لعنـة ..!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز التميمي
    أديب وكاتب
    • 06-08-2008
    • 186

    لعنـة ..!

    في الصباح ــ صباح العصافير لاصباح البشر ــ خرج العم سلامة من بيته قاصداً مسجد الحارة ،ورغم اعتياده على الطريق منذ أكثر من ثلاثين سنة إلا أن هذا ليس كافيًا لطرد الخوف الذي يغتال طمأنينته كل صباح ، ويجعله يسحب حذاءه على الطريق ليحدث صوتًا يقتل به السكون ..و كأنه في كل يوم ينتظر حدثًا يبرر له خوفه ، ورغم ذلك لم يحدث شيء في كل سنين الخوف الماضية إلا اليوم ، فالخوف سيقتص منه ويعاقبه على فوضى تبذيره ويصفعه في المنعطف الأخير قبل المسجد .. وقف العم سلامة ليتأكد مما رأت عيناه ، وليبدد ضباب الخمول الذي مازال يسيطر على بعض خلايا رأسه .. والحقيقة كانت تعبر الطريق نحوه وتقترب أكثر ليدرك أن مايراه مشهد حقيقي، ويجب أن يفكر كيف يهرب عن وجع الخوف ..؟ انتظر واقفاً في مكانه حتى اقتربت المرأتان ووقفتا بمحاذاته وألقيتا عليه السلام .. أضاءت الآن الطمأنينة في ظلام خوفه ، وانطفأ الوجع بعد أن سمع السلام وفي نهايته أسمه مسبوقاً بكلمة عم ، فعرف أن المرأتان من أهل الحارة وأن القصة ستكون بسيطة ولاتستحق كل هذا الخوف. رفع العم سلامة عينيه يتأمل المرأتين .. قطعت عليه الكبيرة منهما فرصة التأمل بأن طلبت منه أن يحمل الكيس الذي كان معها ويرميه بعيداً في طرف الحارة عند أشجار الطلح ، ففي الكيس قط أذاهم كثيراً في البيت وتريد التخلص منه بأن ترميه بعيداً. فرح العم سلامة فهو يحب أن يقدم خدماته المجانية للناس وفرحه الحقيقي أن خوفه تبخر مع هذا الطلب وليس هناك الآن مايثير الريبة التي تستدعي الخوف . حمل العم سلامة الكيس ومضى به إلى حيث شجر الطلح في طرف الحارة .. وهو في الطريق كان القط يتحرك حركة خفيفة ويصدر مايشبه المواء ، فقرر العم سلامة أن لايترك الكيس ويمضي فقط .. بل سيلقي حجراً فوق الكيس حتى يقتل هذا القط المؤذي .
    عاد العم سلامة إلى المسجد بعد أن ألقى الكيس وألقى فوق الكيس حجرًا يظنه هشم رأس القط .

