بسم الله الرحمان الرحيم
البلاد التي تخشى نسائها نسب الرجال
تعرفت عليه، لما ساعدني على تغيير العجلة لسيارتي، في ظهيرة يوم صيف مشمس، محرق، وأنا راجعة من البحر، وهو كذلك. أحببته من أول وهلة، وهي المرة الأولى التي أحب فيها شابا بذاك العمق، تزوجته بسرعة حتى لايتراجع أي منا، وبدون علم أي أحد من أهلي.
قال لي حبيبي أشياء كثيرة في اليوم الأول وراقصني وقصّ علي الكثير لكنه لم يخبرني أنه عربي مغاربي. لا أتذكر كم من الوقت مر قبل أن يعلمني أصدقاؤنا المشتركون بذلك، كلهم كانوا على علم بهويته المعروفة أصلا، لكني لم أجرأ على سؤاله: فإسمه المعروف به إيطالي، ولكنته ليست أجنبية. هي مزيج رومانيسكو (لهجة أهل روما) يشبه مزيجي التعبيري أنا أيضا، كنا ندور في عالم خاص بنا، لنا فلكنا الخاص ولم يخطر في بالي طرح أي نوع من الأسئلة عليه. ولما علمت لم يبدل ذلك شيئا، لم يزدني حبا به على اعتبار أني من منزل رومي، وأنه من منزل عربي يخشاه جل الناس، زد على ذلك أنه لاجئ. ولم يبعدني ذلك عنه بحجة أن الحياة مع مغاربي هي حياة مفتوحة على المجهول، هذا ماخوفوني به في الصغر، أضف إلى ذلك محدودية دخله.
"سيكون لكم أطفال مخضرمون"... لم يبدل كل ذلك قيد شعرة من مشاعري ولا من قراري. ليس لأني بطلة بل لأني أحب أن أعيش كما أريد، ولأن لا دخل للحب بأي شيء آخر في الحياة، لا السياسة ولا المغامرة ولا الرغبة في كسر الحدود... لا شأن لذلك كله بالحب. إنه أبسط وأكثر حقيقية... أحببنا حتى أننا أنجبنا طفلة أسميناها أمل وأحببنا أكثر وأنجبنا عمر. أنشر هذه القصة لا لأسلي أحداً، ولا لأكشف وقائع لن تثير أحداً، فالحب يملأ الأرض. أنشرها لأقول بعدها أني أنا التي خضت هذه الحياة ببراءتي "المدنية" التي تعني الحياة كما يجب أن تعاش، وببراءتي هذه قلت أني لن أخاف من حياتي، لأني واثقة من أن هذه المدينة التاريخية التي قدمت لي هذا الحب، والتي تعرف أن تحبّ! هذه المدينة التي تتسع لكل العالم لن تظلم أطفالي ولن تظلمني، ستبدل يوماً رأيها وستكبر مثلنا وتصبح أكثر وعياً. سنكبر معاً. كنت واثقة من ذلك.
ولكن الأطفال يكبرون بسرعة في الأرحام ويخرجون بسرعة لتصل تلك اللحظة الحاسمة التي كان علي فيها أن أقدم أمل إلى الحياة، لأكتشف للمرة الأولى ماذا يعني أنها عربية، وأن أبوها لاجئ. سيكون لها جواز رمادي برقم متسلسل ل"لاجئة" ولدت في روما. إبنتي لاجئة ولدت في روما. أنا مواطنة إيطالية وابنتي لاجئة. سأطلب لها جواز إيطالي. وتمر الأيام بسرعة أيضاً ويصبح لدي "لاجئ" آخر. لا يمكن أن أمنعهما من أن يكبرا، بانتظار أن أعلّم هذه المدينة كيف تحب أولادي وتحترمني، وكيف تخاف من نظرتي إليها، لم أستطع. وقررت أن أهرب من هذه المدينة قليلا لألف سبب وسبب. وأرجع بهما إلى مسقط رأس والدهما وهو الذي لايستطيع العودة إلى وطنه، نزولا عند رغبته، وأن يكونا ولديه حبل الوصل بينه وبين وطنه. كان علي أن أحترم طلبه، بدأت أعدهم للسفر، ثلاثتنا دون أبوهم.. وكان الوصول... تلك كانت اللحظة الأكثر ألما لأني لم استطع فيها لا أن أصرخ في وجه رجل "الأمن العام" المسكين ولا أن أكسر جدران مبنى المطار، ولا أن أمزق أوراقنا الثبوتية كلها وأحرق البلاد.. لأن البلاد لن تحترق من ألمي ولن تتكسر جدران المطار الصلبة من غضبي، ولا دخل لرجل الأمن بقضية ابنتي وولدي، ولا بقضية مدينتي التي ظلمتني، ولن يهتم إن شطبوهما من وثائقهم. من سيهتم.
