معالم من التجربة الفلسفية لأبي بكر بن طفيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إبراهيم عبد الله
    أديب وكاتب
    • 06-11-2008
    • 280

    معالم من التجربة الفلسفية لأبي بكر بن طفيل

    [align=justify]
    [align=center]معالم من التجربة الفلسفية لابن طفيل[/align]
    -
    1 -
    تعتبر قصة حي بن يقظان لابن طفيل من أجمل النصوص الفلسفية التي خطها فيلسوف عربي مسلم. ومن الغريب أن هذا الأثر الفلسفي اليتيم قد مات بموت صاحبه، وإن عرف هنا أو هناك، عرف تحت اسم آخر غير اسم الرجل الذي قدم مجمل الموضوعات والإشكالات التي عرفها تاريخ الفلسفة في إهاب قصصي جذاب، والغريب كذلك أن هذه الرسالة الفلسفية لا يزال الغبن يلاحقها، فمنذ أن لفت بوكوك عناية الدارسين لها حيث ترجمها إلى اللاتينية سنة 1671، وهذا الأثر الفلسفي يشكو من أكثر من شكاة؛ ففضلا عن عدم وجود أي تحقيق علمي له رغم تعدد نشراته، فهو يشكو من قلة الاحتفال العلمي به. فإنه رغم كثرة الدراسات التي أنجزت حوله فإن هذه الدراسات لم تقرأ الرسالة كنص متكامل في سياقه الاجتماعي - الثقافي وتقف عند لغته ورموزه. إذ أن الدراسات التي حاولت أن تقدم قراءة نقدية تراعي النص ولغته ورموزه وسياقه الاجتماعي - الثقافي دراسات نادرة، وإن كانت قراءة بهذا المعنى لاتزال في طي المشاريع …
    وإن تفحصنا لبعض هذه الدراسات أوقفنا على ملاحظة هامة، وهي أنهذه الدراسات تتعامل مع نص ابن طفيل معاملة تجزيئية حيث تجد نفسها تقطعالنص أوصالا وتباعيض، وتغيب عنها النظرة المتكاملة له. فتنزع في قراءته إمامنزعا تقمصيا، فترى فيه سيل الخلاص كما نجد مثلا في قراءة الشيخ عبد الحليم محمود، وإما تقرأه إسقاطية، فتراه سابقا إلى كثير من الكشوف التي عرفها العلم الحديث كما نجد ذلك عند بعض الدارسين العرب، أو تقرؤه قراءة تاريخية تربطه بأصول يونانية أو هندية كما نجد ذلك عند كثير من المستشرقين. وسنحاول في هذا البحث أن نعرف بهذا الفيلسوف وكتاباته قبل أن نضرب إلى فلسفته نتعرف على بعض من معالم هذه التجربة الفلسفية الغنية لفيلسوف الموحدين بدون منازع.

    1- حياة ابن طفيل؛ نظرة موجزة :

    لا يحدثنا التاريخ عن السنة التي ولد فيها ابن طفيل، في حين لا نجد صعوبة في الوقوف على تاريخ وفاته. فقد وقع الإجماع على أنه توفي سنة 581 هـ، أما إذا أردنا أن نتحمل من أجل الوقوف على سنة ميلاده، فإن القرائن لا تدل سوى على أنه قد يكون ولد بين سنة 495 هـ وسنة 505 هـ، فهذا ليون غوتييه يؤكد أن ابن طفيل ينتمي إلى الجيل السابق لجيل ابن رشد، ففي اللقاء الشهير الذي دعا ابن طفيل فيه ابن رشد إلى شرح كتب أرسطو، يعتذر ابن طفيل عن القيام بهذه المهمة بكبر السن(1). وهكذا ففي الوقت الذي يكون فيه ابن رشد في أتم نضجه، يكون ابن طفيل شيخا مسنا، وفي وقت لاحق سيتنازل ابن طفيل عن دور طبيب الخليفة لابن رشد - حسب ل. غوتييه(2) -، وأخيرا يموت ابن طفيل سنة 581. ففارق السن بينهم يكون بين 15 إلى 25 سنة. وقد جزم خير الدين الزركلي بأن سنة ولاده ابن طفيل هي 494 (3).
    وأما اسم ابن طفيل فهو محمد، وأما اسم أبيه فهو عبد الملك، أما اسم القريب فمحمد، وأما اسم جده البعيد فطفيل. ولا نعرف شيئا عن أبيه، ولا عن جدوده، وتؤكد الكتب التي أوردت نسبه على رفع نسبه إلى القبيلة العربية الشهيرة قيس بن غيلان(4).