    *****

    ومع صباح البشر المعتاد خرج العم سلامة كعادته متوجهاً نحو مدرسة البنات ليقضي نهاره حتى الظهيرة متسلياً بالحديث مع حارس المدرسة . جلس العم سلامة على الرصيف أمام المدرسة في مواجهة الشمس ليدفئ عظامه من الخوف والبرد .. بدأ الحارس يتكلم بعد أن جلس بجانب العم سلامة على الرصيف ــ فحتى الحارس له عظام يطلب لها الدفء ــ وضع الحارس يده على كتف العم سلامه ــ كان يفعلها إذا كان الحديث مهمًا ــ وسأل: ألم تعلم بما حدث أمس في المدرسة ؟
    أجاب العم سلامة: لا
    الحارس: بعد انصراف البنات أمس كانت عاملة النظافة في المدرسة تنظف دورات المياه فوجدت بقعة دم كبيرة في إحدى دورات المياه .. أخبرتْ العاملة المديرة والتي بدورها أبلغت الأمن فحضروا وعاينوا الدم واكتشفوا أن داخل الدم جنين مجهض وأن الدم خارج من الرحم ..! استمر الحارس يصف غضب المديرة وجنونها اليوم في وجه الطالبات ... لكن العم سلامة كان قد دخل عالمًا اخر من التفكير ، فغيوم الأفكار السوداء بدأت تملأ عقله وعاد الخوف لينفيه خارج حدود المكان فلم يبق منه سوى جسدًا على الرصيف. اجتر كل ماجرى له هذا الصباح .. المرأتان الكبيرة التي تكلمت والصغيرة التي كانت بالكاد تمشي وفي خطواتها ثقل .. القط الذي كان يتحرك داخل الكيس بهدوء .. المواء الذي كان يشبه أصوات الأطفال حديثي الولادة .. والحجر الذي هشم رأس القط وهو داخل الكيس ..!
    لم يجد العم سلامة مبررًا واحدًا يقوده إلى البياض ، فأحداث قصته هذا الصباح بدأت تتعرى أمام عينيه بعد أن سمع كلام صديقه الحارس. قادته نواياه الطيبة إلى تصديق مالا يمكن تصديقه ،عرف أن المرأتين استغلتا سذاجته المشهورة في الحارة .. فهبت رياح الخوف الشرقية لتردم غيوم التفكير السوداء داخل رأسه فوق بعضها ، فلم يعد بوسعه إلا أن يغادر الرصيف تاركًا علامة تعجب كبيرة على وجه الحارس فالعم سلامة لايغادر الرصيف إلا عند اقتراب موعد صلاة الظهر .. ذهب قاصدًا طرف الحارة حيث الكيس والموت والقط ..
    .ترك الحارة خلفه ولم يعد أمامه إلا أشجار الطلح .. كان يراها كشواهد القبور والطريق بينه وبينها برزخًا صعب العبور ، فكلما اقترب ثقلت الخطى. لم يبق بينه وبين الكيس إلا خطوات هي الأخيرة له قبل أن يكتحل الجريمة.. مشى أخر خطوتين على أطرافه الأربع ليدخر جهدًا يزيح به الحجر الذي ألقاه فجرًا بسهولة ، هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس وانهارت قواه فوقع بوجهه على الكيس ، وعاد الذباب لينزل على رأس العم سلامة بدل أن كان ينزل على الحجر فوق الكيس .
    بعد صلاة الظهر كان جميع أهل الحارة في المقبرة ليواروا العم سلامة مثواه الأخير . اقترب حارس المدرسة من أحد أهل الحارة وسأله كيف مات العم سلامة ؟
    فقال: إنها اللعنة ! .. لعنة القط الأسود الذي قتله العم سلامة في طرف الحارة عند أشجار الطلح ..!
    عبدالعزيز التميمي
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    استاذ عبد العزيز التميمي

    قصة مخيفة فعلا ..طاردني الخوف منذ صباح العم سلامة
    سذاجته وطيبته أودت بحياته
    يا للمسكين
    ويا لمشاعرنا التي أحرقت بفعل أحداث المدرسة والمرأتان
    اسلوب ولغة تجبرك على الخوض في أحداث القصة

    سلم يراعك استاذنا الفاضل
    دمت طيبا
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • رشا عبادة
      عضـو الملتقى
      • 08-03-2009
      • 3346

      #3
      [align=center]هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس
      حبست أنفاسي هنا يا أخي
      كانت الصورة تنطق بنبض الخوف
      ويد عم سلامة المرتعشة جعلت أصابعي ترتجف على الكيبورد

      وهذا الطيب الوحيد الذي دفعته وحدته الى معانقة هاجس مخيف على مدار ثلاثين عاما
      ظل يتوقع خلالها أن تتحقق مخاوفه
      كمن يبحث عن حفرة فيتعمد السير بطريقها ليقال أنه سقط سهوا
      دون أن يفكر فى "ردمها"
      بعض مخاوفنا تحتلنا حتى القبر
      قتلته لعنة الخوف الدائم
      صدمته حقيقة تخالف ظنونة وربما قتله حزنه على فرصة أخيرة ظن فيها انه سيثبت لنفسه ان لمخاوفه أساس
      ولكن لم تتحقق
      كان هناك قط فعلا بالكيس
      أحسست القط الأسود ومواءه وحركاته ترمز لهاجس الخوف
      وحين أكتشف عم سلامه انه قتل مخاوفه لم يتحمل العيش دونها
      "أذكر قريبة لنا قتلتها الوحدة فظلت تقنع نفسها أنها مصابة بمرض خطير تفسر كل الأشياء مهما كانت بساطتها على أنها مؤشر وعلامة للمرض، قرأت عنه نفذت كل الوصايا وخلطات العطار العلاجية ،لعنت كل الأطباء اللذين كذبوا تفسريتها، وحينما واجهها الجميع بحقيقة وهمها الكبير وأصروا على تجاهل وهمها، ماتت بصمت وبكامل صحتها"

