الفردوس المفقود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • العربي الكحلي
    عضو الملتقى
    • 04-05-2009
    • 175

    الفردوس المفقود

    [align=justify][/align]لازالت تذكر ذلك الصباح المشئوم حين تعرف (مهاجر) على مجموعة من أولئك اللذين يتاجرون في أجساد الأبرياء .كيف اتفق معهم على أن يهاجر في السر .فبنيته الجسمية تسمح له بذلك وزكى هذه البنية طيش الشباب وروح المغامرة والظرف الاجتماعي الذي يفرض نفسه فرضا قاهرا وكما كان يقول إما الربح أو الموت.نعم لقد حمل حقيبة صغيرة فيها بعض اللوازم و الملابس ، مما خف حمله وثقل ثمنه ، ليخرج في الصباح الباكر وسط ضوضاء من العويل والبكاء لأنه كان الوحيد الذي يتردد على بيت أمه العجوز فتحس بالأمان ، طمئنها والدموع في عينيه وهو يشد على كتفها بحرارة قائلا :" أماه إنني ذاهب حيث العمل و الأمل وليس من المعقول أن أبقى إلى جانبك عاطلا مكتوف اليدين والعمر يجري ، أمي ، إن كان العمر طويل فسوف أعود ، وان كان قصيرا فاني ذاهب في سبيل الله ولقمة العيش دعواتك أمي" وخرج .لازالت هذه الكلمات ترن في آذانها فتدع له .منذ ذالك اليوم وهي تترقب الأخبار ، عاد أحدهم قال إن (مهاجر) عانى كثيرا فبعد مغادرته القرية وصل إلى تونس بعد أيام حيث وجد هناك هو ومن معه من ينتظرهم فبات في إحدى الفنادق الفاخرة يتمتع كل منهم بجمال المكان وهدوئه كأنه يقضي أوقاته الأخيرة قبل الإعدام.الأمل لازال في ذهنه أن العمل قريب منه خصوصا أن الأرض الايطالية ليست بعيدة ، لا يفصله عنها سوى هذه البركة العظيمة ، وأضاف الراوي أنه كلما نظر إلى البحر تنهد وقال:"تعالي أمي تري ابنك لم يبقى له إلا النزر القليل للوصول .بعد أيام سنصل إلى روما عاصمة الآمل المفقودة ".
    جاء شخص يحثهم على جمع أغراضهم بل ما خف منها وترك الباقي لتبدأ الرحلة . كان (مهاجر) يرتدي سروال الجينز و قميص من نفس الثوب وحداء الرياضة ولا يحمل معه سوى بعض النقود من العملة الايطالية التي اشتراها أو بدلها عند بعض تجار العملة في السوق السوداء في قريته ،أحس بشيء من الخوف في أول الأمر والتراجع عن هذه المغامرة لكنه تذكر تسكعه بين أزقة القرية واليوم الذي كان يمر عليه بألف سنة فانتفض كطائر مذبوح وخرج مع الخارجين .
    كانت الشمس تتحرك نحو الأفول و الرجل لازال يحثهم على الإسراع :" يجب علينا أن نصل نقطة الانطلاق بعد المغيب مباشرة .كانت أفكار تلك الشرذمة من الشباب مشتتة و أوراقها مبعثرة بين الأمل الجديد الذي أصبح قريب المنال والحنين إلى الوطن الذي ربما لن يروه ثانية. الشك يساورهم في نية أولئك المرافقين اللذين سمعوا الكثير من قصصهم الغريبة فمن خلال ملامحهم يبدو أنهم متمرسون على الإجرام. يحثون في خطاهم والشباب كالخرفان لا يعرفون مصيرهم يمشون بين شوارع مشبوهة ثم بين أزقة حلزونية أكثر شبهة. وبعد مسافة من الركض والمشي و الهرولة وقفت سيارة بمحاذاة المرافق في مقدمة الجماعة ، سيارة لشحن البضائع وقفت مفتوحة الأبواب فصعد المرافق وتبعه الشبان دون كلمة، أطبق عليهم الصمت والخوف وربما بدأت مراجعة الأوراق في الضمائر لكن هيهات ،انطلقت السيارة تبقر صدر المجهول بسرعة جنونية بين الأزقة والدروب ، حتى خرجت إلى طريق شبه ساحلية حيث كانت رائحة الرطوبة تصل أنوفهم اليابسة ،وأصبحت أشعة الشمس تكتسي حلة أرجوانية تميل إلى الحمرة ، وبعد أفولها الكلي توقفت السيارة فنظر الفتية بعضهم إلى بعض كمن يريد الفرار . سمع صوت المرافق خشنا :" اسمعوا نحن وصلنا ، بعد النزول إلى الساحل سنجد مركبا للصيد ستركبونه وعليكم أن تنفذوا كل ما يقوله أصحاب المركب بدون مناقشة ". فرد الكل في نبرة الخائف المستسلم"متفقون" قفزوا من السيارة إلى الشاطئ وبعد مسافة (مرطونية) ظهر ضوء خافت في الماء كالشبح المخيف ، بدأت تظهر معالمه بعد الاقتراب منه انه مركب صغير للصيد ذو محرك مسموع ، علق أحد الفتية " انه صغير لا يتسع حتى لثلاثة منا " ، فقال المرافق :"كم فيكم من التكبر هناك من لم يجد المساعد حتى ولو قطع هذا البحر سباحة حتى ولو كان نارا مشتعلة عوض الماء " لم يعلق أحد ،وانحشر الفتية داخل المركب كالقطيع من الأغنام ...
