا الموقف الرشدي من الدروس التي تلقاها أيضا من “الأمر الغالب ” في عصره، أي من كتب ابن تومرت التي عرف عنه العناية بها، فقد اطلع ابن رشد على مجموع “أعز ما يطلب” وشرح “العقيدة الحمرانية” التي أكد فيها ابن رشد “أن في الطريقة الجمهورية الاحتياط والسلامة من كل عيب والنجاة من كل تشويش وفتنة” لأن المطلوب المواظبة على الوظائف الشرعية والالتزام بتعظيم الحقوق الإسلامية وسلوك الطريقة الحنفية السمحة والبعد عما يقدح عقائد المؤمنين[47].
إن غلبة التأمل الفلسفي على ابن رشد وغلبة مهنة القضاء وشخصية الفقيه عليه كل ذلك سينتج لديه مواقف من المعارف التي تند عن التعليم الشرعي، فيقف من التصوف موقف السكوت لا موقف الرفض ويبدى صرامة في إذاعة مقالات الصوفية في المدينة الإسلامية خيفة الفتنة كما أبدى نفس الموقف من مقالات المتكلمين والتصريح بمقالات الفلاسفة ،كما علَّمه التقليد الفلسفي الأندلسي خاصة مع ابن طفيل. لقد شطّ الصوفية في التأويل كما شطّ غيرهم من المتكلمين و”متفلسفة العصر” فأنشأوا أقاويل غريبة عن المجتمع الإسلامي “بعيدة من ظاهر الشريعة” كفيلة بإشاعة الفوضى العقدية[48]، لذا سيكون موقف القاضي صارما، من هذه الأقاويل جميعها، انسجاما مع مقصد الشارع الذي ما بعث إلا لرفع الاختلاف[49].
سكت ابن رشد، كفقيه، عن المعرفة الصوفية لأغراض عملية ولأن في المعرفة الفقهية، التي هي معرفة قريبة من الناس، كفاية، وخاصة عند من لا يرى من الفقهاء فرقا بين الواجب والفضيلة، بل يُدخل الفضيلة في الواجب
تعليق