سعيد وسلمي والصغير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    سعيد وسلمي والصغير

    (1) سعيد
    السواد يزحف على كل شيء…
    يزحف يقتحم أثاث المنزل ، ويداهم جدران البيت البيضاء .
    تنبض عروقه في عنف ، يداه ترتجفان وهو يسند بهما رأسه ، يهتز الرأس مع اهتزاز يديه ، وتهتز الدنيا معهما..
    اليوم زفافها …
    اليوم نهاية العالم عند سعيد ، اليوم يرى العالم بنظرة مختلفة ..
    ها هي الطيور حزينة منذ الصباح ، الأشجار تدندن بلحن متأوه موجوع ، والصباح نفسه بدا كئيباً يأتي على استحياء ..
    لكن سلمى لا تشعر به ، لا تدرك النيران التي تشتعل في فؤاده شوقاً اليها ، لا تدرك حجم الرغبة المجنونة في أعماقه لاحتوائها ، لتقبيلها ، للهروب معها الى خارج المكان والزمان ..
    لكن جبنه كان هو السبب ..
    كم مرة رآها تدخل العمارة بخطواتها الرشيقة ، فيشل لسانه ويكتفي بمراقبتها من شباك غرفته ..
    آهٍ يا سلمى ..
    آه لو تدركين ماذا يعتمل بقلب مسكين ..
    لو أعلم فقط أنها تحبني … لأقتحم العرس وأخطفها رغم العالم كله …
    ولكنه أرسل لها رسالتين مع أخيه الصغير .
    لماذا لم ترد ؟
    لماذا لم تجبه ولو بكلمة لا ؟… لا أريدك
    ودخل أخوه الصغير يرمقه باستغراب وقال:
    - سلمي تبلغك تحياتها وتقول لك:
    "هل بلغتك الرسالة" ؟
    بلغتني الرسالة يا سلمى …
    بلغني أنك لم تحبيني يوماً …
    وصلت رسالتك الشفوية من دون كلام …
    - اغرب عن وجهي … اتركني …
    وابتعد الصغير خائفاً من ثورة سعيد
    وسعيد يتهاوى على أقرب مقعد ، يهوي والجدران تراقب حاله ..
    والدنيا تبدو ضخمة من خلف غشاء الدمع المتهاوي خلسة …
    يشعر أن حياته تتلاشى .. تنكمش لتنهي عالمه الضيق ..
    تبتلع أحاسيسه / رغباته/ ثورته الصامتة ..
    لم يبقَ إلا قلب ينبض في قوة ينتظر ساعة صفر كي ينفجر …
    (2) سلمى
    تذرع الغرفة جيئة وذهاباً ..
    تنتظر أن يأتي في آخر لحظة كي ينقذها من موتٍ قادم …
    الدموع تتساقط في صمت …
    والقلب يقول :
    أين أنت يا من سكنتني وخيّمت فيَّ … أين أنت مما يحدث لي الآن …
    إنها تحبه …
    تحبه بكل سكناتها وهمساتها …
    تحبه لأخلاقه …
    لطيبة قلبه … لحيائه الشديد … لرجولته
    تحبه لأنه هو …
    ولكن كيف تفهم يا سعيد .. كيف تفعل ؟
    لقد شكت للحظة أنه يحبها من تحديقه بها كلما رآها ..
    نظرة خاوية قد لا تحمل شيئاً وقد تحمل كل شيء …
    وقد تعني أنه لا يزال يتمسك بوعده الذي قطعه منذ كان بعد طفلاً يلعب معها دون قيود ودون حواجز … ويصرخ دائماً … أنت لي .. سنكون معاً عندما نكبر ..
    وفي خطوة جريئة أرسلت له رسالة تلمح له فيها أنها لا زالت على عهدها …
    ولا رد إلى الآن ...
    أين أنت أيها الصغير لتبلغني الرد …؟
    - سلمى … أهل العريس بدءوا يتوافدون …
    البسي ملابسك واخرجي لاستقبالهم …
    - سأخرج يا أماه
    سأخرج وليفهم أو لا يفهم … لقد انتهت حياتي يوم زفافي هذا … وليحدث ما يحدث
    فلن يضير الشاة سلخها بعد ذبحها …
    قالتها
    وانهمرت دموعها مدراراً
    وفستان الزفاف الأبيض يلتمع من خلف باب الدولاب المفتوح …
    الفستان يزداد سواداً من عينيها ..
    وشعور العجز يداهمها .. تسقط أرضاً ..
    تحمل فستان العرس الأبيض معها .. للأسفل ..
    (3) الصغير
    على سطح العمارة يقف
    بملامحه الطفولية وبراءته الفطرية
    يرمق طيارته الورقية بإعجاب لا متناهي
    ما أجملها زاهية الألوان
    ترتفع الطيارة في البحر الأزرق الهائل الذي يتناثر في الأعلى، والرياح تداعبها في رقة..
    ثم تتجهم ملامحه في سرعة وتقلب مضحك ..
    - هذه آخر ورقة جميلة تعطيني إياها (سلمي)
    لا أعرف لماذا توقف أخي عن إعطائي هذه الأوراق الملونة …
    الذعر يبدو على ملامحه وطيارته تنقلب بغتة
    تعود الطيارة لوضعها الطبيعي، فتعود الابتسامة إلى شفتيه الصغيرتين ..
    الورد يتألق على طيارة الصغير واسم سلمى يلتمع بذيل الصفحة ..
    كلمات العشق الطائرة تغني أبشع ألحان ..
    طيري يا طيارة طيري …
    واسرقي عذرية المكان …

