في الصباح ــ صباح العصافير لاصباح البشر ــ خرج العم سلامة من بيته قاصداً مسجد الحارة ،ورغم اعتياده على الطريق منذ أكثر من ثلاثين سنة إلا أن هذا ليس كافيًا لطرد الخوف الذي يغتال طمأنينته كل صباح ، ويجعله يسحب حذاءه على الطريق ليحدث صوتًا يقتل به السكون ..و كأنه في كل يوم ينتظر حدثًا يبرر له خوفه ، ورغم ذلك لم يحدث شيء في كل سنين الخوف الماضية إلا اليوم ، فالخوف سيقتص منه ويعاقبه على فوضى تبذيره ويصفعه في المنعطف الأخير قبل المسجد .. وقف العم سلامة ليتأكد مما رأت عيناه ، وليبدد ضباب الخمول الذي مازال يسيطر على بعض خلايا رأسه .. والحقيقة كانت تعبر الطريق نحوه وتقترب أكثر ليدرك أن مايراه مشهد حقيقي، ويجب أن يفكر كيف يهرب عن وجع الخوف ..؟ انتظر واقفاً في مكانه حتى اقتربت المرأتان ووقفتا بمحاذاته وألقيتا عليه السلام .. أضاءت الآن الطمأنينة في ظلام خوفه ، وانطفأ الوجع بعد أن سمع السلام وفي نهايته أسمه مسبوقاً بكلمة عم ، فعرف أن المرأتان من أهل الحارة وأن القصة ستكون بسيطة ولاتستحق كل هذا الخوف. رفع العم سلامة عينيه يتأمل المرأتين .. قطعت عليه الكبيرة منهما فرصة التأمل بأن طلبت منه أن يحمل الكيس الذي كان معها ويرميه بعيداً في طرف الحارة عند أشجار الطلح ، ففي الكيس قط أذاهم كثيراً في البيت وتريد التخلص منه بأن ترميه بعيداً. فرح العم سلامة فهو يحب أن يقدم خدماته المجانية للناس وفرحه الحقيقي أن خوفه تبخر مع هذا الطلب وليس هناك الآن مايثير الريبة التي تستدعي الخوف . حمل العم سلامة الكيس ومضى به إلى حيث شجر الطلح في طرف الحارة .. وهو في الطريق كان القط يتحرك حركة خفيفة ويصدر مايشبه المواء ، فقرر العم سلامة أن لايترك الكيس ويمضي فقط .. بل سيلقي حجراً فوق الكيس حتى يقتل هذا القط المؤذي .
عاد العم سلامة إلى المسجد بعد أن ألقى الكيس وألقى فوق الكيس حجرًا يظنه هشم رأس القط .
ومع صباح البشر المعتاد خرج العم سلامة كعادته متوجهاً نحو مدرسة البنات ليقضي نهاره حتى الظهيرة متسلياً بالحديث مع حارس المدرسة . جلس العم سلامة على الرصيف أمام المدرسة في مواجهة الشمس ليدفئ عظامه من الخوف والبرد .. بدأ الحارس يتكلم بعد أن جلس بجانب العم سلامة على الرصيف ــ فحتى الحارس له عظام يطلب لها الدفء ــ وضع الحارس يده على كتف العم سلامه ــ كان يفعلها إذا كان الحديث مهمًا ــ وسأل: ألم تعلم بما حدث أمس في المدرسة ؟
أجاب العم سلامة: لا
الحارس: بعد انصراف البنات أمس كانت عاملة النظافة في المدرسة تنظف دورات المياه فوجدت بقعة دم كبيرة في إحدى دورات المياه .. أخبرتْ العاملة المديرة والتي بدورها أبلغت الأمن فحضروا وعاينوا الدم واكتشفوا أن داخل الدم جنين مجهض وأن الدم خارج من الرحم ..! استمر الحارس يصف غضب المديرة وجنونها اليوم في وجه الطالبات ... لكن العم سلامة كان قد دخل عالمًا اخر من التفكير ، فغيوم الأفكار السوداء بدأت تملأ عقله وعاد الخوف لينفيه خارج حدود المكان فلم يبق منه سوى جسدًا على الرصيف. اجتر كل ماجرى له هذا الصباح .. المرأتان الكبيرة التي تكلمت والصغيرة التي كانت بالكاد تمشي وفي خطواتها ثقل .. القط الذي كان يتحرك داخل الكيس بهدوء .. المواء الذي كان يشبه أصوات الأطفال حديثي الولادة .. والحجر الذي هشم رأس القط وهو داخل الكيس ..!
لم يجد العم سلامة مبررًا واحدًا يقوده إلى البياض ، فأحداث قصته هذا الصباح بدأت تتعرى أمام عينيه بعد أن سمع كلام صديقه الحارس. قادته نواياه الطيبة إلى تصديق مالا يمكن تصديقه ،عرف أن المرأتين استغلتا سذاجته المشهورة في الحارة .. فهبت رياح الخوف الشرقية لتردم غيوم التفكير السوداء داخل رأسه فوق بعضها ، فلم يعد بوسعه إلا أن يغادر الرصيف تاركًا علامة تعجب كبيرة على وجه الحارس فالعم سلامة لايغادر الرصيف إلا عند اقتراب موعد صلاة الظهر .. ذهب قاصدًا طرف الحارة حيث الكيس والموت والقط ..
