فارس فلسطيني ....رواية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    فارس فلسطيني ....رواية

    الفصل الأول


    دماء على الأحراش





    البداية

    [align=right]- دعك من هذه الجلسة التي تضيع بها وقتك يا " فارس " في الحياة أمور كثيرة أجدى وأنفع من تأمل النجوم وكتابة الشعر ..
    - أتعلم يا "نائل " هذه النجوم تطاردني ، أحس معها بعذابات كل طفل يموت وكل آهة تنطلق على شفاه المحرومين في هذه الدنيا ، أشعر بها تناديني وأحس بلهفتها للقائي ...
    نائل وقد تناول كرسياً وجلس بجوار صديقه في الحديقة الصغيرة التي يتوسطها منزله المبني من "الاسبست "
    - والى متى يا صديقي ستبقى تدور في عوالمك الخيالية حول زمن الفروسية والعروبة وتنتظر القادمين من خلف النجوم لكي ينتشلوك من هذا العالم ...
    هناك ابنة خالتك تنتظر أن تخطبها وقد طالت الوعود ، وهناك أم عجوز تستطيع بالكاد أن تلبي طلباتك وأخوتك وتحتاج إلى من يخدمها ، أما والدك فقد أصبح في سن آن له أن يرتاح فيها وأن يترك الزرع والعمل لكي يهنأ باله ويمارس شيخوخته وصلاته في صمت بين جدران بيته وأبنائه ...
    "فارس " وقد تراجع في مقعده إلى الخلف وقال مغمضاً عينيه :
    - أترى ، تتحدث بذات التكرار الذي يرافقني في كل مكان ، نفس الحديث بنفس المنطق والأسباب دائماًُ ، مكرر أنت ككل شيء في هذه الحياة ، لكني لم ولن أكون عدداً يضاف إلى قوانين الأشياء ، متفرد أنا يا صديقي حتى ولو لم تر ذلك ..
    انظر إلى حديقتي الصغيرة التي زرعت كل شيء فيها بنفسي ، لم أزرع من كل شيء اثنين ، زيتونة واحدة ، شجرة برتقال وواحدة ، شجرة خوخ ، شجرة عنب ، نخلة وحيدة ، وشجرة ياسمين تركت لها العنان ، من كل نوع واحدة فقط ، كل نوع تفرد بذاته ، أعطى ما لم يعطه غيره ، قدم لي ما لم يقدمه غيره ، وأنا لن أعيش وأموت هكذا ، في صمت ... لن أكون رقماً يعيش بين الأحياء ثم يسجل في سجلات الأموات ... سأكون شيئاً أو لا أكون ... هكذا أنا حتى ولو لم يعجبك ذلك ..
    الأم العجوز الطيبة على باب المنزل وشاشتها البيضاء تلتف حول وجهها :
    - تفضوا بالداخل فقد جهز طعام العشاء ..
    نائل وهو يلوح بيده :
    - لا داعي يا حجة فقد شربت الشاي ولسوف أمضي ..
    أم فارس :
    - والله الذي لا اله إلا هو لتدخل وتتناول الطعام ، فان كل من بالداخل هم أخوة لك ..
    وبدأت كعادتها تمارس الإلحاح المعروف في فلسطينيي الزمن الذي مضى ...
    فلم يجد نائل بداً من ترك مقعده وتأبط ذراع فارس إلى حيث مائدة الطعام على " الطبلية "
    فارس ضاحكاً :
    - أتمارسين انتقاماً من الرجل يا أماه ، هارب هو من صحن الفول في بيت أم نائل .. ليجده هنا ينتظره وقد فاحت رائحة الثوم من ثناياه ... ارأفي بحال المسكين هداك الله ..
    الأم وهي تلقي بنظرة عتاب على فارس :
    - وهل بعد الفول من طعام ، أنظروا إلى هذه المائدة التي تحتوي أكثر من عشر أصناف لم نكن لنجد نصفها أيام الهجرة ...وكم كنا نتمنى صحناً من الفول فحسب .. ثم أن الجود من الموجود يا ولدي ..
    فارس : وأين هي الأصناف العشرة يا أماه .
    الأم : فلتبدأ العدد إذن ، أولها صحن الفول ، ثم طبق الحمص ، ثم صحن الزيتون ، وصحن الزعتر ، وصحن الفلفل الأحمر ، وصحن الجبنة ، والِمش ، وأخيراً الماء والخبز ..
    قهقه نائل ضاحكاً ، بينما بدأ فارس يعيد العد وراءها ... حتى وصل للرقم تسعة ..
    فقال ممازحاً :
    - لكنها تسعة فأين العاشر إذن ...
    الأم في حيرة : أعددتها تسعة ، أنسيت الهواء الذي نتنفسه ويجري في شراييننا ، أليست بنعمة يا ولدي .. تضاف إلى ما سبق ..
    فارس وقد أحس أن العجوز الأمية قد غلبته :
    - نعم نعم ... أستسلم يا أماه ، ونحمد الله على كل حال ..كلوا في صمت فأمامنا ليلة ليلاء ..
    ....
    **********[/align]
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    فارس فلسطينى ، وكاتب فلسطينى فارس هو الآخر !!
    ليكن أحمد !!
    سوف أقول لك شيئا مهما ، تعلمته عبر السنين ، و بعد قراءتى لجارثيا ماركيز و فوكنر ، و جون شتاينييك .. و هو خاص بالفصل الذى نستهل به روايتنا أو الجمل الأولى فى العمل القصصى
    أنا أبحث عن الاستثناء أحمد فى أول فصل ، أو فى أول جملتين أبدأ بهم العمل ، سواء كان رواية أو قصة أو مسرحية ، حتى فى كتابتى للطفل !!
    أتعرف .. بعد أن انتهيت من عملى سوق اللبن ، اكتشفت أن الفصل الساس فيها كان الأوقوى
    فبدأت به و أعدت كتابة الأحداث حسب التعديل
    العادى أو المعتاد لن يجذب قارىء أحمد
    و نحن فى زمن الرواية !!