    ********************************
    مارس 2000
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    كانت الدهشة هنا فى حجم حلم يفترس ،
    ويقضى نحبه على أطراف براءة ، لا ترى
    و لا تسمع .. و لا تحس أنها أجرمت فى حق نفسها أولا
    و فى حق من تحب !!
    هل تألمت من وقع الاكتشاف ، أم ضحكت بسخرية ..
    أم نزت دمعة برغمى على ما كان !
    هل تعلق أقدارنا بيد من لا يهتم و لا يشعربنا؟
    ربما نعم حملت رسالة كتلك ، أحلامنا قد تبدو عند الآخرين
    محق اوراق تصلح كذيل طائرة ورقية !
    أحلامنا .. أحلام الشباب و الشابات .. قد تقتلها البراءة ،
    و قد تكون الغفلة أو الجهل !!

    نعم .. كنت جميلا و أكثر حزنا أحمد
    ربما التشكيل يحتاج منك لمعاودة ، رسم البنيان ،
    بانتقاء اللفظة ، أو التخلص من الزوائد فى الاسمنت
    الذى يربط بين القالب و القالب !!

    ربما هناك خطأ صادفنى ، عاود البحث عنه !

    محبتى خالصة أحمد عيسى الجميل !!
    sigpic

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      اللـــــــــــــــه استاذي أحمد عيسى
      نثرت الحزن ثم البراءة في سطورك
      حزنت وابتسمت في آن واحد..كيف لا أعلم
      سردك كان يرسم تلك المشاعر بتلقائية على وجهي
      كم أحببت الصغير وبراءته

      قلم وفكر بارع في التصوير
      صدقني كنت في داخل المشهد بكل أحاسيسي
      تحيتي وتقديري استاذ احمد
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • فؤاد الكناني
        عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
        • 09-05-2009
        • 887

        #4
        أستاذ أحمد
        تحية لقلمك ولهذه المفارقات الهائلة التي شكلت بأتحادها بؤرة شددت حولها نسيجا سرديا رائعا.
        إحتراماتي للمبدع الذي يتحفنا بكل جميل

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          الزميل القدير
          أحمد عيسى
          هلا وغلا بك في عالم الحب
          لكنك حزين
          أتدري أحمد لشقاوة الصغار وأفكارهم الجهنمية حقيقة مايترك أثرا كبيرا
          وربما فاجعة
          أبرياء هم
          لكنهم أحيانا يقتلون
          أبرياء هم لكنهم أحيانا يفتعلون الحرائق
          ويكذبون
          نص ثلاثي الأبعاد موجع حقيقة
          ومضة رائعة أحمد
          تحياتي وودي
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          • إيهاب فاروق حسني
            أديب ومفكر
            عضو اتحاد كتاب مصر
            • 23-06-2009
            • 946

            #6
            الزميل أحمد عيسى...
            قصتك رائعة... تنقل إلينا تلك البرودة المتولدة عن عدم القدرة عن المواجهة... هل يعقل ذلك ؟ أن يفقد المرء قلبه لأنه غير قادر على مواجهة من يحب بما يحب... إنه لأمر في غاية القسوة...
            أبدعت قصة وأسلوباً ومعالجةً...
            أهنئك... ودمت مبدعاً....
            إيهاب فاروق حسني

            تعليق

            • أحمد عيسى
              أديب وكاتب
              • 30-05-2008
              • 1359

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              كانت الدهشة هنا فى حجم حلم يفترس ،
              ويقضى نحبه على أطراف براءة ، لا ترى
              و لا تسمع .. و لا تحس أنها أجرمت فى حق نفسها أولا
              و فى حق من تحب !!
              هل تألمت من وقع الاكتشاف ، أم ضحكت بسخرية ..
              أم نزت دمعة برغمى على ما كان !
              هل تعلق أقدارنا بيد من لا يهتم و لا يشعربنا؟
              ربما نعم حملت رسالة كتلك ، أحلامنا قد تبدو عند الآخرين
              محق اوراق تصلح كذيل طائرة ورقية !
              أحلامنا .. أحلام الشباب و الشابات .. قد تقتلها البراءة ،
              و قد تكون الغفلة أو الجهل !!

