أراء مختلفة في قصيدة النثر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الدكتور حسام الدين خلاصي
    أديب وكاتب
    • 07-09-2008
    • 4423

    أراء مختلفة في قصيدة النثر

    قصيدة النثر ما هي ؟
    نقلا عن موقع
    إيلاف آخر الأخبار العربية والعالمية ومقابلات من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أميركا الشمالية، أميركا اللاتينية، آسيا، وأستراليا. خبر عاجل، سياسة، اقتصاد، رأي، ثقافة، رياضة، صحة، فنون وموضة. صور، فيديو، وتعليقات.

    نقلاُ عن الأستاذ عبدالقادر الجنابي
    في مؤتمر قصيدة النثر الذي انعقد في الجامعة الأمريكية في بيروت لثلاثة أيام في يومالسبت 20 آيار 2005
    1- صحيح أن مصطلح قصيدة النثر كان شائعا منذ القرن الثامن عشر. فوفقا لسوزان برنار أن أول من أستخدمه هو اليميرت عام 1777، ووفقا لمونيك باران في دراستها عن الايقاع في شعر سان جون بيرس ،أن المصطلح هذا يعود إلى شخص اسمه غارا في مقال له حول "خرائب" فونلي ، وذلك عام 1791. وفي دراسة قيمة ، صدرت في باريس عام 1936 ،
    حول "قصيدة النثر في آداب القرن الثامن عشر الفرنسية"، يتضح أن المصطلح كان متداولا في النقاشات الأدبية. على أن بودلير أحدث تغييرا في مصطلح قصيدة النثر، وأطلقها كجنس أدبي قائم بذاته ،بل أول من أخرج المصطلح من دائرة النثر الشعري إلى دائرة النص: الكتلة المؤطرة ولم يكن اعتراف بودلير بمرجعية اليزيوس برتران في هذا المجال اعتباطيا أو مجرد اعتراف بالجميل . وإنما كان تلميحا إلى "معجزة نثر شعري" كان يحلم بانجازها. ذلك أن اليزيوس برتران ، هذا الشاعر الرومانتيكي ، قد ترك تعليمات إلى العاملين على طبع كتابه "غاسبار الليل" ، أن يتركوا فراغا بين فقرة وأخرى مشابها للفراغ المستعمل عادة في تصميمات كتب الشعر، وبهذا يكون أول من التفت إلى تقديم نص نثري ملموم ومؤطر في شكل لم يُعرف من قبل.
    كما أن بودلير كان واضحا أنه يعني شيئا جديدا غير موجود ، وذلك عندما كتب في رسالته الشهيرة إلى هوسييه ، "من منا لم يحلمْ في أيام الطموح بمعجزة نثرٍ شعري". إذن من الخطأ الكبير أن نحاول العثور على أشكال لقصيدة النثر البودليرية في ماضي النثر الفرنسي . ذلك أن بودلير في مشروعه نحو لغة شعرية تستطيع ان تتقاطب وما يتجدد مدينيا في شوارع الحياة الحديثة ، جعل كل الشظايا والقِطَع التي كتبت قبله ، تنام كأشباح في ليل النثر الفرنسي ؛
    آثارا توحي ولا تُري أية إمكانية نظرية تأسيسية.
    2- من الخطأ الشائع اعتبار قصيدة النثر تطورا للنثر الشعري الكلاسيكي الفرنسي وتكملةً له.
    ذلك أن ما كان يُطلق عليه قصيدة نثر هو أعمال روائية تتوسل محاسن البديع وتستعير إيقاعات النظم ، لكي ترتقي إلى مصاف الأعمال الشعرية. بينما قصيدة النثر هي قصيدة أداتها النثر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن، أولا، السبب وراء الفكرة التي تقول أن ظهور قصيدة النثر كان تصديا لطغيان العروض ، هو أن النثر، أداة قصيدة النثر، خال من كل قواعد عروضية وبالتالي يمنح حرية أكبر للشاعر لكي يعبر عن انفعالاته الباطنة.
    وثانيا : أن تصاعد الرومانتيكية أعطى معنى جديدا لمفردة "الغنائية" lyrique. فبعد أن كانت تُطلق على الشعر الذي يُنظم بقصدِ التغنّي به في موضوعات أو الرواية أو السرد القصصي على أوتار القيثارة القديمة المسماة بالليرا أي القيثارة ، (وهذا يعني ان عنصر الموسيقى جزء حاسم في صياغتها) ... صار لها معنى جديد اعتبارا من الربع الأول من القرن التاسع عشر،
    هو: الوظيفة المشاعرية كالحسية المُعبَّر عنها بالصور، بالعاطفة الفردية وأحاسيس الفرد الداخلية ، وباتت مصطلحا يطلق على كل عمل أدبي حتى النثر (وفقا لقاموس ليتريه) يعبر عن الوجدان والعواطف ومتحرر كليا من مضمرات الموسيقى : واقترِحُ كلمة "الوجدانية" كمقابل لـ Lyrique لكي يتضح هذا التغيير الانقلابي والحداثي في الحسية الشعرية التي مهدت الطريق لظهور قصيدة النثر.
    3- قصيدة النثر ولدت على الورقة أي كتابيًّا وليس كالشعر على الشفاه أي شفويا. لم ترتبط بالموسيقى كالشعر ولم يقترح كتابها أن تُغنّى ، ولا يمكن أن تُقرأ ملحميا أو بصوت جهوري
    يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر/ سطر وآخر كما في قصائد حركة
    "النظم الحر" (وأقصد Vers Libre، لأن ترجمة هذا المصطلح بـ"شعر حر" يخلق سوء فهم مفاده أن الصراع بين الشعر Poésie والنثر، بينما في الحقيقة الصراع هو بين النثر والنظم). إن غياب التقطيع أو التشطير في قصيدة النثر يشكل علامتها الأساسية.ففي النظم الحر، في نهاية كل سطر / بيتٍ فراغ يسميه كلوديل البياض.. وهذا البياض هو لحظة تنفس إيقاعي ضروري لجمالية القصيدة المشطّرة ،كما يتغير فيها الإيقاع من شاعر إلى شاعر بسبب هذه الوقفة القطع في سير الإيقاع ،هذا البياض يمنح القصيدة الحرة هيئتها الشعرية ، بينما قصيدة النثر تكتسب هيئتها وحضورها الشعري من بنية الجملة وبناء الفقرة... والبياض غير موجود (رغم وجود الفواصل والعلامات فيها لأسباب يقتضيها بناء الجملة) إلا في نهاية الفقرة التي تجعل القارئ مستمرا في القراءة حتى النهاية.
    وألا ننسى أن أغلب قصائد النثر تتكون من فقرة واحدة ، وبعضها من فقرتين. علينا ألا ننسى أيضا أن "الشعر" كلمة عامة وشاملة يمكن أن تطلق على أي شيء ، بينما كلمة قصيدة تدل على وجود مستقل، بناء لغوي قائم بذاته...
    4- قصيدة النثر لا يختلف بناؤها عن قصر المتاهة المذكور في الأساطير اليونانية. يمكن لشاعر قصيدة النثر أن يبدأ من أي مدخل يشاء :
    "كان يا ما كان... ""عندما كنا... ""ذات ليلة، عندما.... "
    أو على طريقة الشاعر الصديق عباس بيضون ، التي تختار الدخول على نحو مفاجئ :
    "الأربعة النائمون على الطاولة وسط الجبال لم يشعروا بخيال الطائر وهو يتضخم في الغرفة.."
    المدخل إذن سهل جدا ، ما هو صعب المنال في كتابة قصيدة النثر هو الخروج/ نهاية القصيدة.
    لا يكفي أن تعرف كيف تبدأ فحسب وإنما عليك أن تعرف كيف تخرج من ، أي تختم القصيدة ،
    كما يقول روبرت بلاي.
    5- شاعر قصيدة النثر يَعرفُ مسبقا وذهنيا وإلى حد ما حجم الكتلة/ مساحة القَصر. ذلك أن قَصر المتاهة بناء مكون من حيطان تتعاقب وتتقاطع؛ قصيدة النثر فقرة مكونة من جمل تتلاحق بحدةٍ شديدةٍ هبوطا مما تدفع القارئ إلى أن "يستقرئ العواطف البعيدة أو يجسّ الرِعدات الدقيقة... مستضيئا بالجملة اللاحقة ليُبصر السابقة"، كما قال بشر فارس في تلخيصه عن نوع من القصة القصيرة دون أن يدري انه كان يعرف قصيدة النثر.
    6- على أن هناك عنصرا مكونا أساسيا الذي فقط من خلاله يمكننا أن نُميز قصيدة النثر عن باقي الكتل ، النصوص والأشعار النثرية. إنه اللاغرضية (والبعض يترجم gratuité بالمجانية). وهو أشبه بالخيط الذي أعطته أريان إلى ثيسيوس الذي بقي يتتبعه حتى عرف طريقه الى المخرج من المتاهة.
    الاختصار brièvetéإذن ، هو نتيجة تقاطب عنصرين اساسيين يعملان داخل قصيدة النثر،
    كل وفق حركته ؛ قاعدته : الحدّة intensité حيث السرد المتحرك المنقطع السلك بين حائط وآخر، جملة وأخرى ، يشدنا بسلسة واحدة من البداية حتى النهاية دون أي تباطؤ.. واللاغرضية gratuité ، هو سلك الخيط الذي يقود من المدخل / البداية إلى المخرج /الخاتمة وعلينا أن نتتبعها وإلا سنضيع في متاهة نثر شعري له ألف رأس وألف ذيل ، بينما غايتنا كتلة "لا رأس لها ولا ذيل" كما وضح بودلير..تكمن شعرية قصيدة النثر في هذه اللاغرضية... المجانية. فالنثر بحد ذاته غير قادر على التخلص من وظيفة الوصف بغرضية منطقية. فبفضل عنصر اللاغرضية، يتخلص السرد الذي هو سمة رئيسية في قصيدة النثر، من جفوته، ومنطقيته النثرية، فهو هنا ليس وصف مخطط روائي يريد أن يصل إلى نتيجة ما ، وإنما لغرض فني جمالي محض. عندما يبدأ أنسي الحاج قصيدة له بـ"ذلك العهد يدُ ماموت لم تكن ظهرتْ..." "ذلك العهد" ليس هنا لغاية سياقية تاريخية معلومة ، وإنما لخلق إيحاء جمالي لحدث غير موجود.