    محبتى و شكرا على هذا الفصل
    فى انتظارك
    sigpic

    تعليق

    • أحمد عيسى
      أديب وكاتب
      • 30-05-2008
      • 1359

      #3
      الحبيب ربيع ..
      هذا ليس فصلاً أولاً يا صديقي ، وليس البداية كلها .. بل هو مقطع صغير من البداية .. لهذا ربما وجدته ناقصاً ..
      ستكون الرواية بها بعض الخيال الذي يجب أن نتعامل معه ان أحببنا قراءة القصة ..
      الخيال في الفكرة وما دون ذلك سيكون واقعياً بنسبة مائة في المائة ..
      أرجوك ظل متابعاً ..
      تحيتي أيها الغالي
      ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
      [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

      تعليق

      • أحمد عيسى
        أديب وكاتب
        • 30-05-2008
        • 1359

        #4
        [align=right]في منتصف الليل ...وفي موقع عسكري تغطيه كثافة الأشجار المحيطة ،
        كان فارس يمارس حياة تختلف كثيراً عن التأمل والغوص في أسرار النجوم ..
        كان جزءاً من مشروع تعمل عليه المقاومة الفلسطينية منذ سنين ... رجل المقاومة الخاص ..القوة الخاصة التابعة للمقاومة من نخبة مقاومي فلسطين .
        لهذا كان يخضع لتدريبات مكثفة تبدأ من منتصف الليل ولا تنتهي إلا صباحاً ، كل يوم وبصورة منتظمة منذ سنوات ...
        كانت الفكرة هي تشكيل مجموعة خاصة من المقاومة تستطيع تنفيذ عمليات سريعة في قلب تحصينات العدو والعودة بسرعة إلى حيث كانت ، مجموعة تستطيع تحدي العوامل الجوية ، والتعامل مع الدبابات والجيبات وآليات العدو جميعها ، مجموعة تحفظ لغة عدوها وتتحدث بها بنفس لهجتهم وطريقتهم وأسلوبهم ... تستطيع التخفي وتحمل أقسى وأعنف الظروف ...
        وكان فارس ..متميزاً ..
        فقد أثبت قدرته الفائقة على التعلم واكتساب الخبرات وأبدى شجاعة ليس لها مثيل ، فكان جندياً مثالياً يقتدى به بين جنود الوحدة ...
        " أبو ماهر " قائد الوحدة يبدأ في شرح آلية جديدة لتكنيكات الهجوم واقتحام المواقع والتحصينات العسكرية ، وفارس منتبهاً مصغياً ، عندما دوى في أذنيه صوت حفيف للشجر بدأ وانتهى في سرعة ...
        وهنا أشار فارس بيده لقائد المجموعة علامة الصمت وبدأ يتسلل في صمت وحذر إلى مكان الحفيف حتى لاح له شبح ينسحب هارباً بسرعة ، وانطلق فارس خلفه كالبرق ، وقد بدأ الموقع يصغر من وراءه حتى استطاع القفز فوق الشبح الذي يتشح بالسواد ، أمسكه من تلابيبه وأجبره على الوقوف ، حاول الشبح المقاومة لكن لكمتين من يد فارس أسكتت صوت مقاومته وأسالت الدماء على جرح في أنفه ...
        - من أرسلك يا هذا ..
        قالها صارخاً ، فقال الرجل :
        - للأسف ... انتهى وقتكم ..
        - ماذا تقول ، ما الذي سيحدث ؟ ..
        - انتهى وقتكم يا هذا ، أنتم في عداد الأموات الآن ..
        لم يكد ينتهي من عبارته حتى هز انفجار ضخم مكان الموقع الذي كانوا يجتمعون فيه ، فاهتز جسد فارس في ألم ، كمن تقطعت أشلاءه ، كأنه لا زال هناك ، اهتز كيانه كله وهو ينظر إلى العميل الماثل أمامه في احتقار ... أي مخلوق أنت .. أي كيان شيطاني مريض أنت ...
        وبكل ما يعتمل في صدره من غضب انهال على جسد العميل باللكمات والركلات وهو يصرخ في ألم ...
        قال العميل :
        - انتهى وقتك أنت أيضاً يا هذا ... فقد أرسلت إشارة بموقعنا ...
        لمح فارس جهازاً صغيراً في كف الشاب ، فانهال عليه ضرباً مرة أخرى قائلاً بصوت صارخ :
        - لن يقصفوننا الآن وأنت معي ...
        قال الشاب في ألم :
        - بل سيفعلون يا عزيزي .. أنت تعلم جيداً أنهم سيفعلون ...
        كان فارس يعلم هذا جيداً ، يعلم أن هذا العميل قد أدى مهمته وأصبح ورقة محترقة ولن ينفعهم بقاءه بقدر ما يهمهم موته قبل انكشاف أمره ...
        دفعه بذراعيه في ازدراء وجرى بكل ما أوتي من قوة وقد أحس بصوت الطائرة وقد بدأ يقترب أكثر وأكثر ..
        لكن شيخاً عجوزاً يبرز له من شارع ترابي جانبي ، يشير له بذراعيه أن تعال ، وبسرعة كان داخل منزله بينما توقفت الطائرة فوق المنزل مباشرة وكأنها تعاين الموقع قبل قصفه ..
        قال الرجل العجوز وقد تأمل فارس :
        - هو أنت إذن يا ولدي ... هو أنت إذن ..
        فارس : أنا من يا عماه .. ماذا تقصد ؟
        الشيخ : أنت من تكررت صورته في أحلامي ألف مرة ، حتى لقد بت واثقاً أنك يوماً ما ستأتي ..كنت متأكداً من هذا ... أنت الفارس الذي سيصنع شرارة النصر .. أنت الفارس الذي سيقود الثورة ...
        فارس وقد علت الحيرة على ملامح وجهه المتعب :
        - أي رؤيا يا عماه التي تتحدث عنها ... وكيف عرفتني وعرفت اسمي ...
        قال الشيخ وهو يقود فارس إلى غرفة جانبية :
        - عرفت صفتك يا ولدي ولم أعرف اسمك ... فان كانا متشابهين فان هذا لدليل على صدق رؤياي ، واقتراب حلمي من التحقق ...
        لكن أزيز الطائرة يقترب ويجب أن تهرب يا ولدي ..
        فارس وقد بدأ يفكر في طريقة الهروب :
        - دعنا نهرب ثم نعود لنتحدث عن رؤياك ... أين بابك الخلفي ..
        الشيخ :
        - لا يوجد باب خلفي ، لكن يوجد لدي ما هو أكثر ، لا تسألني من أين فلن أخبرك ، ولا تكذبني فلن أعطيك إياه ، ولا تناقشني كثيراً فان وقت هروبك قد حان ..
        فارس وقد بدت الحيرة تغزو وجهه كله :
        - ما هذا الذي تتحدث عنه يا عماه ..؟
        الشيخ :
        - ها قد بدأت في الأسئلة التي لن تقود إلى طريق للنجاة ، دعك منها وارتدي هذا الحزام ، ففيه الحل والخلاص ..
        ومن مكان ما جاءه بحزام فضي يتلألأ في ضوء الغرفة كالشمس ، وطلب من فارس أن يرتديه ..
        كانت الضربة الأولى في ركن المنزل وبدأت جدرانه تتهاوى ...
        سارع فارس لارتداء الحزام الذي يحمل لوحة أرقام في منتصفه بينما قال الشيخ بسرعة :
        - اضغط على رقم السنة التي تود السفر إليها ، ستعود إلى الخلف مرة واحدة ولن يمكنك بعدها إلا القفز إلى الأمام ... المكان يعتمد على سرعة تفكيرك واختيار عقلك الباطن لمكان بذاته ، لن يكون خارج أرض فلسطين ، والزمان سيكون في الحدود التي تضعها في اللوحة ..
        وتذكر يا ولدي ، لن يمكنك أن تزور نفس المكان مرتين ..
        هذا هو حزام الزمن وقد أهديتك إياه أيها الفارس فسِر على بركة الله ...
        فارس لم يستوعب نصف الذي قيل ، وصوت الصاروخ في الهواء وقد اقترب من الغرفة التي يقفون فيها ، فما كان منه إلا أن ضغط أربعة أرقام ، والصوت يزداد اقتراباً ...
        دوى الانفجار بقوة وقد تعالت سحابة الدخان فوق سماء المنطقة ...
        لكن فارساً لم يكن هنا ...
        فقد أصبح هناك ...