      هكذا أحسستها يا سيدي
      فتقبل زاوية قراءتي
      تحياتي لك ودعوة فرح دائم لأيام قادمة بلا هواجس ولا مخاوف[/align]
      " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
      كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        عبد العزيز التميمي
        نص خطير ورائع
        أعجبتني طريقته
        نعم زميلي الخوف يقتل أحيانا
        الندم يقتل أحيانا
        الضمير يقتل دائما أصحاب الضمائر الحية
        تحايا بعطر الورد
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • محمد سلطان
          أديب وكاتب
          • 18-01-2009
          • 4442

          #5
          نص أثار كثير من التساؤلات كان أجملها :

          كيفمت العم سلامة ؟!!

          نص قوي فاق الروعة ..

          عشت كل لحظة خوف معه ..


          حاولت أن أتوقع ما بداخل الكيس ...

          كنت جميلا سيدي و أنت تصف الموقف ببراعة و تحكم لم أتمكن من كبح جماحي نحوها .

          موضوع مثير هادف به كثير من الوقفات ..

          نص جميل و ممتع أرشحه للذهبية

          محبتي
          صفحتي على فيس بوك
          https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            عبد العزيز قرأت
            اعطنى بعض الوقت لألتقط أنفاسى
            أحييك على هذه أخى
            هناك أخطاء صديقى عد إليها أرجوك !!

            سوف أعود للتعقيب بأمر الله ، إن لم يقف فى طريقى قط أسود !!

            تحيتى و تقديرى
            sigpic

            تعليق

            • عبدالعزيز التميمي
              أديب وكاتب
              • 06-08-2008
              • 186

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
              استاذ عبد العزيز التميمي

              قصة مخيفة فعلا ..طاردني الخوف منذ صباح العم سلامة
              سذاجته وطيبته أودت بحياته
              يا للمسكين
              ويا لمشاعرنا التي أحرقت بفعل أحداث المدرسة والمرأتان
              اسلوب ولغة تجبرك على الخوض في أحداث القصة

              سلم يراعك استاذنا الفاضل
              دمت طيبا

              الزميلة مها راجح
              القصة أستخدمت فيها الخوف لخدمة غرض أخر أهم منه
              أتمنى أن يكون الخوف طاردك حتى أوصلك حدود الهدف
              كوني بخير مها ،،
              عبدالعزيز التميمي

              تعليق

              • عبدالعزيز التميمي
                أديب وكاتب
                • 06-08-2008
                • 186

                #8
                الزميلة رشا

                قرأتي النص بشكل جديد غير الذي كان يدور في ذهني
                فانبعث الضوء من نوافذ عقلك ليضيء ماكنت أعتقده مظلمًا

                فعلا اكتشفت بعد تعليقك على النص أن هناك لعنات كثيرة كتبتها دون أن أعلم ..!
                ولكن تبقى اللعنة الأهم التي يلبسها الإنسان بمحض إرادته ، فيكون ضحيةً لسيلها الأسود الجارف ، وتلك اللعنة لاتزال تختبئ في النص لم يقتلها أحد منكم.

