أبو العلاء المعرى فى أرمينيا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    أبو العلاء المعرى فى أرمينيا

    [align=justify]أبو العلاء المعرى ..أزعم أنه أكبر شاعر عربى إنسانى على مر العصور وتوالى الدهور .
    لاتفارقنى لزومياته ..أكاد أؤكد لنفسى أن ماكتبه أبو العلاء المعرى ..هو الخلود ولاشىء غيره.
    لا أتذكر كم من المرات قرأت ماكٌتب عنه ..كتابات د.طه حسين ،د،عائشة عبدالرحمن ..وآخرين كثيرين .

    رسالة الغفران ..هذا العمل الملحمى الفذ والذى لايقل فى خلوده عن الإلياذة والأوديسا ..لهوميروس وأيضا الإينيادة لفرجيل .
    رسالة الصاهل والشاجح ..رسالة الملائكة ..الفصول والغايات ..ديوانه سقط الزند.

    أبو العلاء المعرى ..هذا الذى أصابه وابلٌ من النقد الجامح عبر العصور..وهكذا العظماء ..عُرضةً للقيل والقيل ،للمدح والذم .


    تعريف القدماء بأبى العلاء ..هذا السفر الضخم ومن القطع الكبير جداً ..وتحت رعاية الدكتور طه حسين ..تم تجميع كل ما كُتب عنه ..قرأتُ هذا الكتاب مرةً بعد مرة ..أزدادُ يقيناً بعبقرية، هذا المعرى وشموخه عبر عصور الأدب .

    قرأتُ ..هذه المقالة (أبو العلاء المعرى فى أرمينيا ) أعجبتنى كل الإعجاب ..قلتُ لنفسى لما لا تنشرها ..ترددتُ كثيراً ثم استقر عزمى على نشرها .[/align][align=justify][/align]
  • عبدالرؤوف النويهى
    أديب وكاتب
    • 12-10-2007
    • 2218

    #2
    أبو العلاء المعري فـي أرمينيا
    أويديك اسحاقيان:
    المعري جسّد صورة البطل الملحمي

    محمد لطفي اليوسفي

    فى كتابه هكذا تكلّم زرادشت يحدّثنا نيتشه قائلا: «إن المبدع لا يتخذ له رفاقا إلا ممّن كانوا مثله مبدعين. إنه يتخذهم ممن يحفرون سننا جديدة على ألواح جديدة. إن المبدع يطلب رفاقا له بين من يعرفون أن يشحذوا مناجلهم. وسوف يدعوهم الناس هدّامين، غير أنهم في النهاية هم الحاصدون والمحتفلون بالعيد». هذه المقولة تنطبق بالكلّ على ما جرى بين المتنبي والمعري والشاعر الأرمني الأشهر أويديك إسحاقيان.

    كريما كان أبو العلاء المعري مع المتنبّي. وكريما سيكون الشاعر الأرمني أويديك إسحاقيان مع المعرّي. وللكرم في الحالتين حكاية جديرة بأن نصغي إليها ونتملاّها. فلقد قضى المعري أيامه تحت الشمس مناصرا للمتنبي ذائدا عنه بقلمه ولسانه. كان المتنبي شاعر بلاطات ملأ الدنيا وشغل الناس حتى أن البلاطات صارت تلحّ في طلبه. أما المعري فقد كان من الشعراء الذين لم يستظلوا بظلّ الشعر ولم يتكسّبوا.

    لم تكن الكتابة عنده صناعة تمرّس بها بل كانت فعل وجود. ولم تكن الكلمات في نظره وسيلة بل كانت ترجمان حقيقة الوجود. والناظر في ما كتبه المعرّي شعرا ونثرا يلاحظ في يسر أن الكتابة لديه لا تتشكّل اتفاقا وبختا أو تسلية واستجلابا للمنافع بل تنهض باعتبارها حدث مواجهة لرعب الوجود.

    لقد عاش المعرّي في زمن بدأت فيه أمجاد العرب تتلاشى وشرع الأفول يتهدّد الثقافة العربية وناسها. والرّاجح أن وعيه الفاجع بما يتهدّد الأمّة العربية الإسلامية من مخاطر هو الذي جعل التفكير في عدمه الخاص ينفتح على التفكير في العدم المتربّص بالأمة قاطبة. هذا في رأيي ما جعل الكتابة لديه تتخذ طابعا مقاوِما. غير أن فعل المقاومة لن يأتي صريحا مباشرا بل سيتّخذ له دروبا ومسالك ملتوية مواربة. وسيعلن عن نفسه في شكل دفاع عن الشعر وذود عن الوجدان الجماعي. لقد كان المعري على يقين من أن الشعر هو بيت العرب إن ضاع تلفوا.