              نعم .. كنت جميلا و أكثر حزنا أحمد
              ربما التشكيل يحتاج منك لمعاودة ، رسم البنيان ،
              بانتقاء اللفظة ، أو التخلص من الزوائد فى الاسمنت
              الذى يربط بين القالب و القالب !!

              ربما هناك خطأ صادفنى ، عاود البحث عنه !

              محبتى خالصة أحمد عيسى الجميل !!
              الأستاذ الفاضل : ربيع عقب الباب
              دوماً لك السبق أيها الأديب الجميل ..
              أشكرك لمرورك ولكلماتك التي تسعدني وتطرب قلبي
              أما بالنسبة للبنيان نعم أعترف أنه في حاجة الى اعادة صياغة فقد كانت القصة منذ كتبتها أقرب الى التشيكل الشعري
              منه الى القصصي بل أني كتبت نفس القصة ولكن على هيئة قصيدة
              وهذا مقطع منها :
              فكتبت أنعى حبنا الـــ ـضائع وما للنعــي حد
              وعلى الرسالة كان خطـ ـي ناصع واللــون ورد
              وبللت فيها أدمعـــي ونزفت أحلامي بكـــد
              اليوم عرسـك يـا حياة الروح قد حـــل الأرق
              الحب يكتبــه دمــي والعشق يسطع كالفلــق
              والكره يصلينا معـــاً مثل النوى عند الشفـــق
              سلمى أحبك كيف أشرح لوعتي في ذا الــــورق
              قلبي بكا جسمي اشتكـا والحب في قلبي احتــرق
              اليوم عرسٌ دامـــع والدمع بالحزن التحــق
              سأبيد كل رسائلـــي مستسلـمٌ وبـلا نــزق
              ........
              استسلمي نفسي وطيــ ــبي قد رحل عني الحبيب
              ارضي بهذا العيش كيــ ـف تصرفي دون النصيـب
              فستان عرسي ناصــعٌ لكنه جسمــٌ غريــب
              والليل أسود دامــسٌ والفجر من حولي كئيــب
              ليس ابتسامي من فـرح فالضحك يتبعه النحيــب
              الوجه باسم والعيــون تكوى بنيران اللهيـــب
              قلبي ينوح ومهجــتي عطشي لحبهما السليـــب
              هذا اختياري أن أعيــ ـش غريبة بعد الحبيــب
              .......
              فيم اختياري والأســى والوقت يسلبه ذويـــك
              ليس انتظاري منـــةً فالحب ينقصه الشريـــك
              أين الرسائل كنت أكـ ـتبها وأعطيها أخيـــك
              صمتُ يجمد مقلـتـي والصمت في قلبي يحيــك
              حرك لسانك يا سعيـد وابعث جوابك مع أخــيك

              الى اخر القصيدة/القصة

              أما بالنسبة للخطأ الذي نوهت اليه فحبذا لو تكرمت علي في هذا الموضع ومواضع أخرى أن تنبهني الى أي خطأ تراه وسأكون حقاً من الشاكرين ..
              دمت برعاية الله وحفظه ..
              ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
              [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

              تعليق

              • أحمد عيسى
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 1359

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                اللـــــــــــــــه استاذي أحمد عيسى
                نثرت الحزن ثم البراءة في سطورك
                حزنت وابتسمت في آن واحد..كيف لا أعلم
                سردك كان يرسم تلك المشاعر بتلقائية على وجهي
                كم أحببت الصغير وبراءته

                قلم وفكر بارع في التصوير
                صدقني كنت في داخل المشهد بكل أحاسيسي
                تحيتي وتقديري استاذ احمد
                الأخت الأديبة الراقية : مها راجح
                لمرورك طعم آخر يا زميلتي ..
                سعدت بوجودك هنا ، واحساسك بمعاني القصة ، وتأثرك بأحداثها ..
                شكري لك ولرقي فكرك
                دمت بكل الود
                ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                تعليق

                • أحمد عيسى
                  أديب وكاتب
                  • 30-05-2008
                  • 1359

                  #9
                  رد: سعيد وسلمي والصغير

                  المشاركة الأصلية بواسطة فؤاد الكناني مشاهدة المشاركة
                  أستاذ أحمد
                  تحية لقلمك ولهذه المفارقات الهائلة التي شكلت بأتحادها بؤرة شددت حولها نسيجا سرديا رائعا.
                  إحتراماتي للمبدع الذي يتحفنا بكل جميل
                  أستاذي الكريم : فؤاد

                  أشكرك على تشريفك هذه الصفحة ..
                  كانت طفولة هذا البرئ سبباً في حرمان قلبين عاشقين من الالتقاء ..
                  فمن يحمل الذنب اذن ؟

                  تحيتي يا طيب
                  ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                  [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X