    مسح الراوي جبينه من العرق الذي يتصبب منه كأنه يستعد لحالة طوارئ واسترسل في حديثه : " وهنا بدأت الرحلة الحقيقية ، البحر هائج والمركب الصغير يهتز كالمجنون بفعل الأمواج الصاخبة يتسرب الماء إلى جوفه الضيق حتى أصبح الماء يشكل حمولة زائدة مما أثار انتباه قائد المركب فصاح :" أتنظرون إلى الماء، قدمتم لنا ملاليم وتريدون أن تغرقونا لنترك أبناءنا أيتام ،... عليكم بغرف الماء ورميه خارج المركب ." ففعل الفتية ما يِمرون . ولازالت أيد الأمواج تتلاعب بالمركب وهو ينخر عباب الماء كقشة في مهب الريح . وبعد ساعات قلائل توقف المركب عن الحركة فصاح قائده :" آه لقد تعطل المحرك والحمد لله لقد وصلنا إلى الشاطئ فما عليكم إلا أن تكملوا سباحة ". حملق الفتية بغضهم في بعض يتساءلون بطريقة حركية حتى لا يغيضوا القائد ثم نظروا إلى الشاطئ انه لازال بعيدا بحوالي مأتي متر ومنهم من لا يعرف السباحة ولكن هؤلاء الخنازير لا يعرفون ذلك لأن في نظرهم ليسوا بشرا بل مجرد سلعة أوصلوها إلى المكان و يجب أن تفرغ ليعودوا قبل أن ترصدهم أعين حراس الحدود . عاد الأمل يظهر للفتية فهذه المسافة قريبة جدا بالنسبة لنقطة الانطلاق . فالأراضي الايطالية لا تفصلهم عنها إلا مأتي متر ولابد من صخور يتشبث بها المرء .صاح أحد المرافقين مشجعا :" هيا يا شباب فما عليكم إلا الارتماء والاسترخاء فالماء سيدفعكم نحو الشاطئ ". كانت هذه الفكرة محفزا لهم لتتحرك روح المغامرة عند الشباب ليندفعوا نحو البحر يرتمون الواحد تلو الآخر و بدأ البعض في الاستعداد حيث نزعوا أحزمتهم و ربطوا أمتعتهم على صدورهم أو على رؤوسهم كل حسب فهمه ، ومنهم من وضع أوراقه البنكية وأراقه الشخصية في كيس من البلاستيك حتى لا تتبلل وهذه فكرة (مهاجر) ، الذي صاح بأعلى صوته قبل أن يرتمي في الماء :" أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ".ثم رمى بنفسه في أحضان بحر غاضب.مسح الراوي عينيه من الدموع وأنهى قصته بقوله منذ ذلك اليوم لم أرى منهم أحد..".
    كان هذا الشريط يعاد كل ليلة في دهنها التعب بل كلما سكتت وخلت بنفسها إلا وتعيده من أوله إلى آخره دون ملل ورغم هذه الأخبار كانت تعيش دائما على أمل عودة ابنها) مهاجر)حتى أن بعض الجيران نصحوها بأن تسلم بموته ليصلوا عليه صلاة الغائب و يقوموا له بواجب الأموات لكنها كانت ترجئ ذلك سنة بعد سنة ولقد مر على غيابه الآن أربع سنوات ولم يعد . بدأت المسكينة تسلم بموته ، تنهدت وقالت :" إيه الله يرحمك يا ولدي " .وفي هذه اللحظة سمعت طرقا على الباب فانتبهت فإذا بأصابعها مغروسة في العجين الذي جف بعد نسيانها عاود النقرات على الباب ، فنهضت متثاقلة لتفتح الباب متكاسلة نظرا لسنها ، لقد كانت دهشتها أعظم من أن توصف عندما رأت ابنها واقفا أمامها فصاحت بصوت مرتعش قهره الانتظار وحشرجة البكاء :"(مهاجر) الحمد لله "...وهوت عليه تقبله وتقلب وجهه بين راحتيها......*/*
    [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
    وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
    [/COLOR][/SIZE][/CENTER]
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    العربي الكحلي
    أرجو أن يتسع صدرك لما سأكتبه لك لأنه صدقني لصالحك
    الفكرة جميلة
    والهجرة غير الشرعية مشكلة خطيرة وجدا
    ليتك زميلي جعلت النهاية على غير تلك البرودة
    لو أنك مثلا تركت الأم تنظر إلى الشارع تنتظر .. ومن بعيد هيئ لها أنها رأت المهاجر ..
    هذا مثال ارتجالي طبعا وغير مدروس ووليد لحظة الرد لكنه يصلح كمثل.
    زميلي القدير
    لومضة النهاية رونقها الذي يجعل النص مبهرا أو متسائلا.
    لكن سردك كان ناعما
    هذا رأي بسيط وليس بالضرورة رؤية الجميع طبعا
    تحايا بعطر الورد لك
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • فاطمة الزهراء العلوي
      نورسة حرة
      • 13-06-2009
      • 4206