    كان على وعي أيضا بأن تاريخ الشعر والشاعر في الثقافة العربية كان تاريخ هبوط ومرارات وأن دولة الأدب قد دالت، وافتتح الهوان تاريخه. وكلّما تقدّم الزمن ازدادت مآزق الأدب وناسه عنفا ومضاء. حتى لكأنه كان يدرك تماما أن التنظيم الاجتماعي الجديد الذي رافق نشأة المدينة ونظمها هو الذي سيظلّ يمضي بالأدب إلى خرابه ويضع الأديب أمام خيارين كلاهما مرّ. فإما أن يربو بنفسه وبأدبه عن التكسّب والانتجاع ويزهد في الدنيا ومُتَعها ومتاعها فينجو وينجو معه إبداعه -وهذه طريق ليست هيّنة فللحاجة سطوتها وسلطانها- أو يختار الهوان دربا فيحوّل أدبه إلى سلعة ذات قيمة تبادليّة ويمضي على درب التسوّل والسؤال. والمعرّي لا يخفي إدانته للمتكسّبين الذين مضوا على درب الهوان مختارين أو مدفوعين إليه لرقّة الحال وشحّ الرّزق.

    يكتب المعرّي في رسالة الغفران: «ومن بغى أن يتكسّب بهذا الفنّ، فقد أودع شرابه في شنّ، غير ثقة على الوديعة، بل هي منه في صاحب خديعة.»١ ولكثرة المدّاحين المتكسبين الذين اتخذوا من الشعر طعمة وصل المعري إلى حدّ إدانة الفنّ نفسه. فعرّف الشعر بكونه مجرّد وسيلة تقرّب وتزلّف.

    إنها المفارقة إذن

    فالمعرّي يعتبر التكسّب خروجا بالشعر عن حدّه. لكنه عاش مدافعا عن المتنبّي. كان المعرّي شاعرا ومفكّرا نذر حياته لفنه ولم ينتجع بشعره أبدا. كان متعفّفا لم يتخذ من الشعر مكسبة ولم يرتزق به على عادة أغلب الشعراء العرب منذ النابغة حتى أيامنا. أما المتنبّي فقد لطّخت صورته بالمعرّات أصنافا حتى كاد يغدو بمثابة التجسيد الفعلي للشاعر المرتزق المتكسّب الذي مضى على دروب الهوان حتى أقاصيها. حتى لأن صورته في الوجدان الجماعي والذاكرة الجماعية غدت صورة ملتبسة غاية الالتباس ذلك أنه يعدّ الشاعر الأمهر الذي أعاد للشعر العربي لهبه وللكلمة نارها ونجح في منازلة أخفق فيها غيره من الشعراء إذ جعل السلطة لسياسية تمتثل لمتطلبات السلطة الشعرية فصار الملوك يلحّون في طلبه طمعا في مدائحه. لكن كل هذه الأمجاد لا تعني أن صورته ليست محاطة بالمعرّات التي لطخت بها صورة الشعراء المتكسبين الذين حوّلوا الشعر إلى سلعة ذات قيمة تبادلية واستظلوا بظلّ الشعر ومضوا على درب الهوان إلى المنتهى.

    وفي حين تجمع كتب تاريخ الأدب وكتب الأخبار على تكريس هذا التصوّر الذي يكاد يخرج بالمتنبي من دائرة الشعر إلى دائرة التسوّل والسؤال سيقف المعرّي مدافعا عن المتنبّي وعن شعره. لكن الدفاع سيسلك طرقا ملتوية مواربة بموجبها يتحوّل من دفاع عن المتنبّي وشعره إلى دفاع عن شرف الكلمة وشرف الاسم لأنه كان يعدّ الشعر بيت العرب.