    أما عن مسقط رأسه، فتذهب جل المصادر إلى أنه ولد في واد آش(5) ، وهي مدينة بالأندلس قريبة من غرناطة، كبيرة خطيرة، تطرد حولها المياه والأنهار، ينحط نهرها من جبل شلير، وهو في شرقها - وهي على ضفته ولها عليه أرجاء لاصقة بسورها، وهي كثيرة التوت والأعناب وأصناف الثمار والزيتون والقطن بها كثير …(6). وإذا كان ابن طفيل قد قضى في هذه المدينة الجميلة طفةلته، وصدرا من شبابه، فلعل جو هذه المدينة أن يكون هيأ لفيلسوفنا مكانا هادئا للتأمل، وساهم كثيرا في إرهاف حسه. ووادي آش فضلا عن ذلك مدينة أنجيت كثيرا من العلماء يصادفهم الباحث، وهو يطالع كتب الرجال والطبقات التي اهتمت بالتأريخ لرجال العلم والأدب في الأندلس.
    أما عن أسرة ابن طفيل، فنعرف أن ابن طفيل خلف ثلاثة أبناء على الأقل، لعل أكبرهم هو أبو بكر(7) الذي ينسب إليه عادة ابن طفيل ثم جعفر(8). ثم ابنه يحي الذي التقى به صاحب المعجب بمراكش سنة 603 وأنشده من شعر لأبيه(9).
    أما عن استمرارية أسرة ابن طفيل، فهذا ابن رشيد، يلتقي بحفيد ابن طفيل أبي زكرياء يحيى بن أحمد ابن يحيى بن محمد بن عبد المالك ابن طفيل القيسي، ويمده بكتاب نادر لابن طفيل في انتقال مصحف عثمان من قرطبة إلى مراكش(10). وكان أبو زكرياء هذا وزيرا، وهو أمر ذو دلالة على منزلة أسرته العلمية والسياسية عند المرينيين.
    لقد كان ابن طفيل رجل علم وسياسة، ولا نعرف الكثير عن حياته العلمية ولا عن حياته السياسية، سوى بعض الشذرات لا تغني كثيرا في هذا المجال؛ لكن لا يجب الإشارة إليه هو أن ابن طفيل لم يكن غريبا عن ثقافة عصره بكل أشكالها ولويناتها، فدرس الفقه على يد عبد الحق بن عطية وأبو محمد الرشاطي، والأدب على يد ابن شرف، كما درس الفلسفة على شيوخ لم يحفظ لنا التاريخ ذكر أحد منهم، وغير ذلك من العلوم التي كرع من معينها والتي أهلته لوظائفه في الدولة الموحدية، حيث نجده في سنة 540 هـ كتابا لابن ملحان الطائي(11)، ثم بعد ذلك سنة 548 هـ كتابا لوالي غرناطة أبي سعيد(12). ثم كتابا له سنة 549هـ عندما عين واليا لسبتة وطنجة(13). وفي سنة 552 هـ يسجل ابن طفيل لعبد المومن بن علي حدث نقل المصحف العثماني من قرطية إلى مراكش(14). وفي سنة 533 هـ يأمر عبد المؤمن ابن طفيل بكتابة قصيدة يستدعي فيها العرب من بين سليم(15)، ثم نجده سنة 565 هـ يكتب قصيدة أخرى لأبي يعقوب يوسف يستدعي فيها العرب إلى الجهاد(16). وفي سنة 576 هـ يكتب قصيدة للخليفة يبشر فيها بفتح قفصة(17). ونجده قبل ذلك في مرض الخليفة أبي يعقوب يكثر الدخول عليه للرعاية(18). ثم يتوفى سنة 581 هـ ويحضر الخليفة أبو يوسف يعقوب جنازته، كرمز على المنزلة الخاصة التي نالها ابن طفيل في قلوب الأسرة الموحدية، فقيها وطبيبا وفيلسوفا ووزيرا(19). ويبدو أن هذه المنزلة لم يكن وراءها فقط تمكنه من الثقافة الإسلامية، وإنما كذلك رعايته لخليفة الموحدين يوسف بن عبد المؤمن وتربيته له، وسيرته الشخصية التي رفعها البعض إلى درجة سيرة الأولياء(20). وكذلك ثقافته العلمية الواسعة وتكوينه الفلسفي كما سلف؛ وقد خلف ابن طفيل آثارا أدبية وعلمية فلسفية تبين مدى مساهمته في علوم عصره.

