كيد المياح
كعادته اخذ علي يمسح ارضية مقر عمله عند سي عبد الرحيم ، ينفض الغبار من المكتب الجاثم بالغرفة ، مضت شهور يداوم عمله بروتينية لا يدخرفيها أي جهد، وبتفانيه واخلاصه حازعلى ثقة مستخدمه الذي أجزى له في العطاء ومنحه غرفة بنفس العمارة ليخفف عنه عناء المشي صباحا حتى مقر العمل، وبدوره استدعى صاحبه ليشاركه في مسكنه الجديد . بعد ان اكتسب احترام رب عمله وحازعلى صداقته .
تذكر كيف كان منذ اكثر من ست شهور و ما ينيف قبل أن يعمل لأول مرة في المدينة،اذ انعكس ذلك في انشاده
الزمان بحر بنادم عوام
السباح الحادق يبلغ المرام
الضعيف الواهن راكد ومضيوم
لاشط يأويه ولا يبلغ مقام
كل وفين زهرو وانا زهري معلوم
كلها ومكتوبو وانا لمكتوبي نسلم
راضي بالنصيب ما نبخس ما نلوم
لم يعي بدخول سيدة الى المكتب لان وجهه منحني للأسفل ، فيما الأخرى صائخة تنظر اليه ، ولاثارة انتباهه دقت الباب المفتوح على مصراعيه ،
لما التفت اليها بزأد أردفت : بونجور مسيو
- بونجور مدام.
سألته عن رب عمله
- : ما كاين، شويا يجي.
وبدريجة متقطعة : انتا واش خدام ا عندو
اجابه بتاكيد صواب حدسها ،فقدمت نفسها ودلته عن اسمها وبدوره عرف عن نفسه بعد أن مدت له يدها فصافحته .
:- سي بون انا نرجع عندو.
لحظتها دخل عليه سي عبد الرحيم ووجد الفرنسية كادت ان تخرج
- بونجور ما دام.
- سالو مسيو ابد غاحيم جيت نسلم عليك ونشوفك.
- ميرسي مدام شكراو امك لاباس عليها
- وي مزيانة ، هاد الولد خدام عندك
لم يجبها الا بايماءة رأسه لأنه كان ينظر الى علي الذي طأطأ رأسه لا يعرهما اي اهتمام وانما منكب على ترفيف الأوراق المبعثرة في المكتب.
باي مدام : رد عليها بعد أن رفعت يدها ثم ا نصرفت.
مارتا سيدة فرنسية تأتي لتزور امها التي فضلت البقاء بالمغرب ، بعيدة عن بلدها الاصلي ، أما هي فتسكن في فرنسا، مطلقة ولديها ولدان تاتي بهما في العطل لرؤية جد تهم، التي تزورها لوحدها كل بضع شهور في السنة لتقضي معها اياما تعتني بها مدة كما تتفقد سير الأمور في مقهى يوجد على مقربة من المكان تكتسب منه أمها قوتها اليومي . ورثنه من ابيها المتوفي الذي كان جنديا في ايام الاستعمار. وهي لا تريد العودة الى بلدها فضلت أن تلازم ذكريات زوجها.
فمارتا هي ابنتها الوحيدة من زوجها ،وقد عادلت الاخيرة بين بلدها والمغرب تتكلف بتسيير المقهى خلال المدة القصيرة التي تقضيها بالمغرب في فترات الزيارة من كل سنة .
عمرها يناهز الأربعين .فيما عمر الام يناهز السبعين اذ تعد من بقايا عهد الاستعمار.وبالاضافة للمقهى، فقد ورثت ايضا تلك الشقة التي تسكنها بالعمارة ..
عندما القى التحية عليه وهو يمسح المكتب،سأله عن السبب في عدم مطالبته ولو بارسال شئء لامه ، فعلى ما يبدو له، قد مضى شهران، ربما امه في حاجة للنقود. وقد لاحظ أيضا بعض الانطوائية تشوب تصرفات الفتى، ومرد ذلك خجله الفطري ،قليلا ما يتحدث معه وذلك امر ليس في صالح الأخير، يريد ان يزيح الكلفة التي تشبث بها منذ اليوم الاول في عمله ،لا يبدي رأيه في شيء أو في حالة ما ان سأله.لا يرد عليه الا بلفظة ربما. لم يرق ذلك للرجل، ود لو ينأى عن تلك الكلفة التي وضعها من تلقا ء نفسه، يريده ان يتحرر من تقاليد الاحترام الاعمى الذي قد يعيق انفتاحه على المحيط الجديد ، ليجيد التصرف ، ويكتسب صفة الاجتماعي اللبق ، كي يواصل ويتواصل مع الآخرين، وينزع عنه كل ادران المعاملة البدوية البليدة .صمم ان يحرره من قوقعته الخجولة ويظهر بمظهر الحاذق اللائق ،وما عتابه ذاك الا لمحو التباعد الذي بينهما.