    7- يجب ألا نخلط بين قصيدة النثر والشظية الفلسفية كما عند نيتشه، ففي هذه الشظايا/ الكتل النثرية القصيرة، ثمة قصد فلسفي وغرضية واضحة ، أو متسترة وراء موعظة ما.
    قصيدة النثر هي النثر قصيدةً : كتلة "يتأتى قصَرُها من نظامها الداخلي ، ومن كثافتها النوعية ومن حدتها المتزنة". ليس لها أية غرضية، بل خالية من أي تلميح إلى مرجع شخصي :
    كتلة قائمة بذاتها.. أو كما كتب الشاعر الفرنسي ادموند جالو عام 1942،"قطعة نثر موجزة على نحو كاف، منتظمة ومرصوصة مثل قطعة الكريستال يتلاعب فيها مائة انعكاس مختلف
    ... إبداع حر لا ضرورة أخرى له سوى متعة المؤلف ، خارج أي تصميم ملفق مسبقا ، في بناء شيء متقلص، إيحاءاتُه بلا نهاية، على غرار الهايكو الياباني"
    8- "تنطوي قصيدة النثر" النثر، كما تقول سوزان برنار، "في آن على قوة فوضوية،هدامة تطمح إلى نفي الأشكال الموجودة، وقوة منظِمة تهدف إلى بناء (كلٍّ) شعريٍّ؛ ومصطلح قصيدة النثر نفسه يُظهرُ هذه الثنائية". في قصيدة النثر، إذن، توتر كامن يطيح بأية إمكانية توازن بين نقيضين بقدر ما يحتضنهما. وهذا يعني أن قصيدة النثر، كما تقول بربارة جونسن في دراستها الرائدة عن ثورة بودلير الثانية، تتسم بقوتين: إذا الشعرُ هو عَرْضٌ ذو سمة بمواجهة النثر كعرض بلا سمة واضحة، فقصيدة النثر إذا، تتميز بقوتين متعارضتين: حضور ضد غياب السمة و"إحالة الى قانون الشعر" ضد "إحالة الى قانون النثر"... فقصيدة النثر لا هي نقيض ولا هي توليف، إنما هي المجال الذي اعتبارا منه تبطل وظيفة الاستقطابية وبالتالي التناظر بين الحضور والغياب، بين الشعر والنثر". ومن هنا يتفق معظم النقاد على أنهم أمام جنس أدبي شاذ غرضه تهديم الأنواع genres . ناهيك من أن شكلها الوحيد الأوحد، ينطوي أيضا على بعد تهديمي بصري وبالتالي مفهومي ، يقوم بنسف الأفكار المسبقة والعادات المفهومية لدى القارئ الذي ما أن يرى أبياتا أو عبارات مقطعة حتى يصرخ أنها قصيدة، إذ في نظره ليست نثرا.
    8- سيداتي سادتي : ما هي قصيدة النثر؟ إنها كل هذا وليس.
    لكن الشيءَ المؤكد هو انها نقيض قصيدة النثر العربية السائدة التي لا تلبي مطلبا واحدا مما أتفق جل النقاد عليه، رغم كل الاختلافات بينهم، بشأن قصيدة النثر. هناك أنماط من قصيدة النثر: البارناسية، الرمزية، التكعيبية، السوريالية، الظاهراتية، والأمريكية الغارقة بقضية اللغة والسرد الغرائبي. لكن في كل هذه الأنماط، الشكل واحد أوحد: كتلة قوامها نثر متواصل في جمل تجانس أي نثر آخر.
    9- بطبيعة الحال يحق لكل شاعر أن يكتبَ كلٌ وفق نبض أحاسيسه وصوته الخاص، وليسمّ مخلوقاتَهُ كما يشاء، فقط عليه أن يَعرفَ إن مصداقية الشكل والمضمون هي عين ثقة الشاعر بما يقول. وقد يعترض شاعر على أن التسمية ليست ضرورية، ربما، لكن لماذا يسمي "قصيدة نثر" عملا اعتنى بتقطيعه موسيقيا متوسلا كل المحاسن البديعية التي ترفضها قصيدة النثر...
    بل حتى شدد على وقفات تُعتبر عاملَ بطءٍ إذا استخدمت في كتلة قصيدة النثر؟
    أليس اعتباطا أن يسمّيَ شاعرٌ يكتب عادةً أشعارا موزونة، كلّ قصيدة لا يتمكن من ضبطها عروضيا، قصيدة نثر وليس شعرا فحسب! وكأن الشعرَ في نظره ليس سوى تفعيلات قُررت سلفا.
    10- رفض الحدود المرسومة لا يتم إلا عندما يعرف الشاعر ما هي هذه الحدود، وبماذا تتميز...حتى يكون لرفضه فضاؤه هو، مُنقى من كل شوائب التسميات التي كانت من طبيعة تلك الحدود المرفوضة. لقد وقف بروتون ضد فكرة الأجناس الأدبية، معتبرا أن الشعر تعبيرٌ عن استرداد المخيلة البشرية لحقوقها، وليس جنسا أدبيا خاضعا لقوانين مدرسية.... ومن هنا لم يسمّ كـُتـَلهُ النثرية قصائد نثرية رغم أن النقادَ يعتبرون بعضَها قصائدَ نثرٍ بامتياز!إن الإصرار على تسمية عمل جوهرُه يتعارض ، شكلا ومضمونا، مع ما يتميز به هذا الاسم، لهو في نظري، تعبيرٌ عن اعتباطية العمل نفسه.

    _______________________________________



    قصيدة النثر ومنظومة الحس العربي
    كتبه د. ميلاد متى
    نقلاً عن الرابط


    ما توقفت قصيدة النثر عن إرباك القراء و الناقدين معا ً، منذ ظهورها " رسميا ً " في القرن التاسع عشر في فرنسا مع شارل بودلير ، حين نشر Paris Spleen سنة 1869، كقصيدة نثر ، و التي قال فيها M.Riffaterre : " نوع أدبي يحمل إردافا ً خُلفيا ً كإسم " . و مع ذلك فإن بودلير نفسه شاء أن يقدّم التعريف الأول لهذا النوع " كأعجوبة النثر الشعري ، موسيقي ّ ، و مع ذلك دون وزن ، و من دون قافية . مِطواع ، إلا أنه صارم ٌ و عاصف ٌ إلى حد يتماثل فيه مع نبضات الروح العاطفية ، مع اليقظة الحالمة في مدّها و جزرها ، و مع وخزات الضمير " .و يبدو أن بودلير بعد هذا التعريف الرومانسي المبهم ، قد فتح الباب لنـزعة أدبية سيعزّها و يدللها شعراء في الشرق و الغرب ، كنوع مثالي به يملأون رغبتهم القوية في تعقيدات تركيبية و تأنقات أسلوبية ، حتى أن أية محاولة تعريف واحد كلي ٍّ لهذا النوع ستنتهي بالفشل . أما تعريفRiffaterre فيحمل إشكالية الشعر و النثر منذ أن ظهر الشعر و النثر . فيتضارب مفهوماهما المعجميان التقليديان في أسئلةٍ أقلّها : كيف يكون النثر شعرا ً ؟ و العكس : كيف يكون الشعر نثرا ً ؟ والأصح : كيف نستخرج من النثر شعرا ً ؟ .هذا إذا سلّمنا أننا نملك معايير النثر و الشعر و مفاهيمهما المحددة . وإذا سلّمنا أننا نمسك بناصية الأدب الذي لا يزال غامضا ً، حتى أن أحداً اليوم ، لم يعد يكلّف نفسه مشقة البحث عن تعريفات جديدة له .

    يقول ميخائيل نعيمة : " اللغة في القاموس مومياء . أما على ألسنه الناس و شفاههم فكيان حي يزخر بأمواج الأفكار و الخيالات ، و يلتهب بكل أصناف الميول و الإحساسات " فلا عجب إذا ً ، إذا قرأنا عن النحو في قصيدة هي ألفية ابن مالك الشهيرة . و لا عجب إذا عرف القارئ أن طبيباً لبنانياً كتب أطروحته في الأمراض الجلدية شعرا ً، و باللغة التشيكية ، وزنا ً و قافية ً .
    الشعر و النثر صنعتان كلاميتان تتقاطعان و تتمازجان ، تنـزلقان باستمرار الواحدة نحو الأخرى , كمن عقباهما على قشرة موز. و حتى لا نغالي في استحالة التعريف ، فإننا نستطيع القول أن قصيدة النثر تبدو للوهلة الأولى مركّباً يستطيع أن يحتوي بعض أو كل ميزات الغنائية . عدا أنه مكتوب ٌ نثرا ً – بالرغم من أنه لا يُعد ّ كذلك – على مساحة الصفحة . هذا المركّب يختلف عن النثر الشعري بقصره و تضامّه . و عن النثر الحر بانعدام الوقفات (=الانقطاعات ) في السطر الواحد ( باعتباره بديلا ً عن البيت أو الجملة ) ، و عن المقطع النثري القصير بما فيه من ايقاعات واضحة ، و تأثيرات صوتية و مجاز و تخيّلات و كثافة في التعبير . و قد يحمل أحيانا ً قوافي داخلية و تعاقب إيقاعات ٍ ( = أوزان ) سريعة . و يمتد طوله عامة ، من نصف صفحة ( مقطع أو مقطعين ) ، إلى صفحتين أو ثلاثة.
    هذه الميزات تنطبق على القصيدة النثرية الغربية كما تنطبق على القصيدة النثرية العربية ، و التي سمّاها بعض الدارسين بـ " شعر الحداثة " ، أو " الشعر المعاصر " . و هما تسميتان طغيا إبّان و بعد الإخفاقات و الانكسارات و النكسات العربية الكبرى سياسيا ً و اجتماعيا ً في أواخر الخمسينات و الستينات . فولدت قصيدة النثر العربية من رحِمَي ِ السياسة و المجتمع المهترئين العقيمين آنذاك ، ثائرة ، رافضة ، فاضحة ، هاجمة ، مدمّرة ، محطمة الشكل اللغوي و المضمون التراثي . تغذّيها الثقافة الغربية ولا سيما الفرنسية كما عند أنسي الحاج و بول شاوول .