    2- آثار ابن طفيل :


    لقد نسب الذين ترجموا لابن طفيل الفيلسوف آثارا علمية، منها ما كتبه ابن طفيل، ومنها ما يبدو أنه لم يكتبه قط، ومنها ما يبدو أنه لا يزال مفقودا.
    * أما الآثار التي كتبها ابن طفيل، وتوجد بين أيدينا، فهي رسالته الفلسفية حي اين يقظان، وأرجوزته الطبية، ونصوص أدبية أخرى.
    أ- ليس هناك من شك في أن ابن طفيل هو مؤلف رسالة حي بن يقظان، فقد أشار إلى ذلك صاحب المعجب(21)، ونسبها له ابن الخطيب في الإحاطة(22)، كما أن المخطوطات التي بين أيدينا لهذه الرسالة الفلسفية ممهورة بتوقيع ابن طفيل، وإن كان في بعضها زلل واضح كما نجد مثلا في مخطوط الجزائر الذي ينسب الرسالة خطأ إلى ابن سينا، وقد عاينته. وفي مخطوطي القاهرة وليدن اللذين ينسبان الرسالة خطأ إلى ابن سبعين وقد عاينهما ليون غوتييه، وهذا الزلل وقع فيه أيضا ابن خلدون عندما نسب الرسالة خطأ إلى ابن سينا وذلك في معرض لمالجته لـ صناعة التوليد حين ذكر رأي الفارابي وحكام الأندلس في عدم اتقراض الأنواع، واستحالة النقطاع المكونات، وخصوصا النوع الإنساني فقال : وتكلف ابن سينا في الرد على هذا الرأي لمخالفته إياه، وذهابه إلى إمكان انقطاع الأنواع، وخراب التكوين، ثم عوده ثانيا لاقتضاءات فلكية وأوضاع غريبة تنذر في الأحقاب بزعمه، فتقتضي تخمير طينة مناسبة لمزاجه بحرارة مناسبة فيتم تكونه إنسانا، ثم يقيض له حيوان يخلق فيه إلهام لتربيته والحنو عليه، إلى أن يتم وجوده وفصاله. وأطنب في بيان ذلك في الرسالة التي سماها رسالة حي بن يقضان(23). مما دفع غرسية غومس في دراسة له أن يستخلص بأن هناك رسالة ثالثة لـ حي بن يقظان غير التي كتبها ابن سينا وابن طفيل، والتي من الممكن أن تشبه أكثر الرسالة السينوية، وقد رد ليون غويتة على هذا الزعم، ولكن ميغل كروس قدم سنة 1949 في رسالته للدكتوراه ما يدعم به أطروحة غومس، ولكن حجمه لم تتوجه إلى أساس المشكل(24). بل إن طائفة الكويكرز قد عرفت هذه الرسالة الفلسفية وجعلتها من المراجع الأساسية في تربية مريدها لفترة طويلة قبل أن تعرف أنها لفيلسوف عربي ! وهذا الخطأ في نسبة الرسالة إلى صاحبها يطرح - من جملة ما يطرح - مشكل موت نص حي بن يقظان بموت صاحبه ابن طفيل. إن موت نص ابن طفيل بعد وفاة صاحبه يطرح تساؤلات مهمة حول وضعية المناخ الثقافي الذي أنتج فيه النص؛ فقد كان فذا المناخ يعادي العمل الفني بعامة والشعري بخاصة كما يتجلى خاصة في شعور حازم القرطاجي بالاغتراب عن عصره، كما كان يعادي العمل الفلسفي - كما بين ابن طفيل نفسه ثم ابن رشد - فضلا عن أن نص ابن طفيل يدخل في باب الاختلاف الامتناعي » وهو باب غير مثمن في النقد البلاغي القديم(25). ومن هنا، فلعل الانحطاط الثقافي العام هو الذي كان وراء الصمت الكبير الذي أحاط بنص ابن طفيل، كما أحاط بنصوص معاصره ابن رشد.