تدارك الفتى يداري اهماله معللا بقوله:
- كنت غا نقولها لك سبقتيني، مي بوحدها مع واحد البنت حتى المصروف ديالهم ماشي بزاف. .
- لا واخا على الاقل تخبيهم لك مك حتى تجي انا قلت هكذا احسن.
- الله يسهل علي نجيبها من تمارا.
رد الفتى لم يرق للرجل وانبهاره بالظواهر لم يستحسنه ، اطرق يثنيه عن عزمه وما يظنه انه الحل، لم يتوانى في بثه حب البلدة واسداء النصح له ، خشية أن يزوغ باندفاعه ويصبح كمهاجر دون مرجع بيئي يمكنه من الاحتفاظ على اصله ومنبت جذوره ، كما وقع لعدد كثير من الذين انصهروا في حياة المدينة وزحمتها، حتى صار الحنين الى الاصل املهم الوحيد في تحسين حياتهم ، ونادرا ما يترك بها احد ما سيعود من اجله ولا حتى منزل خاص يأويه ، اللهم بعض افراد عائلة قد يكون عالة عليهم عند ما يستضيفونه ، وان تأكد بانه سيلقى بعض الترحيب في اول وهلة، لكن ذلك كله سينقلب الى ملل من وجود سيصبح مع الايام ثقلا ، وكل ذلك من نتاج الظروف الصعبة واندثار الود الذي قد يضطر الى مجافاة اولي الارحام.
لكن الفتى لم يقتنع بعد بكلامه فرد قائلا
- : فين كا تصور الطرف دلخبز هي بلادك.
- :حتى لي تزدتي فيها او كبرتي فيها عمرك ما تطيح من قيمتها ايلا خويتيها او خواها الآخرغادي تولي خلا ..
أكد له انه بالرغم من كل ما اكرم به من مال وثراء، فانه لم يغفل ابدا عن بلدته الاصلية، لأن له بيتا هناك يذهب اليه كل ما سنحت الظروف صحبة ابنائه. عازم على العودة اليها والاستقرار بها في يوم ما.
تنبه الى ما لم يكن في حسبانه ، يخال ان المدينة هي التي يتمنى كل انسان ، أعاب على نفسه استهوانه بالدوار، فطن الى ما يجدر به في حق بلدته واعطائها القيمة المستحقة والافضلية التي تستلزمها منه ، فالمدينة لاهلها أما هو فانه ضيف أوطي اليها بحثا عن رزقه .
وفيما يشبه الاقرار بقلة اهمية دواره عارض يقول :
- ما فيها ما يدار حتى الفلاحة لي كانت فيها ما بقات
-:اش نقول ليك، الناس لي ما بغاوا يخدموا ما شي بحال الاولين .الشباب لي خصهم يخدموا، عجزوا .
علي : فهمتك بنادم ما يعرف قيمة الشباب حتى يشيخ ويهرم.
انصرف الرجل في حاله ربما لأمرأجد ، قد تاجل بسبب حديثهما وانساه في لحظته ، حسب ما دلت عليه هرولته الخفيفة اذ انصلت خارجا ، ولم ينسى تذكيره بعودته بعد هنيهة في حا لة ان سأل احد ما.
هذا الرجل حنكته الحياة ،افضى الفتى الى نفسه ، بالرغم انه كبر في المدينة وألفها ،لم ينسى قريته التي هي اصله ، لا شك انه من طينة امه التي اوصته بأن ينسى ارضه ودواره ، انهما من المعدن نفسه ،
لم ينكرا فضل الدوار عليهما ، ولم يقللا من شأنه ، على عكسه عندما انبهر بالمدينة ،
فكما اخبره الرجل، فالقرية هي ملاذ كل ابنائها ، مهما طال اغترابهم.وليس من شيمة الرجل ان يبخس قيمة بلدته الأصلية، وقد ضرب له مثلا عن الذين انقلبت بهم نوائب الزمان وخدعتهم مكائد الدهر ، بعد ان وئد ت أواصر التواصل بينهم وبين بلدانهم الأصلية. .