                كوني بخير أستاذة رشا ،،
                عبدالعزيز التميمي

                تعليق

                • عبدالعزيز التميمي
                  أديب وكاتب
                  • 06-08-2008
                  • 186

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                  الزميل القدير
                  عبد العزيز التميمي
                  نص خطير ورائع
                  أعجبتني طريقته
                  نعم زميلي الخوف يقتل أحيانا
                  الندم يقتل أحيانا
                  الضمير يقتل دائما أصحاب الضمائر الحية
                  تحايا بعطر الورد

                  الزميلة الجميلة عائدة

                  المشكلة العظيمة هي عندما يقتل الإنسان نفسه ولأتفه الأسباب ..!
                  لكن هل يعلم بعد أن يموت أنه مات لسبب تافه ..؟

                  كان هذا النص العتيق محاولة مني لكشف قاتل بطيء
                  ربما لايقتل في الكلية .. لكنه يجعل الحياة أصعب
                  كوني بخير عائدة ،،
                  عبدالعزيز التميمي

                  تعليق

                  • عبدالعزيز التميمي
                    أديب وكاتب
                    • 06-08-2008
                    • 186

                    #10
                    السلطان / محمد سلطان

                    أهلاً وسهلاً بك وبطلتك الجميلة
                    وكل أسئلتك جاري البحث لها عن إجابة .. لأن مرورك يثري ومفاجئ
                    وانا انتظرك كما تنتظرني
                    وشكرا على الترشيح وتسلم على ثقتك ،،
                    عبدالعزيز التميمي

                    تعليق

                    • عبدالعزيز التميمي
                      أديب وكاتب
                      • 06-08-2008
                      • 186

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                      عبد العزيز قرأت
                      اعطنى بعض الوقت لألتقط أنفاسى
                      أحييك على هذه أخى
                      هناك أخطاء صديقى عد إليها أرجوك !!

                      سوف أعود للتعقيب بأمر الله ، إن لم يقف فى طريقى قط أسود !!

                      تحيتى و تقديرى

                      الأستاذ ربيع

                      مرورك الذي وقفت بعده لتلتقط أنفاسك ؛ أشعل أنفاسي أنا ..!
                      يارجل تعبت أبحث عن الأخطاء ، فليت مصباحك أضاء عليها قبل ان تبرد

                      أشكرك أستاذ ربيع على هذا المرور المثري ،،
                      عبدالعزيز التميمي

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        #12
                        في الصباح ــ صباح العصافير لاصباح البشر ــ خرج العم سلامة من بيته قاصداً مسجد الحارة ،ورغم اعتياده على الطريق منذ أكثر من ثلاثين سنة إلا أن هذا ليس كافيًا لطرد الخوف الذي يغتال طمأنينته كل صباح ، ويجعله يسحب حذاءه على الطريق ليحدث صوتًا يقتل به السكون ..و كأنه في كل يوم ينتظر حدثًا يبرر له خوفه ، ورغم ذلك لم يحدث شيء في كل سنين الخوف الماضية إلا اليوم ، فالخوف سيقتص منه ويعاقبه على فوضى تبذيره ويصفعه في المنعطف الأخير قبل المسجد .. وقف العم سلامة ليتأكد مما رأت عيناه ، وليبدد ضباب الخمول الذي مازال يسيطر على بعض خلايا رأسه .. والحقيقة كانت تعبر الطريق نحوه وتقترب أكثر ليدرك أن مايراه مشهد حقيقي، ويجب أن يفكر كيف يهرب عن وجع الخوف ..؟ انتظر واقفاً في مكانه حتى اقتربت المرأتان ووقفتا بمحاذاته وألقيتا عليه السلام .. أضاءت الآن الطمأنينة في ظلام خوفه ، وانطفأ الوجع بعد أن سمع السلام وفي نهايته أسمه مسبوقاً بكلمة عم ، فعرف أن المرأتان من أهل الحارة وأن القصة ستكون بسيطة ولاتستحق كل هذا الخوف. رفع العم سلامة عينيه يتأمل المرأتين .. قطعت عليه الكبيرة منهما فرصة التأمل بأن طلبت منه أن يحمل الكيس الذي كان معها ويرميه بعيداً في طرف الحارة عند أشجار الطلح ، ففي الكيس قط أذاهم كثيراً في البيت وتريد التخلص منه بأن ترميه بعيداً. فرح العم سلامة فهو يحب أن يقدم خدماته المجانية للناس وفرحه الحقيقي أن خوفه تبخر مع هذا الطلب وليس هناك الآن مايثير الريبة التي تستدعي الخوف . حمل العم سلامة الكيس ومضى به إلى حيث شجر الطلح في طرف الحارة .. وهو في الطريق كان القط يتحرك حركة خفيفة ويصدر مايشبه المواء ، فقرر العم سلامة أن لايترك الكيس ويمضي فقط .. بل سيلقي حجراً فوق الكيس حتى يقتل هذا القط المؤذي .
                        عاد العم سلامة إلى المسجد بعد أن ألقى الكيس وألقى فوق الكيس حجرًا يظنه هشم رأس القط .