    والثابت أن الناظر في الأخبار التي تفننت في التشنيع على المتنبي سيلاحظ أنها قد تحرّكت في المكر. ومن المكر والحيلة نسجت خيوطها وفتلت أحابيلها. وهي حكايات وأخبار تتبع استراتيجية واضحة غايتها تجريد المتنبي من القيم التي مجّدها العرب واعتبروها تمام الفتوة إن عُدِمها المرء شين وسقط. فلقد تناولت الأخبار نسب المتنبّي وجرّدته من شرف الانتماء إلى عراقة ما. ثم تفنّنت في الكشف عن بخله. فجرّدته من قيمة الكرم التي أعلاها الوجدان الجماعي واعتبرها الطريق المؤدّية إلى الأمجاد والمآثر.٢ وكان أيضاً أنها جرّدته من قيمتي الفروسيّة والشجاعة وأظهرته بمظهر الرّعديد الذي يبعث على الشفقة.٣ ولم تكتف بذلك، بل حرصت على إخراجه من دائرة الشعراء المجيدين وتنزيله في عداد اللصوص والسرّاق الذين لا يتورّعون من نهب أشعار الموتى ونبش القبور.٤ ثم عمدت إلى الطعن في معتقده فتفننت في الإخبار عن ادعائه النبوة.٥ وبذلك تمّت الدّائرة.

    لقد كان من المفترض أن نبرة التشفّي والانتقام التي داخلت هذه الأخبار التي شنّعت على المتنبي من شأنها أن تجعل أشدّ القرّاء براءة واستسلاما لمكائد الرواة وألاعيبهم وبراعتهم في حبك الحكايات ونسج الأقاصيص يشعر، ولو من قبيل الحدس، بنوع من الرّيبة. لاسيّما أن صورة الشاعر كما ترسمها أشعاره تتغاير بالكلّ مع ما تحرص هذه الأخبار على تكريسه وإشاعته. ولا يمكن لشاعر زاهد في الدنيا عارف بخبايا النفس البشريّة مثل المعرّي أن لا تعاف نفسه المتنبّي إذا كان يتّصف فعلا بكلّ هذا السقوط وهذه الدونية. وما احتفاء المعرّي بالشاعر وشعره واستماتته في الدفاع عنه إلا أمارة على أن المعرّي كان قد اطّلع على أغلب هذه الأخبار والأقاصيص التي حاكها الحاسدون العيّابون فأدرك أنها إنما نسجت خيوطها من المكر. ومنه فتلت أحابيلها. وتمكّنت، مستندة إلى ما تنبني عليه من مداورة ومواربة وكيد، من إحاطة صورة الشاعر بهالة من سواد.

    لذلك سيقضي المعرّي العمر كلّه مدافعا عن الشاعر قولا وكتابة. وسيصل الأمر بخصوم المتنبّي إلى إذلال المعرّي وإيذائه غير عابئين بعماه وبعلمه وفضله ومنزلته.(٦)

    ٭ ٭ ٭

    أما حكاية كرم الشاعر الأرمني أويديك إسحاقيان مع المعري فإنها أكثر دلالة على أن المبدع الحق لا يختار رفاقا له إلا ممن كانوا مثله مبدعين مثلما يحدّثنا نيتشه.

    فلقد ولد الشاعر الأرمني سنة 1875 وتوفي سنة 1957. افتتن أويديك إسحاقيان بشخصية المعري وشعره فكتب ملحمته حول المعري سنة 1909. كان وقتها شاعرا يشهد له بالفضل فصار بعد كتابة ملحمته الشعرية التي اختار لها عنوان «أبو العلاء المعري» أشهر شاعر في أرمينيا. وسرعان ما أدرجت الملحمة في برامج التعليم الثانوي وفي جامعات أرمينيا وتعاقبت الأجيال التي درست الملحمة واطلعت على تغريبة المعري وعبقريته منظورا إليها من قبل أهم شاعر أرمني أويديك إسحاقيان. والراجح أن مثقفي أرمينيا ومبدعيها في مطلع القرن العشرين كانوا يدركون أنهم ينتمون إلى الروح الشرقية وإلى حضارة الشرق العظيم الذي حرص الغرب على تدجينه وسلبه أمجاده الماضية ومصادرة مستقبله وحريته.

    لذلك لم يتردّد الرسام الأرمني الأشهر مارديروس ساريان في قراءة الملحمة واستلهامها في وضع الرسوم التي رأى أنها تلخّص حياة المعرّي وتغريبته تحت الشمس كما تخيّلها شاعر أرمينيا الأشهر أويديك إسحاقيان. لكأن سوء الطالع الذي ملأ بالمرارة حياة المعري سيلاحقه مرّة أخرى حين يزمع أويديك إسحاقيان على نشر الملحمة باللغة الروسية. فحالما أعدّت الترجمة الروسية وأرسل الرسام مارديروس ساريان أكثر من عشرين لوحة إلى دار النشر الروسية في تيفليس اندلعت الحرب العالمية الثانية 1940 فأغلقت دار النشر وفقدت رسوم الفنان مارديروس ساريان. ولم يتمّ العثور على تلك الرسوم كلّها. بل عثر على خمسة منها فحسب في مناطق مختلفة من الاتحاد السوفياتي.