استوعب اخيرا ما كانت تلمح اليه امه ، وعرف معنى شخصية الانسان، التي تستوجب التمسك بها ،
وهي الهوية الأجدى للافتخار بها امام الآخرين. فطن الى ما ينبغي أن يعتز الفرد به ويعتد ، تغيرت نظرته للواقع، رغم انبهاره بالحضارة، لا يحسن له ان ينساق وراء المظاهر، مثل صاحبه حماد الذي يحتقر الدوار وأهله ،يعتبرهم بدائيين لا زالوا يرزحون تحت مخلفات الماضي القديم حسب رأيه ، ورغم ان الأخير قد أصاب في بعض جوانب وصفه لحالة الدوار ان لم نقل كلها ، فلا يحق له أن يبالغ ويحط من قيمة تقاليد لا بد منها لما لها من مزايا،و التي من خلالها يتم التعامل مع الواقع والتواصل معه، لأن الواقع تمخض من الماضي، كما انه من تركة السلف ، وعليه ان يضع نصب عينيه مصلحة دواره قبل كل شيء،و كما قال سي عبد الرحيم اذا هاجر كل الشباب من الدوار ستخلو من الحياة وتصبح قفرا لا يسمع فيها الا نعيق البوم ، ناهيك عما لو هاجروها في وقتنا الحاضر ، الذي كلت فيه المدينة من الازدحام والاكتظاظ السكني المهول .
تفضل حماد للاندلاف عليه ،وقد وجده منهمكا يضع الاوراق في اماكنها بانتظام على سطح المكنب، ولم يعي به.
- صباح الخير يا سي علي
التفت اليه مستغربا قدومه في ذلك الوقت من اليوم ، اذ يفترض ان يكون في محله نظرا لكثرة توافد الزبائن عنده لشراء المستلزمات اليومية ، لا شك ان شيئا مهما اتى به والا ما تحمل عبء اغلاق المحل .
- صباح الخير يا سي حماد ماشي مولف فيك تسد هاد الوقت محلك.
اخرج حماد رسالة من جيبه .
- ما يمكن نتسنا حتى لليل لا بد نفرحك هاد الصباح بخبار مك .
علي : اسيدي الله يبشرك بالخير وريني نشوف ، وشكون لي كتبها.
نظراليه حماد وهو يبتسم في وجهه يدعي الجهل بكاتب الرسالة ويريد ان يستغفله اذ اوشك الاخير على قول شيء ، لكن الأول لم يدع له الفرصة عندما لمح بتكشيرة بين حروف محياه ،اذ انسل هاربا يودعه حتى المساء.
كعادته اخذ علي يمسح ارضية مقر عمله عند سي عبد الرحيم ، ينفض الغبار من المكتب الجاثم بالغرفة ، مضت شهور يداوم عمله بروتينية لا يدخرفيها أي جهد، وبتفانيه واخلاصه حازعلى ثقة مستخدمه الذي أجزى له في العطاء ومنحه غرفة بنفس العمارة ليخفف عنه عناء المشي صباحا حتى مقر العمل، وبدوره استدعى صاحبه ليشاركه في مسكنه الجديد . بعد ان اكتسب احترام رب عمله وحازعلى صداقته .
تذكر كيف كان منذ اكثر من ست شهور و ما ينيف قبل أن يعمل لأول مرة في المدينة،اذ انعكس ذلك في انشاده
الزمان بحر بنادم عوام
السباح الحادق يبلغ المرام
الضعيف الواهن راكد ومضيوم
لاشط يأويه ولا يبلغ مقام
كل وفين زهرو وانا زهري معلوم
كلها ومكتوبو وانا لمكتوبي نسلم
راضي بالنصيب ما نبخس ما نلوم
لم يعي بدخول سيدة الى المكتب لان وجهه منحني للأسفل ، فيما الأخرى صائخة تنظر اليه ، ولاثارة انتباهه دقت الباب المفتوح على مصراعيه ،
لما التفت اليها بزأد أردفت : بونجور مسيو
- بونجور مدام.
سألته عن رب عمله
- : ما كاين، شويا يجي.
وبدريجة متقطعة : انتا واش خدام ا عندو
اجابه بتاكيد صواب حدسها ،فقدمت نفسها ودلته عن اسمها وبدوره عرف عن نفسه بعد أن مدت له يدها فصافحته .
:- سي بون انا نرجع عندو.
لحظتها دخل عليه سي عبد الرحيم ووجد الفرنسية كادت ان تخرج
- بونجور ما دام.
- سالو مسيو ابد غاحيم جيت نسلم عليك ونشوفك.
- ميرسي مدام شكراو امك لاباس عليها
- وي مزيانة ، هاد الولد خدام عندك
لم يجبها الا بايماءة رأسه لأنه كان ينظر الى علي الذي طأطأ رأسه لا يعرهما اي اهتمام وانما منكب على ترفيف الأوراق المبعثرة في المكتب.