        *****[/align]
        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

        تعليق

        • أحمد عيسى
          أديب وكاتب
          • 30-05-2008
          • 1359

          #5
          [align=right]القفزة الأولى ( دماء على الأحراش )
          (1)

          فجأة وجد فارس نفسه على فراش دافئ ، في غرفة من الطين يضيئها قنديل معلق بزاوية السقف ..
          حوله طفل صغير تهللت أساريره فور أن رآه وقد ارتعشت جفونه قبل أن يفتح عينيه ويحاول النهوض فلا يستطيع ...
          الطفل يهرول صائحاً :
          - أبي ، لقد نهض الرجل .. .
          وبسرعة يدخل إلى الغرفة رجل تبدو عليه ملامح القوة والصلابة رغم سنوات عمره التي تجاوزت الخمسين بقليل ..
          وضع يده على جبين فارس ، وفحص نبضه من عنقه ، ثم طلب من الطفل أن يحضر قربة الماء لكي يشرب فارس ، ساعده على الاعتدال قليلاً ووضع طرف القربة في فمه حتى استطاع أخيراً أن يشرب القليل من الماء ..
          - أخيراً يا ولدي .. حمداً لله على سلامتك ..
          فارس :
          - أشكرك يا عماه ، ولكن أين أنا ، ومن أنتم ؟
          الرجل :
          - أنا أبو هيثم ، وهذا هو ولدي الأصغر محمود ، أما أين أنت فهذه نحتاج منك أن توضحها لنا ، ما الذي جاء بك إلى قريتنا الصغيرة ، وكيف دخلت إلى مصنعهم ، وماذا كنت تفعل هناك ... لقد أنقذناك بمعجزة يا صاحبي ..
          فارس :
          - اعذر لي بطئ فهمي وأخبرني أين وجدتموني بالضبط ومم أنقذتموني ..فأنا مشتت التفكير ولا أستطيع التركيز جيداً فيما تقول .
          أبو الهيثم :
          - سنتركك لترتاح وبعدها سيكون لنا معك حوار طويل ...
          خذ راحتك الآن واعتبر أنك في بيتك ، ستقوم زوجتي بإحضار طعام الغذاء لك حالاً ، ولسوف أعود لأراك مساءً ..
          فارس :
          - أشكرك ..
          وعاد يتطلع إلى كل ما حوله في حيرة ، أبو الهيثم يلبس الحطة البيضاء والعقال ، لهجته غريبة ، هذا المنزل الطيني ، مفردات المكان حوله تختلف كلية عما ألفه واعتاده ، فأين هو يا ترى ، في أي بقعة من بلاد العالم أصبح ، وفي أي زمان هو الآن .. أسئلة دارت في ذهنه حتى أرهقته ، ولم يقطعها إلا صوت استئذان أم هيثم وهي تهم بالدخول ...
          - تفضلي يا أماه ..
          قالها بعد أن كانت قد أصبحت داخل الغرفة بالفعل ، سيدة سمراء البشرة تلبس الثوب الفلسطيني المطرز بالخيط الأحمر ، تلتف شاشتها الطويلة لتغطي رأسها ، ويضفي الكحل إلى عينيها صرامة غطتها طيبة واضحة بدت على ملامح وجهها كله ..
          جلست بجواره ، وبيدها صينية بها بعض الفطائر التي تثير الشهية ، راحتها ذكية عبقت أنفه ، وتناولت هي إحداها وناولتها له قائلة في حنان :
          - حمداً لله على سلامتك يا ولدي ، تناول طعامك يا مسكين فأنت مستغرق في غيبوبتك منذ يومين كاملين ..
          ثم نادت فتاة تقف خارج الغرفة وكأنها تنتظر :
          - مريم .. أحضري بعض المياه والشاش لنغير على جروح ضيفنا ..
          جرت الفتاة لتنفذ طلب والدتها ثم عادت وتنحنحت على باب الغرفة ، فنادتها والدتها أن تعالي ..
          وبخطوات متكسرة جاءت مريم ..
          رشيقة القوام كانت ، سمراء البشرة ، أنيقة الخطى ، تلتف شاشتها على نصف رأسها ، وعينيها الواسعتين يبدوان أكثر عمقاً وقد ازدانتا بالكحل كما والدتها ..
          وأمام والدتها وضعت ما طلبته وانصرفت مسرعة ، وفارس مطرق رأسه وقد شعر أنه من العيب أن يلتفت إليها ولو بنظرة خائنة كالأولى ..
          الأم تمسح بالماء جروحه وتعود لتضمدها ، وهي تمط شفاهها في أسى وتقول :
          - مسكين يا ولدي فلقد أوسعوك ضرباً ، حتى ظننا أنهم سيقتلونك ..
          فارس :
          - ومن هؤلاء يا أماه ولماذا ؟
          أم هيثم :
          - هؤلاء اليهود الملاعين ، وجدوك في مصنع الاسمنت المجاور للقرية ، ربما ظنوك لصاً أو تحاول التخريب فانهالوا عليك ضرباً رغم أنك كنت فاقداً للوعي أمامهم ولا تملك حتى حق الاعتراض .. وقد رآك فتية القرية وهم يقتادونك ولولا أبو هيثم والرجال الذين هرعوا لإنقاذك لكنت الآن إما جثة هامدة أو أسيراً في سجون البوليس ..
          كان يود سؤالها عن الزمان لكنه لم يقدر ، سيفهم وحده ، وقد بدأ يفهم ، سيرتاح الآن حتى المساء ، وبعدها سيجد الإجابات عند منقذه وصاحب الدار التي يستريح فيها ..