    و برزت رؤيوية سريالية . و أحيانا ً كثيرة ً، هلوسية ، هذرية ، فوضوية عابثة ، لا تهدف إلى شيء ، سوى ربما ، إلى جمالية الغريب و المألوف و اللامنطق .
    إلا أن قصيدة النثر العربية اليوم ، وبعد تجربة دامت أكثر من أربعين سنة ، تبدو أكثر نضجا ً و التصاقا ً بالحياة ، تبدو أكثر شفافية ً و هدوءاً . تغلب عليها المعاناة الغنائية من دون أن تتخلى عن نبرتها الثورية المبطنة بالألم ، حيث تتداخل فيها التأثيرات الحضارية و الثقافية .
    لقد باتت ملاذا ً لطالبي المساحات الحرة ، حيث لا قوانين و لا معايير تعبيرية مُلتزمة و مُلزمة . هي ملاذ يوافق الحس العربي من حيث :
    1- أيدولوجية الفوضى : فوضى في السياسة و المجتمع والاقتصاد . و حتى في الفنون ، و أهمها فوضى الغناء و انحطاطه ، فحدّث ولا حرج .
    يقابلها فوضى القصيدة : التراكم و الغموض و الإغراب . و فوضى الشكل : كتابة أفقية ثم عامودية ، ثم انحدارية مائلة ، متقطّعة :
    هل يذكر النهر ؟

    كانوا يسمونه وردة الميتين

    و يمشون خلف المياه

    إلى

    آخر

    العمر

    ها هو يمضي بطيئا ً

    إنها – أي القصيدة – شِعر ٌ أشعث ، كالشعر الأشعث : مغبرّة ، متغيرة ، متلبدة و منتشرة .
    2- الضغط : و منه الاقتصادي و الديني و الذكوري . يقابله كبت ٌ كلامي و انقطاع فجائي أحيانا ً، و ضغط في المعاني و عدم اكتمال الصورة .
    3- الرفض : الداخلي غير المُعلن و مخالفة الواقع . فالقصيدة رفضية ، غاضبة ، مغلّفة بالانزياح نحو الممنوع و المُحرّم بلغة اللبس و الإبهام تارة ً ، و بالجرأة و الوقاحة و العُجمة و السوقية طورا ً Vulgarism حتى في قصائد النساء الشاعرات اللواتي سفرن عن وجوههن و لغتهن ّ في آن ٍ معا ً .
    4- حال العُدم (= الفقدان ) و العَدَم ( ضد الوجود ) ، لحلّ معضلة الإنسان العربي . أنتجت قصيدة العبثية و اللامنطق و الهلوسة . متخذة ً من الدفق الخيالي و الرؤيوي ركيزة الإبداع .
    كل هذا و أكثر ساهم و رفد قصيدة النثر . و عندنا ، أن البحث عن مبررات و عوامل خارجية لتعريف هذا النوع الأدبي ، لا يكفي و لا يمكن تعميمه . فإن بعض كتّاب قصيدة النثر ، ممن خلقوا لأنفسهم عالما ً خارج عالم السياسة و الاقتصاد و الدين ، قدّموا إبداعات ٍ يمكن تصنيفها في باب الفن للفن ، و شعارهم النـزعة الجمالية .
    و على هذا ، فإن أفضل مقاربة علمية عملية لقصيدة النثر ، هي تلك المبنية على تعاليم الألسنية ، بحيث يتفكك هذا المركّب إلى عناصره اللغوية الأساسية : من الأصوات ( = الإيقاعات ) ، إلى الحقول المعجمية ، إلى الوظائف الكلامية ، إلى الأنماط النصية ...

    و في رأينا أن هذا النوع Genre تمكن دراسته من خلال المقارنة بين الأنواع الكلامية الأخرى : النثر و الشعر و النثر الشعري و الشعر الحر . لأن قصيدة النثر توصّلت إلى التعبير عن روح الشعر متخطية ً القواعد الشكلية المتعارف عليها للنظم التقليدي .
    و يُنظر ُ من حيث التخصص - في : كتابة المقطع و الكلام المنقطع ( = غير المُنهى ) ، و استقلالية النص الذاتية . كما يُبحث ُ في التماسك ووحدة المقطع ، و الكثافة و الفعل الشعري القوي . و الهندسة المشغولة : البناء – التطوّر – التوازي – الأصداء و تأثير الانغلاق . و تنوّع الأنماط الكلامية و أشكال الكتابة : السردي ، الوصفي ، الحواري و التأملي ... و أيضا ً في تنوّع التصنيف: الغنائي و الملحمي و الخارق . ولا ننسى الكتابة الشعرية ( = الأسلوب ) : الصور و الإيماء و الإيجاز و الغموض ، و اللمح و المجاز و عدم الملاءمة الدلالية ، و القيمة الرمزية و التشكيلية ...
    و بعد ُ، فإننا نستذكر قول ستيفان مالارمي Stephane Mallarme وقد أحسن الإصابة : " الشعر في كل مكان من اللغة ، في كل مكان حيث الإيقاع ، ففي ما نسميه النثر ، شعر من كل إيقاع ٍ يمكن تصوّره ، و بعضه رائع ٌ . و في الواقع ليس هناك من نثر : هناك الألف باء ، ثم الأشكال الشعرية ، أقل أو أكثر صرامة ً ، و أقل أو أكثر إطنابا ً . ففي كل محاولة تعبيرية ( = أسلوب ) أصول شعرية ".
    قصيدة النثر هي هذا الشعر في لغة ما . هي حاضرة حضور الأنواع الأخرى التي سبقت و لا تزال . و ستكون أنواعٌ أخر لشعرٍ آخر في لغةٍ أخرى . ما دام هناك مادةٌ هي اللغة ، و ما دام هناك صانع ٌ / شاعرٌ / فنانٌ / ثائرٌ .



    التعديل الأخير تم بواسطة الدكتور حسام الدين خلاصي; الساعة 03-10-2009, 08:11.
    [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    #2
    عزيزي د. حسام الدين خلاصي، حفظه الله؛

    شكر الله لك صبرك على طول الموضوع، وأنت ترسم سلم ارتقاء لمعاندي قصيدة النثر، ليتوحد البساط ويسهل الحديث.

    وجاء الموضوع علاجا لطرح أخينا الأقطش؛

    والملاحظ أن النظار لقصيدة النثر يفرشون الأرض بالورود ليرد الوارد حوضهم، حتى إذا ما أقبل عليهم نضحوا في وجهه قصائد تحارب تدينه، واخرى تصب في سلة التعهر... أهذه هي تعابير الرفض لديهم؟ أم أن رفض نثره تجلى في فسوقه؟

    وتذوق قصيدة النثر لا يلمسه لامس خارج جلده إلا إذا فتقها بمفتاح عتبتها، وإلا انسد عليه وطرده من بابها.

    وأراك عبرت عن مثال اللوز، وصحيح هكذا أنظر إليها، ففي الحلقة الثانية للأستاذ أحمد الليثي من موضوع الحمقى والمغفلين؛ لم تنفتح علي القصيدة، وانصرفت عن بابها، لكنني قرأت ذكاء أخينا أحمد الليثي، صيدا لأبي عريف.

    كما أن الموسيقى في قصيدة النثر غامضة مما جعلني أتساءل أين تتجلى أفي رنات حروفها؟ أم في إيقاع كلماتها؟ أم في غموضها؟ أم في هذا كله مشتركا؟

    وهل تجد مقاربة، فالأحرى مقارنة بين ""قصيدة "" النثر، والشعر كما عهدناه صورا بيانية رائعة، وموسيقى دافئة تنعش الضمير، وإيقاعا متلازما وزنه؟ فضلا عن جمال صناعة بديع الكلم.

    أليست تفعيلات الخليل بأبياتها الجليلات، وتصويراتها الباهرات، وكونهن أترابا كعابا، أحلى ذوقا، وأحسن تشوقا، وأيسر فهما، وأرحب كلاما؟

    وأراني أطلت عليكم، والمكلوم يشعر أنه لم يقل بعد شيئا.

    دمت في رحمة الله وفضل منه ونعمة.
    http://www.mhammed-jabri.net/

    تعليق

    • نجلاء الرسول
      أديب وكاتب
      • 27-02-2009
      • 7272

      #3
      شكرا أستاذي القدير
      ولنا عودة
      نجلاء ... ومن بعدها الطوفان


      مستوحشاً مثل رقيم تقرأه الخرائب
      أوزع البحر على السفن .. أوزع انشطاري

      على الجهات التي عضها الملح
      لم أكن في ذاك الرنين الذي يبزغ منه دم الهالكين
      وكنت سجين المكان الذي لست فيه ..

      شكري بوترعة

      [youtube]6CdboqRIhdc[/youtube]
      بصوت المبدعة سليمى السرايري

      تعليق

      • الدكتور حسام الدين خلاصي
        أديب وكاتب
        • 07-09-2008
        • 4423

        #4
        الأستاذ الجابري
        شكرا للرد
        ونحن هنا لتقريب وجهات النظر فقط
        ولينهل كل من منهله
        ادامك الله على صحة الرأي
        الشعر مدارس
        والمتخرج دائما هو شاعر .... والشعر يزهو بأبنائه
        [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

        تعليق

        • الدكتور حسام الدين خلاصي
          أديب وكاتب
          • 07-09-2008
          • 4423

          #5
          السيدة العزيزة نجلاء
          تحية طيبة ننتظر عودتك
          [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

          تعليق

          • محمد رندي
            مستشار أدبي
            • 29-03-2008
            • 1017

            #6
            أهلا استاذنا الفاضل
            ـ أعتقد أن البناء الفني لقصيدة النثر ،، اصعب بكثير من بناء قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية ، لأنها تعتمد على التحكم الدقيق في ريتم الدفق الشعري وهذا ما يميز شاعرا جيدا عن آخر رديء ، كما أنها تتطب أيضا تحكما وإلماما باللغة يتيح لصاحبه عملية التكثيف دون صنعة أو تكلف بما يحيل على صور شعرية جميلة ومبتكرة ، ثم أن قصيدة النثر تتطلب وجود التجربة ، كبديل لما ذكرته الدراسة ( اللاغرضية) لأنني أعتقد أن غرضية قصيدة النثر في إنقتاحها على التأويل وهذا هو الأهم ...
            شكرا سيدي وربما كانت لي عودة
            sigpic

            تعليق

            • الدكتور حسام الدين خلاصي
              أديب وكاتب
              • 07-09-2008
              • 4423

              #7
              كتب القباني أبو خليل المسرح
              وكتب شكسبير قبله
              لكن .... متذوقون كثر لم يجتمعوا على أن أبو الخليل وشكسبير لم يكتبا للمسرح فط بل كتبا للحياة
              [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

              تعليق

              • الدكتور حسام الدين خلاصي
                أديب وكاتب
                • 07-09-2008
                • 4423

                #8
                قصيدة النثر.. ومأزق الشعر والشعرية للكاتبة فاطمة المحسن

                عن الرابط
                لأول مرة يتواجه فريقان من الشعراء في مدينة واحدة، ولأول مرة تتخذ الخلافات الأدبية


                للكاتبة فاطمة المحسن

                [align=justify]لأول مرة يتواجه فريقان من الشعراء في مدينة واحدة، ولأول مرة تتخذ الخلافات الأدبية " الجمالية"، صيغة التمثيل والنيابة، بل صيغة الحرب المعلنة.

                في القاهرة عقد مؤتمران، مؤتمر نظمه المجلس الأعلى للثقافة، والثاني أقامه شعراء قصيدة النثر.اعتذر الكثير من المدعوين الى المؤتمر الأول،حتى الذين يقفون مع الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي منظم هذا اللقاء،وكان اعتذارهم لاسباب شتى، ولكن الخوف من أن تكون الكلمة مسرح حرب،تشطر الشعراء فريقين، وتتمثل فيها الموجات الأدبية على هيئة أبطال للخير والشر، هذا ما لم يتوقعه وما لا يستسيغه الكثيرون.

                المعركة لا تبدو عربيا على المستوى ذاته من الأهمية والدلالات، كما حالها في مصر، ففي مصر اليوم كل شيء يتخذ صيغة التأويل والإحالة الى السياسة وفوضى الكلام والاتهامات بالعمالة والعمالة المضادة.