باي مدام : رد عليها بعد أن رفعت يدها ثم ا نصرفت.
مارتا سيدة فرنسية تأتي لتزور امها التي فضلت البقاء بالمغرب ، بعيدة عن بلدها الاصلي ، أما هي فتسكن في فرنسا، مطلقة ولديها ولدان تاتي بهما في العطل لرؤية جد تهم، التي تزورها لوحدها كل بضع شهور في السنة لتقضي معها اياما تعتني بها مدة كما تتفقد سير الأمور في مقهى يوجد على مقربة من المكان تكتسب منه أمها قوتها اليومي . ورثنه من ابيها المتوفي الذي كان جنديا في ايام الاستعمار. وهي لا تريد العودة الى بلدها فضلت أن تلازم ذكريات زوجها.
فمارتا هي ابنتها الوحيدة من زوجها ،وقد عادلت الاخيرة بين بلدها والمغرب تتكلف بتسيير المقهى خلال المدة القصيرة التي تقضيها بالمغرب في فترات الزيارة من كل سنة .
عمرها يناهز الأربعين .فيما عمر الام يناهز السبعين اذ تعد من بقايا عهد الاستعمار.وبالاضافة للمقهى، فقد ورثت ايضا تلك الشقة التي تسكنها بالعمارة ..
عندما القى التحية عليه وهو يمسح المكتب،سأله عن السبب في عدم مطالبته ولو بارسال شئء لامه ، فعلى ما يبدو له، قد مضى شهران، ربما امه في حاجة للنقود. وقد لاحظ أيضا بعض الانطوائية تشوب تصرفات الفتى، ومرد ذلك خجله الفطري ،قليلا ما يتحدث معه وذلك امر ليس في صالح الأخير، يريد ان يزيح الكلفة التي تشبث بها منذ اليوم الاول في عمله ،لا يبدي رأيه في شيء أو في حالة ما ان سأله.لا يرد عليه الا بلفظة ربما. لم يرق ذلك للرجل، ود لو ينأى عن تلك الكلفة التي وضعها من تلقا ء نفسه، يريده ان يتحرر من تقاليد الاحترام الاعمى الذي قد يعيق انفتاحه على المحيط الجديد ، ليجيد التصرف ، ويكتسب صفة الاجتماعي اللبق ، كي يواصل ويتواصل مع الآخرين، وينزع عنه كل ادران المعاملة البدوية البليدة .صمم ان يحرره من قوقعته الخجولة ويظهر بمظهر الحاذق اللائق ،وما عتابه ذاك الا لمحو التباعد الذي بينهما.
تدارك الفتى يداري اهماله معللا بقوله:
- كنت غا نقولها لك سبقتيني، مي بوحدها مع واحد البنت حتى المصروف ديالهم ماشي بزاف. .
- لا واخا على الاقل تخبيهم لك مك حتى تجي انا قلت هكذا احسن.
- الله يسهل علي نجيبها من تمارا.
رد الفتى لم يرق للرجل وانبهاره بالظواهر لم يستحسنه ، اطرق يثنيه عن عزمه وما يظنه انه الحل، لم يتوانى في بثه حب البلدة واسداء النصح له ، خشية أن يزوغ باندفاعه ويصبح كمهاجر دون مرجع بيئي يمكنه من الاحتفاظ على اصله ومنبت جذوره ، كما وقع لعدد كثير من الذين انصهروا في حياة المدينة وزحمتها، حتى صار الحنين الى الاصل املهم الوحيد في تحسين حياتهم ، ونادرا ما يترك بها احد ما سيعود من اجله ولا حتى منزل خاص يأويه ، اللهم بعض افراد عائلة قد يكون عالة عليهم عند ما يستضيفونه ، وان تأكد بانه سيلقى بعض الترحيب في اول وهلة، لكن ذلك كله سينقلب الى ملل من وجود سيصبح مع الايام ثقلا ، وكل ذلك من نتاج الظروف الصعبة واندثار الود الذي قد يضطر الى مجافاة اولي الارحام.
لكن الفتى لم يقتنع بعد بكلامه فرد قائلا
- : فين كا تصور الطرف دلخبز هي بلادك.
- :حتى لي تزدتي فيها او كبرتي فيها عمرك ما تطيح من قيمتها ايلا خويتيها او خواها الآخرغادي تولي خلا ..
أكد له انه بالرغم من كل ما اكرم به من مال وثراء، فانه لم يغفل ابدا عن بلدته الاصلية، لأن له بيتا هناك يذهب اليه كل ما سنحت الظروف صحبة ابنائه. عازم على العودة اليها والاستقرار بها في يوم ما.
