القـــرد:

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الضيف حمراوي
    أديب وكاتب
    • 28-11-2008
    • 70

    القـــرد:

    القـــرد
    قال العبد للقرد:
    أضعك تحت تصرف السيد من الآن، يتسلى بك، أو يرتديك في حذائه، أو تقضي نزوة تطوف بخياله..
    أراد القرد أن يحتج، لكنه تراجع بعد أن مرر - بلمح البصر- شريطا لتاريخ الأمة كان مركونا في دولاب ذاكرته فقدر العواقب، وخلص إلى أن في الصمت حكمة.
    أشار السيد للعبد أن انصرف، ورأى العبد أن يذكر القرد بما يجب قبل الانصراف فنظر إليه وفي وجهه صرامة الواعد المتوعد: سري عن سيدنا يغمرك الرضا وتنال موزة أو موزتين ، وإذا أخلصت فقد تحصل على سروال تستر به عورتك.
    صعد القرد نظرة كسيرة إلى وجهي السيد ثم العبد ، وحك رأسه العاجز، وقد أقعى يفكر ويقدر وعلامات الشيخوخة والهرم تسبحان في عينيه الغائرتين تتلاطم في أعماقهما أمواج الحيرة والضياع.
    ثم رأي أن الأخلاق تحتم أن يحي الداخل القار فقال : عم صباحا يا سيدي ، وليهنأ يومك ، واعذرني إذا ما عجزت عن إسعادك ، ولك في تصرفك بي أو مني ما تشاء على قدر ما استطيع أن أحفظ معه النفس وما زاد عن ذلك فهو بالنسبة لي فضلة.
    قال السيد: سبحان الله لصوتك في أذني ألفة وموقع ، وصوتك ليس بالغريب .
    قال القرد: بيننا معرفة وصداقة قديمة يا سيدي، ومنعني الحياء وتباين المقام أن أشير إليها.
    غضب السيد وقال:
    يا قليل الحياء مكشوف العورة هل تراني قردا حتى أصادق القردة؟
    لا يا سيدي حاشاك، لست أنت القرد،ولكن كانت صداقتنا قبل أن امسخ أنا قردا. أيام الطفولة والصبا، عندما كنا في المدرسة، كنت أنت تجلس إلى جانبي ؛ وكنت آنذاك حاد الذكاء حسبما كان يزعم معلمنا الغبي ،بينما كان ينعتك بالغباء ،ولعلك تذكر أنك رميته بحذائك وفررت من المدرسة. ولم تعد إليها أبدا، وقد فتحت لك تلك الحادثة باب السعد .
    تعجب السيد وقال : سبحان الله ، ذلك ما وقع فعلا ، لكنني لا أصدقك.
    قال القرد : صدق يا سيدي صدق، فأنا التلميذ "نبيه" الذي كان يجيب عن كل صعب ،و يفهم ويحفظ كل معقد وغريب .
    ما الذي جرى لك؟
    - عاقبني الله يا سيدي على آثام ارتكبتها تباعا.
    لم يكن معروفا عليك الشرانية أو العدوانية ، كنت طيبا وديعا على خلق .
    - وتلك بعض الآثام يا سيدي ، فأول إثم يا سيدي أنني كنت صادقا في كل أقوالي؛ وفي كل أعمالي ؛ فعرف عني الناس سري وعلانيتي ، وأمنوا جانبي ،وصنفوني مغفلا ، لأني كنت أخبرهم عما يقع قبل أن يقع ، وآتيهم بما خفي كما وقع ،وأبدي عداوتي لعدوي فيهزمني عند الواقعة، ويتأكد صديقي من وفائي وطيبتي فيبيعني لتحصيل مصلحة، ويسترضيني بعدها ؛ فيستردني وهكذا دواليك.
    - هل تريد أن تقنعني أن الله مسخك قردا لاتصافك بهذه الصفات؟!.
    لا ولكني أعتقد أنه مسخني قردا لارتكابي كبيرة لا تغتفر؟
    ماهي؟!
    - لما هجرت أنت المدرسة مهديا إلى طريق الرشاد، لازمت أنا معلمنا الغبي الذي كان لا ينفك يذمك ، ويضرب بك المثل في الغباء، و ويجزم أنك ستبقي إلى الأبد عاجزا عن جمع أربعة إلى اثنين.
    - وهل كنت تصدقه؟
    - فيما يتعلق بالحساب وشؤون الدراسة واقع الحال كان معه، وتكذيبه - وقد علمني الصدق - لم يكن ممكنا.