                كأن أحمد عبد المعطي حجازي فيما كتب عن قصيدة النثر، قد أيقظ الفتنة من سباتها، بل كأنما أيقظ سؤال القصيدة الذي يقف خلف الكواليس دون ان يجرؤ على طرحه احد. جاء كتاب حجازي عن قصيدة النثر التي اطلق عليها تسمية (القصيدة الخرساء) لتنشط الأقلام في الدفاع عنها، بل وتعريفها او إعادة تعريفها، وتحديد موقعها في الشعرية العربية. ولكن كل تلك الكتابات التي حاولت اعادة لاعتبار الى قصيدة النثر لم تكن قادرة على اخفاء مأزقها ومأزق الشعر عموما ،ولعل موقف حجازي الذي قيل بأنه قدم جائزة الشعر هذا العام الى نفسه، يشير الى ان الشعر وصل الى نهاية مشواره، ولم يعد هناك من مزيد.

                بقيت قصيدة النثر مقبولة في حياتنا دون أسئلة مؤرقة،وهذا أخطر ما في الشعر،واستوت كالعُرف لاينشر الخلق سواها،فهي حاضرة في المواقع الالكترونية والمنابر الصحافية،و لن تجد إلا استثناءات نادرة من الشباب الذين يكتبون التفعيلة، ولم يبق لهذه القصيدة من المشاهير، إلاّ شعراء من الأجيال التي أوشكت أن تصل نهاية شوطها.

                ولكن قصيدة النثر، مكثت في الكثير من نماذجها في العزلة، لا تجد جمهورا يصغي اليها، ولا مسوقا لديوانها،وتبدو وكأن عصر جماهيريتها الذهبي انتهى بموت الماغوط.

                في حين استطاع الشعر الحر احتلال موقع متميز في الأدب العربي خلال فترة قياسية، لم تتجاوز العقد او العقدين،وغدا هو الشعر المفضل شكلا وحساسية وذائقة. وانزوى شعر القريض مدحورا حتى بات الشعراء الذين يكتبونه يصنفون دون تردد بانتسابهم الى عالم قديم. أما شعراء التفعيلة فقد داوموا على البقاء كرواد دون منازع الى يومنا، يناكد بعضهم قصيدة النثر ويؤرقون يومها في أحيان. درويش يقول كلمة مستنكرة بحقها، ويحجم عن التثنية، وسعدي يمرر مكره ونزقه دون الإمعان في التجريح، وقلة منهم يعلن ما أعلنه حجازي،لأن ذاكرة الكثير منهم ما زالت طرية،ولم تتصلب شرايينها كي تنسى مجابهات رواد الشعر الحر،وكيف خرجت قصيدتهم منتصرة، لأنها قبل كل شيء حاجة أملتها تطورات المعرفة والقراءات والحساسيات، وهكذا تملي " الحتميات" قانونها.

                تتعين قصيدة النثر اليوم بكتّاب قلائل يقال عن كل واحد فيهم هذا شاعر جيد، وليس بها كجنس يجري الخوض في جمالياته وتحديد اتجاهاته وطرائق كتابته وتمايزات كتابه ؟ . ولعل هذا الحال سبب مشكلة يتبادل فيها النقاد والشعراء الإتهامات، فالشعراء محبطون من جهل النقد وافتقاده الى أدوات القراءة الحديثة وفهم ما يبتكرون، والنقّاد ينعون على هذا الشعر تشتت أجياله وتحوله الى مطية لكل من هب ودب من العاطلين عن الادب.

                ولا شك ان قصيدة النثر انتشرت في زمن غادر فيه الشعراء الى الأجناس الأخرى من الكتابة، وما عادت تجربة الكتابة عند الكاتب تبدأ بالشعر، كما كان التقليد في السابق. وبار ديوان الشعر في الأسواق، وانصرف القراء عنه الى الرواية، وبات ناشر الشعر مثل مغامر تحركّه حمية الدفاع عن شيء نبيل ينبغي أن لا يغرب عن حياتنا. ولن تجد في مراجعات الكتب اوالبحوث والدراسات الاّ حصة ضئيلة للشعر، وناقد القصائد الجديدة مثل الحاطب في ليل، إزاء هذا الفيض من الكتابات التي تندرج في باب قصيدة النثر. في هذه المعمعة تعرّض الكثير من شعراء قصيدة النثر الى الاهمال والتجاهل، كأنما النقد قد ختم على الشعرية عموما بالصمت.

                إذن هي أزمة شعر وشعرية، وليست أزمة نوع شعري، ولكن هل اسهم هذا النوع، اي قصيدة النثر، في تحطيم عرش الشعر عند العرب، وذبح بقرتهم المقدسة؟ .

                المؤكد ان الحياة الجديدة تنتظم في ايقاع يختلف عن السابق، ولكن الشعر لن يغادرها مهما عز مناله، فقصيدة النثر، مثل الأنواع التي سبقتها أنتجت شعراء من أفضل ما انتجته الشعرية العربية على الأقل في العقود الاخيرة،على الرغم من جهل الناس بهم، او قلة تداول مطبوعهم، وهم لاينافسون سعدي ودرويش مثلا، لانهم يقفون في فضاء آخر من الإبداع الشعري .

                وجود قصيدة النثر في الأساس يعني فيما يعني، خذلان جماهيرية الشعر وشعبيته، تحطيم فكرة التواصل في الشعر الكلاسيكي عموما وليس الشعر العربي وحده. أبقت قصيدة التفعيلة عرى التواصل قائمة من خلال الوزن، ولكن قصيدة النثر بتخليها عنه بقيت عارية من ذاكرة كان يمرر من خلالها الجديد دائما وفي كل تقاليد القول. ان فكرة الانقطاع في قصيدة النثر إقتضت مجالا للقول وحساسية ولغة مختلفة، ولكن نماذجها السائدة في الغالب، بقيت تحوم حول قصيدة التفعيلة، ولا تملك التصميم على الإنفصال عنها.

                يحدد النقاد الذين ادلوا بدلوهم في تعريف قصيدة النثر، ان شرط التواصل يأتي من غنائية القصيدة وتكثيفها وجعلها مصقولة كالبلور، وتلك المصطلحات كما أراداتها سوزان برنار،واضعة دستورها عند العرب، ينضاف اليها ما جاء به رامبو ومالارميه ( السحر الايحائي) و (الابجدية السحرية، والطلسم الغامض)، وهي تعبيرات بالكاد تمسك باصولها ومنطقها معادلات النقد .

                أنسي الحاج يقدم شروطه : الايجاز والتوهج والمجانية . ولا يقيم كبير وزن الى الايقاع والتصويت : رنة الاحساس، توقيع الجملة، سجع المشاعر، وسواها من المصطلحات التي رافقت ظهور قصيدة النثر.

                ان مشكلة قصيدة النثر هي شرعة الشيوع فيها، استباحتها، فيما هو الشعر كلام لايلزم صاحبه معرفة قوانينه، وما دامت تلك القوانين في الأصل من المبهمات.

                هل نعود الى تأثير غياب النقد؟ ربما، وربما ان روح العصر على اختلاف مع روح عصرنا نحن العرب، فنحن نبحث في القصيدة على ما نعرفه من قواعد وجدت في شعر غير شعرنا، دون بيان المتطلبات الجوهرية الجمالية والروحية تبعا للعصور والأفراد، حسبما فُسرت قصيدة النثر في مصدرها الفرنسي.

                الشعر يبقى حاجة ، ولن تطوى صفحاته، فهو حاضر في كل فن، وهو حاضر في كل هنيهة من حياتنا، ولكن كيف يمسك الشاعر ذلك الحضور وتلك الهنيهات الفالتة، تلك قضية تعود الى اختلاف مبدع عن مبدع، وهذا يشمل الشعر مثل الرواية وكل أجناس الإبداع، فلماذا نحّمل قصيدة النثر تلك الحمولة الثقيلة.[/align]
                [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

                تعليق

                • الدكتور حسام الدين خلاصي
                  أديب وكاتب
                  • 07-09-2008
                  • 4423

                  #9
                  بحث في قصيدة النثر

                  عن الرابط


                  ___________________________________

                  [align=justify]هذا البحث مستوحى من كتاب " قصيدة النثر" لسوزان برنار وبعض المقالات الأدبية عن الحداثة في الشعر إن الفن لا يبدأ إلا حيث يوجد خلق إرادي وواع ,
                  "فالفن هو الإرادة في الإعراب عن الذات بطرقٍ منتخبة"كما يقول ماكس جاكوب في معرض حديثه عن قصيدة النـــثرففكرة الخلق الإرادي تتيح إقصاء الكثير من قصائد النثر التي هي ليست من هذا بشيء . وهي تساعدنا أيضاً ومنـذ البــــدء على أن تكون لنا فكرة أكثر دقة عن مشكلة قصيدة النثر كـمـا تطرح نفسها على الشاعر نفسه وليس على الناقد .
                  من المؤكد أن قصيدة النثر تحتوي على مبدأ فوضوي وهدام لأنها ولدت من تمرد على قوانين علم العروض ـ وأحيانا على القوانين المعتادة للغة , بيد أن أي تمرد على القوانين القائمة سرعان ما يجد نفسه مـكـرها على تـعـويض هــذه الـقـوانـيـن بأخرى لئلا يصل إلى اللا عضوي واللا شكل إذا ما أراد عـمـل نتاج ناجح, وتريد قصيدة النثر الذهاب إلى ما وراء اللغة وهي تستخدم اللغـة, وتـريـد أن تحـطـم الأشـكال وهي تخلق أشكالاً وتريد أن تهرب من الأدب وهاهي تصبح نوعا أدبياً مصنفاً .
                  إن هذا التناقض الداخلي وهذا التباين الجوهري هو الذي يعطي قصيدة النثر طابع الفن الذي يطمح إلى تجاوز مستحيل للذات وإلى رفض وجوده نفسه .
                  فإذا كانت قصيدة النثر تفترض إرادة واعية للانتظام فـــي قصيدة , فينبغي أن تـكـون وحدة عـضوية مستقلة مما يـتـيح تمييزها من النثر الشعـري الذي هو لـيس غــير مادة وشـكل من الدرجة الأولى يمكننا انطلاقاً مـنه أن نـبـني كـذلك مقالات وروايات وقصائد. وسوف يـقـودونـا ذلك إلى التسلـيـم بمعيار الوحدة العضوية فمهما تكن القصيدة معقدة وحرة في مظهرها فإن عليها أن تكون وحدة واحدة وعالماً مغلقاً خشية أن تفقد صفتها كقصيدة .
                  ويجب ألا يكون لقصيدة النثر أيــة غـاية بيانـية أو سردية خارج ذاتها وإذا كان بمستطاع القصـيـدة اســتـخدام عـناصـر سردية وصفية , فذلك بشرط تسميتها وتشغيلها في مجموع ولأغراض شعرية بحت , وهنا يبرز عنصر المجانية ويمكن أن نضيف أن فكرة المجانية يمكن أن تحـددها فكرة اللازمنية في الحـد الذي لا تـتطور فيه القصـيدة نحو هدف ولا تـعـرض سلسلة أفعـال أو أفـكـار ولـكـن تظـهـر لـلقـارئ حـاجة وكتلة لا زمنية وهذان الشرطان " الوحدة" و "المجانية" يقودان إلى شرط ثـالـث وهو "الإيجاز" , فـقصـيـدة النـثـر يجب أن
                  تـتلافى الاستطـراد في الوعـظ الخلقي وما إليه كما عليها أن تـتلافى الـتـفصيلات التفسيرية ـ كل ما يؤول بها إلى عناصر الـنـثر الأخـرى , وكل مـا يـضر بوحدتها وكثافتها لأن قوتها الشاعرية لا تأتي من رقى موزونة ولكن من تركيب مضيء ويجب الاعتراف بما يبذله شاعر هذه القصيدة من جهد لإيجاد لغة قادرة على الحديث إلى الروح ونقل ما هو صميمي إلى التجربة الشعرية , والقيام بفعل سحري وخلاق في الوقت نفسه يغـامـر بتفجـير الأطـر الجاهـزة والـقـضاء على الأشكال المستخدمة للغة وفن نظم الشعر بفعل المد الروحي إن الشاعر يرفض وسائل الرقي الآلية جداً للشعـر الموزون المقفى ويطلب " مفاتن " أكثر دقة من الكلمات نفسها ومن التوافقات السرية بين المعنى والصوت وبين الفكرة والإيقاع وبين التجربة الشعرية واللغة التي تترجمها محاولاً على حد تعبير بودلير "وضع اللامنتهى في المنتهى" سبيله في هذا " أن يجد لغة تلخص كل شيء العطور والألوان والأصوات"كما قال رامبو أو "أن يجعل اللغة تقول ما لم تتعود أن تقوله
                  ويصبح الشعـر في هـذه الحـالة ثورة على اللغة , وفي هذا يبدو الشعر نوعاً من السحر لأنه يجعل ما يفلت من الإدراك المباشر مدركاً " كقول أدونيس .
                  والنص في قصيدة النثر عادة لا يحيل إلى مدلولات واضحة لمتلقيه بل يترك له حرية إنتاج النص من جديد بعد تحرير لغته من براثن الاستعمال الكلامي .
                  إن بعـثـرة اللـغـة الشـعـرية للنص تـعكس رغبة في عالم اللاوعي للتوازي مع بعثرة العالم والفوضى التي تسود كثيراً من زواياه وعلى هذا فهناك من حيث المبدأ تلازم بين فوضى النص وفوضى العالم الذي يعاني الشاعر من مرارته.
                  من هذه العجالة لبيان الجوانب المختلفة لفهم هذا النوع الأدبي فيمكن القول ’ أن قصيدة النثر نوع لم يتجرأ منظِّرٍ بعد على أن يصوغ قوانينه ’ وإن هذه الحرية تضفي عليه حيوية فقدتها جميع الأنواع التقليدية الأخرى .[/align]
                  [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

