أَخَـــوَان
مُنذُ عَامين سَافَرا مَعاً ، وها هُما عَائدان مَعاً …
في تِلك اللحَظاتِ يأكلُهما الحَنِينُ … يَعتِصرهُما الأمَلُ … ُتـداعِبهما خَيالاتُُ شَتَّى …
يُنِشِدُ عِيسَى ، وعَيْنَاه شَاخِصتان إلى الأفقِ البَعيدِ … القرِيب :
ليه يــا حبيبتي ما بـيـنا دايماً سـفر
ده البـعد ذنـب كبــير لا يغـتـفر
ليه يــا حبيبتي ما بـيـنا دايماً بحور
أعدي بحر ألاقي غيره اتحفـــر (1)
يَنُظُر مُحمد في عَيني عِيسَى ، يِجدهُمَا مُبَللتين بَحبتي لُؤلؤٍ ، يَربتُ على كَتِفِهِ بِقوةِ مَشَاعِره الصَّدوقةِ … هَامِساً لَه :ده البـعد ذنـب كبــير لا يغـتـفر
ليه يــا حبيبتي ما بـيـنا دايماً بحور
أعدي بحر ألاقي غيره اتحفـــر (1)
- مضي الكثير ولم يبق غير القليل …
يَرمقه عيسَى بِنَظراتٍ مُسْتَفسِرةٍ … كَمن يُخفِي سِرَّاً في أعماقِهِ... ولا يبوح بِه لأحدٍ … يَفهم مَحمَد مَغزى تلك النَّظراتِ المسكونة بالرغبةِ والخَوفِ … فيَشِيحُ بِعينيهِ ، ناظِراً إلى مُقدِّمة العبَّارة وهى تَمخُر عباب البَحرِ بِقوةٍ وإصْرارٍ على الوصولِ …يَهمِس عِيسَى :
- لولا وجودك معي لما تحملت الغربة قـط…
- وهل نسيت العهد بيننا ؟…
يُرسِل عِيسَى ابتسامةً شَفَّافةً :
- ألا زلت تذكره ؟ …
يُطيل محمد النَّظر في عيني صديقهِ ، كأنَّه يَستَقرئ ما فيهما من مَعانٍ خَفيَّـةٍ …
- نعم أذكره ! …
يَبتِسم كِلاهُمَا للآخَرِ … يَتصَافحانِ بِمودةٍ كالحَلِيبِ … تَضِربُ العَبَّـارة مَوجَـةُُ مُفاجِئـةُُ … تهَتزّ … تَميِلُ قَلِيلاً …
يَختلُّ تَوازنهما … تَنزَلِق قدم عيسى … يَشْرِف على السُّقوطِ … يشدُ محمد على يدَهِ بقوةٍ… يَجذبه إليه …
تَعتِدلّ العَبَّارة في مَسَارهِا …
يَستوي عيسى في وقفتهِ … يهمس :
- أنقذتني من السقوط ! …
- لو كنت مكاني لفعلت الشيء نفسه …
يَنْظُرُ كِلاهما للآخر … يُحيلان نَظراتهما إلى الشَّاطِئ القَريبِ… ورغم أنَّهما لا يَريانه … لكِنَّهما يَشعران به قَريباً مِنهما … قَرِيباً جِداً
العَـبَّارة تَمِــيل …
يَتَمسك كِلاهما بِيدِ صَاحِبهِ …
يَصِيحُ عِيسَى :
- ماذا يحدث ؟ …
- يبدو الأمر غريباً …
يَنْظُر عيسَى على مَدَى البَصَر … يَرَى عُيون حَبيبته تُطِلُّ عليه بِسِحرِ شَاطئها القَريبِ … يَمدُّ ذراعه إليها … عَلَّها أن تَمِسك به … وتَضمه إلى حُضنها …
يَصرخ مُحَمد :
- عِيسى ! …
البحر يَنْتَهِك حُرمةَ العبَّارة …
يَصعد المسافرون إلى السَّطحِ في هَلَعٍ … تَدهَسُ الأقدامُ الأجسادَ..
العَبَّارة تَغوصُ أكثر … فأكثر …
عِيسَى في البَحرِ ، يَمدُ ذراعه محاولاً التشبث بالأملِ الأخير...
يرمي مُحمَّد إليه طوق النجــاةِ … ويلقي بجَسَده إليه … يًسبَح بِإصرارٍ … تتردد في أذنهِ كلمةً :
- نحيا معاً … نموت معاً … ذلك عهد بيننا …
ماء البَحـرِ يُخالِطُ فَمه … يغَرغِر عِيسَى … و لازال ذراعه متعلِّقاً بالفَراغِ … يَسبح محمد إليه بكلِّ طاقتِهِ …
يَتهاوى ذِراع عِيسَى … يُمِسك محمـد بطَرفهِ في اللحظةِ الأخيرةِ … يُحَاول جَذبه إليه … لا يَستطيع …
تُداهمهما مَوجَةُُ عَاتية …
لا يترك محمد ذراع عِيسَى …يُحاول مَرةً أخرى …
تَدور بِهما الدّوامة دوراناً سَرِيعاً … سَرِيعاً …
يدوران معها ممتطيين موجةً متفجرة في طريق الأملِ...
***
تعليق