    ترجمت الملحمة إلى خمس وعشرين لغة منها الإيطالية والفرنسية والألمانية والإنجليزية والجيورجية والروسية والفارسية وغيرها.أما الترجمة العربية فقد صدرت سنة 1940 وقد نقلها إلى العربية بارسيخ تشاتويان وخير الدين الأسدي ثم صدرت في ترجمة جديدة اضطلع بإنجازها ناظار ناظاريان ونزار خليلي وصدرت في حلب سنة 2003.

    تفتتح الملحمة بمقدّمة شعرية مدارها التعريف بأبي العلاء المعرّي. غير أن التعريف ينفتح على ضبط الإطار الزماني والمكان الذي ستفتتح الحكاية مجراها في فضائه. والراجح أن الشاعر أويديك إسحاقيان كان على يقين من أن المعرّي يجسّد صورة البطل الملحمي. والملحمة كجنس أدبي لا تنهض وتكون إلا متى اكتملت عناصرها البنائية ومن أهمها وجود بطل ملحمي يواجه قدرا لم يختره لكنه يختار أن ينازله، ووجود الرحلة والسفر باتجاه المجهول بحثا عن الحقائق الكبرى التي تؤثث بالمعنى حياة بني البشر وتكشف عظمة الكائن حين يختار أن يجعل من حياته نزالا لا يكلّ وصراعا لا يهدأ أبدا حتى ليكاد يحطّم تحطيما لكنه لا ينهزم ولا يستسلم.

    لهذا كله افتتح أويديك إسحاقيان الملحمة باللحظة التي بدأ فيها بطله الملحمي أبو العلاء المعري رحلته باتجاه المجهول بحثا عن الحقائق الكبرى. نقرأ:

    أبو العلاء المعري

    شاعر بغداد الشهير عاش عشرات السنين

    في عاصمة الخلفاء الفخمة

    رأى الإنسان وتأمّل شرائعه

    وعرفت روحه النافذة الإنسان

    عرفته وكرهت شرائعه ونظمه

    ولأنه لم تكن له زوجة ولا أولاد

    وزّع كلّ ثروته على الفقراء والمعوزين

    ٭ ٭ ٭

    وذات ليلة بينما كانت بغداد راقدة

    على شواطئ دجلة المكسوّة بأشجار السرو

    أخذ قافلته الصغيرة المحمّلة بالمؤن والذخائر

    وغادر المدينة سرّا...

    قسّم أويديك إسحاقيان الملحمة إلى سبعة مشاهد كبرى تتخللها لوحات تتوالد غزيرة لا تكلّ. وتفتتح المشاهد كلّها بوصف قافلة أبي العلاء وهي تحثّ الخطو متباعدة عن مدائن بني البشر وشرورهم. نقرأ مثلا من المشهد الرابع:

    ٭ ٭ ٭

    الليل كخفّاش أسود رهيب نشر أجنحته على الخافقين.

    هبطت هذه الأجنحة اللامحدودة وغطّت الطريق والقافلة والسهول الشاسعة عن الأعين.

    ٭ ٭ ٭

    واكفهرّت السماء بالغيوم الكئيبة من الأفق إلى الأفق تتلألأ

    القمر لم يسطع بل اسودّ بالدياجير

    والظلام كأنه قد التحف بالظلام.

    ٭ ٭ ٭

    هي ذي الرياح العاصفة

    هي ذي رياح كالخيول الجامحة، رياحٌ منطلقة تزحف بوحشية رهيبة

    هي ذي الرياح ذاتها،

    رياحٌ تثير خلفها أمواج أتربة السهول المحترقة وغبارها وتمزجها بكتل الغيوم.

    تتقدّم الرياح مخفورة بالأتربة أمواجا تتلاطم وتفرقع،

    تدوي بقشعريرة الموت، فتتصاعد

    صرخاتها كأنها آلاف الأصوات جوقٌ من صراخ وعويل ونحيب

    رياحٌ تدور دوراناً

    وترجع إلى مداراتها مولولةً كأنها وحوش كاسرة تتلوّى من الجراح،

    تزأر،

    تئنّ،

    أنينا بفم الرياح.