"ليس لكم الحق في الإقامة هنا لأن الإبنين يحملان جواز رمادي، ولايمكنك أن تسجلي أطفالك في جواز سفرك لأن هذا سيعني أنكم من الجنسية نفسها"، هذا ماقالوه لي. عرفت بعدها أن هناك عندهم أغنية شعبية قديمة تلوم بنت الرومية التي افتكت أحد أبنائهم..!! طفلاي ليسا لي، ليسا من دمي ولا من لحمي. على طفليّ أن يحملا ذلك الجواز الرمادي، وعلي أنا أن أحمل الجواز الإيطالي الأنيق. ولكي أعرّف عن نفسي وأحصل على جواز سفر أو أجدده، عليّ أن أحضر هويتي، وليحصل طفلاي على جوازي سفر بلاد والدهما،عليهما أن يحضرا "اعترافات تنصل مما كان من أبوهما". طفلاي يدفعان ثمن سياسات خاطئة.
هكذا يتم استقبال أبناء البلاد هنا، لكنها ليست المناسبة للكلام. ما زالا صغيرين وما زلت قادرة على حمايتهما من مواجهة تلك السياسات الخاطئة، أنا وأبوهما، لقد عشنا وبنينا نفسينا وحسّنا وضعنا، ولكن عندما سيكبر طفلانا، لن نكون قادرين على حمايتهما من حقيقة أنهما "غريبان في وطنهما"، ولدان غير مرحب بهما في بلد الأجداد، لا يحسان بالإنتماء إليه، ولن يستطيعا الصبر كما صبرت. كيف سأحمي طفليّ من ذلك كله عندما سيكبران. سيكونان لاجئين في وطنهما. سيكونان لاجئين في أرض أجدادهم، وسأكون والدتهما الغربية ـ الغريبة عن تلك البلاد، يُقتلعان من أماكنهما مرتين وأقتلع معهما، وعندها سيشطبان من سجلات مدينتي، ويتم محوهما كليا من البلاد.
إنها السياسة... سيختفي أثر أبنائي من بلادي، وأكون أنا وحدي فيها كأني لم أعش تلك الحياة ولم أحب ولم أنجب... وسيتخليان هما عن إيطاليتهما، النصف الثاني من روحهما، ذلك النصف الذي عليه أن يبقى ليبقوا، بشراً يشعرون بأنهم يقفون لا على أرض، بل على الأقل فوق إحساس بتلك الجذور. لو اخترت أن أبقيهما في تلك البلاد سيكرهانني يوما ما، لأن تلك البلاد لم تحبهما ولم تعترف بهما، وسيكون ذاك الجواز الرمادي سجناً لروحيهما، ولو اخترت لهما جنسية ثالثة سيكرهانني لأني محوت لهم عربيتهم. لماذا علي أن أشعر بأن أمومتي التي هي أجمل ما يمكن أن يحدث لإمرأة هي أبشع ما يحدث لأطفالي؟ كيف تسمح مدينتي لنفسها وهي تدعي كل هذه الحرية والحيوية والصدق ومناهضة الظلم أن تحرمني من أمومتي.... ؟
كيف يحق لمدينتي التي خرجت منها أن تنتج أغاني كثيرة عن الحب، ثم تحرم ابنتها من أن تحب وتعاقبها لأنها أحبت من غير دمها؟.
كيف يمكن لبلاد انتقلنا إليها وتدعي الحرية والمساواة، وقاومت المستعمر، أن تحرم ولديّا بالإعتزاز بوالدهما لأنه معارض، لأنه مناضل لجأ من أجل قضية يؤمن بها، إيمانه بحبه لأبنائه ووطنه؟.
هذه ليست دراما ل"أنْدريا كاميلّيري". إنها كلام حقيقي. إنها الفوبيا العربية.
أنا أعلم، لا مفر من وجود قارئ محمول بالكراهية والعنصرية، سيقول ذلك عندما سينتهي من قراءة كلماتي هذه: من أجبرك على الزواج بعربي؟. هل كان سيقول ذلك لو تزوجت بأميركي؟. لا أعلم!!. لن أكره مدينتي من أجل هذا. سأستمر في حبها حتى تخجل من نفسها. في فيانّا، اكتشفت أني لست وحدي، وفي روما أعلم تماما أني لست وحدي، ولكنني ربما أكون الأولى. يكفي أني ما زلت أحب أطفالي إلى هذه الدرجة وأحترم أرضي ونفسي. لن أنسى، سأترككم لتهدؤوا قليلا، وتشربوا أول "كابتشينو" بهدوء.. بعدها، سأخبركم أكثر عن نفسي وعن أخريات مثلي....
