نبيل شاب وسيم ترعرع بإحدى دور رعاية اللقطاء, فلم يحالفه الحظ برعاية
منبته بساحات الأبوة الحانية, وكثيرا ما كان يعاني هذا الافتقاد بحياته
كبر نبيل وهو يملك من الحنان الكثير, ولكن طريقه يفتقد الحنان, شاء القدر
أن يرتبط برباط مقدس وتزوج من حنان التي كانت تعاني من توأم قضيته,
لقيطة هي وسط غابة يحفها الجفاء.. كان نبيل هو العائلة التي دائما ما كانت
ترتجيها حنان تحاكيه عما بداخلها وتشكي ما بها من ألام, وذات يوم هم نبيل
كعادته أن يخرج للكفاح ومزاولة دأب الاتجاه .. باحث عن عمل يقتات منه
الأجر البسيط لمسايرة الحياة.. فعاد اللقيط جثة هامدة يهشم حلمها القطار؛ وظلت
حنان وحيدة بمتاهات الحياة تشكي مرضها اللئيم المستعصي الذي يتوغل
بجسدها دون رأفة وكأنه يهاديها بالوفاء, وشاء القدر أن تحمل بأحشائها مشقة
جنين تتباكى نبضات قلبها عليه بحرقة وخوف يجتاحها ليل نهار لما سيتحمله
بأرض الواقع الحزين من ألام .. باتت تتضرع للسماء وترتجي فيه أمل البقاء
والسعادة التي فقدها الأبوان, وذات يوم خرج الجنين من رحم الأم كي يستكمل
معاناة الطريق ومستقبل غامض خطاه.. وحينها نهش الألم نبض الأم التي كانت
كثيرا ما تركن بزوايا شاطئ قريب, يجتاحها صفاء الخيال القابع بجعبته..
تحاكيه وتخرج ما بمكنونها من أسرار يصعب أن تلقي بها على مسامع غيره,
يحتويها الشاطئ ويحمل ما تكنه من مشاعر فهو صديق وفي لها لم يبخل بحسن
الإنصات لعبراتها, ويسارع بإلقاء المحبة بمنبع نقائه حيث كان يجلس الزوج
الحبيب وكم شاهد أعماق حبه.. فعشقت حنان زوايا المكان حيث يقطن خيال
الحبيب وذات ليلة خرجت حنان وهى بحاجة للنهوض من صمت بوحها حملت
طفلها الصغير وخرجت لشاطئ الأحلام الصامتة التي رسمتها مع نبيل, وقفت
ذات ليلة تحاكيه عما يجول بداخلها تناجي رفيق قصة الألم بهروبها من قفص
اختناق الحوار... هناك حيث جزر ملاذ الطموح حدثتها الأمواج عن صراخ بليل
تعج ظلمته فيضمحل الكيان, فجلست تناجى البحر ليقلع ما بمؤلم نزفها الذي
يمزق الأحشاء.. تحكي قصة معاناة ووصب أحلام لم يكتمل نبضها؛ هناك حيث
تستل الرمح من جنباها وتبحر لإيجاد ضالة الذات حينما تنظر لصورة جسدها
بالمياه.. فتسرع حنان بحوار شاطئ الذكريات عله يضمد ما بجراح وجدها..
تخاطبه وترددها كارات :الآن قد آن الأوان لنزع الشوك القاطن بحنايا القلب,
واقتلاع ذبول أوراق صفحات بائسة الحال.. فلم يعد مجال لتراجع الخطوات دون
رفقة الأحزان...ظلت حنان تشكو ما بها حتى هوت لانحدار وتعالت بصمت
الصرخات, ولم ينقطع بداخلها النحيب خوفا على طفل بمقبل الحياة.. صارت
حنان تجاهد احتضارها عديد مرات ورغم ذاك باءت بالفشل محاولات الجهاد,
وأسرع القدر بوضع القرار ؛ فلم يشعر أحد بنزع أخر الأنفاس..وتلاشت بالذوبان
ذرات نبرات الصوت الخافت بأركان المكان.. ولا عزاء لمجرى سيولة الأنين
المحتضر وملازمة الشجن الباكي لحياء بوح طيات السنين ...فطاب النبض
ووهج بريقه حين لحظات الاحتضار, وعانقت حنان بارتياح مرآة الجسد القابع
أمامها بمتصفح المياه ... فسقطت بقاع الحبيب... تناجي اغتسال صمت
جُرحها الدامي.. وظلت بجوار مضجع نبع الماء ؛ قاطنة بأعماق أحضان الحب
الخالد تحاكيه عن عالم بات لها فاني.. ؛ وتنشد له بجمال مرقد طيب العطور
الحاني فامتزاج صفاء دويها بنقاء شاطئ الأحلام تاركة على جنباته ثائر حراك
خطى الأمواج وتطاير رزاز من سقوط جسد خاوي بعنفوان, وصراخ لقيط
يدوي صدى صوته لتلاطم وجهه بالمياه...
تعليق