                  تعليق

                  • الدكتور حسام الدين خلاصي
                    أديب وكاتب
                    • 07-09-2008
                    • 4423

                    #10
                    مشكلة تجنيس "قصيدة النثر" ومسؤولية النقد أ.د.حبيب مونسي.

                    عن الرابط


                    _______________________________________

                    مشكلة تجنيس "قصيدة النثر" ومسؤولية النقد
                    أ.د.حبيب مونسي.
                    كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
                    جامعة سيدي بلعباس.22000. الجزائر.

                    [align=justify]إن الحركة الفكرية التي لا تتوقف في مسيرتها التطورية "لحظات"، أو تخلف وراءها بعضا من أبنائها يتعقبها، ليراقب إنجازاتها، والتعرف على الخلل الذي يحيد بها عن أهدافها ومراميها، حركة تتجه إلى الأمام على غير هدى، تركم إنجازاتها على بعضها بعض، دون أن تستفيد منها في تقويم جديدها على أقل تقدير. فالحركة الدائبة نحو الأمام، حركة عمياء وإن أبصرت حاضرها، فإنها لا تملك من أمسها ما يفسر لها قيمة الحاضر المنجز، وما يكشف لها غاية الغد الموعود. ومن الضروري جدا لكل حركة أن توقف عجلة التقدم "لحظات" للمراجعة والتقويم. فهي المحطات التي تتشكل فيها المعايير والمقاييس التي تقيس بها الظاهرة الإبداعية التي تسمها واللون الذي تتشح به، خاصة إن كان المتوقفون من جيل الرواد الذين حملوا هم الظاهرة جنينا جديدا، ورسموا له حدوده الفنية والجمالية، وتصوروه على الهيئة التي تناسب الأذواق إبداعا وتلقيا. وهم اليوم يشهدون ركاما من إفرازات الظاهرة لا يلبي شيئا مما استهدفوا من قبل، بل ينحرف بالظاهرة الإبداعية إلى تجريب من شأنه أن يسفه أحلام الرواد أولا، وينتهي بها إلى التفسخ والتلاشي، أو-في أثر رجعي- إلى قتل الشعر وتقبله على وجه العموم.
                    إن مسؤولية النقد والنقاد كبيرة في هذا الباب. مادام تحاشيهم للنقد الصادق العارف، ولجوئهم إلى المهادنة والمسالة قد ترك التيار يزداد قوة وطغيانا، يجرف في طريقه المحاولات الجادة التي ربما أثمرت جنسا جديدا ينضاف إلى ذخائر الأدب العربي. فالكثرة لم تكن أبدا عنوان للصحة والصلاح، بل قد تكون الكثرة في أحايين كثيرة أشبه شيء بالتضخم المرضي الذي يضاعف من حجم العضو المصاب. بل إن الريبة التي نجنيها من الكثرة خير إنذار ينبهنا إلى الاستسهال الذي تعامل به الظاهرة. قد نجد في تصريح جبرا إبراهيم جبرا في "الحوادث اللبنانية.الحلقة11 من ملف الشعر العربي .العدد1340.9/7/1982." صوتا يحتج ، حين رأى أن الجيل اللاحق قد وجد أن المسألة سهلة، وأن النقاد قد انشغلوا كثيرا حتى:« صار بالإمكان قول مثل هذه القصائد الحديثة .لكن يخيل إلي أحيانا أننا أخطأنا بذلك التحضير. إنني متخوف من أنني أنا وجيلي مهدنا لهذا النوع من الشعر.». وعندما نقرأ مثل هذا الاعتراف نكتشف جملة من الحقائق:
                    1- كل واحد في مقدوره أن يكتب كلاما يسميه قصيدة، مهما كان اقتداره المعرفي والفني والإبداعي. المهم أن يخطر بباله أنه قادر على ذلك. إن الذي يسوغ له ذلك هو غياب النقد الذي يتعقب الأعمال والنصوص. والذي يصدر أحكامه في صدق وصراحة وعلمية إن لم نقل موضوعية.
                    2- انشغال النقاد بالتنظير التابع للآخر، الذي أضحى من شارات العلم عند كثير من مثقفينا، يتفننون في عرض أفكار الغير دون الالتفات إلى ميادين التجريب التي تعج بالمحاولات التي تكررت عند البعض دون أن تجد أدنى معارضة، فسكنها ما يشبه الزهو بإنجازاتها، وترتب على ذلك وهم الصحة والسلامة، الذي قاد إلى لون من الهيمنة، فرض أسماء على الشعر دون أن يكون لها حظ من الشاعرية والعلم. فكل من أتاحت له الظروف، وساعده الحظ في نشر ديوان أضحى معدودا على الشعر، ومن ثم راح يطالب بحقه في تركة الشعر، يقول فيه بما يشاء ويتوهم. إن غياب النقد –حتى في أسوء صوره -أحدث الفراغ الذي ترفضه الطبيعة، والتي تسعى دوما إلى سده بما يقع في يدها من أشياء. إن الذي حدث من هذا القبيل. وسواء أنكرنا قصيدة النثر وجودا، أو قبلنا بها فنا، فإن الأمر لا يغير من الواقع شيئا. لأن الظاهرة قد أخذت حدا من الانتشار يجعل سؤالنا الساعة يلتفت إلى النقد يتهمه بالسكوت والتواطؤ. يتهمه بالمنافقة والمهادنة، بل بالخيانة أحيانا.
                    إن اعتراف جبرا إبراهيم جبرا وإن جاء مبكرا نسبيا لم يجد صدى لدى النقاد، ولم ينبري أحد منهم لتقويم الاعوجاج، ولو قدم أحدهم رجلا لأخَّر أخرى، لعمله أن أقلاما ستقوم في وجهه تتهمه بالرجعية والجمود وسوء الفهم والتخلف.. إن خشية النقاد من هذه التهم التي ستفسد عليهم مستقبلهم بين الشباب، هو الذي جعل الصمت خير سبيل لبلوغ ذروة الاعتراف. وجبرا يقول: أنه يخيل إليه، وكأنه لم يتيقن بعد! بل إن الأمر كما رأى وظن، وأن الاستسهال كان مطية الكثير من الشباب، وكان مدعاة لكثير من الركاكة والهذيان والمسخ.
                    3- من واجب الرواد التحضير للظاهرة. ولا يكون التحضير للظاهرة بتقديم جملة من النصوص التجريبية بين الفينة والفينة. ولكن التحضير الحق في إيجاد الأطر التي تتحرك فيها الظاهرة سيرا إلى أهدافها ومراميها. وتأسيس المعايير التي تتسع للتجريب دون أن تفتح المجال أمام كل الاختراقات الممكنة. وكلما كانت الحدود قوية التأسيس، كان التجريب قويا جادا يمكِّن الظاهرة من اكتساب القاعدة التي تقف عليها لتشييد معمارها الذي تطل به على المستقبل. لم يكلف الرواد الذين خبروا الظاهرة أنفسهم وضع القوانين المؤطرة، ولا استكتاب المعايير التي تزن الإنتاج وتقومه. بل تركوا المجال مفتوحا أمام كل محاول، حتى استطالت الهمم للتجاوز من أجل التجاوز.
                    قد يكون مثل هذا الحديث شديد الوقع، يوهم بالنقد المتسلط الذي يسعى إلى الحد من حريات الإبداع والتجديد. نعم فليكن كذلك لأننا أمام مسألة أصابها من التضخم المرضي ما يجعلنا في موقف الجراح الذي يختار البتر العاجل حتى يسلم الجسد من التسمم كلية. إن حاجتنا اليوم إلى المعايير النقدية النابعة من خصوصيتنا العربية، ما يجعلنا نسلم بكثير من المقولات التي حسبناها في يوم من الأيام مقيدة للحريات. بيد أننا الساعة نجد فيها من الحدب والخوف ما يجنبنا الوقوع في الزلل والخطأ. لقد أضحى الركام يعطي نزرا قليلا من النصوص الجيدة.. بيد أن أصواتها الجميلة تغيب في ضوضاء الرداءة والضحالة. لقد كان حريا بالنقد أن يرفعها إلى الأعلى حتى يسمعها الناس، فيتخذون منها معايير يقيسون بها الجيد والرديء. غير أن النقد أخذ يتذرع في العشرينية الأخيرة من القرن الماضي وعشرية هذا القرن بالمناهج الوافدة التي يعجز عن إبداء رأي سليم في جودة هذا النص أو رداءته. إنها مناهج في غاية التقنية والعلمية، ولكنها تعجز دوما عن تجد ميزانا للمفاضلة بين نص وآخر. وكأنها لا تملك حاسة المفاضلة والحكم، فتستوي النصوص تحت عدستها على صعيد واحد. إنها تصلح لجميع النصوص صحيحها وسقيمها، جيدها و رديئها. وربما كانت العودة اليوم إلى المناهج السياقية عند الغرب مؤشرا آخر يتوجب علينا اهتباله قبل استفحال أمر الظاهرة عندنا.
                    4- المسؤولية: هذا أعمق ما في شهادة جبرا. فكل من ابتدع بدعة فهو مسؤول عنها يتحمل تبعاتها وتبعات من عمل بها. هكذا يقول الشرع! فلماذا لا يكون الأمر كذلك في الفن والإبداع؟ لو شعر الرواد بهذه التبعية لأقاموا لفنهم سياجا من الحدود والمقاييس يحوطون بها فنهم حتى لا يدخله عليهم متطفل يفسد عليهم الجد الذي ركبوه، والهدف الذي استهدفوه، والمرمى الذي راموه. لو فعلوا لما اتهمهم أحد، بل لوجد فيه المجربون حجة عليهم قبل يكون حجة لهم. ولكن الرواد لم يكونوا مبدعين فيما جاءوا به، بل كانوا مجرد مقلدين نقلة، استخدموا لكسر عمودية القصيدة العربية، ولذلك سكتوا. لأن الآخر لا يزال يملي الشروط، ويقترح الحدود. ولما لم يفعل، أحجموا هم عن ذلك. إنها المسؤولية التي شعر بها عمر فروخ فأخرج للناس كتابه "هذا الشعر الحديث" بيد أن الكتاب لم يلق من الانتشار والمتابعة ما يعطي لصيحات التحذير والإنذار صداها القوي في الأجيال التالية التي قصدها جبرا.