          *******[/align]
          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

          تعليق

          • أحمد عيسى
            أديب وكاتب
            • 30-05-2008
            • 1359

            #6
            [align=right]في المساء كان أبو الهيثم ومعه رجلين يجلسان بجانب فارس ، وقد بدت عليه الصحة الجيدة بعد المعاملة الحسنة التي تلقاها .
            أبو الهيثم :
            هؤلاء هم أصدقائي وجيراني ، هذا الشيخ إبراهيم ، وهذا أبو علي ..
            سلم عليهم فارس متأملاً في ملامحهم محاولاً سبر أغوارها ، كان الشيخ إبراهيم طويلاً نحيفاً ، له صلعة تأكل مقدمة رأسه ، وإحدى عينيه ترتجف باستمرار وكأن بها مشكلة ما ..
            أما أبو علي فكان وافر الصحة قوي البنية وقد أحس فارس بالرهبة في وجوده ..
            أبو الهيثم :
            - أعتقد أن الوقت قد حان لتخبرني عن اسمك وسبب تواجدك هنا ..
            فارس :
            - اسمي هو فارس ، وقد أتيتكم ضالاً وما وجدت نفسي إلا وقد استرحت في مصنع اليهود ولم أكن أعرف أنه لهم ..
            أبو الهيثم :
            - ونحن يا ولدي عرب فلسطينيون ولن نتخلى عنك حتى يشتد عودك وتصبح قادراً على الرحيل ، واعتبرنا أسرتك وأنت واحد منا ..
            فارس في تأثر :
            - وهل أجد أنبل من هكذا أخلاق ، أدعو الله أن يقدرني لرد هذا الجميل ولو بعد حين ..
            وهكذا انقضت الساعة القادمة والرجال يتناقشون وفارس مصغي عله يفهم أين هو من دفتر الزمن ، لم يكن لهم حديث إلا عن توسع اليهود وشرائهم للأراضي وعن اشتداد ظلم الانجليز ودعمهم لليهود واستقبالهم لقوافل المهاجرين موفرين لهم سبل الراحة والاستقرار ...
            قال الشيخ إبراهيم :
            لعل معاهدة ما تستطيع أن تخفف انتشارهم وهجرتهم .. وقد تتوقف اعتداءات الانجليز واليهود ..
            قال أبو علي بصوت كالزمجرة :
            - أي صلح وأي معاهدة مع هؤلاء الكفار ، لن يفيدنا إلا السلاح ، وقد قالها الشيخ : من "جرب المجرب فهو خائن "، ولقد جربتموهم قبل ذلك وثبت كذبهم وضلالهم ..
            أشار لهم أبو الهيثم علامة الصمت ، وقد أحس أن الحوار بدأ يصل لنقاط لا ينبغي أن تطرح أمام ضيفهم ..
            نلتقي غداً يا ولدي ..
            قالها الرجال وانصرفوا مودعين ..
            وفارس يفكر في كل ما حدث ويقلب الأحداث في رأسه تباعاً ، سيعرف أين ومتى ، ولكن هل يستطيع العودة ..
            تأمل جسده جيداً وعرف أنه لا يلبس الزي العسكري .. ولا يوجد حول وسطه أي حزام من أي نوع ... إذن فقد بدل أبو الهيثم له ملابسه التي تمزقت من ضربات اليهود .. فأين الحزام ، وهل ظل هناك في مصنع اليهود أم تراه هنا بين يدي أبا الهيثم ..أسئلة كثيرة كانت تحتاج إلى إجابات واضحة ولم يكن من بد إلا الانتظار حتى الصباح ..
            **********[/align]
            ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
            [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              أهلا أحمد صديقى
              متابعك حتى النهاية .. لكن الملاحظ أن هذه الكتابة كانت فى مرحلة متقدمة
              أى هناك فارق كبير بين انتاجك اليوم .. و هذه .. أجده فى تركيبة الجملة ، و الحماس البادى بين السطور ، و بشكل ازعجنى أنا شخصيا .. و كم من الأخطاء التى تركتها و لم تتم عملية مراجعتها ، و قد أبقيت عليها ، و لم أقربها !!
              و لكنى متابعك حتى نهاية الرواية ، و سوف يكون لى حديث طويل معك

              تحية صباحية تليق بك !!
              sigpic

              تعليق

              • أحمد عيسى
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 1359

                #8
                أخي وأستاذي ربيع

                مشكلتي أنه ليس لي نفس طويل للرواية ..
                بدأت مشاريع لأكثر من خمس روايات لم تنته الا واحدة كانت تفاعلية على شبكة الانترنت بدأت أنا المشروع وأعلنته تفاعلياً مع اربعة كتاب اخرين ..
                أما هذه فلم تكتب الان كما لاحظت أنت ، ويسعدني أن نتناقش في أخطائها ..

                أشكرك لمتابعتك شكراً لن تكفيه الصفحات
                فقد شجعتني أنت عندما وضعت روايتك هنا على نشر بعض تجاربي في الرواية
                والهدف لم يكن النشر لمجرد النشر وانما كان الهدف ولا يزال .. هو أن أتعلم من خبراتكم لكي أنمي قدرتي على كتابة الرواية .. جئت لأتعلم وأستفيد ..

