عاجي
ربيع نيسان؛ نثر خضرته النضرة فوق الأرض الممتدة على مرمى البصر، وأزاهيره البرية نقشت ألوان قوس قزح الساحرة على طول السهل المترامي الأطراف، يعلن اشتعالَ الحياة وإعلان العصيان على بوابة الشتاء التي أوصدت مصراعيها بوجه الصقيع.. والبرد.
جذبه منظر الطبيعة الخلاب، وتل رملي يتوسط البقعة، فأبرقت برأسه رغبة عارمة بأن يتوقف هنيهة؛ يمتع ناظريه بما خطت الخليقة من ألوان زاهية تنتفض بالحياة وزهوها، صف سيارته على جانب الطريق؛ ومشى نحو التل الرملي الذي قبع وسط السهل وكأنه معلم أثري.. شاخص!
لم يكن التل يشبه المكان
ولا ينتمي إليه
كأنه انبثق من العدم فوقف الرجل مشدوها، يصارع أفكاره التي ما استطاعت اختزال المنظر، وعيناه المنبهرتان، تسبحان في تنقل شديد بين التلة ورمالها، واخضرار الأرض حوله.. وانبساطها
تملكت من الدهشة!
فكيف يمكن لتل رملي مثل هذا أن ينبع وسط أرض خصبة.. مثل هذه ؟!
أحس بخدر غريب، يدغدغ جمجمته وثقل شديد أغرق جفنيه وأزاغ عينيه، فأغمضهما، وأشعة الشمس تضرب بنورها على حبات الرمل، فتبرق، كأنها خرزات ماسية صغيرة مشعة تتغلغل في داخله .
فجأة!
تحركت الرمال أمامه، وهو ينظر إليها بعينين شاخصتين، مشحونة بالتعجب، والرهبة!
حين ارتفعت، تنساب حباتها الناعمة، تتسرب إلى الأسفل كأنها نبع ماء يترقرق،
تراجع خطوتين إلى الوراء تحسبا.. تتلبسه فوضى عارمة، لكن عينيْه مازالتا تتابعان الفجوة وانبثاقها.. لتتراءى له أصابع يد بشرية بلورية، تمتد من وسط الفجوة تدفع بنفسها إلى الأعلى!
فانكمش متصلبا لا يستطيع حراكا، مأخوذا
بصعوبة حرك يديه
مسح وجهه كي يتأكد بأنه..لا يحلم.. وإن ما يراه أمامه حقيقة..
ظهرت له ملامح الوجه البشري الناصع، لإمرأة ما رأت عيناه بنصاعة لون بشرتها.. ورقبتها العاجية الطويلة يطوقها عقد ذهبي ما عرف صائغا يصوغ مثله، ولا شبيه.. يتوج شعرها الأسود الطويل الذي غطى جسدها تاج مرصع بأحجار ملونة، تعتليه ثلاث وردات ذهبية تتوسطها أحجار كريمة، ما رأى رديفا لها.. وجسدها الفارع يخرج من الفوهة، ويظهر أمامه.. يواجهه!
طويلة، رفع رأسه عاليا كي يتمكن من رؤية وجهها.. فأجفل وهو يرى عينيها الكحيلتين تحدقان فيه.. ترمقانه بنظرات مذهولة، كأنها ترى مخلوقا غريبا
أرعبته نظراتها ..
تقهقر..
حاول أن يهرب
امتدت يدها المزينة بسوار ملكي،
أمسكته بقوة من يده..
سحبته إليها..
فوقف أمام جلالها.. فاغرا فاه..
يقلب في رأسه أوراق التاريخ عله يعرف من هي، وقد اتسعت عيناه في محجريهما؛ وبرودة يدها تسري في بدنه, والصور تتلاحق في مخيلته..عمن تكون!
فتحت فمها اللوزي, فجاء صوتها كأنه من هوة الماضي السحيق .. يخترق أذنيه أصابته بنشوة، وشعور الرهبة مازال يلازمه.
بلهجة الملوك سألته، واصبع سبابتها موجه إليه، يتوسده خاتم ملكي، نقشت عليه حروفا لم يستطع فك طلاسمها، ولا فهم حروفه الغريبة.. كأنه ختم!
- من أي قوم أنت يا رجل؟!
بدا له صوته كأنه يخرج من جوفه .. تملكه شعور أنه مسحور، وأن شفتيه لم تتحركا:
- أنا.. عربي
ردت والغرابة تغزو ملامح وجهها:
- أعرف أنك عربي.. ومن أين تظنني حسبتك؟!
أجابها وابتسامة باهتة تعلو فمه:
- حسبتك تظنينني .. غير ذلك!
عقدت مابين حاجبيها، سألته:
- وهل هناك غيرهم؟!