تنبه الى ما لم يكن في حسبانه ، يخال ان المدينة هي التي يتمنى كل انسان ، أعاب على نفسه استهوانه بالدوار، فطن الى ما يجدر به في حق بلدته واعطائها القيمة المستحقة والافضلية التي تستلزمها منه ، فالمدينة لاهلها أما هو فانه ضيف أوطي اليها بحثا عن رزقه .
وفيما يشبه الاقرار بقلة اهمية دواره عارض يقول :
- ما فيها ما يدار حتى الفلاحة لي كانت فيها ما بقات
-:اش نقول ليك، الناس لي ما بغاوا يخدموا ما شي بحال الاولين .الشباب لي خصهم يخدموا، عجزوا .
علي : فهمتك بنادم ما يعرف قيمة الشباب حتى يشيخ ويهرم.
انصرف الرجل في حاله ربما لأمرأجد ، قد تاجل بسبب حديثهما وانساه في لحظته ، حسب ما دلت عليه هرولته الخفيفة اذ انصلت خارجا ، ولم ينسى تذكيره بعودته بعد هنيهة في حا لة ان سأل احد ما.
هذا الرجل حنكته الحياة ،افضى الفتى الى نفسه ، بالرغم انه كبر في المدينة وألفها ،لم ينسى قريته التي هي اصله ، لا شك انه من طينة امه التي اوصته بأن ينسى ارضه ودواره ، انهما من المعدن نفسه ،
لم ينكرا فضل الدوار عليهما ، ولم يقللا من شأنه ، على عكسه عندما انبهر بالمدينة ،
فكما اخبره الرجل، فالقرية هي ملاذ كل ابنائها ، مهما طال اغترابهم.وليس من شيمة الرجل ان يبخس قيمة بلدته الأصلية، وقد ضرب له مثلا عن الذين انقلبت بهم نوائب الزمان وخدعتهم مكائد الدهر ، بعد ان وئد ت أواصر التواصل بينهم وبين بلدانهم الأصلية. .
استوعب اخيرا ما كانت تلمح اليه امه ، وعرف معنى شخصية الانسان، التي تستوجب التمسك بها ،
وهي الهوية الأجدى للافتخار بها امام الآخرين. فطن الى ما ينبغي أن يعتز الفرد به ويعتد ، تغيرت نظرته للواقع، رغم انبهاره بالحضارة، لا يحسن له ان ينساق وراء المظاهر، مثل صاحبه حماد الذي يحتقر الدوار وأهله ،يعتبرهم بدائيين لا زالوا يرزحون تحت مخلفات الماضي القديم حسب رأيه ، ورغم ان الأخير قد أصاب في بعض جوانب وصفه لحالة الدوار ان لم نقل كلها ، فلا يحق له أن يبالغ ويحط من قيمة تقاليد لا بد منها لما لها من مزايا،و التي من خلالها يتم التعامل مع الواقع والتواصل معه، لأن الواقع تمخض من الماضي، كما انه من تركة السلف ، وعليه ان يضع نصب عينيه مصلحة دواره قبل كل شيء،و كما قال سي عبد الرحيم اذا هاجر كل الشباب من الدوار ستخلو من الحياة وتصبح قفرا لا يسمع فيها الا نعيق البوم ، ناهيك عما لو هاجروها في وقتنا الحاضر ، الذي كلت فيه المدينة من الازدحام والاكتظاظ السكني المهول .
تفضل حماد للاندلاف عليه ،وقد وجده منهمكا يضع الاوراق في اماكنها بانتظام على سطح المكنب، ولم يعي به.
- صباح الخير يا سي علي
التفت اليه مستغربا قدومه في ذلك الوقت من اليوم ، اذ يفترض ان يكون في محله نظرا لكثرة توافد الزبائن عنده لشراء المستلزمات اليومية ، لا شك ان شيئا مهما اتى به والا ما تحمل عبء اغلاق المحل .
- صباح الخير يا سي حماد ماشي مولف فيك تسد هاد الوقت محلك.
اخرج حماد رسالة من جيبه .
- ما يمكن نتسنا حتى لليل لا بد نفرحك هاد الصباح بخبار مك .
علي : اسيدي الله يبشرك بالخير وريني نشوف ، وشكون لي كتبها.
نظراليه حماد وهو يبتسم في وجهه يدعي الجهل بكاتب الرسالة ويريد ان يستغفله اذ اوشك الاخير على قول شيء ، لكن الأول لم يدع له الفرصة عندما لمح بتكشيرة بين حروف محياه ،اذ انسل هاربا يودعه حتى المساء.
تعليق