    أما عن الدراسات التي تناولت النص فهي في مجملها لاتزال نادرة، ولا تزال في كثير منها أبعد عن ملامسة النص في طبيعته وإشكالياته، إذ أن هذا النص - رغم صغر حجمه - يثير صعوبات كبرى، وإشكاليات أكبر، ويتطلب مقاربات متعددة، ولعل أقرب طريق لمقاربة هذا النص هو الطريق المونوغرافي إذ أن تضافر الجهود ضرورة للقيام الجاد بشأن هذا النص الأدبي والفلسفي الخالد، وكل دراسة مفردة، ستظل دراسة قاصرة مهما ادعت من دعاوي وبذلت من جهد …
    ب- لم يذكر الأجورة الطيبة - ممن أرخوا لابن طفيل - سوى ابن الخطيب، وأطلق عليها اسم الأجوزة الطبية المجهولة(26)، وإن كانت الإشادة بمهارة ابن طفيل الطبية تمت بأكثر من قلم؛ فقد ذكر صاحب القرطاس أن ابن طفيل كان من أهل الحدق بصناعة الطب والنظر في الجراحات(27)، كما نسبه إلى الطب صاحب الإحاطة(28) والذيل والتكملة(29) والمطرب(30) والمقتضب(31) والبيان المغرب(32).
    لكن الأرجوزة اليوم لم تعد مجهولة، فقد تم اكتشافها، وإن لم تعرف بعد طريقها إلى النشر، وتوجد نسختها الوحيدة في خزانة القرويين بفاس، تحت رقم 1969، وتحتوي الأرجوزة على أكثر من 7700 بيت من الرجز السهل الواضح البين … وهذه النسخة تشمل على ثمان وأربعين ومائة ورقة من مقياس 30 × 21 إلا أنها عارية عن ذكر تاريخ نسخها وعن ذكر الناسخ نفسه، وكثير من أوراقها مصابة بالسوس والرطوبة، وقد ألف ابن طفيل ولأرجوزته على سبع مقالات …(33)، أما نسبة الأرجوزة لابن طفيل فأمر غير قابل للشك، فذلك ما تؤكده وثيقة التحبيس الموجودة في الهامش الأيسر من الورقة الأولى للأرجوزة حيث نقرأ : حبس مولانا الإمام … هذا الجلد المشتمل على رجز ابن طفيل، فضلا عن الطابع التعليمي الذي يسودها؛ سواء من خلال الأسلوب الذي ضيعت به الأرجوزة، أو من خلال التوجيهات الثانوية فيها، مما يشي بقرابة واضحة بين أرجوزته وبين رسالته حي بن يقظان، ويكشف عن شخصية ابن طفيل التربوية. وإن كان هذا النص الطبي لا يقدم كثيرا في فهم شخصية ابن طفيل الفلسفية، رغم انطواء الطب تحت العلم الطبيعي وارتباطه به، اللهم ما يمكن أن نكشف من خلاله عن الشخصية العلمية لابن طفيل، من خلال الوقوف على المعالم الكبرى للمنهج العلمي الذي يبلوه في الأرجوزة، أو من خلال الوقوف على بعض المفاهيم التي يشترك فيها الطب والفلسفة، فيشرف بها هذا العلم الطبيعي على بعض موضوعات العلم الإلهي. وأرجوزة ابن طفيل فوق هذه كله موسوعة علمية كبرى في علم النبات وعلم الحيوان، يشيد فيها كثيرا بجالينوس بالحكيم(34). وأبقراط الحكيم الفاضل(35).ج- خلف ابن طفيل أيضا من جملة ما خلف، بعض الآثار الأدبية التي كتبها من مناسبات مختلفة، ومن أهم هذه الآثار الموجودة؛ رسالته الرائعة في نقل المصحف العثماني(36)، وقصيدته في رخص العرب على الجهاد(37)، وأشعار متفرقة حفظها لنا صاحب المعجب(38). والناظر في هذه الآثار يقف على الأقل على ملاحظتين اثنتين :
    أولاهما، قدرة ابن طفيل الفائقة على الوصف، ترفدها دقة الملاحظة وجمال الأسلوب؛ فابن طفيل يعتني كثيرا بأسلوبه، من خلال اغترافه من معين تقنيات الخطاب الشعري الذي يقوم على التخييل. وهذا الأسلوب رافق ابن طفيل كثيرا في رسالته الفلسفية أيضا، مما يطرح مسألة العلاقة بين الأدب والفلسفة عند ابن طفيل كثيرا في رسالته الفلسفية أيضا، مما يطرح مسألة العلاقة بين الأدب والفلسفة عند ابن طفيل.