.ترك الحارة خلفه ولم يعد أمامه إلا أشجار الطلح .. كان يراها كشواهد القبور والطريق بينه وبينها برزخًا صعب العبور ، فكلما اقترب ثقلت الخطى. لم يبق بينه وبين الكيس إلا خطوات هي الأخيرة له قبل أن يكتحل الجريمة.. مشى أخر خطوتين على أطرافه الأربع ليدخر جهدًا يزيح به الحجر الذي ألقاه فجرًا بسهولة ، هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس وانهارت قواه فوقع بوجهه على الكيس ، وعاد الذباب لينزل على رأس العم سلامة بدل أن كان ينزل على الحجر فوق الكيس .
بعد صلاة الظهر كان جميع أهل الحارة في المقبرة ليواروا العم سلامة مثواه الأخير . اقترب حارس المدرسة من أحد أهل الحارة وسأله كيف مات العم سلامة ؟
فقال: إنها اللعنة ! .. لعنة القط الأسود الذي قتله العم سلامة في طرف الحارة عند أشجار الطلح ..!
عاد العم سلامة إلى المسجد بعد أن ألقى الكيس وألقى فوق الكيس حجرًا يظنه هشم رأس القط .
*****
ومع صباح البشر المعتاد خرج العم سلامة كعادته متوجهاً نحو مدرسة البنات ليقضي نهاره حتى الظهيرة متسلياً بالحديث مع حارس المدرسة . جلس العم سلامة على الرصيف أمام المدرسة في مواجهة الشمس ليدفئ عظامه من الخوف والبرد .. بدأ الحارس يتكلم بعد أن جلس بجانب العم سلامة على الرصيف ــ فحتى الحارس له عظام يطلب لها الدفء ــ وضع الحارس يده على كتف العم سلامه ــ كان يفعلها إذا كان الحديث مهمًا ــ وسأل: ألم تعلم بما حدث أمس في المدرسة ؟
أجاب العم سلامة: لا
الحارس: بعد انصراف البنات أمس كانت عاملة النظافة في المدرسة تنظف دورات المياه فوجدت بقعة دم كبيرة في إحدى دورات المياه .. أخبرتْ العاملة المديرة والتي بدورها أبلغت الأمن فحضروا وعاينوا الدم واكتشفوا أن داخل الدم جنين مجهض وأن الدم خارج من الرحم ..! استمر الحارس يصف غضب المديرة وجنونها اليوم في وجه الطالبات ... لكن العم سلامة كان قد دخل عالمًا اخر من التفكير ، فغيوم الأفكار السوداء بدأت تملأ عقله وعاد الخوف لينفيه خارج حدود المكان فلم يبق منه سوى جسدًا على الرصيف. اجتر كل ماجرى له هذا الصباح .. المرأتان الكبيرة التي تكلمت والصغيرة التي كانت بالكاد تمشي وفي خطواتها ثقل .. القط الذي كان يتحرك داخل الكيس بهدوء .. المواء الذي كان يشبه أصوات الأطفال حديثي الولادة .. والحجر الذي هشم رأس القط وهو داخل الكيس ..!
لم يجد العم سلامة مبررًا واحدًا يقوده إلى البياض ، فأحداث قصته هذا الصباح بدأت تتعرى أمام عينيه بعد أن سمع كلام صديقه الحارس. قادته نواياه الطيبة إلى تصديق مالا يمكن تصديقه ،عرف أن المرأتين استغلتا سذاجته المشهورة في الحارة .. فهبت رياح الخوف الشرقية لتردم غيوم التفكير السوداء داخل رأسه فوق بعضها ، فلم يعد بوسعه إلا أن يغادر الرصيف تاركًا علامة تعجب كبيرة على وجه الحارس فالعم سلامة لايغادر الرصيف إلا عند اقتراب موعد صلاة الظهر .. ذهب قاصدًا طرف الحارة حيث الكيس والموت والقط ..
.ترك الحارة خلفه ولم يعد أمامه إلا أشجار الطلح .. كان يراها كشواهد القبور والطريق بينه وبينها برزخًا صعب العبور ، فكلما اقترب ثقلت الخطى. لم يبق بينه وبين الكيس إلا خطوات هي الأخيرة له قبل أن يكتحل الجريمة.. مشى أخر خطوتين على أطرافه الأربع ليدخر جهدًا يزيح به الحجر الذي ألقاه فجرًا بسهولة ، هاهو الآن أمام موتٍ لم تبرد جثته بعد .. يالا سخرية الحياة التي توهمك بأنك فاتك وأنت مفتوك به .! وبيديه أزاح الحجر عن الكيس ، فتطاير الذباب الذي جذبته رائحة الموت.. الموت الذي يتسلل الآن بخفة مع أطراف العم سلامة وهو لايزال يقاوم ليعطي يديه قوة أكثر لفتح الكيس حتى تمطر هذه السحب السوداء التي حجبت سماء تفكيره . وبكل قوة كان يملكها العم سلامة ورغم إصرار الموت على تكبيل يديه فتح الكيس وانهارت قواه فوقع بوجهه على الكيس ، وعاد الذباب لينزل على رأس العم سلامة بدل أن كان ينزل على الحجر فوق الكيس .
بعد صلاة الظهر كان جميع أهل الحارة في المقبرة ليواروا العم سلامة مثواه الأخير . اقترب حارس المدرسة من أحد أهل الحارة وسأله كيف مات العم سلامة ؟
فقال: إنها اللعنة ! .. لعنة القط الأسود الذي قتله العم سلامة في طرف الحارة عند أشجار الطلح ..!
تعليق