قراءة في قصة "تنورة " لبسمة الدندشي .
[frame="1 98"]
تنورة
كانت تمشي متمايلة بين صديقاتها تلبس تلك التنورة القصيرة التي تكشف عن ساقيها الجميلتين ، وتسترق
النظر بخبث وكبرياء وفخر لردود فعل المعجبين ونظراتهم .
كانت تعلم أنها جميلة تلفت الأنظار . تتقن فن الإغراء بغرور وكبرياء بالنسبة لصبية في مثل عمرها.
فجأة ، اقترب منها رجل كبير في مثل عمر والدها تبدو عليه الهيبة والوقار قائلا :
- هل لي أيتها الحسناء أن أعرف إسم والدك ؟
تسارعت نبضات قلبها ، فقالت في نفسها ربما يريد خطبتي لولده .
أجابته بحياء وقد احمرت وجنتاها وتسارع نبض قلبها :
-والدي فلان ياعم ..
قال الرجل :
- بلغيه سلامي ، وقولي له أن فلانا يريدك في أمر مهم.
ثم أعطاها إسمه وأبتعد محييا بلطف ، مسترقا النظر لتنورتها.
أسرعت مهرولة وقلبها يعزف سمفونية الفرحة المكبوتة بداخلها تردد :عريس ..عريس !
أبلغت والدها الذي إاستجاب لدعوة الرجل فورا وذهب للقائه بينما جلست هي تنتظر عودته وتبني من
الاحلام قصورا، وتحيك حكايات ، وقصائد غزل.
عاد الاب وقال لها :
- اعطني تنوررتك القصيرة التي كنت تلبسينها اليوم .
تعجبت من طلب والدها .. لكنها هرولت بدون اعتراض لتحضر التنورة وقدمتها له بيد مرتجفة.
أخرج الوالد من جيبه مقصا وبدأ يقص التنورة الى قطع صغيرة وهو يردد :" فضحتيني في البلدة ...
فضحتيني"
كانت دموعها تزداد إنهمارا كلما زادت قطع التنورة عددا ...
انتهى الأب من قص التنورة .. وترك الأجزاء مبعثرة على الأرض وخرج صافقا الباب وراءه .
جمعت هي الاجزاء المبعثرة ووضعتها في كيس وخبأتها في خزانتها . تخرجها كل فترة وتبكي بحرقة
كلما تذكرت تصرف والدها وفقدان تنورتها ...
اليوم ، تقف هي وإبنتها أمام واجهة أحد المحلات تتشاجران ، لأن أبنتها تريد شراء التنورة القصيرة
المعروضة في الواجهة !
[/frame][frame="2 98"]
هذه قصة متخيلة تحاكي الواقع محاكاة بارعة ..تكشف عن تمكن رائع بتقنية السرد رغم ما يبدو على النص من بساطة وانسياب. وقبل أن نعرض المحاور المتشابكة التي اشتغل عليها النص ، نود أن نقف على التلاعب اللطيف بمشاعر المتلقي وتوقعاته. شخصيا اعتقدت أن الرجل الوقور سيتقدم لخطبتها ..لا ؟! نقطة تحسب لفنيات النص السردية. لم أعد أدري ما الذي سيحدث توقفت أحاول التخمين فعجزت .نقطة ثانية لصالح النص ، فغالبا ما يعتبر النص الذي يكشف أوراقه نصا فاشلا. هنا أقف لأقول أني كدت أصاب بخيبة أمل حين علمت أن كل شيء يتعلق بتلك التنورة وتمزيق الأب لها.فإذا بالقفلة تأتي قوية مضيئة مشعة تنقل النص من حيز الخبر والعادية لحيز طرح مسألة شائكة مع ترك النهاية مفتوحة للنقاش .
وثمة شيء أثار انتباهي أيضا هو ورود العنوان " تنورة " نكرة بدون (أل) التعريف.
إنها في الظاهر تنورة ..مجرد تنورة كأي تنورة أخرى في أي بقعة من بقاع العالم .لكنها هنا اكتسبت دلالات أخرى كما سنرى ، إن ورودها نكرة قد حولها لمجرد جزئية صغيرة لا قيمة لها ليقول لنا النص لاحقا إن ما يعتبر مجرد جزئيات لهو من الأمور ذات الأهمية القصوى في تركيبتنا القيمية والأخلاقية !