                    هناك شهادة أخرى نعرضها سريعا للشاعر شوقي أبو شقرا "النهار 18/06/1978" حين يقول:« إن قصيدة النثر الآن، بدل أن تكون عنصر تحرر وانطلاق وركض إلى الأمام، ومرتقى جودة، إذا بها تصبح سجنا وحائطا وفخا كبيرا وحبالا تشد الأفكار وتربطها وتعطلها وتفسدها. كنا نشكو من الوزن أنه أسار وسلسلة حديد، فإذا هو يعود قالبا للمواهب.. ما السبب في هذا المرض؟ في هذه الجرثومة؟ لا أدري الآن كيف أفسرها؟ ولكنني أضع الحق على بعضنا..وعلى أننا من حيث التوجيه كنا مقصرين.» فإذا نظرنا إلى النعوت التي استعملها الشاعر: سجن، حائط، فخ، حبل، أسار، سلسلة، تشد، تعطل، تربط.. مرض جرثومة.. أدركنا ثقل المسؤولية التي تخلى عنها النقد، قبل أن يتخلى عنها الرواد من حيث التوجيه.
                    لابد إذن من إيقاف القطار المجنون وتفتيشه، وإصدار أحكام صارمة رادعة تهذب الاندفاع، وترد الحق إلى نصابه. وليس في ذلك من عيب ولا تطرف. بل العيب كله في التمادي وتسمية المرض بالصحة والسلامة.
                    5- "قصيدة النثر" ليست شعرا، ولن تكون شعرا أبدا بالمفهوم الأصيل للشعر العربي. فالشعر العربي كيان ضخم قائم إلى أن تدع الإبل حنينها. فإذا خفت صوته في هذه الفترة فسوف يعود قويا مدويا في فترة أخرى. إنه شعر تغذيه الخطابية والبطولة والغنائية. وإذا حدث وإن عادت دواعيه عاد بقوة إلى الصدارة. أما قصيدة النثر فشيء آخر غير الشعر.. إنها جنس جديد لا بد من إيجاد مكانة له بين الأجناس الأدبية الأخرى. ولكنه إن أراد ذلك فعلا، كان عليه أن يتأسس على القواعد والحدود والمعايير، وأن يستخلص من نماذجه المشرقة معاييره التي تضمن له الاستقامة، وتفتح أمامه مجال الإضافة والزيادة. إن الفن الجاد هو الفن الذي يستخلص من أمثلته القوانين التي تقوِّم تجاربه. ولا حرج عليه إن استعان بما في الأجناس الأخرى على سبيل المقايسة والاقتباس.
                    فإذا أرادت قصيدة النثر أن تنعم بالاستقلالية الذيوع، توجب عليها أولا أن تقوم جنسا منفصلا عن الشعر، ولا تقدم نفسها بديلا له، كما فعل شعر التفعيلة الذي حاول مصارعة جبل شامخ فانتحر. إنه الغرور الذي قتله.. لا شيء يقف في وجه الشعر العمودي، ثم يزعم أنه البديل. هذا يذكرني بالعنوان الفرعي الذي وضعه ناقد عربي لكتاب له: "نحو بديل جذري لعروض الخليل" وكأن المسألة تقف عند العروض وحده، ولم يسمع أحد بالبديل ولم يجربه.. إن قيام "قصيدة النثر" جنسا أدبيا منفردا لا يحمل غرور البديل، هو الضمان الوحيد الذي يمكنها من الحياة الجادة المثمرة. بيد أن ذلك يحتم عليها أن تجد لنفسها نعتا يبعد عنها اصطلاح القصيدة الذي ارتبط بالشعر العربي. وفي العربية من السعة ما يضمن لها الاسم الذي يخلدها "كتابة فنية راقية تتسم بالاقتصاد والتكثيف والإيقاع ". قال شوقي أبو شقرا في رأس الشهادة التي ذكرناها أن قصيدة النثر:« خرجت الآن عن القصيدة وبقي لها النثر.» ولها في خضم النثر أن تجد لنفسها نعتا، مثلما هو الأمر بالنسبة للقصة والرواية والمسرح…
                    6- يرى صلاح فضل أن النقد :« كلما أمعن في تحليل العوامل الفاعلة في تكوين الأساليب المختلفة، اقترب من كشف آليات توليدها، وشرح كيفية توظيفها التقني. وعندئذ يجد نفسه وقد أحل أحكام الواقع محل أحكام القيمة المسبقة، وأصبح بوسعه تمثل أساليب الشعرية إنتاجا متعدد المستويات والدرجات والطوابع، وتلقيا متعدد القراءة والتأويل.» "أساليب الشعرية المعاصرة" فإذا اعتقدنا أن الشعرية أو الأدبية هي الخاصية التي تجعل من النص نصا أدبيا، فإن "النثيرة" – وهذا ما أختاره لها من اسم ونعت – تمتلك من الأساليب ما يجعلها في قمة الآثار التي تمتلك شعرية خاصة، تلتقي فيها روافد الشعر القديم والنثر الحديث. تستفيد من هذا وذاك ، بل وتنفتح على تلاقح خصب يفتح أمامها روافد الفنون جميعها. إنها في قدرتها على التكثيف والاقتصاد من أخطر الفنون وأصعبها مراسا وأشدها قلقا. وشعريتها ينبغي لها أن تكون أرقى أنواع الشعريات. لذلك أعدها من أصعب الفنون عريكة، لأنها إن استسهلت أوقعت صاحبها في التكرار والاجترار، وفوتت عليه فرصة الإبداع الحق. إن يوسف الخال يقول:« من الإنصاف القول بأن الهجوم على قصيدة النثر وما إلى ذلك من الأساليب الشعرية الخارجة عن الموروث، له ما يبرره في كثرة الكتابة وسخف معظمها..صحيح كان في الشعر المنظوم التقليدي سخافة وتفاهة، ولكن ليس بهذا المقدار. كان الوزن التقليدي ضابطا، لا بالمعنى الكمي ولكن بالمعنى النوعي.» "النهار.18/06/1978". ولا يمكننا الحديث عن شعرية للنثيرة إلا من خلال سبر النصوص واستخلاص الخصائص والمميزات من واقعها الخاص. عندها فقط سيكون لها شعريتها الخاصة، مثلما هو الشأن في الأجناس الأخرى. لابد من وقفة.. لابد من إيقاف جريان الزمن في الظاهرة حينا من الدهر لإعادة ترتيب مكتبتها، وتهذيب أوراقها.
                    7- الإيقاع شيء فطري في كل حركة. والكتابة حركة لها إيقاعها الخاص الذي يترك توتراته على وجه النص قبل أن يتركها في عمقه. وللنثيرة أن تأخذ بالشكلين معا دون أن تظل حبيسة الإيقاع التقليدي الذي يقوم عليه الشعر العربي. إن إيقاعها نابع من توترات كتابتها، تلك التوترات تظهر في التكرار الذي يسجل على مستوى الأصوات "الحروف" و "الكلمات" و"العبارات" و"النص برمته" إنه أشبه بالخدوش التي يتركها الاستعمال المتكرر على وجه القرص، تمتلك دلالة مزدوجة: دلالة على الإيقاع، ودلالة على التوتر. لأن النثيرة نص توتر قبل كل شيء. والمقصود بنص التوتر، هو نص الفورة التي تقوم على الدفق القوي الذي ينتاب المبدع لحظة، ثم يستفرغ في شكل يقترب من الخامة. ولا يعني ذلك أبدا أنها خالية من التصميم والهندسة، بل إن حرارة الدفق بينة في التصميم والهندسة معا. وكأن الدفق هو المتحكم الأول في إنشاء النثيرة . على هذا النحو سيكون للنثيرة جنسها المتفرد، وقوانينها الخاصة، وصعوبتها الإبداعية التي يمتلكها كل فن جاد.
                    8- كتب هؤلاء في هذا الشكل لأنه الأنسب لتوتراتهم الداخلية، فاتسعت النثيرة للتصوف، والكهانة والتفلسف. وهذه السعة لا تعني أنها لا تمتلك قوانينها الخاصة. إنها موجودة فيها بالقوة لا بالفعل. وعلى المشتغلين بها أن يتدارسوها لاستخراجها منها. وأول قوانينها "الحرية" بيد أنها الحرية المشروطة بالاقتدار المبدع الذي لا يركب رأسه لمجرد أن الحرية تبيح له أن يقول أي شيء. بل الحرية هنا، هي حرية التوتر الذي يسكن الذات ممزوجا بالفكرة التي تتأهب للكشف عن ذاتها. ولذلك تتسع النثيرة لهؤلاء وهؤلاء. أما ما يرومه البعض من اصطياد بعض القوانين من الأجناس المتاخمة، لها فأمر مردود لأنه سيجعل منها فنا لقيطا مركبا من غيره، ونحن نسعى لجعلها جنسا مستقلا كامل الاستقلال. إن واقعها الخاص هو معدنها الذي تنحت منه قوانينها إن أرادت أن تنعم بالوجود والماهية المستقلة.
                    9- نسميها "نثيرة" ليس تصغيرا لها، ولا دلالة على الحجم المراد لها. بل دلعا، لأنها لعوب، متقلبة، متلونة، خفيفة ثقيلة، سهلة صعبة، قديمة جديدة. إنها جنس لا مقلد، ولا وافد.. إنها في جميع اللغات، وفي جميع الأجناس. فإن زعم بعض النقاد أننا نقلناها عن الغرب فذلك وهم، بل لفت انتباهنا إليها اهتمامهم بها في لغتهم. ولما عدنا إلى لغتنا وجدناها في كل كلام وكتابة منذ القدم. أنها منا ونحن منها. بقي علينا أن نوجد قوانينها بالفعل من صلبها حتى نسجل شهادة ميلادها في أثر رجعي يمتد إلى أعماق التاريخ.
                    [/align]
                    [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