      #3
      قصة عميقة تبحر من متاجرة الجسد البريىء الى غيابه الى الابد
      اقف احتراما لك سيدي على هذه السردية الرائعة والحضور اللغوي الانيق في توصيل الفكرة

      سلمت استاذ الكحلي من كل سوء
      ساعود انشاء الله الى النص
      لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

      تعليق

      • العربي الكحلي
        عضو الملتقى
        • 04-05-2009
        • 175

        #4
        [align=justify][/align] بسم الله الرحمن الرحيم
        أختي عائده محمد نادر:لقد مر قلمك بلسما على جراح نصي وأنا معك فيما كتبت لكن النهايات تختلف باختلاف أصحابها . والنهاية ليس من المفروض أن تكون تعسة ولكن يمكن أن يكون العناق والقبلات احر من ذلك الانتظار. لقد أردت أن لا أقطع حبل الأمل امام تلك المسكينة . بل أمل كل من له شخص مفقود في عالمنا العربي . الى أمهات الشبان الذين ذهبوا ولم يعودوا .الى الأمهات هنا في المغرب العربي/ المغرب/ الجزائر/ بالخصوص حيث تنتشر هذه الظاهرة .
        أختي وأستاذتي اني أحترم رايك وأقدر اهتمامك .لقد فكرت في نهاية أكثر تأثيرا لكن كانت تلك جاءت كما جاء النص.
        مع تحياتي واحترامي لك أختي .
        النورس الجوال
        العربي الكحلي
        [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
        وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
        [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