ليس النص بسيطا إذن وإن بدا كذلك ، بل هو يملك بناء قويا متماسكا ومستفزا في آن واحد.لقد تم استغلال عنصر التكثيف والإيجاز هنا ببراعة ، فالنص رغم قصره تناول المحاور التالية :
1- رسم بيئة وزمان تعود لأواخر القرن الماضي ( الملابس .العادات.طريقة تصرف الفتيات .مراقبة الكبار للصغار ...)
2- ثورة سن المراهقة لكن في حدود محتشمة لا تتعدى الرغبة في الحصول على عريس.
3-الترابط الاجتماعي والدفاع عن القيم والأخلاق ممثلة في الرجل الذي اتصل بالأب وكذلك الأب الذي تقبل الأمر كونه يمثل نفس الذهنية وإن كان يتميز بنوع من التسامح مع ابنته ربما لأنه لم ينبه إلى أنها كبرت ولا يزال يراها طفلة شأن أغلب الآباء.
4- خضوع الأسرة لسلطة الأب حيث لم تبد الفتاة أي اعتراض أو احتجاج على تمزيق تنورتها ، مع غياب كلي لذكر الأم.
5- شيوع مظاهر الحياة الغربية في المجتمع العربي من خلال التقليد في المظاهر ( التنورة هنا مقابل الحجاب أو اللباس المحتشم)
6- انغراس التقاليد الغربية في المجتمعات العربية لاحقا حين أصبحت البطلة أما( التنانير العروضة في الواجهة )
أخيرا حيرة الجيل الذي يعد همزة وصل بين القديم والجديد.
إن تناول كل هذه المحاور في قصة قصيرة لا تزيد عن عن 250 كلمة إلا قليلا ، لهو دليل على التمكن الذي ربما جاء عفويا دون تخطيط سابق.ليس هناك حشو ولا استرسال ولا شرح ولا تفسير ، وكأني بالقاصة كانت تريد كتابة قصة قصيرة جدا فوجدت نفسا داخل القصة القصيرة وهو ما حدث معي في بعض نصوصي .إن الذي يطالع في جميع الأنواع السردية ، غالبا ما يجد أن روح النص وفكرته وما توارد في ذهنه هو ما يوجهه نحو جنس معين منها دون سابق تخطيط .
ولعل أجمل في هذا النص هو أن تقنية الفلاش باك flash back جاءت خفية لا ندركها إلا بعد قراءتنا للقفلة .فلو حذفنا النهاية / القفلة التي تتضمنها هذه العبارة : "اليوم تقف هي وابنتها أمام واجهة أحد المحلات تتشاجران لأن ابنتها تريد شراء التنورة القصيرة المعروضة في الواجهة " فإن النص سوف يظل محافظا على قيمة فنية وجمالية لا بأس بها بحيث يصبح عبارة عن قصة تهدف إلى إدانة تسلط الأب / المجتمع وحرمان الفتاة من حقوقها ...إلخ.لكن مع القفلة تعود جميع العناصر الواردة فتتخذ دلالات أخرى وأن ما كان إدانة يتحول إلى تعاطف وإلى سؤال عن الهوية وعن القيم والعادات والأخلاقيات التي تحكم مجتمعاتنا العربية.فالنص بدون القفلة قد حدث في الماضي ، وتم استرجاعه ليلقي الضوء على صراع ظل قائما بل وأحسبه سيظل قائما مع استمرار التجاذب والتنافر بين القيم الأصيلة للمجتمع العربي والقيم الوافدة عليه من الغرب.والحقيقة لقد أحببت هذه النهاية المفتوحة نسبيا ، وإن كنت أرى أن البطلة ( الأم ) تتعاطف تعاطفا رقيقا مع أبيها ( التراث بكل قيمه )لأنها وصلت حدا من النضج والمسؤولية ما يخولها الوقوف على سلبيات هذه المظاهر وخطورتها.لقد ذكرتني القصة بخال لي متزوج من أوروبية طلب منها نزع زينتها ونحن ذاهبين لزيارة الأهل فلما أبديت اعتراضا قال لي ( وكنت في بداية شبابي ) : "اسمع ، سيأتي يوم تنسى فيه كل آرائك هذه وتعود للنظر للأمور بعين جدك ! ".وليست أرى في ذلك الآن وقد تجاوزت الأربعين عجبا ولا غرابة ولا رجعية كما يدعي بعض التغربيين ، بل هو دليل على تجذر القيم في المجتمعات خاصة إن كانت إسلامية وكان بعضها يتعلق بأمر من أمور الدين مثل السفور والحجاب وزينة المرأة وغيرها من الأمور.