تحسر طويلا قبل أن يجيبها، وقد زال البعض من رهبة روحه؛ ويدها لما تزل تمسك يده:
- أجل هناك غيرنا الكثير.. و
شق عنان السماء صوت طائرة حربية، اخترقت حاجز الصوت تستخف بما حولها متباهية، مزق الأفق أزيزها.. وعلى الإسفلت، هدرت جنازير دبابة أميركية، تحتل الطريق وتهرس ما أمامها.
اختلطت الأصوات
ضاع صوته، وامرأة الرمل تنظر إلى السماء مرة، وصوب الدبابة أخرى، يتطاير الشرر من عينيها، فأفلتت يده، ثم عادت وتشبثت فيها، وهي تتلفت في حيرة حولها، يتلبسها خوف اجتاح مقلتيها..!
أمسكت وجهه بيديها، تفحصته، ثم أفلتته، وأطلقت صيحة غاضبة.
زمجرت السماء على أثرها، وأرعدت ببريق نهض من قوة خفية، والغيوم الكثيفة غطت السماء بعباءة أرجوانية، أعتمت الدنيا، والبرق يضرب إسفلت الشارع بشدة فيفور، والنيران اشتعلت في السماء لتهويَ الطائرة، تصطدم بالأرض محدثة دويا رهيبا، وجسم الدبابة يغطس إلى أسفل..!
أجفل الرجل يهز رأسه مرارا، نظر حوله يبحث عنها، تلفت يمينا وشمالا، طفق يحوم حول التل؛ غير عابئ بما يجري حوله، يدفعه جنون ماحق للّحاق بملكة الرمل، ويداه تحفران، تدفعان الرمل بقوة تزيحانه، فاصطدمت يده بحجر طيني، أمسكه ينظر إليه بشغف ملهوف، والحروف المكتوبة على اللوح الحجري، تتراقص بغموضها لا تسعفه، لم يستطع فهم لغتها ولا فك رموزها، وصدى الصرخة مازال يدوي بجمجمته.
رفع رأسه إلى السماء، صارخا بأعلى صوته يناديها، والحرقة تستعر بفؤاده المأسور فيها، سحرا غامضا.. شجيا..!
وهناك.. على سماء لم تطو صفحة التاريخ بعد.. لاحت له صورتها المبهرة، وهي مهمومة.. مرسومة على الأفق..!
1/7/ 2009
ربيع نيسان؛ نثر خضرته النضرة فوق الأرض الممتدة على مرمى البصر، وأزاهيره البرية نقشت ألوان قوس قزح الساحرة على طول السهل المترامي الأطراف، يعلن اشتعالَ الحياة وإعلان العصيان على بوابة الشتاء التي أوصدت مصراعيها بوجه الصقيع.. والبرد.
جذبه منظر الطبيعة الخلاب، وتل رملي يتوسط البقعة، فأبرقت برأسه رغبة عارمة بأن يتوقف هنيهة؛ يمتع ناظريه بما خطت الخليقة من ألوان زاهية تنتفض بالحياة وزهوها، صف سيارته على جانب الطريق؛ ومشى نحو التل الرملي الذي قبع وسط السهل وكأنه معلم أثري.. شاخص!
لم يكن التل يشبه المكان
ولا ينتمي إليه
كأنه انبثق من العدم فوقف الرجل مشدوها، يصارع أفكاره التي ما استطاعت اختزال المنظر، وعيناه المنبهرتان، تسبحان في تنقل شديد بين التلة ورمالها، واخضرار الأرض حوله.. وانبساطها
تملكت من الدهشة!
فكيف يمكن لتل رملي مثل هذا أن ينبع وسط أرض خصبة.. مثل هذه ؟!
أحس بخدر غريب، يدغدغ جمجمته وثقل شديد أغرق جفنيه وأزاغ عينيه، فأغمضهما، وأشعة الشمس تضرب بنورها على حبات الرمل، فتبرق، كأنها خرزات ماسية صغيرة مشعة تتغلغل في داخله .
فجأة!
تحركت الرمال أمامه، وهو ينظر إليها بعينين شاخصتين، مشحونة بالتعجب، والرهبة!
حين ارتفعت، تنساب حباتها الناعمة، تتسرب إلى الأسفل كأنها نبع ماء يترقرق،
تراجع خطوتين إلى الوراء تحسبا.. تتلبسه فوضى عارمة، لكن عينيْه مازالتا تتابعان الفجوة وانبثاقها.. لتتراءى له أصابع يد بشرية بلورية، تمتد من وسط الفجوة تدفع بنفسها إلى الأعلى!
فانكمش متصلبا لا يستطيع حراكا، مأخوذا
بصعوبة حرك يديه
مسح وجهه كي يتأكد بأنه..لا يحلم.. وإن ما يراه أمامه حقيقة..
