عندما سقط أول صاروخ على غزة,انتفضت دماء الشهداء في وهج ذاكرة أناسها,بين اهات سكانها.حينئذ تدثروا بأكفان النصر وتمترسوا بأحصنة من عزيمة وصبر,ونادوا ملء إرادتهم بأصوات تزمجر في أعماق العدو صرخة الرعب.بهتاف بطولي صاعق صرخوا:
سحقا..سحقا لأعداء الإنسانية...تبا...تبا... لآفة العصر البربرية...
سمعت أصواتهم عبر تموجات ثورية.بألحان موسيقية تعزف أنشودة التحدي,لتصل ابتهالات تمجيدية الى عمق مقابر الشهداء.فتعالت أناشيد المقاومة تهز أركان الأرض بأسرها.أزهرت أشجار الغاب الظمأى,واخضرت دماء الأطفال العطشى,وانشطرت البطون الحبلى دما ودفقا..بغثة دوى صوت الهمجية في سماء غزة..نعم دوى...ثم دوى...فدوى..
وهوى صاروخ آخر أعمى,على تربة ندية احتضنت منذ سنين تحت أديمها,أسطورة اسمها جفرا.انبعثت في عرس ليلة الحزن هذه..ململة رفاتها بعناية فائقة,تشكلت في حلة أبهى.كفينق مزهو بعودة زمن الخوارق,في ظل تداخل الحقائق..وتعاظم أدخنة المحارق ولمعان نور غزة المشرق...
بدت جفرا مفزوعة,مفجوعة مما رأت حولها.صفحة الليل الممتدة أمام ناظريها معتمة وقاتمة.انها ليلة استطال فيها القصف والرفس.فركت عينيها بلهفة فلمحت حجم الدمار الذي يرزح تحت قدميها.استفاقت من هول الصدمة التي صفعتها.التفت الى الخلف نحو حفرتها, ثم استدارت يمنة ويسرة,فلم ترى سوى اثار المذبحة.أشاحت بوجهها نحو السماء وهي تتضرع لخالقها متمتمة بكلمات تحد حقيق:ألا تر يا الهي؟؟ألا ترى؟؟
تناهت الى مسامعها أصوات انفجارات متوالية,وتذكرت عبر انسياب ذهني ممركز للغاية ,أنها كانت هنا وهاهي عادت.طفلة صغيرة,نشأت في فلسطين وعلى أرضها عمرت لزمان سحيق.عمدت في نهر الدم المبدئي,فكانت رمزا للحبور وابتسامة تنداح على وجوه الاطفال الشهداء.تعلقت جذورها مع جذوع أشجار الزيتون.أما قامتها فتسامت حتى عانقت القبة الخضراء.هناك كانت وفوقها ستبقى وعليها ستفنى...
سرحت بفجيعة أسطورية على ذكرى النكبة.فجأة سقطت قذيفة أخرى على مقبرتها.سرى حفيف صوت شعري بين جناحيها فرفرفت صافقة صفحة الهواء العابقة بعطور الثورة.حلقت وهي ترسم فوق أجواء القطاع أسماء,بل أجسادا من لحم ودم لأصدقائها.هنا ريتا...هناك لينة...وثمة محمد الذرة.انثالت تقاسيم رسومها على الأشجار وفوق سطوح الديار,في مجرى الأنهار,بين أحضان أعشاش الأطيار,فأزهرت ذراتها كلمات كتبها شاعر كان بيننا ومضى رفقة حصانه الأبيض وحيدا..هو مؤلفها.لا...لا...بل خالقها,لأنها كانت وستكون وستبقى..أسطورة فلسطين العظمى...
رددت بعنفوان بعضا من أبياته-أبياتها- قائلة:
من لم يعرف جفرا؟؟؟
جذوة من رماد غزة
جفرا تتوهج دما وحمرة...
جفرا رمز الثورة
رددت حناجر الأبطال من تحتها,من خضم المعركة:فلتحيا جفرة...فلتحيا...
انتشت دماؤها بجنون ملحمي,فرقصت رقصة العنقاء لتبدد سوداوية الفضاء الحزين.فشاركتها النجوم بومضها,تضيء لها دروب السماء وحنين حارق يقودها للتحليق بعيدا,الى عمق الارض المدمية,حيث الجنائز أعراس تاريخية شهدتها الأقمار والنجوم والشموس وكل ضمائر البشرية والنفوس...
انطلقت والمدى الضبابي في سماء الوطن الجريح,تتلاشى سديميته مع انبلاج الفجر وتعالي صياح الديكة وأصوات المآذن التي تنثر نداءها في جنح الظلام,لتمتزج مع هول الليل المدلهم والدوي المرعب ودبق الروائح المميتة,فتشكل ايهاما مريعا لشبح الموت المخيف...ذلك الشبح الذي لم يعد بمقدوره أن يخيف الأطفال والجرحى والثكالى,فوضع هو أيضا قناعا من خوف مخجل.لقد خشي فظاعة فعلته وتصعد مع دخان القنابل وألسنة اللهب إلى فضاءات نائية,لتتحول مع تكاثف الاهات والصرخات الى سحب من دموع تمطر حزن الكون على غزة...فبكت العصافير فجاعة الطبيعة ونعقت الغربان مكر التاريخ وانتحبت الدمى في مشهد كاراكزي هزلية المواقف العربية وتفسخ العلاقات الدموية..ومن عقر الديار المقدسة,صدحت أصوات النضال مزمجرة تواجه الموت بمعنى اصيل.ترتمي في أحضانه,في خضم رعبه,فترسم ملحمة النصر وتغني أنشودة الظفر التي تمهرها زغاريد الأمهات من جميع الجهات,مقاومة بذلك هزيم الحرب...
أرهقها التحليق الفوقي,فحطت الرحال على شباك منزل مدمر,تعلوه مسحة سواد على جدرانه.لمحت تصدعا شق أرضيته.ولعبا مبثوثة في أركانه,ومهدا احترقت أخشابه مع عظام وليده..ند من جوفها هدير استنكار فصاحت:
- لماذا يا أماه...لماذا نموت هكذا؟أليس من حقنا أن نعيش كأطفال العالم..أن نكون من أجياله؟؟؟
بحثت عن أمها فلم تجدها هناك.فتشت عنها في أزقة الحي..لم يظهر لها أثر يذكر.فطارت من جديد لتعتلي أعمدة الدخان..تراءى لها موكب جنائزي غفير...ومشت فيه وهي على نعوش الأبطال الصغار,لم تبرح مكانها حتى دفنوا وهي تحضنهم الواحد تلو الاخر...
نفضت جناحيها بأريحية لتنزع منها رهبة اللحظة,واندست بين جموع المعزيين,فرأت أمها تبكي...بخطوات واثقة تقدمت نحوها,كفكفت دموعها وهمست لها قائلة:
- ألا ترين أنك حبلى؟انظري..إن بطنك ثورة...
فلما امتدت يد الأم إلى أسفل بطنها...تحركت بذور الثورة...أما جفرا فقد حلقت بعيدا وهي تردد:
من لم يعرف جفرا؟؟؟
جذوة من رماد غزة
جفرا تتوهج دما وحمرة...
جفرا رمز الثورة...
مولاي عبد الرحمان دريسيالمغرب
تعليق