                        *****

                        ومع صباح البشر المعتاد خرج العم سلامة كعادته متوجهاً نحو مدرسة البنات ليقضي نهاره حتى الظهيرة متسلياً بالحديث مع حارس المدرسة . جلس العم سلامة على الرصيف أمام المدرسة في مواجهة الشمس ليدفئ عظامه من الخوف والبرد .. بدأ الحارس يتكلم بعد أن جلس بجانب العم سلامة على الرصيف ــ فحتى الحارس له عظام يطلب لها الدفء ــ وضع الحارس يده على كتف العم سلامه ــ كان يفعلها إذا كان الحديث مهمًا ــ وسأل: ألم تعلم بما حدث أمس في المدرسة ؟
                        أجاب العم سلامة: لا
                        الحارس: بعد انصراف البنات أمس كانت عاملة النظافة في المدرسة تنظف دورات المياه فوجدت بقعة دم كبيرة في إحدى دورات المياه .. أخبرتْ العاملة المديرة والتي بدورها أبلغت الأمن فحضروا وعاينوا الدم واكتشفوا أن داخل الدم جنين مجهض وأن الدم خارج من الرحم ..! استمر الحارس يصف غضب المديرة وجنونها اليوم في وجه الطالبات ... لكن العم سلامة كان قد دخل عالمًا اخر من التفكير ، فغيوم الأفكار السوداء بدأت تملأ عقله وعاد الخوف لينفيه خارج حدود المكان فلم يبق منه سوى جسدًا على الرصيف. اجتر كل ماجرى له هذا الصباح .. المرأتان الكبيرة التي تكلمت والصغيرة التي كانت بالكاد تمشي وفي خطواتها ثقل .. القط الذي كان يتحرك داخل الكيس بهدوء .. المواء الذي كان يشبه أصوات الأطفال حديثي الولادة .. والحجر الذي هشم رأس القط وهو داخل الكيس ..!
                        لم يجد العم سلامة مبررًا واحدًا يقوده إلى البياض ، فأحداث قصته هذا الصباح بدأت تتعرى أمام عينيه بعد أن سمع كلام صديقه الحارس. قادته نواياه الطيبة إلى تصديق مالا يمكن تصديقه ،عرف أن المرأتين استغلتا سذاجته المشهورة في الحارة .. فهبت رياح الخوف الشرقية لتردم غيوم التفكير السوداء داخل رأسه فوق بعضها ، فلم يعد بوسعه إلا أن يغادر الرصيف تاركًا علامة تعجب كبيرة على وجه الحارس فالعم سلامة لايغادر الرصيف إلا عند اقتراب موعد صلاة الظهر .. ذهب قاصدًا طرف الحارة حيث الكيس والموت والقط ..
                        .ترك الحارة خلفه ولم يعد أمامه إلا أشجار الطلح .. كان يراها كشواهد القبور والطريق بينه وبينها برزخًا صعب العبور ، فكلما اقترب ثقلت الخطى. لم يبق بينه وبين الكيس إلا خطوات هي الأخيرة له قبل أن يكتحل الجريمة.. مشى أخر خطوتين على أطرافه الأربع ليدخر جهدًا يزيح به الحجر الذي ألقاه فجرًا بسهولة ، هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس وانهارت قواه فوقع بوجهه على الكيس ، وعاد الذباب لينزل على رأس العم سلامة بدل أن كان ينزل على الحجر فوق الكيس .
                        بعد صلاة الظهر كان جميع أهل الحارة في المقبرة ليواروا العم سلامة مثواه الأخير . اقترب حارس المدرسة من أحد أهل الحارة وسأله كيف مات العم سلامة ؟
                        فقال: إنها اللعنة ! .. لعنة القط الأسود الذي قتله العم سلامة في طرف الحارة عند أشجار الطلح ..!
                        sigpic