    ٭ ٭ ٭

    كانت الرياح تتلوّى حزينة وتنشج في الأودية الضيّقة وغابات النخيل العذراء

    كأنها قلب أمعن في النحيب

    ساكبا أيأس العبرات

    على هذا النحو تتقدّم الملحمة وتسطّر حياة المعرّي باعتبارها رحلة مقاومة وصراع. ويتفنّن الشاعر الأرمني في الإيحاء بأن صراع أبي العلاء في الوجود لم يكن صراعا فرديا بل هو لحظة تنكشف فيها هشاشة الكائن وعظمته أيضا. لذلك كثيرا ما يعمد إسحاقيان إلى جعل المعرّي يلهج بأحكام تدين بني البشر وتدين مدائنهم وصنائعهم. الراجح أن ما شهدته أرمينيا وما عرفه شعبها من محن ومذابح وهجرات هي التي جعلت أويديك إسحاقيان يجد في حياة المعرّي وشعره ترجمانا لليأس من بني البشر وميلهم إلى الغلبة والقهر وشهوة الدم مراقا. نقرأ:

    ٭ ٭ ٭

    - انطلقي أيتها القافلة نحو الرياح خذيني،

    سيري دون وجل حتى آخر حافة العالم

    هكذا كان الشاعر الكبير أبو العلاء المعري يناجي نفسه في أعماق فؤاده الطافح بضجر مثل نار سقر لا تطفأ.

    - زمجري أيتها الرياح الهائجة فوق رأسي،

    ٭ ٭ ٭

    أيتها العواصف الهوجاء يا عواصف من حمم البراكين اقصفيني.

    - وتفجّري فوق هامتي. ها أنا ذا واقف قدّامك ثابت الجنان أتحدّاك غير هيّاب أو وجل،

    قدّامك

    حاسر الجبين،

    بلا لثام في الهجير،

    فاصفعيني، قصفا اقصفيني،

    ٭ ٭ ٭

    أنا لن أعود إلى مدن الدنس والطاعون حيث صخب الشهوات في غليان يسمع كالصهيل.

    أنا لن أعود

    إلى مدن الأشلاء حيث الإنسان الطاغية مثل وحش ذي ناب أزرق يمزّق نظيره الإنسان دوما.

    ٭ ٭ ٭

    ويحك أيتها النفس

    يا نفسي

    إنك بلا مأوى بلا وطن بلا رفيق ولا زوّادة للطريق

    لكن لن تعودي إلى دارك لأنك أطفأت فيها الموقد الأبوي.

    فسحقا لدار بلا نار

    والويل لمن يملك دارا ومأوى

    إنه كالكلب مربوط بعتبتها لا يسمع نداء المسافات نداء الأقاصي والنهايات

    ٭ ٭ ٭

    ازحفي أيتها الرياح على دار أبي،

    واهدمي بنيانها دمّري أسسها

    وانثري غبارها في أطراف العالم.

    فما داري الآن إلا هذه الطريق اللامتناهية.

    وإقامتي في الرحيل،

    سيأخذني الرحيل إلى الرحيل.

    ٭ ٭ ٭

    العزلة هي الآن حبي الوحيد.

    السماء المزدانة بالنجوم هي خبائي الأبوي.

    والقافلة هي رفيقي الآن.

    وما راحتي إلا طريقي هذه الخالية من المحطّات.

    ٭ ٭ ٭

    أنت أيتها الطريق الساحرة المجهولة أبدا وطني الجديد الفاتن دوما

    خذيني معك،

    خذي قلبي المنتحب أبدا، إلى هناك حيث لا أثر للإنسان.

    ٭ ٭ ٭

    عليك بالحذر من الناس.

    على المرء أن يكون حذرا دائما أبداً

    فكن مستعدا دوما ولا ترفع يدك عن مقبض سيفك

    لئلاّ يمزّقك صديقك أو عدوّك

    ولئلاّ يفترس لحمك افتراسا، مزقا مزقا

    ومثلما كان وفاء المعري لأبي الطيب المتنبّي مثالا لوفاء المبدع المنشق لمبدع رأى الدنيا تتكالب عليه والعيابين الطاعنين يشنعون عليه جاء وفاء أويديك إسحاقيان للمعري وتجربته عظيما هو الآخر. فلقد أعاد الشاعر الأرمني إنتاج حياة المعري وتجربته الشعرية وتغريبته بين بني البشر. كان المعري كريما مع المتنبي. وكذا هي حال الشاعر الأرمني الأشهر مع المعرّي. لا سيما أن الملحمة لا تكتفي بمحاكاة ما حفّ بحياة المعري من نكد وسواد بل تعمد إلى تمجيد المعري وتعليه وتصوّر حياته لا باعتبارها رحلة عذابات ومحن بل تجسّدها من جهة كونها رحلة عروج نحو المطلق واللانهائي، نحو منبع النور،إذ يختم إسحاقيان الملحمة هكذا:

    كان أبو العلاء يحدّق في الشمس كالنسر

    يحلّق طائرا دون هوادة وروحه ثملة بالنور مضاءة بمشاعل السعادة.