خلاصة : إن الجميل في هذه القصة ليس فكرتها بالذات ولا حتى معالجتها بشكل تكثيفي متقن مع استعمال تفنية الفلاش باك بطريقة بارعة لأن النص كله باستثناء القفلة يدور في الماضي أي ذاكرة البطلة .وإنما أيضا التوظيف الرائع لتقنية القفلة التي وإن لم تكن صادمة في الظاهر إلا أنها تصدم وتحرك مخزوننا المعرفي وأحكامنا وتدعونا للإعادة النظر هذا على مستوى المعنى أما على مستوى المبنى فقد تحققت فيعها جميع الشروط وأهمها هنا أن القفلة جاءت لتضيء النص وتعطيه دلالته كما أرادتها الكاتبة تماما مع تركيزها على ترك هامش لحرية التخييل والمشاركة لدى المتلقي.وإني لأدعو من خلال هذا النص كل من يستهينون بالبساطة في السرد أن يعيدوا النظر في بعض قناعاتهم ويتدبروا جيدا معنى مقولة" السهل الممتنع ".
عبد الرشيد حاجب
وثمة شيء أثار انتباهي أيضا هو ورود العنوان " تنورة " نكرة بدون (أل) التعريف.
إنها في الظاهر تنورة ..مجرد تنورة كأي تنورة أخرى في أي بقعة من بقاع العالم .لكنها هنا اكتسبت دلالات أخرى كما سنرى ، إن ورودها نكرة قد حولها لمجرد جزئية صغيرة لا قيمة لها ليقول لنا النص لاحقا إن ما يعتبر مجرد جزئيات لهو من الأمور ذات الأهمية القصوى في تركيبتنا القيمية والأخلاقية !
ليس النص بسيطا إذن وإن بدا كذلك ، بل هو يملك بناء قويا متماسكا ومستفزا في آن واحد.لقد تم استغلال عنصر التكثيف والإيجاز هنا ببراعة ، فالنص رغم قصره تناول المحاور التالية :
1- رسم بيئة وزمان تعود لأواخر القرن الماضي ( الملابس .العادات.طريقة تصرف الفتيات .مراقبة الكبار للصغار ...)
2- ثورة سن المراهقة لكن في حدود محتشمة لا تتعدى الرغبة في الحصول على عريس.
3-الترابط الاجتماعي والدفاع عن القيم والأخلاق ممثلة في الرجل الذي اتصل بالأب وكذلك الأب الذي تقبل الأمر كونه يمثل نفس الذهنية وإن كان يتميز بنوع من التسامح مع ابنته ربما لأنه لم ينبه إلى أنها كبرت ولا يزال يراها طفلة شأن أغلب الآباء.
4- خضوع الأسرة لسلطة الأب حيث لم تبد الفتاة أي اعتراض أو احتجاج على تمزيق تنورتها ، مع غياب كلي لذكر الأم.
5- شيوع مظاهر الحياة الغربية في المجتمع العربي من خلال التقليد في المظاهر ( التنورة هنا مقابل الحجاب أو اللباس المحتشم)
6- انغراس التقاليد الغربية في المجتمعات العربية لاحقا حين أصبحت البطلة أما( التنانير العروضة في الواجهة )
أخيرا حيرة الجيل الذي يعد همزة وصل بين القديم والجديد.