ظهرت له ملامح الوجه البشري الناصع، لإمرأة ما رأت عيناه بنصاعة لون بشرتها.. ورقبتها العاجية الطويلة يطوقها عقد ذهبي ما عرف صائغا يصوغ مثله، ولا شبيه.. يتوج شعرها الأسود الطويل الذي غطى جسدها تاج مرصع بأحجار ملونة، تعتليه ثلاث وردات ذهبية تتوسطها أحجار كريمة، ما رأى رديفا لها.. وجسدها الفارع يخرج من الفوهة، ويظهر أمامه.. يواجهه!
طويلة، رفع رأسه عاليا كي يتمكن من رؤية وجهها.. فأجفل وهو يرى عينيها الكحيلتين تحدقان فيه.. ترمقانه بنظرات مذهولة، كأنها ترى مخلوقا غريبا
أرعبته نظراتها ..
تقهقر..
حاول أن يهرب
امتدت يدها المزينة بسوار ملكي،
أمسكته بقوة من يده..
سحبته إليها..
فوقف أمام جلالها.. فاغرا فاه..
يقلب في رأسه أوراق التاريخ عله يعرف من هي، وقد اتسعت عيناه في محجريهما؛ وبرودة يدها تسري في بدنه, والصور تتلاحق في مخيلته..عمن تكون!
فتحت فمها اللوزي, فجاء صوتها كأنه من هوة الماضي السحيق .. يخترق أذنيه أصابته بنشوة، وشعور الرهبة مازال يلازمه.
بلهجة الملوك سألته، واصبع سبابتها موجه إليه، يتوسده خاتم ملكي، نقشت عليه حروفا لم يستطع فك طلاسمها، ولا فهم حروفه الغريبة.. كأنه ختم!
- من أي قوم أنت يا رجل؟!
بدا له صوته كأنه يخرج من جوفه .. تملكه شعور أنه مسحور، وأن شفتيه لم تتحركا:
- أنا.. عربي
ردت والغرابة تغزو ملامح وجهها:
- أعرف أنك عربي.. ومن أين تظنني حسبتك؟!
أجابها وابتسامة باهتة تعلو فمه:
- حسبتك تظنينني .. غير ذلك!
عقدت مابين حاجبيها، سألته:
- وهل هناك غيرهم؟!
تحسر طويلا قبل أن يجيبها، وقد زال البعض من رهبة روحه؛ ويدها لما تزل تمسك يده:
- أجل هناك غيرنا الكثير.. و
شق عنان السماء صوت طائرة حربية، اخترقت حاجز الصوت تستخف بما حولها متباهية، مزق الأفق أزيزها.. وعلى الإسفلت، هدرت جنازير دبابة أميركية، تحتل الطريق وتهرس ما أمامها.
اختلطت الأصوات
ضاع صوته، وامرأة الرمل تنظر إلى السماء مرة، وصوب الدبابة أخرى، يتطاير الشرر من عينيها، فأفلتت يده، ثم عادت وتشبثت فيها، وهي تتلفت في حيرة حولها، يتلبسها خوف اجتاح مقلتيها..!
أمسكت وجهه بيديها، تفحصته، ثم أفلتته، وأطلقت صيحة غاضبة.
زمجرت السماء على أثرها، وأرعدت ببريق نهض من قوة خفية، والغيوم الكثيفة غطت السماء بعباءة أرجوانية، أعتمت الدنيا، والبرق يضرب إسفلت الشارع بشدة فيفور، والنيران اشتعلت في السماء لتهويَ الطائرة، تصطدم بالأرض محدثة دويا رهيبا، وجسم الدبابة يغطس إلى أسفل..!
أجفل الرجل يهز رأسه مرارا، نظر حوله يبحث عنها، تلفت يمينا وشمالا، طفق يحوم حول التل؛ غير عابئ بما يجري حوله، يدفعه جنون ماحق للّحاق بملكة الرمل، ويداه تحفران، تدفعان الرمل بقوة تزيحانه، فاصطدمت يده بحجر طيني، أمسكه ينظر إليه بشغف ملهوف، والحروف المكتوبة على اللوح الحجري، تتراقص بغموضها لا تسعفه، لم يستطع فهم لغتها ولا فك رموزها، وصدى الصرخة مازال يدوي بجمجمته.
رفع رأسه إلى السماء، صارخا بأعلى صوته يناديها، والحرقة تستعر بفؤاده المأسور فيها، سحرا غامضا.. شجيا..!
وهناك.. على سماء لم تطو صفحة التاريخ بعد.. لاحت له صورتها المبهرة، وهي مهمومة.. مرسومة على الأفق..!
1/7/ 2009
تعليق