    ٭ ٭ ٭

    هي ذي الصحراء بيدٌ خلفها البيد

    هي ذي الصحراء وحدها

    كانت تمتدّ من ورائه عارية في أحضان النور، وليس لها حدّ.

    وفوق رأسه ميّاسة كانت الشمس تميس ناشرة جدائلها الياقوتية بلا نهاية.

    والشاعر الكبير أبو العلاء ينطلق في الأجواء، ويحلّق مظفّرا شامخا

    وعلى كتفيه يموج الرداء الأرجواني بلألائه، وهو منطلق نحو الشمس، نحو الشمس

    الخالدة الأزلية.

    ٭ ٭ ٭

    الهوامش

    ١- أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، تحقيـق محمد عزّت نصر الله، بيروت: نشـر المكتبة الثقافية (د.ت)، ص٢٩.

    ٢- حرصت العديد من الأخبار التي تناقلها الرواة على وصم المتنبي بمعرّة البخل والتّهالك على جمع المال ومنعه. وهي أخبار وروايات تنوع من كيفيّات حبكها لأحابيلها فتستغلّ ما أحاط بمقتل الشاعر من غموض وتشرع في التوالد منتهكة عرضه حريصة على تلطيخ ذكره بعار لا ينسى. ههنا يتنزّل ما تناقلته المتون القديمة من أن البخل هو الذي قاد المتنبّي إلى حتفه.

    يحدثنا يوسف البديعي في كتابه الصبح المنبي عن حيثية المتنبي عن مقتل المتنبّي وابنه وغلامه فيذكر ص 192، أن البخل هو الذي قاده إلى حتفه وأودى بمن معه إلى التّهلكة. نقرأ: زوقيل إن الخفراء جاؤوه وطلبوا منه خمسين درهما ليسيروا معه، فمنعه الشحّ والكِبْر، فتقدّموه، ووقع به ما وقع.س

    وتجمع بعض المتون القديمة على أن فاتكا الأسدي ظلّ يتعقّب المتنبّي ويترصّده في تطوافه بين الأقاليم والمدائن، مقرّا العزم على قتله انتقاما منه على هجائه لابن أخته وتشنيعه به، في حين تعمد متون أخرى إلى تحريف ما شاع من أمر إصرار فاتك على قتل المتنبّي. يشير الأصفهاني في كتابه الواضح في مشكلات شعر المتنبي، ص26 إلى أن فاتكا كان من قطّاع الطرق وقد قتله لينهب متاعه ويستولي على ثروته. وهو يورد خبرا يتفنن فيه الراوي في وصف ثروة المتنبي قائلا على لسان أبي الحسن السوسي والي الوزير المهلّبي على الأهواز: «ورد المتنبّي علينا ونزل عن فرسه ومقوده بيده وفتح عيابه وصناديقه لبَلَلٍ مسّها في الطريق، وصارت الأرض كأنها مطارد منشورة».

    هكذا تستغلّ الحكاية ما شاع حول المتنبّي من أنه كان إذا سافر حمل معه جميع أمتعته وكلّ ثروته. وتومئ بذلك إلى أن حاله تلك هي التي ستغري به قتلته. لذلك يلح واضع هذا الخبر على أن فاتكا الأسدي حضر المشهد ورأى تلك الخيرات ثم زجاءه بجمع وقال: قد سار الشيخ من هذه الديار وشرّفها بشعره والطريق بينه وبين ديْر قُنّة خشين قد استوحشته أهل العياثة والخِرابة والصعلكة وبنو أسد يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة ويبرّ كلّ واحد منهم بثوب بياض.