البلاد التي تخشى نسائها نسب الرجال
تعرفت عليه، لما ساعدني على تغيير العجلة لسيارتي، في ظهيرة يوم صيف مشمس، محرق، وأنا راجعة من البحر، وهو كذلك. أحببته من أول وهلة، وهي المرة الأولى التي أحب فيها شابا بذاك العمق، تزوجته بسرعة حتى لايتراجع أي منا، وبدون علم أي أحد من أهلي.
قال لي حبيبي أشياء كثيرة في اليوم الأول وراقصني وقصّ علي الكثير لكنه لم يخبرني أنه عربي مغاربي. لا أتذكر كم من الوقت مر قبل أن يعلمني أصدقاؤنا المشتركون بذلك، كلهم كانوا على علم بهويته المعروفة أصلا، لكني لم أجرأ على سؤاله: فإسمه المعروف به إيطالي، ولكنته ليست أجنبية. هي مزيج رومانيسكو (لهجة أهل روما) يشبه مزيجي التعبيري أنا أيضا، كنا ندور في عالم خاص بنا، لنا فلكنا الخاص ولم يخطر في بالي طرح أي نوع من الأسئلة عليه. ولما علمت لم يبدل ذلك شيئا، لم يزدني حبا به على اعتبار أني من منزل رومي، وأنه من منزل عربي يخشاه جل الناس، زد على ذلك أنه لاجئ. ولم يبعدني ذلك عنه بحجة أن الحياة مع مغاربي هي حياة مفتوحة على المجهول، هذا ماخوفوني به في الصغر، أضف إلى ذلك محدودية دخله.
"سيكون لكم أطفال مخضرمون"... لم يبدل كل ذلك قيد شعرة من مشاعري ولا من قراري. ليس لأني بطلة بل لأني أحب أن أعيش كما أريد، ولأن لا دخل للحب بأي شيء آخر في الحياة، لا السياسة ولا المغامرة ولا الرغبة في كسر الحدود... لا شأن لذلك كله بالحب. إنه أبسط وأكثر حقيقية... أحببنا حتى أننا أنجبنا طفلة أسميناها أمل وأحببنا أكثر وأنجبنا عمر. أنشر هذه القصة لا لأسلي أحداً، ولا لأكشف وقائع لن تثير أحداً، فالحب يملأ الأرض. أنشرها لأقول بعدها أني أنا التي خضت هذه الحياة ببراءتي "المدنية" التي تعني الحياة كما يجب أن تعاش، وببراءتي هذه قلت أني لن أخاف من حياتي، لأني واثقة من أن هذه المدينة التاريخية التي قدمت لي هذا الحب، والتي تعرف أن تحبّ! هذه المدينة التي تتسع لكل العالم لن تظلم أطفالي ولن تظلمني، ستبدل يوماً رأيها وستكبر مثلنا وتصبح أكثر وعياً. سنكبر معاً. كنت واثقة من ذلك.
ولكن الأطفال يكبرون بسرعة في الأرحام ويخرجون بسرعة لتصل تلك اللحظة الحاسمة التي كان علي فيها أن أقدم أمل إلى الحياة، لأكتشف للمرة الأولى ماذا يعني أنها عربية، وأن أبوها لاجئ. سيكون لها جواز رمادي برقم متسلسل ل"لاجئة" ولدت في روما. إبنتي لاجئة ولدت في روما. أنا مواطنة إيطالية وابنتي لاجئة. سأطلب لها جواز إيطالي. وتمر الأيام بسرعة أيضاً ويصبح لدي "لاجئ" آخر. لا يمكن أن أمنعهما من أن يكبرا، بانتظار أن أعلّم هذه المدينة كيف تحب أولادي وتحترمني، وكيف تخاف من نظرتي إليها، لم أستطع. وقررت أن أهرب من هذه المدينة قليلا لألف سبب وسبب. وأرجع بهما إلى مسقط رأس والدهما وهو الذي لايستطيع العودة إلى وطنه، نزولا عند رغبته، وأن يكونا ولديه حبل الوصل بينه وبين وطنه. كان علي أن أحترم طلبه، بدأت أعدهم للسفر، ثلاثتنا دون أبوهم.. وكان الوصول... تلك كانت اللحظة الأكثر ألما لأني لم استطع فيها لا أن أصرخ في وجه رجل "الأمن العام" المسكين ولا أن أكسر جدران مبنى المطار، ولا أن أمزق أوراقنا الثبوتية كلها وأحرق البلاد.. لأن البلاد لن تحترق من ألمي ولن تتكسر جدران المطار الصلبة من غضبي، ولا دخل لرجل الأمن بقضية ابنتي وولدي، ولا بقضية مدينتي التي ظلمتني، ولن يهتم إن شطبوهما من وثائقهم. من سيهتم.