                أنتظر عودتك ولن أطيل حتى أكمل القفزة الأولى التي توقفت عند نهايتها ..
                ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                تعليق

                • أحمد عيسى
                  أديب وكاتب
                  • 30-05-2008
                  • 1359

                  #9
                  [align=right](2)
                  ومضى الليل طويلاً مثقلاً بالهموم على نفس فارس الذي أضحى في مكان غريب لا يعرف فيه أحداً ..
                  تقلب على فراشه طويلاً وما كاد الصبح ينبلج حتى نهض مسرعاً ووجد قربة الماء إلى جوار الفراش فتوضأ حتى سمع جلبة في البيت فعرف أن أبا الهيثم قد نهض للصلاة هو الآخر ..
                  ناداه وطلب أن يرافقه إلى المسجد .. وأخيراً .. ها هو خارج المنزل الذي وجد فيه نفسه مذ غادر مكانه وبلدته وأرضه ، لكنه يشعر أنه ينتمي بشكل أو بآخر إلى هذا المكان .. ويحس أنه قد رآه من قبل ، ولولا الظلام الذي يلف الشوارع الترابية التي شقها السكان بين أشجار النخيل لكان قد دار في كل مكان حتى فهم وعرف وحده كل شيء ..
                  قال أبو الهيثم وهم في الطريق :
                  - لم تعد البلدة آمنة بعد الآن ، البوليس يعاقب المواطنين بتجبر وقسوة ، وينفذ أوامر الانجليز حرفياً ، وظلمهم قد بلغ كل مدى ممكن ، لكني أشعر أن هذا ليس الخطر الحقيقي .. كارثة ستحدث قريباً ولا يستطيع أحد توقعها أو تفاديها ، لكن لها علاقة بهجرة اليهود التي ازدادت أضعافاً ، أصبحوا يشترون أراضينا ومصانعنا وبيوتنا ، يتوغلون فينا ويساعدهم الانجليز بما يستطيعون بالمال والقوة والسلطة ... والله الذي لا اله إلا هو لولا أننا نحب شيخنا ونسمع أوامره بالتريث لكانت الثورة التي لن يستطيعوا إخمادها ... لكن لحظة الصفر لم تحن بعد .. سنحافظ على رباطة جأشنا ونستمر بإعداد العدة حتى يأتي اليوم الذي يعرفون فيه معنى العربي الفلسطيني حين يحمل سلاحه وينتفض ..
                  فارس :
                  - وهل لديكم التدريب الكافي ، والسلاح اللازم لخوض معركة أنتم الأضعف فيها والأقل عدداً ..
                  أبو الهيثم :
                  - الغلبة للمؤمن يا بني ، نحن أصحاب قضية ، هذه أرضنا ولن نتخلى عنها ونتركها تباع وتشترى .. سنموت قبل أن نرى أرضنا تضيع .. لسنا نحن من ننفذ وعود بلفور صاغرين ، ولن يبني اليهود وطنهم على بقايا بلادي ، سنكون لهم بالمرصاد ولسوف نحاربهم ما دام فينا عرق ينبض ..
                  فارس في ألم :
                  - الكثير سيضيع يا أبتاه ، لكننا سنتحمل ، ونتعود على الخسارة حتى أنها ستصبح شيئاً عادياً جداً ننسجم معه ونعيش معه بكل أريحية ..
                  ووصل الرجلان إلى المسجد وقد ارتفعت مئذنته عالياً ، وكانت الصلاة قد أقيمت فلحقا بها وانسحبا بعدها دون كلام ..
                  أبو الهيثم :
                  - سأذهب لأتابع بعض الأمور في حقلي .. فان أحببت أن تأتي معي فمرحباً ..
                  فارس :
                  - سأجد من يدلني على مكانك وألحق بك يا والدي ، أما الآن فأنا بحاجة إلى الجلوس قليلاً أمام باب البيت قبل أن آخذ جولة في البلدة .. وقبل الظهيرة ستجدني عندك إن شاء الله .
                  - لك هذا يا ولدي ، اعتنِ بنفسك جيداً
                  وانصرف تاركاً فارس يتأمل الشروق الذي لم ير مثله في حياته كلها ..
                  ليست ذات الشمس التي تعود عليها ، أشعتها أكثر حيوية ، وحضورها أكثر بهاءً .. والهواء أجمل وأنقى ... بدأ الناس فيما حوله يستفيقون باكراً ويذهبون إلى أعمالهم ومزارعهم ، وهو ينظر بعين الانبهار إلى هذه الوجوه التي تحمل جمال الفلسطيني ونقاء قلبه ، هذه الملامح التي يراها كلما نظر إلى والدته ، هذه النظرات التي يراها كلما حدق في عينيها ... ليس بعيداً هو .. ليس بعيداً أبداً عما يحب وعمن يحب ..
                  وهنا اعتدل فارس وبدأ جولته في شوارع البلدة ..
                  البحر يبدو من بعيد شامخاً والموج يأتي كألف فارس يمتطي صهوة البحر ويأتي سراعاً يقبل ثغر الشاطئ الرملي الغض .. رائحة الصباح تختلط بأنسام البحر فيشتم فيها طيبة الأرض والمكان ...
                  أي مكان هذا .. أي جنة هذه ..
                  بين أشجار الزيتون يمضي ، والنخيل على جانبي الطريق يرسم حدوداً للمكان ويشمخ مثل حارس يمسك رمحه مهيئاً لك طريقاً آمناً للمرور ..
                  وكلما اقترب من البحر كانت المنازل تزداد التصاقاً ،وكانت أشجار السرو تزداد ارتفاعاً حتى لتعلو على المباني نفسها ، وفي الشارع الممهد يرى سيارة عتيقة الطراز ، وحماراً يجر عربة فيما يعرف بالحنطور ...
                  الآن بدأ يعرف ويفهم ، لطالما سمع أسماء هذه الأماكن من أمه وكأنه عايشها وتربى فيها ..
                  هذا مسجد الاستقلال ، وهذا جبل الكرمل يشمخ من بعيد ، أما هذا الميناء الذي تربض السفن خلفه ... نعم ... ميناء حيفا ..
                  هو الآن في عروس المتوسط ، في حيفا .. بلدة أمه الأصلية ، والأرض التي حلم فيها وهو يسمع حكايات جدته العجوز عنها ، أخيراً يراها ، ها أنت يا حيفا .. وأنا ذا في أحضانك فعانقيني ...
                  والى البحر أخذ يعدو وقد أحس أن بينهما اشتياق لن يرويه إلا العناق الطويل ..