        تعليق

        • العربي الكحلي
          عضو الملتقى
          • 04-05-2009
          • 175

          #5
          [align=justify][/align]اختي فاطمة الزهراء
          أشكرك على عباراتك الرقيقة.
          مع تحياتي وتقديري .
          [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
          وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
          [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

          تعليق

          • مها راجح
            حرف عميق من فم الصمت
            • 22-10-2008
            • 10970

            #6
            أسلوب نصي جميل جذاب لقصة مغامرة خطيرة
            فقدنا الأمل في البداية ..ولكن شعاع الأمل أبى إلا بالبزوغ


            تحيتي ومودتي
            رحمك الله يا أمي الغالية

            تعليق

            • محمد الطيب يوسف
              أديب وكاتب
              • 29-08-2008
              • 235

              #7
              وأناأؤيد كلامك أخي العربي يالشدة حوجتنا للأمل الحي فقبلة هذه المسكينة علي خد إبنها رواية بحالها تحكيها ارتجافة يديها وهي تقلب وجه ابنها بين يديها وشروقها بدمع الفرحة من بعد يأس

              أحببت نصك جداً فهو زاخر بالانسان في داخله

              محبتي واحترامي
              صفحتي الخاصة

              http://www.facebook.com/group.php?gid=500474340299

              تعليق

              • العربي الكحلي
                عضو الملتقى
                • 04-05-2009
                • 175

                #8
                [align=justify][/align]أختي مها راجح،
                أولا اريد أن اشكرك على مرورك الذي يشرفني وكلماتك الشاعرية في حق نصي.
                ثانيا اننا لا نعيش الا على الأمل وللأمل حقق الله آمالك .
                ودمت في رعاية الخالق.
                مع تحيات وتقدير العربي الكحلي.
                النورس الجوال
                [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                تعليق

                • هادي زاهر
                  أديب وكاتب
                  • 30-08-2008
                  • 824

                  #9
                  اخي الكاتب عربي الكحلي
                  وصف لذيذ لادق التفاصيل
                  محبتي
                  هادي زاهر
                  " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                  تعليق

                  • العربي الكحلي
                    عضو الملتقى
                    • 04-05-2009
                    • 175

                    #10
                    [align=justify][/align]أخي محمد طيب يوسف ،
                    ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
                    أشكر لك أخي مرورك الكريم والى جديد آخر.
                    مع تحياتي أخي..
                    [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                    وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                    [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                    تعليق

                    • أسماء رمرام
                      أديب وكاتب
                      • 29-07-2008
                      • 470