                    تعليق

                    • الدكتور حسام الدين خلاصي
                      أديب وكاتب
                      • 07-09-2008
                      • 4423

                      #11
                      المكتمل واللا مكتمل في قصيدة النثر - شاكر لعيبي

                      عن الرابط


                      ______________________________________


                      [align=justify]كوني، أيتها الكواكب،
                      القوافي الملتقطة عند تخوم مصائرنا
                      ريلكه "النوافذ"
                      كثر الحديث وطال حول قصيدة النثر. وما عدا القلة الساعية إلي موقف يري إلي النسبية الممنوحة، في تاريخ الشعرية، للأشكال والأوزان والقوافي والقواعد بالمقارنة مع طرائق استخدامها ووظائفها. قلة ثمينة تنحني جديا علي المصطلح ثم لا ترفض كيفما اتفق من لا يُعالج نمطا خاصاً من الشعر، أو من لا يتابع نسقها الشعري.
                      لا تشهد الثقافة الشعرية العربية اليوم سوي تلك القلة من المتأملين بالأشكال والإيقاعات ممن يثمنون القواعد أو ممن يرفضونها، لكن غير المسحورين بها ولا المتجاهلين لها ولا المتمردين بالمجان عليها. قلتهم تدلّ علي إن مشكلة قصيدة النثر حقيقية وراهنة، وتستلزم رؤية من طبيعة هادئة للفصل بين ما هو متوهَّم كعنصر أصلي فيها وما هو شعري أصيل.
                      إن تفعيل السجال يستجيب لضرورات الوقوف أمام هذا الكلام الباهت المسمّي نقداً أدبياً، خاصة ذاك المقال بصدد قصيدة النثر المكتوبة الآن في العالم العربي والتي نقترح وصفها (بالمحلية) لأسباب لعل أهمها تقليدها وتطبيقها لقصيدة النثر العالمية في شروط ثقافية ومعرفية وسيوسيولوحية ونفسية خاصة، الأمر الذي يمنحها نكهة فوّاحة بجميع مشكلات الثقافة في بلداننا ومذاقا نابعا من وعي كُتّابها وشروطهم الثقافية ومن طبيعة الترجمات التي تأثروا بها. وهنا يتوجب القول أن كتاب سوزان برنار الذي سحر الكثيرين يحتاج اللحظة إلي إعادة تقديم، خاصة وأنه ليس كتاباً مقدساً، ويطلع من الشعريات الفرنسية علي وجه الخصوص. لم تكن المشكلة الإيقاعية هماً بارزا لها وتحدثت عنها قليلا، وفي سياق شعر أوربي تمتلك لغاته ضوابط نغمية مختلفة عن إيقاعات اللغة العربية.
                      عموم الخطاب المطروح بشأن قصيدة النثر هو مناسبة صالحة لمناقشة البداهات الشعرية وطبيعة الشعر نفسه وعناصره المنوعة. أن نزوع أغلب شعراء قصيدة النثر اعتبار تصفية الحساب قد انتهي مع القواعد الشعرية المعروفة لا يبدو صائباً. فالوزن الخليلي التقليدي ما زال قائما بعنفوان بدليل اغتراف جلّ الشعراء العرب المعروفين من نبعه. وفي استخدامهم لهذا الوزن ما زالت القافية الصدّاحة تتناوب الحضور في ثنايا قصائدهم. بل أن هذه القافية نفسها، المستبعدة، الممجوجة، المكروهة، المستنكرة بشكل ملتبس في خطاب لا يري سوي مسعاه، ستعاود الحضور لدي متحمس لقصيدة النثر (هو كاتب هذه السطور) في قصيدة النثر نفسها انطلاقاً من منطق الحداثة كما نتعلمها في مكان آخر. إن تقعيد قصيدة النثر بشكلها الحالي بوصفها الشكل الأرقي للشعر لا يمتلك الدقة المعرفية. وإن الخطاب الواثق سيرتبك حالما تُثار في وجهه بعض البداهات التاريخية والنقدية. سنري كيف يشتغل هذا الخطاب أثناء معالجته، علي سبيل المثال، استدراج (القافية في قصيدةِ نثرٍ عربيةٍ) يتفق الجميع تقريباً علي أفقها الحداثي. هذا المثال يمكن أن يُحَمَّل معني الترويج لتلك التجربة التي ـ ويجب قول ذلك جهاراً ـ جري تجاهلها في الصحافة الأدبية اللبنانية خاصةً، المعنية بكل نزعة تجديدية، طرفوية، مثيرة للجدل، كما وقع الاستهانة بها بقسوة مريبة في نقود كثيرة لا تعبّر، في حقيقة الأمر، عن موقف من الشاعر، بل تكشف مأزق قصيدة النثر كما تُمارس في العالم العربي حالياً، ومن هنا بالضبط تستأهل أن تكون مثالاً علي الالتباس النقدي العام. وهو ما يهمّ هذه المداخلة قبل أي هم ذاتيّ يائس.
                      وكما يعلمنا درس المنطق الفلسفي الإغريقي، سنعالج قضايا عامة بمناسبة مخصوصة:
                      أولاً: أكبر المشكلات تقع في أن التنظيرات اليقينية المتماسكة ظاهرياً المتعلقة بقصيدة النثر، تظل من دون صلة واضحة بالنصوص الملموسة: القصائد. هكذا مثلاً رأت الإلماحات النقدية بشأن عمل القافية في النص النثري الحديث قطيعة افتراضية بين (قافيةٍ) تنتمي إلي شيخوخة الشعر العربي بل رمزا لموته و(قصيدة نثرٍ) افتراضيةٍ هي الأخري تنتمي لشباب العالم وحيوية الشعر العربي المعاصر بل رمزا لحياته المتجددة. ستدور الإشكالية الشعرية عموماً في نطاق متخيَّل يستبعد منذ البدء، واعياً أو من دون وعي، المنطق الداخلي لنص من النصوص. كان بإمكان النقد التذكير إذن (بالسجع) ضارب الأطناب في القدم، وليس بالمشكل الإيقاعي الحديث، لأن السجع أقرب وأسهل المقاربات عندما يقترن النثر بالتقفية. وقد تكون عجالة الكلام النقدي عن حضور سجّع ميّت في تجربة كهذه دليلاً عن التصورات البرانية المستجلبة، ذهنياً، والمطبقة تعسّفا علي مشاريع شعرية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالمراجع الافتراضية لأنصار قصيدة النثر المحلية العربية. ولكي يوطّن النقد اليقيني في ذهن قارئه الأسوأ فهو يستذكر أمامه الأسوأ فحسب من أنواع ذاك السجع المقرون بنص حديث، وأحياناً من دون قراءةٍ للنصّ المعنيّ. قصيدة النثر المحلية أكيدة أن كل تجربة لا تستهدي بها، أكاد أقول بموتها، محكومة بالموت منذ البدء.
                      ثانياً: علي الرغم من أنها أس من الأساسات التاريخية للثقافة الشعرية العربية، فإن دلالة التقفية والحديث العام عن القافية ـ المتحولة طاعوناً فيما يُخفي ذاك الكلام ـ تنقصه إلي حد بعيد الدقة الاصطلاحية. وبعبارة أخري كأن النقد الحالي يحتاج من جديد إلي تعريفات واضحة للمواد التي يشتغل عليها. فإذا تعلق الأمر بهذه القافية مثلاً يبدو في مظهر من لم يعالجها في السابق ولم يدرس مصادرها وأسباب حضورها وعللها ومساوئها. في العشرين سنة الأخيرة من الكتابة النقدية الحداثوية ثمة سهو عن العناصر الشعرية الأساسية، الصغيرة والكبيرة. القافية هنا مثال استدلالي لا غير، حيث لا وجود لتعريف إجرائي محايث ولا لفحص حاذق لوضعيتها، وحيث تغيب بشأنها المراجع التراثية والدرس النقدي الأوربي المعاصر. الشجب المبدئي الأصلي لها يدفع للظن أن الشعرية العربية الحديثة متأكدة من الضرر الفظيع، المعروف من دون نقاش، الذي سيتخلل نصا حديثاً جراء إيقاع صريح. ستُرفض تحت الحجج جميعاً. وأخرها ما يذكره الشاعر التونسي نزار شقرون: لا يعقل أن تكون قصيدة النثر مناوئة للقيود الإيقاعية وتلتزم في الآن نفسه بقيد إيقاعي قديم فرضه نسق الحياة العربية الصحراوية ، وهو يقصد القافية انطلاقا من بداهة تُناقش. ويحق للوعي أن يتساءل فيما إذا كانت هذه القافية في جميع أشعار الشعوب الأخري غير العربية صادرة عن نسق صحراوي (وصياغة القضية الإيقاعية بربط القافية بمراجع صحراوية لا يبدو لي جاداً وأراه يتابع إستشراق القرن التاسع عشر، ولم يجرؤ حتي ابن خلدون علي طرحه علي هذه الشاكلة)؟ أم أن لهذا القيد الإيقاعي سبباً وعلة أخري؟ ولِمَ تحضر هذه القافية في جميع أغاني الشعوب وعند جميع شعراء العالم تقريباً وإن بدرجات متفاوتة ونسب مختلفة؟ يا للدرس البسيط المنسيّ في ثقافتنا الشعرية الراهنة.
                      هل لأن غنائيتها في تعارض وجودي مع لا غنائية قصيدة النثر؟ ليبرهن لنا أحد إذن إن قصيدة النثر العربية في قطيعة نهائية مع الغنائية؟ ألا يمكن خلق مزاوجات خلاقة بين النثر ونزعة غنائية ما؟ وما هي الغنائية يا تري في نهاية المطاف؟ ولأي سبب تتحوّل إلي ضرر في الشعر الحديث؟ هذه الأسئلة هي مشروع لبحث نقدي ننتظره.