"ليس لكم الحق في الإقامة هنا لأن الإبنين يحملان جواز رمادي، ولايمكنك أن تسجلي أطفالك في جواز سفرك لأن هذا سيعني أنكم من الجنسية نفسها"، هذا ماقالوه لي. عرفت بعدها أن هناك عندهم أغنية شعبية قديمة تلوم بنت الرومية التي افتكت أحد أبنائهم..!! طفلاي ليسا لي، ليسا من دمي ولا من لحمي. على طفليّ أن يحملا ذلك الجواز الرمادي، وعلي أنا أن أحمل الجواز الإيطالي الأنيق. ولكي أعرّف عن نفسي وأحصل على جواز سفر أو أجدده، عليّ أن أحضر هويتي، وليحصل طفلاي على جوازي سفر بلاد والدهما،عليهما أن يحضرا "اعترافات تنصل مما كان من أبوهما". طفلاي يدفعان ثمن سياسات خاطئة.
هكذا يتم استقبال أبناء البلاد هنا، لكنها ليست المناسبة للكلام. ما زالا صغيرين وما زلت قادرة على حمايتهما من مواجهة تلك السياسات الخاطئة، أنا وأبوهما، لقد عشنا وبنينا نفسينا وحسّنا وضعنا، ولكن عندما سيكبر طفلانا، لن نكون قادرين على حمايتهما من حقيقة أنهما "غريبان في وطنهما"، ولدان غير مرحب بهما في بلد الأجداد، لا يحسان بالإنتماء إليه، ولن يستطيعا الصبر كما صبرت. كيف سأحمي طفليّ من ذلك كله عندما سيكبران. سيكونان لاجئين في وطنهما. سيكونان لاجئين في أرض أجدادهم، وسأكون والدتهما الغربية ـ الغريبة عن تلك البلاد، يُقتلعان من أماكنهما مرتين وأقتلع معهما، وعندها سيشطبان من سجلات مدينتي، ويتم محوهما كليا من البلاد.
إنها السياسة... سيختفي أثر أبنائي من بلادي، وأكون أنا وحدي فيها كأني لم أعش تلك الحياة ولم أحب ولم أنجب... وسيتخليان هما عن إيطاليتهما، النصف الثاني من روحهما، ذلك النصف الذي عليه أن يبقى ليبقوا، بشراً يشعرون بأنهم يقفون لا على أرض، بل على الأقل فوق إحساس بتلك الجذور. لو اخترت أن أبقيهما في تلك البلاد سيكرهانني يوما ما، لأن تلك البلاد لم تحبهما ولم تعترف بهما، وسيكون ذاك الجواز الرمادي سجناً لروحيهما، ولو اخترت لهما جنسية ثالثة سيكرهانني لأني محوت لهم عربيتهم. لماذا علي أن أشعر بأن أمومتي التي هي أجمل ما يمكن أن يحدث لإمرأة هي أبشع ما يحدث لأطفالي؟ كيف تسمح مدينتي لنفسها وهي تدعي كل هذه الحرية والحيوية والصدق ومناهضة الظلم أن تحرمني من أمومتي.... ؟
كيف يحق لمدينتي التي خرجت منها أن تنتج أغاني كثيرة عن الحب، ثم تحرم ابنتها من أن تحب وتعاقبها لأنها أحبت من غير دمها؟.
كيف يمكن لبلاد انتقلنا إليها وتدعي الحرية والمساواة، وقاومت المستعمر، أن تحرم ولديّا بالإعتزاز بوالدهما لأنه معارض، لأنه مناضل لجأ من أجل قضية يؤمن بها، إيمانه بحبه لأبنائه ووطنه؟.
هذه ليست دراما ل"أنْدريا كاميلّيري". إنها كلام حقيقي. إنها الفوبيا العربية.
أنا أعلم، لا مفر من وجود قارئ محمول بالكراهية والعنصرية، سيقول ذلك عندما سينتهي من قراءة كلماتي هذه: من أجبرك على الزواج بعربي؟. هل كان سيقول ذلك لو تزوجت بأميركي؟. لا أعلم!!. لن أكره مدينتي من أجل هذا. سأستمر في حبها حتى تخجل من نفسها. في فيانّا، اكتشفت أني لست وحدي، وفي روما أعلم تماما أني لست وحدي، ولكنني ربما أكون الأولى. يكفي أني ما زلت أحب أطفالي إلى هذه الدرجة وأحترم أرضي ونفسي. لن أنسى، سأترككم لتهدؤوا قليلا، وتشربوا أول "كابتشينو" بهدوء.. بعدها، سأخبركم أكثر عن نفسي وعن أخريات مثلي....
تعليق