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة العربي الكحلي مشاهدة المشاركة
                      [align=justify][/align]لازالت تذكر ذلك الصباح المشئوم(المشؤوم) حين تعرف (مهاجر) على مجموعة من أولئك اللذين يتاجرون في أجساد الأبرياء .كيف اتفق معهم على أن يهاجر في السر .فبنيته الجسمية تسمح له بذلك وزكى هذه البنية طيش الشباب وروح المغامرة والظرف الاجتماعي الذي يفرض نفسه فرضا قاهرا وكما كان يقول إما الربح أو الموت.نعم لقد حمل حقيبة صغيرة فيها بعض اللوازم و الملابس ، مما خف حمله وثقل ثمنه ، ليخرج في الصباح الباكر وسط ضوضاء من العويل والبكاء لأنه كان الوحيد الذي يتردد على بيت أمه العجوز فتحس بالأمان ، طمئنها (طمأنها)والدموع في عينيه وهو يشد على كتفها بحرارة قائلا :" أماه إنني ذاهب حيث العمل و الأمل وليس من المعقول أن أبقى إلى جانبك عاطلا مكتوف اليدين والعمر يجري ، أمي ، إن كان العمر طويل(طويلا) فسوف أعود ، وان كان قصيرا فاني ذاهب في سبيل الله ولقمة العيش دعواتك أمي" وخرج .لازالت هذه الكلمات ترن في آذانها فتدع (فتدعو)له .منذ ذالك(ذلك) اليوم وهي تترقب الأخبار ، عاد أحدهم قال إن (مهاجر) عانى كثيرا فبعد مغادرته القرية وصل إلى تونس بعد أيام حيث وجد هناك هو ومن معه من ينتظرهم فبات في إحدى الفنادق الفاخرة يتمتع كل منهم بجمال المكان وهدوئه كأنه يقضي أوقاته الأخيرة قبل الإعدام.الأمل لازال في ذهنه أن العمل قريب منه خصوصا أن الأرض الايطالية ليست بعيدة ، لا يفصله عنها سوى هذه البركة العظيمة ، وأضاف الراوي أنه كلما نظر إلى البحر تنهد وقال:"تعالي أمي تري ابنك لم يبقى(يبق) له إلا النزر القليل للوصول .بعد أيام سنصل إلى روما عاصمة الآمل المفقودة ".
                      جاء شخص يحثهم على جمع أغراضهم بل ما خف منها وترك الباقي لتبدأ الرحلة . كان (مهاجر) يرتدي سروال الجينز و قميص(قميصا) من نفس الثوب وحداء(حذاء) الرياضة ولا يحمل معه سوى بعض النقود من العملة الايطالية التي اشتراها أو بدلها عند بعض تجار العملة في السوق السوداء في قريته ،أحس بشيء من الخوف في أول الأمر والتراجع عن هذه المغامرة لكنه تذكر تسكعه بين أزقة القرية واليوم الذي كان يمر عليه بألف سنة فانتفض كطائر مذبوح وخرج مع الخارجين .
                      كانت الشمس تتحرك نحو الأفول و الرجل لازال يحثهم على الإسراع :" يجب علينا أن نصل نقطة الانطلاق بعد المغيب مباشرة .كانت أفكار تلك الشرذمة من الشباب مشتتة و أوراقها مبعثرة بين الأمل الجديد الذي أصبح قريب المنال والحنين إلى الوطن الذي ربما لن يروه ثانية. الشك يساورهم في نية أولئك المرافقين اللذين سمعوا الكثير من قصصهم الغريبة فمن خلال ملامحهم يبدو أنهم متمرسون على الإجرام. يحثون في خطاهم والشباب كالخرفان لا يعرفون مصيرهم يمشون بين شوارع مشبوهة ثم بين أزقة حلزونية أكثر شبهة. وبعد مسافة من الركض والمشي و الهرولة وقفت سيارة بمحاذاة المرافق في مقدمة الجماعة ، سيارة لشحن البضائع وقفت مفتوحة الأبواب فصعد المرافق وتبعه الشبان دون كلمة، أطبق عليهم الصمت والخوف وربما بدأت مراجعة الأوراق في الضمائر لكن هيهات ،انطلقت السيارة تبقر صدر المجهول بسرعة جنونية بين الأزقة والدروب ، حتى خرجت إلى طريق شبه ساحلية حيث كانت رائحة