    ثانيهما، ولوع ابن طفيل بالغرابة وكلفه بها، فرسالته الأدبية الرائعة في المصحف العثماني مثلا يتردد فيها مفهوم الغريب 09 مرات، كما يتردد فيها مفهوم العجيب 05 مرات، فضلا عن الفضاء العجائبي التي تحرص على خلقه في الرسالة من خلال مفاهيم كثيرة، وبخاصة مفهوم الكرامة التي يتردد في هذا النص الأدبي كثيرا. وهذا الولع يترجمه اختفاء ابن طفيل في قصته الفلسفية بكتاب المسعودي أخبار الزمان(39) واستفادته منه، وهو كتاب يعبق غرابة كله، ذكر فيه المسعودي كما قال : طرفا من أخبار الروحانية على ما نقل إلينا … على طريق التعجب لا من طريق التصديق(40). وقد استعار منه ابن طفيل الفضاء العجائب لقصته حي بن يقظان.
    ** أما الآثار التي يبدو أن ابن طفيل كتبها ولكنها لن تصل إلينا؛
    أ- فمراسلاته الطبية مع ابن رشد، والتي يذكرها ابن أبي أصيبعة(41)، أما ليون غوتييه قينزع في دراسته عن ابن طفيل إلى القول بأن المؤلف الطبي الذي أشار إليه ابن الخطيب والمراسلات التي ذكرها ابن أصيبعة هي في الحقيقة مؤلف واحد(42)، وهو أمر أصبح مستبعدا بعد اكتشاف الأرجوزة. فيبقى إذن أن لابن طفيل كتابات أخرى في الطب لازالت مجهولة.
    ب- كذلك لابن طفيل كتابات في الفلك، يبدو أنها هي أيضا لازالت مجهولة، وخاصة ما كتبه عن المواضع المسكونة من الأرض، كما أكد ذلك ابن رشد ومن الصعب أن نطمئن إلى ما قرره غوتييه من أن هذا المكتوب هو نفسه ما كتبه ابن طفيل في الفلك، في بدايات حكايته الفلسفية(43)، لأن النص الذي أشار إليه ابن رشد، يدخل في إطار سجالي جمع بين ابن طفيل والمسمى أبو عبد الرحمن بن طاهر، مما يؤكد أن الأمر يتعلق بمقالة أفردها ابن طفيل لهذه المسألة؛ مقالة في الرد على أقاويل خصم الإعتراض على مقدماته، وهي مقالة اطلع عليها ابن رشد، واعتبر أن أقاويلها جدلية. يقول ابن رشد :
    فهذه البراهين هب التي اعتمدها أرسطو في هذا الموضع، وهي كما ترى براهين طبيعية صحاح. وقد يمكن أن نستدل على هذا بدلائل غير هذه. وقد ذكرنا نحن في ذلك طريقا من البيان في الجوامع الصغار التي لنا هو لعمري صحيح، ومقدماته مأخوذة من الحس والقياس. وقد أطال صاحبنا أبو عبد الرحمان بن طاهر القول في هذه المسألة، واستعمل في ذلك مقدمات كثيرة ر يخفى جنسها عند من ارتاض العلوم الطبيعية. لكن ما رام اثباته من ذلك حق هو لا شك فيه. وقد نازعه قوم من زمننا، وقد تكلف هو بالرد عليهم أقاويلهم في ذلك مشهورة بأيد الناس. ولصاحبنا أبي بكر بن طفيل قول جيد في
    الاعتراض على المقدمات التي استعملها في ذلك البيان، وقد ناقضه هو. وهي
    كلها أو جلها أقاويل جدلية(44) ونحن نعد هذه المقالة مما لا يزال مفقودا من مؤلفات ابن طفيل.
    *** أما الكتب التي يبدو أن ابن طفيل لم يكتبها قط، فرسالة في علم الفلك، ورسالة في النفس.
    أ- أما الرسالة في الفلك، فقد ذكر البطروجي أن ابن طفيل وعد بكتابة رسالة فلكية، يبسط فيها ما توصل إليه من حقائق جديدة في علم الفلك قد تعتبر فتحا جديدا فيه، لكن البطروجي صاحب ابن طفيل وتلميذه لم يؤكد هذا الأمر ولم ينفه. فيقول : وقد علمت بأن أبا بكر ابن طفيل رحمه الله تعالى، كان يذكر لنا أنه عثر على هيئة وأصول لتلك الحركات غير ذينك الأصلين اللذين وضعهما بطليموس، ودون أن يضع فلكا خارج المركز أصلا، ولا فلك تدوير، وتصح معه تلك الحركات جميعا ودون أن يلزم عنها شيء من المحال. وكان وعد أن يكتب فيه، ومكانه من العلم بحيث لا يجهل(45) لكن يبدو من سكوت البطروجي هذا أن وعد ابن طفيل ظل معلقا، وأن انصرافه - كما قال في اغتذاره لابن رشد عن معالجته لنصوص أرسطو - إلى همومه السياسية، وهمومه التأملية(46)، قد حال بينه وبين هذه الكتابة، وربما كتابات أخرى كانت ستغني البحث في العلم العربي الإسلامي.