    ولكني لم انتبه إلى أن عقله الصغير كان لا يتجاوز مداه مدى الصفحة التي يقرأها.
    ولغبائي كنت أصدقه وأخذ بأقواله ونصائحه.
    - وماذا وجدت وكيف صرت إلى ما أنت عليه؟
    - ها أنت ترى يا سيدي ، برهان كفره فيك ، فجزاء الله لك ولعبيدك باد لا يحتاج لدليل، إذ أطعتم سنة الله فهجرتم العلم والتعليم ، وسلكتم سبل الرزق والنعيم ، فنلتم العلا واعتليتم مدارج التكريم.
    أما أنا المأخوذ بهوس ذاك الغبي الذي كان يلقبني بالعبقري الذكي ، فقد قضيت حياتي محاولا تعليم أمة أمية خِلقة، كتب الله عليها ألا تتعلم حتى وإن قرأت ، وكتب اللعنة على كل من أراد تغيير سنته تعالى فيها ، وأخلصت في إتياني لجريمتي وتماديت فيها حتى حاق بي غضب الله فرددت قردا.
    - وماذا تشتغل الآن؟
    - أنا الآن أدرب صغار القردة على فنون الجمباز
    - إذن مازلت متعلقا بمهنتك؟.
    ووجد السيد أنه يزداد كآبة عوض أن ينال شيئا من الترويح فأرسل في طلب العبد ، الذي حضر مهرولا وامتثل طائعا فقال له السيد:
    أيها العبد هذا الذي أمامك كان مدرسا لك أنت وأمثالك من العبيد ، وأنت ترى ما حل به فقد مسخ لكثرة ما شوه من عقول ، وخرب من نفوس ،إذ أخرجها من طبيعتها التي جبلت عليها ، وأراد إكسابها طبائع أخرى يقول إنها موصوفة في الكتب.
    ومثل هذا الكائن الممسوخ خطر على المحيط ، ولكن الصداقة التي نمت بيننا قبل أن يمسخ تمنعني من إيذائه، وجحافل العبيد التي دربها لخدمة السادة قبل أن يمسخ تشفع له، فأخرجه من هنا وسلمه لأي قراد يرى فيه حاجة
    [align=left]
    الضيف حمراوي 01/06/2009
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة الضيف حمراوي; الساعة 06-03-2010, 07:14.
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    شدتنى قصتك تلك سيدى إلى عالم ألف ليلة وليلة
    ربما ما كسر حالة السحر فيها هذا النقاش الغريب
    بين القرد و السيد .. و أيضا العبد !
    ترنيمات على لحن قديم .. لم تقدم جديدا
    الذكاء حين يصل إلى حد الغرور ، و حين يصبح عبئا كريها ، على صاحبه
    و الآخرين يكون نقمة تستحق العقاب .. وهذا ذكى مسخ قرد .. كأننا يجب أن نتسم أو نتوقف عند حدود الغباء .. و ما كان بنو إسرائيل إلا أذكياء فمسخوا مثلا .. و هذا ما أرفضه .. و لا يقنعنى أبدا .. ربما كان السامرى أكثر ذكاء من قومه ، فقد استطاع أن يصنع لهم العجل ، و له خوار ، فيكفرون بالحق ، و يبتعدون عن طاعة موسى و هارون .. و لكن !!
    إنه موضوع شائك ، وخطير للغاية ، و ربما يحتاج الأمر لسلطان قاهر و بلا حدود لجبروته و طغيانه !!
    كأن يجب أن تقدم مفاضلة بين علم و علم .. نافع و علم ضال مضل .. لا أن تكون المفاضلة بين غباء و ذكاء .. نعم .. هل تتصور أن أباجهل كان غبيا مثلا .. لا سيدى .. كان سيد قومه .. و لكن .. حين وقف ذكاء أم ذكاء كان المحك صعبا ، و التنازل كان نوعا من الضعة !!

    هذا ربما ما أعطتنى هذه القصة ، و لم يقدم فيها الخيال تشويقا أو ادهاشا !

    أحب ما تكتب أخى الجميل ، وهذا مجرد رأى يحتاج منك إلى تعقيب .. فى انتظارك !!
    تحيتى و تقديرى
    sigpic

    تعليق

    يعمل...
    X