اجتازت البوابة بخطوات متثاقلة، بدأت وتيرة تنفسها في التسارع، وازدادت ضربات قلبها الضعيف، وأخذت ركبتاها في الارتجاف… لاحظت أن المقابر بدت تتزاحم على حافة السور بعد أن ملأت بطن المقبرة، وبدا لها وكأنها تتدافع على ردهة البوابة العتيقة تريد الانتشار في الشارع.
استعاذت في سرها وحوقلت، لقد مرت ثلاث سنوات على آخر زيارة لها، بعد جمعة من دفن جثمان زوجها، لتدخل بعده في دوامة من الأمراض التي تتالت عليها تتراً، واستنزفت معاشها وعمرها بين المستشفيات وعيادات الأطباء، وجعت الأحبة ينفضون عنها.
اغرورقت عيناها بالدموع، وأحست بغصة تسد حلقها، وتضيق عليها مجرى التنفس، عندما أدركت أنها لن تهتدي إلى قبره، رفعت رأسها إلى السماء، فأحست بدوار كاد أن يطيح بها، فاتكأت على جدار المصلى المتهالك على يسار المدخل.
ذكرت الله وصلت على نبيه، وسلمت على أهل المقابر، جلست برهة ريثما تهدأ نفسها، ثم قررت الرجوع، فخرجت من المقبرة بعد أن نقدت أحد المتسولين بما جادت به نفسها من قطع نقدية.
مضت بخطوات وئيدة بعد ا، استقامت لها الطريق، كانت ساهمة العقل لا تنتبه إلا إلى مواضع الخطوات، بدأت تفكر في حالتها وما آلت إليه من الوحدة والضعف، ثم انقطعت أفكارها وهي تمر بزحمة زوار مركز إعادة التربية الذين اصطفوا في انتظار إذن الدخول لزيارة ذويهم من المسجونين، فانقطع لمرآهم حبل أفكارها، وكأنما ثابت إلى رشدها أو ثاب رشدها إليها، وعادت إليها روحها الخفيفة، وهي تسخر في قرارها من مفارقة، أن تكون المقبرة محاذية للسجن.
تسللت من شفتيها بسمة خفيفة عندما مر بخيالها طيف الشيخ رابح، لكنها حثت الخطو وهي تلعنه، لقد نسي أن يدق بابها هذا الصباح، كما دأب على ذلك منذ شهر، عندما خرجت من الإنعاش بعد نوبة قلبية، حيث كانت منهارة النفس يائسة من الحياة، تعاني مرارة الوحدة وألم المرض.
تذكر أنه جاءها يعودها، فوجدها في حال من القنوط، والجزع والخوف من فجأة الموت، وهي وحيدة، داعبها كعادته بلسانه الحلو السليط ، وأخذت منه عهداً بأن يتفقدها كل صباح ويتأكد من إذا كانت على قيد الحياة.
لعنته مرات أخر على هذا النسيان، كيف له أن ينساها، غير أنه بدأت تلتمس له الأعذار، لقد أطال السهر على ما يبدو ليلة البارحة، إثر زيارة لبعض من أقاربه له، كان فرحاُ بهم فرحاً لا يوصف، كان جذلاناً متهلل الوجه، مضيء القسمات، وبات بيته أنواره مضيئة إلى ساعة متأخرة من الليل.
جهرت له بالدعاء بالسعادة وطول العمر، غير أنها ما فتئت تلعنه مرة أخرى، عندما تذكرت تلك المرأة النَّصَف التي ضمن الضيوف، لقد قدمها لها على أنها بنة عمه الأرملة، كانت عيناه تشعان حباً وغبطة، وشارباه يرقصان إغاظة لها.
أحست بلهيب الغيرة في قلبها، غيرة نشطت قلبها الواهن، وضخت الدم في عروقها الوانية، فحثت الخطى متمتمة هاذية، فائرة الدم، لعنته عشرات المرات، ولعنت صنف الرجال فيه، وانعطفت بخطى سريعة إلى طريق فرعي يؤدي إلى حيث تسكن.
كانت في حال من الغضب والهلوسة، ثم انتبهت إلى موكب جنازة فتوقفت خشوعاً وإجلالاً للموقف، كما فعل بقية الراكبين والراجلين على جانبي الطريق.