    وهذا يعني أن فاتكا الأسدي لم يأت للإيقاع بالمتنبّي، بل جاء يطلب رزقا. فعرض خدماته على الشاعر وبيّن له ما يتهدّد حياته من خطر. هذا ما يلحّ عليه الراوي مشيرا، في الآن نفسه، إلى أن بخل الشاعر وشرهه وتكالبه على متاع الدنيا هو الذي سيدفع به إلى رفض النصيحة ورفض خدمات فاتك. ثمّة إيماء واضح إلى أن المتنبّي بلغ من شدّة بخله أن خيّر المغامرة بحياته وحياة من معه على التخلّي عن بعض متاع الدنيا. إن الحرص يهلك صاحبه. والبخل رذيلة تقود المرء إلى حتفه. هذه هي العبرة التي بها يتوسّل الراوي استدراج المتلقّي إلى النفور من شاعر يملك من المتاع ما جعل «الأرض كأنها مطارد منشورة». ويبلغ من شدّة حرصه وشرهه حدّا يجعله يهلك دون بعض الأثواب. غير أن هذا الخبر سرعان ما ينفتح على نوع من التشفّي يكشف حقد واضعه على الشاعر.نقرأ: «فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع رُتُوتِ الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حَسْوًا، سبعين رجلا ورصد له، فلمّا توسّط المتنبّي الطريق خرجوا عليه فقتلوا كلّ من كان في صحبته، وحمل فاتك على المتنبّي وطعنه في يساره ونكسه عن فرسه، وكان ابنه أفلت إلاّ أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنح خلفه الفرس أحدهم وحزّ رأسه وصبّوا أمواله يتقاسمونها بطُرْطُوره.»

    ٣- عديدة هي الأخبار التي تفننت في نعت المتنبي بالجبن. ليقين واضعيها أن أفظع معرّة يمكن أن تشين في الوجدان الجماعيّ العربي إنما هي الجبن. وليس للجبن شبيه أو صنو يمكن أن ينزل بالمرء في مجتمع مجّد الفروسيّة والبطولة والفتك. فلا مجال في مطلق الرجولة للخوف والهشاشة والجبن. فإذا لم يكن المرء شجاعا باسلا مقداما خرج من دائرة الرجولة وتلقّفه عار لا يبلى. عن الوعي بمنزلة الشجاعة في المتخيّل الجماعيّ والوجدان الجماعيّ ستصدر العديد من الأخبار وتشرع في نسج أحابيلها. فتنطلق ممّا تحدّث به المتون من أن المتنبّي كان يرافق أمير حلب في حروبه وغزواته ضدّ الروم وتتفنّن في تهزئة الشاعر. نقرأ في كتاب الصبح المنبي عن حيثية المتنبي، ص78-79 الخبر التالي: «وصحب سيف الدولة في عدّة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفناء التي لم ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستّة أنفار أحدهم المتنبّي، وأخذت الطرق عليهم الروم، فجرّد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر، وخرّق الصفوف، وبدّد الألوف. وحكى الرقّى عن سيف الدولة قال: كان المتنبّي يسوق فرسه، فاعتلقت بعمامته طاقة من الشجر المعروف بأمّ غيلان، فكان كلّما جرى الفرس انتشرت العمامة، وتخيّل المتنبّي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج، قال سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيّما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فودّ أن الأرض غيّبته.»

    ٤- يذكر أبو سعيد محمد بن أحمد العميدي المعروف بعدائه للمتنبي، في كتابه الإبانة عن سرقات المتنبّي، ص25 وما بعدها: «ولقد حدّثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبّي وجد معه ديوانا أبي تمّام والبحتري بخطّه وعلى حواشي الأوراق علامة كلّ بيت أخذ معناه وسلخه، فهو يَحلّ له أن ينكر أسماء الشعراء وكُناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهمُ إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادّعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السّابقين، ويسمهُ بما نهبه من أشعارهم بسِمة السّارقين.»

    ٥- الراجح أن الهالة التي أحاط بها الوجدان الجماعيّ المتنبي وشعره هي التي أدّت إلى تكالب الحاقدين عليه، والمكانة التي نالها في عصره هي التي جعلت الأخبار تلحّ على تعداد مثالبه. وخصومه من الطاعنين العيّابين إنما استندوا إلى ما شاع حول زخبث معتقدهس ورقّة دينه وشرعوا ينسجون الحكايات التي تطرده من دائرة العقيدة وتعاليمها. لذلك جاءت الأخبار التي أسندت إلى علماء من ذوي الفضل وأهل الرأي والحكمة من أمثال أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جنّي ممّن عاصروه وجمعتهم به مجالس، وتلك التي لهج بها من ناصره من الشعراء من أمثال المعرّي، مضادّة للأخبار التي جاءت تدين وتفضح وتشهّر. نقرأ مثلا في الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ص٥٦: زقال أبو علي: قيل للمتنبّي على من تنبّأت؟ قال: على الشعراء. فقيل: لكلّ نبيّ معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت: (الطويل)

    ومِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا علَى الحُرِّ أنْ يَرَى

    عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ.