                        تعليق

                        • عبدالعزيز التميمي
                          أديب وكاتب
                          • 06-08-2008
                          • 186

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                          في الصباح ــ صباح العصافير لاصباح البشر ــ خرج العم سلامة من بيته قاصداً مسجد الحارة ،ورغم اعتياده على الطريق منذ أكثر من ثلاثين سنة إلا أن هذا ليس كافيًا لطرد الخوف الذي يغتال طمأنينته كل صباح ، ويجعله يسحب حذاءه على الطريق ليحدث صوتًا يقتل به السكون ..و كأنه في كل يوم ينتظر حدثًا يبرر له خوفه ، ورغم ذلك لم يحدث شيء في كل سنين الخوف الماضية إلا اليوم ، فالخوف سيقتص منه ويعاقبه على فوضى تبذيره ويصفعه في المنعطف الأخير قبل المسجد .. وقف العم سلامة ليتأكد مما رأت عيناه ، وليبدد ضباب الخمول الذي مازال يسيطر على بعض خلايا رأسه .. والحقيقة كانت تعبر الطريق نحوه وتقترب أكثر ليدرك أن مايراه مشهد حقيقي، ويجب أن يفكر كيف يهرب عن وجع الخوف ..؟ انتظر واقفاً في مكانه حتى اقتربت المرأتان ووقفتا بمحاذاته وألقيتا عليه السلام .. أضاءت الآن الطمأنينة في ظلام خوفه ، وانطفأ الوجع بعد أن سمع السلام وفي نهايته أسمه مسبوقاً بكلمة عم ، فعرف أن المرأتان من أهل الحارة وأن القصة ستكون بسيطة ولاتستحق كل هذا الخوف. رفع العم سلامة عينيه يتأمل المرأتين .. قطعت عليه الكبيرة منهما فرصة التأمل بأن طلبت منه أن يحمل الكيس الذي كان معها ويرميه بعيداً في طرف الحارة عند أشجار الطلح ، ففي الكيس قط أذاهم كثيراً في البيت وتريد التخلص منه بأن ترميه بعيداً. فرح العم سلامة فهو يحب أن يقدم خدماته المجانية للناس وفرحه الحقيقي أن خوفه تبخر مع هذا الطلب وليس هناك الآن مايثير الريبة التي تستدعي الخوف . حمل العم سلامة الكيس ومضى به إلى حيث شجر الطلح في طرف الحارة .. وهو في الطريق كان القط يتحرك حركة خفيفة ويصدر مايشبه المواء ، فقرر العم سلامة أن لايترك الكيس ويمضي فقط .. بل سيلقي حجراً فوق الكيس حتى يقتل هذا القط المؤذي .
                          عاد العم سلامة إلى المسجد بعد أن ألقى الكيس وألقى فوق الكيس حجرًا يظنه هشم رأس القط .