                  *********[/align]
                  ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                  [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                  تعليق

                  • أحمد عيسى
                    أديب وكاتب
                    • 30-05-2008
                    • 1359

                    #10
                    [align=right](3)

                    في مصنع "نشر " للاسمنت كان ذلك اليهودي الأصلع يستعد للقاء من نوع خاص ..
                    جلس على مكتبه وقد بدأت أحلام الثراء تراوده وبين يديه الحزام الذي نزعه عمال المصنع من حول وسط "فارس " قبل أن يسلموه للعرب الذين جاءوا لتخليصه من أيديهم ..
                    - سيد(شالوم ) وصل يا سيدي ..
                    قالها أحد العمال فرد عليه اليهودي بلهفة :
                    - أدخله بسرعة
                    وما هي الا ثوان وكان شالوم يقف أمام (عزرا ) وجهاً لوجه ..
                    طويل القامة كان ، نحيف ، أبيض البشرة ، حاد النظرات ..
                    تأمله عزرا ثم أشار له علامة الجلوس ، فقال شالوم :
                    - عساه أمر يستحق مشقة سفري يا عزرا ..
                    - هو كذلك سيد شالوم ..
                    وأخرج من درجه مسدساً حديثاً يبدو وكأنه لا ينتمي إلى هذا العصر ، ووضعه على المكتب أمام ضيفه ...
                    - بحق السماء ، أي سلاح هذا ..
                    وأمسك السلاح بين يديه يتأمل فيه بانبهار كامل ، كان خبيراً بالأسلحة بأنواعها ، لكن هذا المسدس بخامته وخزنة طلقاته يختلف كلية عما ألفه أو اعتاده ...مسدس "بريتا" آلي بخزنة من تسع طلقات وانسيابية تامة ..
                    - من أين لك هذا ؟ ..
                    قالها شالوم وسط انبهاره ، فقال عزرا :
                    - لا يعنيك من أين ، هو لك إن أرضيتني ..
                    - وما الذي يرضيك يا هذا ؟
                    لمعت نظرات عزرا في جشع وهو يقول :
                    - بضعة آلاف يا صديقي .. فلنقل ... عشرة ..
                    وهنا ، وقف شالوم محتداً ، واقترب من عزرا وهو يقول في صرامة :
                    - يبدو أنك لا تفهم الأمر يا عزيزي ، لا يهمنا المبلغ فسندفع ما تريد ، لكنك الآن وبسرعة ستخبرنا من أين أحضرت السلاح وإلا فلسوف أجعل الدنيا تنقلب أمامك في ثوان ، هذا السلاح خطر يهدد الوطن المنشود ، ولا مجال للعب أو التهاون ..
                    قال عزرا وقد بدأ موقفه يتراجع أمام صرامة محدثه :
                    - سأخبرك ، سأخبرك بالقصة كاملة ..
                    وبدأ يروي حكاية فارس الذي وجدوه ملقى في غرفة المدير المغلقة من الخارج ، والتي لا يستطيع أحد الدخول إليها ، وكل هذا دون كسر الباب أو القفل أو اختراق الشباك ، ملقى فاقد الوعي كان ، فضربوه وكانوا يهمون بقتله لولا تخليص بعض العرب له ..
                    - فهل عرفت أحداً من هؤلاء العرب ؟
                    - عرفت فيهم الشيخ إبراهيم ، والبقية كانوا يعرفونه جيداً ..
                    - إذن ، سنحدد مكان هذا الشاب ، وأعتقد أنه سيبيت الليلة عندنا ..
                    قالها ، ودار على عقبيه وعزرا يتحسس الحزام الفضي ويتأكد من ألا يراه أحد ..
                    وكان يعلم أنها ستكون ليلة ليلاء ..

                    ******

                    مضت الساعات وفارس بين طرقات المدينة وبحرها وهوائها وهو لا يكاد يحس بمرور الوقت ، حتى تذكر وعده لأبي الهيثم بأن يكون عنده في حقله ، فعاد إلى البيت منادياً " علي " ومستنداً إليه كانت طريقه عبر المزارع والحقول الخضراء وصولاً إلى الأرض التي يزرعها أبو الهيثم ..
                    وهناك رآه وقد شمر عن ساعديه وحمل فأسه وانهمك في عمله وقد غطى العرق بشرته السمراء ..
                    أشار له أن تعال عندما لمحه من بعيد ، فما كان منه إلا أن شمر هو الآخر وهرول ليحمل الفأس الأخرى ويضرب بها كما يفعل أبو الهيثم ..
                    قال أبو الهيثم :
                    - أين ستصلي الظهر ..
                    فارس :
                    - حيثما تصلي سأصلي ..
                    أبو الهيثم :
                    - سنصلي اليوم في مسجد الاستقلال ، فالخطبة بعد الصلاة للشيخ حفظه الله ، وهناك سنعرفك عليه ، علك تنضم لنا وتفيدنا حيثما أنت ..
                    قال فارس :
                    - لا أظن أنني سأفيدكم حيثما أنا ، ولكن مع ذلك سأستمع لخطبة شيخكم ، سيسرني ذلك بكل تأكيد ..
                    وعند صلاة الظهر كانوا قد غسلوا وجوههم وبدلوا ملابسهم وذهبوا إلى الصلاة في المسجد ، كان أبو الهيثم كمن سيلقى شخصاً مهماً جداً ، ولطالما تساءل فارس عن سر هذه الهيبة والاحترام الكبيرين اللذين يحتفظ بهما رجال هذا الشيخ في قلوبهم ..
                    وأقيمت الصلاة ، كان الإمام ذا صوت رخيم قوي ، رتل القرآن بجودة واقتدار ، حتى لقد نسي فارس نفسه تماماً حتى ظن أنه تاه بين الآيات ..
                    وانتهت الصلاة ليستدير الشيخ الإمام مواجهاً المصلين ، مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم مبتدئا خطبته بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ، ورآه فارس ..
                    أين رأى هذه الملامح القوية الوقورة ، هذا الشارب الرفيع واللحية التي ابيض طرفها ، هذه الجلابية البيضاء والعمة التي تتوج رأسه ... أين رأى هذا الرجل ..
                    الخطبة تشتد حماسة والرجل ينسجم فيها ويشتد صوته ويزداد حدة ،وهو يتحدث عما يحاك ويدبر للعرب في فلسطين ، وعما ينوي الانتداب البريطاني فعله ، وعما يخطط اليهود له منذ اللحظة ، رجل عارف بتفاصيل الأمور هذا ، رجل يعرف ما يقول ، وتزداد الخطبة حماسة .. ويزداد الخطيب اشتعالاً .. حتى يراه المصلين بين ذهولهم وانبهارهم ، وقد أخرج سلاحاً كان مخبأً تحت ثيابه ، بندقية قديمة رفعها عالياً وقال في حماس :
                    - من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقتني مثل هذا ..
                    الله أكبر ، قالها فارس ولم يتمالك نفسه ، هذا هو الرجل الذي تسمى تنظيمه العسكري على اسمه ، هذا الذي أذاق الانجليز الويلات وأشعل الثورة العربية الأكبر في فلسطين قبل النكبة ، هو عز الدين القسام ذاته ،بشحمه ولحمه ...
                    لم يستطع فارس الاستمرار في الجلوس ، وقف محدقاً متأملا في ملامح الرجل ، ومثله وقف الكثيرين ، وقد بدأ الهرج والمرج يشتعل في الخارج ..
                    وظل فارس على دهشته وانبهاره ، حتى وصل البيت وملامح مشعل الثورة لا تكاد تغيب عن ناظريه ، ولم تمض ساعة واحدة حتى جاء أبو الهيثم لفارس بالخبر الكريه :
                    - اعتقلوا الشيخ القسام ..
                    قالها وانهار جالساً بجوار فارس وهو لا يقوى على النهوض ..

