المذكرات الأولى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد السيد محمد
    • 28-06-2009
    • 3

    المذكرات الأولى

    كانت إجاة الجيش هذه المرة أربعة أيام فقط .. هي كل ما حصل عليه .. ودّعه زملاؤه بحرارة ليغادر المعسكر وكله شوق لبيته وجيرانه .. ورفاقه الذين ينتظرون عودته . وما إن جلس على أحد مقاعد القطار حتى تذكر شيئاَ آخر .. شيئاُ أكبر تأثيراً عليه .. شيئاً يسعده .. ويهون عليه أيام الجيش الصعبة .. إنه تلك النظرة الرقيقة العابرة منها .. وهي تنشر الغسيل .. وكأنها تعرف موعد عودته كل مرة .. لا يدري أهي معجبة به أم بذلك الزي الزيتي اللون .. فهو لم يلمح بعينيها تلك النظرات قبل دخوله الجيش .. وكأنها تحب أن تراه مسئولاً عن شيء ما .. كيف لا وهو الآن مسئول عن شيء أكبر .. وهو الدفاع عن الوطن .. ابتسم واتكأ معدلاً من ياقته في فخر .. وهو يتذكر وقع تلك المسئولية عليه .. هو .. الذي لم يحمل مسئولية أي شيء من قبل .. يصير بقدرة قادر حاملاً أكبر مسئولية يمكن أن تقع على عاتق أحد .. لم يكن والده يحب فيه ذلك الجبن .
    - غداً سأموت يا ولدي وستحمل هم أمك وإخوتك البنات .. فكن رجلاً واترك رفقاء السوء هؤلاء . وفي كل مرة يقول الأب ذلك تقاطعه الأم : دعه يمرح مع زملائه ، وغداً سيكبر وتعلمه الأيام ...
    وها هي الأيام يا أمي .. تعطيني الدروس الأولى .. الصبر والتحمل .. طابور التذنيب الصباحي .. ثم الخدمة المتواصلة فوق التبة .. إياك أن يراك الضابط جالساً أثناء الخدمة .. دائماً ما تثير هذه الجملة كل مشاعر الخوف لديه .. ولكن ما يفتأ أن يأخذ الإجازة .. حتى ينزاح كل ذلك الحمل عن عاتقه .. وتنسحب كل تلك الأفكار والأوامر والمحاكمات والطوابير والميس وساعات الخدمة والأسِرّة والاستراحات و و .. وكأنها فئران تتسرب إلى جحورها في غمضة عين حين يسقط المطر .
    - آه لو تمطر السماء .. يتنهد بالعبارة ويبتسم .. ويخرج قلمه وورقته ويكتبها .. ثم يتابع : ( ... لا أقصد ذلك المطر المعهود للناس .. ولا تلك السماء التي نراها .. ولكن المطر الذي أراه وأشعره .. هو قطرات بسيطة تنزل من شرفتها المطلة على أول الشارع .. آخذ قطرتين فوق رأسي في كل مرة .. وأول شيء أفعله حين أصل إلى البيت .. أن أدلّك رأسي بهما .. وأسلم على أهلي ثم أنام بعد تعب السفر .. فأراها في المنام ... ).
    يطوي ورقته ويضعها في مكانها داخل الحقيبة .. وعند الوصول .. دائماً تزداد دقات قلبه .. يكاد يسمعها من بين ضلوعه وهو يسير بخيلاء في شوارع القرية .. وحين الوصول إلى أول الشارع الذي يسكن فيه .. لم يرها هذه المرة .. وأكمل مسيرته إلى البيت .. ففاجأه بكاء أمه .. لم ينم ليلته .. وانطلق بنفس الزي الذي يرتديه إلى المستشفى حيث يرقد والده .. قرر مرافقته الليلة .. أخبره الطبيب أنه في حالة تخدير بعد العملية وسيفيق بعد ساعات .. لم يستطع النوم وهو ينظر إلى بيه ملقى أمامه .. شيء زجاجي موضوع على فمه وأنفه .. يصارع النوم .. وكلما مالت رأسع على كتفه أفاق .. وصدر أبيه يعلو ويهبط .. بانتظام .. نعم الحالة سيئة .. كان بكاء أمه يخبره بشيء كهذا .. إنه بالفعل لشيء ثقيل .. أسرة بكاملها تنتظر .. وقلوبهم لا تنام .. وفي الثالثة صباحاً .. لا يعلو الصدر ثانية .. ظل يجري في طرقات المستشفى .. يوقظ النائمين بحركته الدائبة .. وبكائه الحاد .. يتوسل إلى الأطباء .. لا فائدة .. - ( البقاء لله يا دفعة ) وعندما اجتمع حوله الناس الذين لا يعرفونه .. تركهم ليختلي بنفسه .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. لقد جاءت اللحظة الحاسمة .. وما عليك إلا المزيد من التحمل .. كان يخاطب نفسه بصوت مسموع وهو يطل من شرفة المستشفى .. وبعد ساعات .. فتح حقيبته .. وأخرج ورقته .. وأكمل السطر : ( ... وبعد أن أفيق من نومي بعد ذلك الحلم الجميل .. أوزع المصروف على إخوتي البنات .. وأفطر ثم أقوم للعمل ) .. طوى الورقة ووضعها في جيبه .. ثم قام ليلقي على أبيه النظرة الأخيرة .. وعيناه لا تدمعان .
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    محمد السيد محمد
    نص رأيته جميل
    هناك أخطاء بسيطة ليتك تصححها زميلي
    كنت تستطيع التكثيف أكثر ويبقى النص جيدا
    صعب أن نفارق الوالدين
    لكنه أمر الله
    وجميل أن يتعلم الشباب تحمل المسؤولية
    (( الجيش مصنع الرجال )) هكذا نسمي الجيش في العراق لأنه يصنع الرجال فعلا
    تحياتي لك وودي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      الأستاذ محمد السيد
      قصة على صلة مباشرة بهموم الانسان في ذلك المكان وألم الغربة
      والحنين للأهل و
      مشاعر جياشة محزنة
      سرد جميل ولغة طيبة

      تحيتي و مودتي
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • نجيةيوسف
        أديب وكاتب
        • 27-10-2008
        • 2682

        #4
        جميلة لغتك ، دافئ شعورك فيها . أعجبني سردك ،
        تقبل تحياتي

        النوار[align=center][/align]


        sigpic


        كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

        تعليق

        يعمل...
        X