إن تناول كل هذه المحاور في قصة قصيرة لا تزيد عن عن 250 كلمة إلا قليلا ، لهو دليل على التمكن الذي ربما جاء عفويا دون تخطيط سابق.ليس هناك حشو ولا استرسال ولا شرح ولا تفسير ، وكأني بالقاصة كانت تريد كتابة قصة قصيرة جدا فوجدت نفسا داخل القصة القصيرة وهو ما حدث معي في بعض نصوصي .إن الذي يطالع في جميع الأنواع السردية ، غالبا ما يجد أن روح النص وفكرته وما توارد في ذهنه هو ما يوجهه نحو جنس معين منها دون سابق تخطيط .
ولعل أجمل في هذا النص هو أن تقنية الفلاش باك flash back جاءت خفية لا ندركها إلا بعد قراءتنا للقفلة .فلو حذفنا النهاية / القفلة التي تتضمنها هذه العبارة : "اليوم تقف هي وابنتها أمام واجهة أحد المحلات تتشاجران لأن ابنتها تريد شراء التنورة القصيرة المعروضة في الواجهة " فإن النص سوف يظل محافظا على قيمة فنية وجمالية لا بأس بها بحيث يصبح عبارة عن قصة تهدف إلى إدانة تسلط الأب / المجتمع وحرمان الفتاة من حقوقها ...إلخ.لكن مع القفلة تعود جميع العناصر الواردة فتتخذ دلالات أخرى وأن ما كان إدانة يتحول إلى تعاطف وإلى سؤال عن الهوية وعن القيم والعادات والأخلاقيات التي تحكم مجتمعاتنا العربية.فالنص بدون القفلة قد حدث في الماضي ، وتم استرجاعه ليلقي الضوء على صراع ظل قائما بل وأحسبه سيظل قائما مع استمرار التجاذب والتنافر بين القيم الأصيلة للمجتمع العربي والقيم الوافدة عليه من الغرب.والحقيقة لقد أحببت هذه النهاية المفتوحة نسبيا ، وإن كنت أرى أن البطلة ( الأم ) تتعاطف تعاطفا رقيقا مع أبيها ( التراث بكل قيمه )لأنها وصلت حدا من النضج والمسؤولية ما يخولها الوقوف على سلبيات هذه المظاهر وخطورتها.لقد ذكرتني القصة بخال لي متزوج من أوروبية طلب منها نزع زينتها ونحن ذاهبين لزيارة الأهل فلما أبديت اعتراضا قال لي ( وكنت في بداية شبابي ) : "اسمع ، سيأتي يوم تنسى فيه كل آرائك هذه وتعود للنظر للأمور بعين جدك ! ".وليست أرى في ذلك الآن وقد تجاوزت الأربعين عجبا ولا غرابة ولا رجعية كما يدعي بعض التغربيين ، بل هو دليل على تجذر القيم في المجتمعات خاصة إن كانت إسلامية وكان بعضها يتعلق بأمر من أمور الدين مثل السفور والحجاب وزينة المرأة وغيرها من الأمور.
خلاصة : إن الجميل في هذه القصة ليس فكرتها بالذات ولا حتى معالجتها بشكل تكثيفي متقن مع استعمال تفنية الفلاش باك بطريقة بارعة لأن النص كله باستثناء القفلة يدور في الماضي أي ذاكرة البطلة .وإنما أيضا التوظيف الرائع لتقنية القفلة التي وإن لم تكن صادمة في الظاهر إلا أنها تصدم وتحرك مخزوننا المعرفي وأحكامنا وتدعونا للإعادة النظر هذا على مستوى المعنى أما على مستوى المبنى فقد تحققت فيعها جميع الشروط وأهمها هنا أن القفلة جاءت لتضيء النص وتعطيه دلالته كما أرادتها الكاتبة تماما مع تركيزها على ترك هامش لحرية التخييل والمشاركة لدى المتلقي.وإني لأدعو من خلال هذا النص كل من يستهينون بالبساطة في السرد أن يعيدوا النظر في بعض قناعاتهم ويتدبروا جيدا معنى مقولة" السهل الممتنع ".
عبد الرشيد حاجب
[/frame]
تعليق