    ب- أما الرسالة في النفس، فقد ذكر المراكشي أنه رأى بخط ابن طفيل رسالة في النفس. وقد نال هذا القول من لدن مؤرخي الفلسفة احتفاء كبيرا، وتم قبوله كقول لا يرقى إليه الشك، كما يلاحظ ل. غوتييه، بحجة ان المراكشي مؤرخ ثقة، ويتحدث عن كتاب رآه بأم عينيه، وهو فضلا عن ذلك عرف يحيى ابن الفيلسوف الذي قدم له ما تركه أبوه من مخطوطات، فكيف يشك بعد ذلك في قوله ؟ لكن الحجج التي يقدمها ل. غويتييه لتنفيذ هذا الزعم، قد تجعل دعوى المراكشي هذه متسرعة وباطلة(47).
    إن المراكشي عند غوتييه يكون دقيقا عندما يكتب في التاريخ، لكنه عندما يخرج عنه إلى ميدان آخر كالفلسفة مثلا فإنه يفقد دقته، ويقدم دليلا على ذلك ثلاث أو أربع هفوات زل بها المراكشي في نظره، وبان بها عدم تحقيقه.
    أولى هذه الهفوات، زعمه أن ابن طفيل تتلمذ على يدي ابن باجة في حين ان ابن طفيل نفسه في رسالته ينفي هذا الزعم، وهو ما يلقي ظلا من الشك حول قراءة المراكشي لرسالة ابن طفيل.
    ثانيهما، زعمه ان رسالة حي بن يقظان في الطبيعيات … غرضه فيها بيان مبدأ النوع الإنساني على مذهبهم أي الفلاسفة. ويعتقد ل. غوتييه أن هذا القول يحمل أكثر من خطإ :
    - إن القصة لا تنتمي إلى العلم الطبيعي، فالثلث الأول منها هو الذي يمكن أن ينسحب عليه هذا القول.
    - أن الغرض من الرسالة ليس بيان مبدإ النوع الإنساني، لأن ميلاد حي من غير أم ولا أب حسب ل. غوتييه، هو حدث استثنائي فريد وتخيل حاذق يهيئ ويكمل تخيلا آخر؛ تخيل فيلسوف يعلم نفسه بأقصى معاني الكلمة. وهذا القول لهذا الباحث يمكن ان يناقش.
    3- أن هذا التولد الذاتي ليس حسب غوتييه مذهب الفلاسفة، وهو قول مردود على غوتييهن فإن أرسطو يقول به في كتاب الحيوان وإن بمستوى معين(48)، كما يقول به الشيخ الرئيس حيث نجد ابن رشد يحكي عن ابن سينا، بأنه يقول إنه ممكن أن يتولد الإنسان من تراب، كما يتولد الفأر ولكنه وإن كان يعتقده … لم يقله موافقة لأهل زمانه …(49).إننا دون أن نسلم لغوتييه فلسفيا بما يقرر من أحكام، فإننا نأخذ باستنتاجه في أن المراكشي لم يقرأ رسالة ابن طفيل، ونرجع احتماله في أن يكون هذا المؤرخ قد عرضت عليه نسختان من خي، فأخذ إحداهما على أنها رسالة في النفس، والأخرى على أنها قصة حي، ويكون المراكشي بذلك لم يقرأ كتاب النفس المزعوم، كما لم يقرأ قصة حي بن يقظان كلها. ومما يقوي هذا الإفتراض أن مخطوطا بمدريد ظن لأمد على أنه كتاب النفس المفقود في حين أنه ليس نسخة من الرسالة الفلسفية، حي بن يقظان(50). وينتهي ل. غوتييه إلى القول إن ابن طفيل لم يكتب سوى رسالة حي بن يقظان(51) وهو جزم بعد اكتشاف كتابات أخرى لابن طفيل في حاجة إلى مراجعة.
    للحديث صلة
    ][/align]
يعمل...
X