                    *********[/align]
                    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                    تعليق

                    • عائده محمد نادر
                      عضو الملتقى
                      • 18-10-2008
                      • 12843

                      #11
                      الزميل المبدع
                      أحمد عيسى
                      سأقول لك شيئا زميلي تستفيد منه
                      بما أنك تريدها رواية عليك أن تسرد كثيرا ولكن دون اسهاب فيتهدل النص ويصبح مملا
                      وجدتك هنا وأنت تربط الحوار ومابينه بشرح وكأنك تفصل على المسرح ولا تكتب رواية مثال:

                      نائل وقد تناول كرسياً وجلس بجوار صديقه في الحديقة الصغيرة التي يتوسطها منزله المبني من "الاسبست "
                      هذا الوصف لايجوز في الرواية .. هذا إخراج زميلي وشرح يخلو من السرد الأدبي .. كان عليك أن تبدأ بمثلا..)) تناول نائل كرسيا وهو.......ثم تكمل .. تشرح خالته .. مابها .. كيف كان وهو يتناول الكرسي.. وتكمل
                      أرجو أن أكون قد أفدتك بملاحظتي
                      وثمة شيئ آخر
                      لاتتعجل بنشر الفصول سريعا فلانلحق بك وتهمل الرواية ولاتأخذ حقها أحمد
                      تحياتي وودي
                      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                      تعليق

                      • أحمد عيسى
                        أديب وكاتب
                        • 30-05-2008
                        • 1359

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                        الزميل المبدع
                        أحمد عيسى
                        سأقول لك شيئا زميلي تستفيد منه
                        بما أنك تريدها رواية عليك أن تسرد كثيرا ولكن دون اسهاب فيتهدل النص ويصبح مملا
                        وجدتك هنا وأنت تربط الحوار ومابينه بشرح وكأنك تفصل على المسرح ولا تكتب رواية مثال:

                        نائل وقد تناول كرسياً وجلس بجوار صديقه في الحديقة الصغيرة التي يتوسطها منزله المبني من "الاسبست "
                        هذا الوصف لايجوز في الرواية .. هذا إخراج زميلي وشرح يخلو من السرد الأدبي .. كان عليك أن تبدأ بمثلا..)) تناول نائل كرسيا وهو.......ثم تكمل .. تشرح خالته .. مابها .. كيف كان وهو يتناول الكرسي.. وتكمل
                        أرجو أن أكون قد أفدتك بملاحظتي
                        وثمة شيئ آخر
                        لاتتعجل بنشر الفصول سريعا فلانلحق بك وتهمل الرواية ولاتأخذ حقها أحمد
                        تحياتي وودي
                        الأخت الزميلة والأستاذة الفاضلة : عائدة نادر

                        أسعدني مرورك يا عائدة ، وأسعدني أكثر أن أسمع نصحك ..
                        كنت أعتقد أن توضيح الجو والمكان والبيئة المحيطة بالبطل ضروري في بداية القصة .. مجرد توضيح المكان .. ربما جاء بصورة مباشرة لكني أحسست بضرورته ..
                        على كل حال سآخذ بملاحظتك بعين الاعتبار ، علماً أنني أخبرتك مسبقاً أنني ليس لي تجربة كبيرة في الرواية وأن طرحي للموضوع هنا لكي أستفيد من خبراتكم وأتعلم ..

                        سأواصل وأتمنى أن تعودي الى هنا

                        كوني بخير
                        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                        تعليق

                        • أحمد عيسى
                          أديب وكاتب
                          • 30-05-2008
                          • 1359

                          #13
                          [align=right](4)
                          ساعات مرت وأبو الهيثم وفارس كخلية نحل لا يتوقف نشاطها ..
                          كان خبر اعتقال الشيخ القسام قد مر كصاعقة على رؤوس أهل المدينة البسطاء ، لكنهم بعفوية كانوا ينتظرون شرارة لكي ينفجروا ، وكان فارس ورفيقه هم الشرارة التي أذاعت نبأ اعتقال الشيخ ، ودعت إلى تنظيم مظاهرات حاشدة بدأت رقعتها تتسع تدريجياً حتى عمت مدينة أريحا وضواحيها ، وقد خرج الناس من بيوتهم دفاعاً عن الشيخ ، المأذون ، الإمام ، الخطيب ، والثائر ..
                          كان القسام يعني الكثير لأهالي حيفا خاصة ولفلسطين عامة ، فالقسام ، المولود في اللاذقية بسوريا سنة 1871 ، كان منذ صغره انساناً ليس عادياً ..
                          كان يميل للعزلة ، دائم التفكير ، شديد النشاط ، متقد الذكاء .
                          درس في الأزهر في مصر ، وكان من تلاميذ الشيخ محمد عبده ، وعند عودته لسوريا شارك في الثورة ضد الفرنسيين ، وبعد حكم بالإعدام عليه من الديوان السوري العرفي لجأ القسام الى فلسطين في سنة 1922 ، واستقر في قرية الياجور قرب حيفا، وعرفه سكان حيفا كواعظ ديني وإمام مسجد ورئيس جمعية الشبان المسلمين بالمدينة ، وكان يصل بفكره الى كل بيت من خلال عمله كمأذون شرعي ، لهذا أحبه الناس هناك وعرفوه رجلاً شريفاً حسن السمعة ..
                          لكن النشاط السري للقسام كان يختلف قطعاً عن التنظير للثورة وحسب ..
                          كان ينظم عصبة القسام ، ويختار في كل حلقة خمسة أفراد ، ويولي عليهم نقيب يتولى القيادة والتوجيه ، منظماً جداً كان الشيخ ، وكان يعد البلاد كلها للحظة الصفر التي تنطلق فيها الثورة ..
                          وقد أتت مظاهرات الناس أكلها وخرج القسام من السجن بعدما عم الإضراب العام جميع أنحاء المدينة ..
                          وبين المهنئين بخروجه سالماً كان فارس والشيخ إبراهيم ، وأبو الهيثم ، بالإضافة إلى طوابير الناس التي تصطف لتصافح الشيخ بعدما خرج من السجن منتصراً بإرادته وإرادتهم ..
                          وها هو فارس يصافح الشيخ ، ها هو أماه وجهاً لوجه ، فمن كان يتصور هذا ، حلم مستحيل التحقيق كان ، لكنه أضحى حقيقة واقعة أمام عينيه ..
                          - شيخي العزيز ، والله لم أتمنى أن أقابل أحداً في حياتي مثلما تمنيت أن أراك ..
                          قالها للشيخ من بين دموعه فابتسم وربت على كتفه في حنان ، بينما مال ابو الهيثم على الشيخ يهمس ببضع كلمات في أذنه .. وكانت إيماءة الشيخ علامة الموافقة على عرض ابو الهيثم ، ورغم أنه كان بعيد ليسمع لكنه فهم أنه طلب من ابو الهيثم بقبول انضمام فارس إلى عصبة القسام ..
                          ولما حدثه بذلك أبو الهيثم وهم في طريق العودة ، لم يتمالك فارس نفسه من القفز فرحاً وهو يقول بصوت متهدج :
                          - لقد فعلتها .. وأصبحت عضواً في القسام مرتين ..