لكنها رأت وجوهاً من الحي حيث تسكن ضمن المشيعين، سألت أحدهم:
- جنازة من هذه؟؟
- إنه الشيخ رابح رحمه الله وطيب ثراه.
استعاذت في سرها وحوقلت، لقد مرت ثلاث سنوات على آخر زيارة لها، بعد جمعة من دفن جثمان زوجها، لتدخل بعده في دوامة من الأمراض التي تتالت عليها تتراً، واستنزفت معاشها وعمرها بين المستشفيات وعيادات الأطباء، وجعت الأحبة ينفضون عنها.
اغرورقت عيناها بالدموع، وأحست بغصة تسد حلقها، وتضيق عليها مجرى التنفس، عندما أدركت أنها لن تهتدي إلى قبره، رفعت رأسها إلى السماء، فأحست بدوار كاد أن يطيح بها، فاتكأت على جدار المصلى المتهالك على يسار المدخل.
ذكرت الله وصلت على نبيه، وسلمت على أهل المقابر، جلست برهة ريثما تهدأ نفسها، ثم قررت الرجوع، فخرجت من المقبرة بعد أن نقدت أحد المتسولين بما جادت به نفسها من قطع نقدية.
مضت بخطوات وئيدة بعد ا، استقامت لها الطريق، كانت ساهمة العقل لا تنتبه إلا إلى مواضع الخطوات، بدأت تفكر في حالتها وما آلت إليه من الوحدة والضعف، ثم انقطعت أفكارها وهي تمر بزحمة زوار مركز إعادة التربية الذين اصطفوا في انتظار إذن الدخول لزيارة ذويهم من المسجونين، فانقطع لمرآهم حبل أفكارها، وكأنما ثابت إلى رشدها أو ثاب رشدها إليها، وعادت إليها روحها الخفيفة، وهي تسخر في قرارها من مفارقة، أن تكون المقبرة محاذية للسجن.
تسللت من شفتيها بسمة خفيفة عندما مر بخيالها طيف الشيخ رابح، لكنها حثت الخطو وهي تلعنه، لقد نسي أن يدق بابها هذا الصباح، كما دأب على ذلك منذ شهر، عندما خرجت من الإنعاش بعد نوبة قلبية، حيث كانت منهارة النفس يائسة من الحياة، تعاني مرارة الوحدة وألم المرض.
تذكر أنه جاءها يعودها، فوجدها في حال من القنوط، والجزع والخوف من فجأة الموت، وهي وحيدة، داعبها كعادته بلسانه الحلو السليط ، وأخذت منه عهداً بأن يتفقدها كل صباح ويتأكد من إذا كانت على قيد الحياة.
لعنته مرات أخر على هذا النسيان، كيف له أن ينساها، غير أنه بدأت تلتمس له الأعذار، لقد أطال السهر على ما يبدو ليلة البارحة، إثر زيارة لبعض من أقاربه له، كان فرحاُ بهم فرحاً لا يوصف، كان جذلاناً متهلل الوجه، مضيء القسمات، وبات بيته أنواره مضيئة إلى ساعة متأخرة من الليل.
جهرت له بالدعاء بالسعادة وطول العمر، غير أنها ما فتئت تلعنه مرة أخرى، عندما تذكرت تلك المرأة النَّصَف التي ضمن الضيوف، لقد قدمها لها على أنها بنة عمه الأرملة، كانت عيناه تشعان حباً وغبطة، وشارباه يرقصان إغاظة لها.
أحست بلهيب الغيرة في قلبها، غيرة نشطت قلبها الواهن، وضخت الدم في عروقها الوانية، فحثت الخطى متمتمة هاذية، فائرة الدم، لعنته عشرات المرات، ولعنت صنف الرجال فيه، وانعطفت بخطى سريعة إلى طريق فرعي يؤدي إلى حيث تسكن.
كانت في حال من الغضب والهلوسة، ثم انتبهت إلى موكب جنازة فتوقفت خشوعاً وإجلالاً للموقف، كما فعل بقية الراكبين والراجلين على جانبي الطريق.
لكنها رأت وجوهاً من الحي حيث تسكن ضمن المشيعين، سألت أحدهم:
- جنازة من هذه؟؟
- إنه الشيخ رابح رحمه الله وطيب ثراه.
تعليق