                          *****

                          ومع صباح البشر المعتاد خرج العم سلامة كعادته متوجهاً نحو مدرسة البنات ليقضي نهاره حتى الظهيرة متسلياً بالحديث مع حارس المدرسة . جلس العم سلامة على الرصيف أمام المدرسة في مواجهة الشمس ليدفئ عظامه من الخوف والبرد .. بدأ الحارس يتكلم بعد أن جلس بجانب العم سلامة على الرصيف ــ فحتى الحارس له عظام يطلب لها الدفء ــ وضع الحارس يده على كتف العم سلامه ــ كان يفعلها إذا كان الحديث مهمًا ــ وسأل: ألم تعلم بما حدث أمس في المدرسة ؟
                          أجاب العم سلامة: لا
                          الحارس: بعد انصراف البنات أمس كانت عاملة النظافة في المدرسة تنظف دورات المياه فوجدت بقعة دم كبيرة في إحدى دورات المياه .. أخبرتْ العاملة المديرة والتي بدورها أبلغت الأمن فحضروا وعاينوا الدم واكتشفوا أن داخل الدم جنين مجهض وأن الدم خارج من الرحم ..! استمر الحارس يصف غضب المديرة وجنونها اليوم في وجه الطالبات ... لكن العم سلامة كان قد دخل عالمًا اخر من التفكير ، فغيوم الأفكار السوداء بدأت تملأ عقله وعاد الخوف لينفيه خارج حدود المكان فلم يبق منه سوى جسدًا على الرصيف. اجتر كل ماجرى له هذا الصباح .. المرأتان الكبيرة التي تكلمت والصغيرة التي كانت بالكاد تمشي وفي خطواتها ثقل .. القط الذي كان يتحرك داخل الكيس بهدوء .. المواء الذي كان يشبه أصوات الأطفال حديثي الولادة .. والحجر الذي هشم رأس القط وهو داخل الكيس ..!
                          لم يجد العم سلامة مبررًا واحدًا يقوده إلى البياض ، فأحداث قصته هذا الصباح بدأت تتعرى أمام عينيه بعد أن سمع كلام صديقه الحارس. قادته نواياه الطيبة إلى تصديق مالا يمكن تصديقه ،عرف أن المرأتين استغلتا سذاجته المشهورة في الحارة .. فهبت رياح الخوف الشرقية لتردم غيوم التفكير السوداء داخل رأسه فوق بعضها ، فلم يعد بوسعه إلا أن يغادر الرصيف تاركًا علامة تعجب كبيرة على وجه الحارس فالعم سلامة لايغادر الرصيف إلا عند اقتراب موعد صلاة الظهر .. ذهب قاصدًا طرف الحارة حيث الكيس والموت والقط ..
                          .ترك الحارة خلفه ولم يعد أمامه إلا أشجار الطلح .. كان يراها كشواهد القبور والطريق بينه وبينها برزخًا صعب العبور ، فكلما اقترب ثقلت الخطى. لم يبق بينه وبين الكيس إلا خطوات هي الأخيرة له قبل أن يكتحل الجريمة.. مشى أخر خطوتين على أطرافه الأربع ليدخر جهدًا يزيح به الحجر الذي ألقاه فجرًا بسهولة ، هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس وانهارت قواه فوقع بوجهه على الكيس ، وعاد الذباب لينزل على رأس العم سلامة بدل أن كان ينزل على الحجر فوق الكيس .
                          بعد صلاة الظهر كان جميع أهل الحارة في المقبرة ليواروا العم سلامة مثواه الأخير . اقترب حارس المدرسة من أحد أهل الحارة وسأله كيف مات العم سلامة ؟
                          فقال: إنها اللعنة ! .. لعنة القط الأسود الذي قتله العم سلامة في طرف الحارة عند أشجار الطلح ..!


                          لك الورود كلها يا أبيض الكف والجبين
                          عبدالعزيز التميمي

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالعزيز التميمي مشاهدة المشاركة
                            لك الورود كلها يا أبيض الكف والجبين
                            عبد العزيز أخى الجميل
                            دفعتنى لما لا أحب !!
                            فأنا أحب أن أؤدى فى صمت ، خاصة و أنا أقع فى أخطاء ربما من هذا النوع !
                            هل تتصور أخى عبد العزيز ، وصلتنى رسائل عن تحرير مشاركات ، لم أرسلها أنا ، بل الموقع تلقائيا ، يرسلها إذا ما حدث تغيير فى العمل المطروح .. كم حزنت أن أصحابها يتساءلون عن السبب دون الرجوع .. بالأمس قبل الماضى استلمنى أحدهم ، و لا بد أن تحدد ما عدلت .. و أنا أحاوره حتى تركته و انصرفت ، و أنا غير سعيد !!

                            العمل عبد العزيز رائع ، و بالفعل كان لطمة أو كما قلت لعنة ، عمل ممتع ، و الدهشة فيه وصلت حد الموت !!

                            كن بألف خير صديقى
                            sigpic

                            تعليق

                            • مجدي السماك
                              أديب وقاص
                              • 23-10-2007
                              • 600

                              #15
                              تحياتي

                              اخي عبد العزيز التميمي..تحياتي
                              عمل راقي..جدا..سعدت به وبك. لاول مرة اقرأ لك..فاكتشفت، بموهبتك الجميلة، وقدرتك الرائعة على القص. سعدت بجاذبية لغتك وحلاوتها.
                              مودتي وتقديري
                              عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

                              تعليق

                              يعمل...
                              X