                      ثالثاً: هنا مناسبة لقول كلمة عن القيود التي تزعم قصيدة نثرنا المحلية التملص منها بضربة واحدة. من الصعب بمكان التخلص، في الشعر، من جميع القيود بدفعةٍ سحريةٍ فتانةٍ. يجب التخلص من مبدأ الشعر نفسه والحالة هذه. إن الحديث عن إيقاع داخلي تفترضه غالبية النقود، هو إحالة غير صريحة لمشكلة الإيقاع الذي هو علي أي حال التزام بقيد نغمي وإنْ كان تلقائياً. إنَّ جميع الجناسات والطباقات وما إليها ليست سوي وضع للمعصم، طواعيةً، في قيود قديمة معروفة، وأنّ صياغات النحو نفسه وقوانينه والنَبْر في اللغات هي القيد الأكبر الذي لا فكاك منه، ومنه تطلع من دون شك إيقاعات محددة للغةٍ من اللغات. لا مكان عند استخدام اللغة نفسها لانفلاتٍ مطلقٍ من القيود. في مكان ما ثمة قيد ما تتوجب مراعاته بعناية. غير أن الأهم من ذلك كله أن التحرر من القيود لا يُستهدف لذاته بل لمزيد من العفوية في قول الجوهر الشعري للعالم. ونغامر بالقول أن الالتزام بالقيود الشعرية يصير، مراتٍ، متعةً ما بعدها من متعةٍ وتحدّياً دالاً علي قدرات الشاعر في البقاء، في آن واحد، في نطاق الحرية الشعرية الضرورية، والالتزام بالحدود المسموح بها قواعدياً ولغوياًَ علي الأقلّ. لا تقدر القوانين كبح سجية الشاعر ولجم استعاراته، لأنه يلعب عليها بالمعني الذي يلعب فيه عازف البيانو علي مفاتيح آلته، ويتلاعب بها ويخضعها في النهاية، علي ما يبدو، لهندسة عمله الداخلية.
                      رابعاً: واحد من المنطلقات الأساسية المستترة للفن الشعري الحديث تقوم، في تقديراتنا، علي رفض المنجر النهائي المستتب، محدد الملامح نهائياً والمكتمل Achev، والبقاء قدر الإمكان في اللا مكتمل inachev. وفي هذه العملية تبقي لغة الشاعر وخصوصياته الأسلوبية حاضرة بيقين ودهاء. هذه المفهومة صارت بداهة في فني الرسم والنحت الحديثين. من الواضح أن البقاء في إطار قانون واحد ولغة موحَّدة في كتابة قصيدة النثر العربية هذه يقود مرة أخري إلي (إقامة عمود شعري ثابت)، لا تختلف نزعته المحافظة عن أي عمود معياري ثابت آخر، وفي ذلك نفي لفكرة الحديث والحداثة التي لا تقبل بطبعها الثبات علي نسق واحد معياري. وعلي ما يقول بودريار "ليس للحداثة قوانين ولكن لها وجهات فحسب، إنها ليست نظرية ولكن يوجد منطق للحداثة". يوجد منطق داخلي للحداثة فحسب. غير أن كتاب ونقاد قصيدة النثر المحلية الحالية يريدون صياغة نظرية نهائية لها. وهو أمر لا نلتقي به في الشعر العربي والعالمي الحديث الذي يتناوب في استخدام جميع الممكنات القادرة علي خلق نص فريد، لا هجر بعضها نهائيا ولا الإصرار علي البعض الآخر نهائياً، حتي فيما يتعلق بالوزن نفسه: القيد الأكبر في الشعر العربي اليوم. قد يكون الشعر العربي القديم قد خضع بدوره لمنطق حداثته الزمنية، فأشعار المتنبي تغترف، من أجل خصوصيتها، من كل ما كان يهيئه لها الشعر في وقته، ولم يبق المتنبي البتة جامداً في إطار العمود المعياري المتفق عليه من طرف نقاده الذين لم يتركوا عاراً وسرقة إلا نسبوها إليه. كان شعرا غير مكتمل بمعني من المعاني. وكان شعراً منفتحاُ علي كل أفق، تقنياً ولغوياً ومعنوياً. كان شعراً حراً إذا شئنا. ومثله كان شعر أبي نواس المتهم بدوره بالخروج علي العمود الجليل النهائي ذاك.
                      في اللغة الفرنسية يُطلق التعبير (غير مكتمل أو غير منجز inachev) علي الجملة التي لم يجرِ التعبير عن أحد عناصرها، ويطلق عليها أيضا اسم الأهليلجية elliptique (الشكل البيضوي الناقص أي ليس الدائرة الكاملة)، وقد استعيرت المفردة في النقد التشكيلي الأوربي للتعبير عن فضيلةِ لوحةٍ أو منحوتةٍ توقّف الفنانُ عن انجازها قبل اكتمالها، كأن عدم اكتمالها يشي بانفتاح علي إمكانيات أخري متجددة قابعة في لا اكتمالها ذاته.
                      ويبدو لنا أن الاكتمال يصيب النص الشعري بالمقتلة، ويجعل منه مراوحة في فضاء ثابت وتكرار مقيم لنصٍّ واحدٍ وحيدٍ بتنويعاتٍ عدة. اللا مكتمل هو إعادةُ تذكيرٍ بجميع العناصر الممكنة في انبثاق النص وتوظيفها من دون إعطاء مفاضلة نهائية لبنُية منضبطة رياضياً وأبدية أو لعنصر منفلت بالمطلق. في صيغة اللا مكتمل نكاد أن نترك الأبواب مفتوحة لجميع العناصر المنقادة انقياداً طالما يمكنها إثراء النص. من حينها سيكون ممكناً إدخال أنواع أدبية أخري بل العناصر البصرية المحض في صلب النسيج اللغوي الشعري. وفي هذا السياق نعرف أن أبيات القصيدة الحديثة غير المتساوية في الطول تمنح العين مشهدا بصريا منذ الوهلة الأولي وقبل قراءتها. إنها صفحة بصرية، مرئية بطبيعتها، مراوغة ومن دون قوانين محسوبة. بل أن اختلاف طول الأبيات وترتيب الكلمات يمنحان العين، وحدهما، معانٍ داخليةٍ بصفتهما وحدات بصرية مستقلة. من هنا انطلق البعض، في سبعينيات القرن الماضي مستهدين بتجارب الشعر الفرنسي، بالحديث عن أهمية البياض في قراءة سواد أحرف القصيدة.
                      انطلاقاً من الشكلي، الضروري منه فحسب لعمل القصيدة، ذهاباً إلي الجوهر المضموني والاستعاري، يمكن الوقوف علي عمل اللا مكتمل الأدبي في مبدأ الاستعارة المنفتحة علي التخوم المتعددة واغترابها عن المعني اليتيم الواحد. إنها تذهب إلي الجوهري، وقد يقع هنا سبب من أسباب أهمية الشعر في الحياة الإنسانية. مع اللا مكتمل يمكن الذهاب في جميع الاتجاهات. لقد كان إثبات (الوزن) أو (القافية) في الخطاب الكلاسيكي نوعاً من (مكتمل) صريح لكن رفضهما خبط عشواء ليس سوي مكتمل من نوع آخر، لان كليهما يلتقيان في تشريع قانون نهائي للقصيدة. لا ينضبط النص الشعري إلا بقوانينه وليس بأي قانون آخر وإنْ استخدمه فهو يستخدمه لصالح أهدافه. هذا الجدل يغيب عن ذهن المولعين بالقواعد أو المولعين بقاعدة تحطيم القواعد.
                      خامساً: إن مأزق بعض مُقعِّدِيْ قصيدة النثر الراهنة كامن في تعبئتهم كل نقد متناقض، ملفق ضد العناصر الشعرية التاريخية المحايدة الطبع، كالأوزان والإيقاعات. يقع الدليل علي مأزقهم النقدي في الحضور الباهر لنصوص معاصرة متقيدة تماماً بالوزن، وبالتوازي مع ذلك غياب الأدلة النظرية والجمالية لديهم في البرهنة علي أن استخدام الوزن أو القافية علي وجه الخصوص، مُصاب بعلل لا شفاء منها في أشعار أدونيس ونزار قباني ومحمود درويش وسعدي يوسف علي سبيل المثال. بصدد هؤلاء الشعراء لا تُقدَّم البراهين، ويظل النقاد أنصار قصيدة النثر الباهتة الراهنة، شبه المترجمة، في مراوحة حذرة بين القبول الضمني بجميع أشكال الشعر الحقيقي والرفض الظاهري الحداثوي الشرس النبرة لكل التقنيات القديمة. بين القبول المبدئي بالشعر الحقيقي والأمل بقصيدة من دون أي قيود ثمة مفارقات ظاهرة لا يُحسد عليها أحد.
                      من جهة أخري، يغدو الاستناد إلي مرجعيات محايدة كالقافية موضع نقد متناقض، تُحشد له كل الحجج الحداثية. ففي شأن (قصيدة نثر بقافية) التي حاولناها قرأنا أنها سجع (أدونيس وغيره) وهي عود غير حميد لفترة تسبق اختراع قصيدة النثر العربية (أمجد ناصر) وهي من دون مستندات نظرية إيقاعية مقبولة وتجسّدات نصية (حاتم الصكر) وهي من دون مرجعيات عربية مؤصلة (شاعر من جيلي) وهي تنويع علي تجارب الرياحنة (هاشم شفيق) وهي مستجلبة استجلابا من دون دواع عضوية (نزار شقرون وغيره) وهي كذلك شكل من أشكال الانحطاط الشعري (د. محمد حسين الأعرجي) ويتوجب أخيراً رميها من النافذة بأسرع وقت ممكن (باسم المرعبي). لقد قيلت غالبية هذه الأفكار علي عجل وبسطور قلائل. ولكي لا يأخذ السجال إلا المنحي الموضوعي غير الشخصي، نسارع إلي القول أن تلك النقود تكشف أن مشكلة الإيقاع الشعري ليست من أولويات الراهن الشعري العربي. لا أولويات علي أي حال في الثقافة العربية بتاتاً.وبعيدا عن الأسماء الواردة أعلاه فإن الحالة الشعرية السائدة تعلن استهانة بمشكلة الإيقاع ومروراً سريعاً عليها وعدم تدقيق بمفهومات كبيرة، ليست القافية إلا مثالا لها فحسب، وفيها عدم كفاية اطلاع علي تجارب الشعراء المحايثين المعنيين بممارسة التجارب الجديدة ولا بمتابعة التطورات التي خضعوا لها. وثمة في منطق الكاتبين في مديح قصيدة النثر المحلية الناقدين لمن يخرج عن عمودها منطق (الموظة) سواءً في الركون إلي مفهومات غير محددة، مكررة، أو في استخدام المصطلحات الغائمة المتمردة علي نفسها، أو في اتخاذ المواقف القلقة.
                      ثمة كذلك تفاؤل مفرط بقصيدةِ نثرٍ محلية مُقعَّدةٍ عبر ممارسات نقدية ونصية ليست جادة أحياناً كثيرة. ممارسات تسعي لتجذير قصيدة نثر مثقلة، بشهادة الوسط الشعري برمته، بأخطاء وهفوات، يقف علي رأسها هجران أصول الفن الشعري لصالح الجهالة، ونبذ الموسيقي الداخلية والخارجية لصالح ما يشبه النشاز، من بين إشكالات أخري.[/align]
                      [gdwl]الشعر ولدي أحنو عليه ثم أطلقه[/gdwl]

                      تعليق

                      يعمل...
                      X