    ويورد المعرّي في رسالة الغفران ص٦٦، خبرا يفسّر به معنى النبوّة التي ادّعاها المتنبّي فيعدل عن الدلالة الدينيّة إلى الدلالة اللغوية قائلا:

    ««وحدّثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللّقب، قال: هو من النّبْوَةِ، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء كان قد طمع فيه من هو دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلوّ مدير، يظفر بها من وفّق، ولا يُراعُ بالمجتهد أن يخفق.»

    (٦) كانت صلة المعرّي بأسرة المرتضى متينة جدّا، وكان يحضر مجلس الشّريف المرتضى. وقد رثى أبا أحمد، والد الشريفين الرضى والمرتضى الذي توفي في جمادى الأولى سنة أربع مائة. وكان أنه حضر مجلس المرتضى، فجرى ذكر المتنبّي، وكان المرتضى يكرهه ويتعصّب عليه، وكان أبو العلاء يحبّه ويرى أنه أشعر المحدثين، ويفضّله على بشّار ومن بعده كأبي نواس وأبي تمّام، فانتقصه المرتضى، وأخذ يتتبّع عيوبه، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبّي من الشعر إلاّ قوله: زلك يا منازل في القلوب منازلس لكفاه فضلا. زفغضب المرتضى وأمر بإخراجه، فسحب برجله حتى أخرج. ثم قال المرتضى لمن حضره: أتدرون لم اختارخ الأعمى هذه القصيدة دون غيرها من غُرر المتنبّي؟ قالوا: لا. قال إنما عرّض بقوله: (الكامل)

    وإذَا أتتْكَ مَذَمّتِي مِنْ نَاقِصٍ

    فَهْيَ الشّهَادَةُ لي بِأنّيَ كَامِلُ

    انظر: أبو العلاء المعري، شرح ديوان أبي الطيّب المتنبّي ..معجز أحمد..تحقيق عبد المجيد دياب، القاهرة: دار المعارف، سلسلة ذخائر العرب (د.ت)، ص100-١٠١.

    مجلة نزوى

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      وبعدأن أدركنا احقيقة التى كانت من وراء المعرى ثم اختلاف الآراء حول مؤيد و معارض له , فكما ذكرت لي هنا أستاذ رؤوف أن المعرى نال من الهجاء و السب الكثير بعد وفاته من جميع الأجيال و الأحقاب التى توالت بعده , و من ثم كانت كثير من الكتابات عن حياته المفصلة , جاء أيضا كرمه مع المتنبى و وفائه و بتالى كان له هو الآخر من أكرمه بالمماثلة مع كرمه لأبي الطيب المتنى , لكن ترى هل بعد رسالة الغفران التى حاكت في نسجها شبة كبير مماثل لرحلة الإسراء و المعراج حيث قسم المعرى رحلته إلى عدة مراحل منها و أهمها مروره بشعراء أهل الجنة و كان منهم على ما أذكر و استحضر من ذاكرتي حسان بن ثابت و غيره , ثم شعراء أهل النار و كان منهم على حد وصفه النابغة الذبيانى و عنترة بن شداد و غيرهما ,,,, و قيل عنها التاريخ أنها النسخة الأصلية للكوميديا الإلهية المقلدة بيد الإيطالي دانتي , أى أن دانتي نقل رسالة الغفران فى ثوبٍ آخر أسماه بالكوميديا الإلهية , ثم رأينا هجاء الجميع و ملاقاة المعرى الإنتقادات و الإتهامات المجحفة له , منها اتهامه بالإلحاد , و الآن هنا سؤال يطرح نفسه :

      هل لاقى الشاعر الأرمني الأشهر أويديك إسحاقيان نفس الإتهام و تلك الإنتقادات ؟؟ نظراً للتشابه الواضح بين كليهما (( المعرى و الشاعر الآرمني )) كلٌ من حيث كرمه مع من أثر , المعرى للمتنبى و الآرمني للمعرى و أيضاً ملحمتى رسالة الغفران و ملحمة الآرمني وفاءً له ..ترى ها نال الآرمني ما ناله المعرى بعد وفاته ؟؟ أسئلة فرضت نفسها حياتهما ,

      أشكرك أستاذ رؤوف على ما جاء هنا من توضيح و وصف للعلاقة التى تشابهت بين هذا و ذاك و تلك المقالة التى افترضت الكثير و الكثير .
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      يعمل...
      X