                          *******
                          في المساء ، كان فارس قد جمع أغراضه وتجهز للانتقال إلى بيت أبو علي ..
                          كان فارس هو أول من طلب المغادرة وقد أحس أنه أثقل على ابو الهيثم ، ولم يوافق الرجل ولم يترك فارس الا عندما طلب المغادرة الى بيت أبو علي ..
                          وأبو علي كان أرملاًَ وولديه معتقلين لدى الانجليز ، وكان بيته مفتوحاً للمناضلين ومكاناً لعقد الاجتماعات والندوات والتخطيط والتدبير ..
                          وكم كانت صعبة ساعة الفراق ..
                          الحاجة أم الهيثم لم تستطع منع دموعها وهي تقول :
                          - والله لكأنك أصبحت واحداً منا يا فارس يا ولدي ، فلم تستعجل الرحيل ..
                          فارس وقد بدا التأثر على ملامح وجهه :
                          - وأنتِ يا أماه حملت كل طيبة وحنان أمي التي تركتها هناك ، ولكنه ليس فراق الآن .. فقد انتقلت من مكان الى مكان قريب ، والمسافة بينهما ليست بالبعيدة ..
                          أما مريم ، فقد قاومت دمعة تجاهد للخروج من شِباك عينها ، وهي تقول :
                          - لا تبخل علينا بزيارتك يا فارس ..
                          ومحمود الفتى بجواره يمسك بيد فارس ويصمم على مرافقته حتى يصل إلى هناك
                          - سنلتقي مرة أخرى يا مريم ، حتماً سنلتقي ..
                          قالها والتقت عيناهما لثانية واحدة حملت الكثير من الكلام :
                          عيناها : ترحل الآن بعدما التقينا أخيراً ..
                          عيناه : هو الرحيل الذي كتب علينا قبل أن نلتقي ..
                          عيناها- لكنني بدأت أشعر بالحياة مذ رأيتك ، أنت فارس أحلامي ، أنت الحبيب الذي تمنيته ، أنت الزوج الذي أستطيع ائتمانه على حياتي وروحي وقلبي ..
                          عيناه - طريقنا ليست واحدة يا مريم ، دروبنا ليست واحدة ، أنت في زمن يختلف كلية عن زمني ، لذلك لا أستطيع شق أي طريق اليكِ ، كل الطرق مغلقة ولن تؤدي الى تلاقٍ ما .. ألا نقترب أكثر ، هو الحل الأمثل ..
                          - وداعاً يا فارس
                          - الى اللقاء يا مريم ..
                          وأشاح بوجهه يرافقه محمود إلى بيت أبو علي .. مستقره الجديد ...
                          كانت في الظلام عينين ترقبانه وقد التمعت نظرة شيطانية فيهما ..
                          وكان صاحبهما يهودي ..

                          *****
                          وبدأ فارس يمارس عمله في صفوف عصبة القسام ، أصبح أميراً للمجموعة وكان معه شبان يشتعلون حماسة ..
                          ها هم يجلسون في دار أبو علي ويلتفون في حلقة يتدارسون القرآن قبل أن تبدأ نقاشاتهم ..
                          فارس :
                          - يسعدني وقد انضم إليكم عضو جديد اليوم أن أعرفكم عليه ، هذا " عبد الله " من الشمال ، وهؤلاء أخوتك .. عماد ، سالم ، نافذ ، وأنا .. فارس ..
                          تبادلوا عبارات الترحيب بسرعة ، وعاد فارس يقول في صرامة :
                          - منذ اليوم ، ستتخذ الترتيبات شكلاً جديداً ، سأعلمكم تكتيكات لم تعرفوها من قبل ، سنتعرف على طرق القتال اليدوي ، واستخدام الأسلحة ، وفن التنكر والتخفي ..
                          ستعرفون تقنيات تسبق عصركم ، ولكن بالمقابل أريد عقولكم وقلوبكم معي ، ستتحملون التدريب مهما كان قاسياً ، ولن تخبروا أمهاتكم بأسرار العمل .. هذه من بديهيات العمل الأمني ولسوف تقسمون عليها قبل أن نبدأ ..
                          وهكذا ، بدأت جولة جديدة من التدريبات النظرية ، التي تنتهي باجتماع في جبال المدينة ..
                          هناك ، كان المكان يتحول إلى ساحة تدريب يمارس فيها فارس كل خبرته في القتال والمواجهة ، عله يغير شيئاً في الحدث المر الذي حدث في زمنه وأصبح واقعاً ..
                          كانت الأيام تمضي بوتيرة واحدة
                          لكن فارس كان يعلم أن شيئاً استثنائياً سيحدث بعد أيام قليلة ..
                          ولسوف يكون شرارة الثورة ..
                          وبداية المواجهة ..
                          ونقطة التحول ..
                          ******[/align]
                          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                          تعليق

                          يعمل...
                          X