الرطوبة تصل أنوفهم اليابسة ،وأصبحت أشعة الشمس تكتسي حلة أرجوانية تميل إلى الحمرة ، وبعد أفولها الكلي توقفت السيارة فنظر الفتية بعضهم إلى بعض كمن يريد الفرار . سمع صوت المرافق خشنا :" اسمعوا نحن وصلنا ، بعد النزول إلى الساحل سنجد مركبا للصيد ستركبونه وعليكم أن تنفذوا كل ما يقوله أصحاب المركب بدون مناقشة ". فرد الكل في نبرة الخائف المستسلم"متفقون" قفزوا من السيارة إلى الشاطئ وبعد مسافة (مرطونية) ظهر ضوء خافت في الماء كالشبح المخيف ، بدأت تظهر معالمه بعد الاقتراب منه انه مركب صغير للصيد ذو محرك مسموع ، علق أحد الفتية " انه صغير لا يتسع حتى لثلاثة منا " ، فقال المرافق :"كم فيكم من التكبر هناك من لم يجد المساعد حتى ولو قطع هذا البحر سباحة حتى ولو كان نارا مشتعلة عوض الماء " لم يعلق أحد ،وانحشر الفتية داخل المركب كالقطيع من الأغنام ...
                      مسح الراوي جبينه من العرق الذي يتصبب منه كأنه يستعد لحالة طوارئ واسترسل في حديثه : " وهنا بدأت الرحلة الحقيقية ، البحر هائج والمركب الصغير يهتز كالمجنون بفعل الأمواج الصاخبة يتسرب الماء إلى جوفه الضيق حتى أصبح الماء يشكل حمولة زائدة مما أثار انتباه قائد المركب فصاح :" أتنظرون إلى الماء، قدمتم لنا ملاليم وتريدون أن تغرقونا لنترك أبناءنا أيتام(أيتاما) ،... عليكم بغرف الماء ورميه خارج المركب ." ففعل الفتية ما يِمرون . ولازالت أيد(أيدي) الأمواج تتلاعب بالمركب وهو ينخر عباب الماء كقشة في مهب الريح . وبعد ساعات قلائل توقف المركب عن الحركة فصاح قائده :" آه لقد تعطل المحرك والحمد لله لقد وصلنا إلى الشاطئ فما عليكم إلا أن تكملوا سباحة ". حملق الفتية بغضهم في بعض يتساءلون بطريقة حركية حتى لا يغيضوا القائد ثم نظروا إلى الشاطئ انه لازال بعيدا بحوالي مأتي متر ومنهم من لا يعرف السباحة ولكن هؤلاء الخنازير لا يعرفون ذلك لأن في نظرهم ليسوا بشرا بل مجرد سلعة أوصلوها إلى المكان و يجب أن تفرغ ليعودوا قبل أن ترصدهم أعين حراس الحدود . عاد الأمل يظهر للفتية فهذه المسافة قريبة جدا بالنسبة لنقطة الانطلاق . فالأراضي الايطالية لا تفصلهم عنها إلا مأتي متر ولابد من صخور يتشبث بها المرء .صاح أحد المرافقين مشجعا :" هيا يا شباب فما عليكم إلا الارتماء والاسترخاء فالماء سيدفعكم نحو الشاطئ ". كانت هذه الفكرة محفزا لهم لتتحرك روح المغامرة عند الشباب ليندفعوا نحو البحر يرتمون الواحد تلو الآخر و بدأ البعض في الاستعداد حيث نزعوا أحزمتهم و ربطوا أمتعتهم على صدورهم أو على رؤوسهم كل حسب فهمه ، ومنهم من وضع أوراقه البنكية وأراقه الشخصية في كيس من البلاستيك حتى لا تتبلل وهذه فكرة (مهاجر) ، الذي صاح بأعلى صوته قبل أن يرتمي في الماء :" أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ".ثم رمى بنفسه في أحضان بحر غاضب.مسح الراوي عينيه من الدموع وأنهى قصته بقوله منذ ذلك اليوم لم أرى منهم أحد..(أحدا)".
                      كان هذا الشريط يعاد كل ليلة في دهنها(ذهنها) التعب بل كلما سكتت وخلت بنفسها إلا وتعيده من أوله إلى آخره دون ملل ورغم هذه الأخبار كانت تعيش دائما على أمل عودة ابنها) مهاجر)حتى أن بعض الجيران نصحوها بأن تسلم بموته ليصلوا عليه صلاة الغائب و يقوموا له بواجب الأموات لكنها كانت ترجئ ذلك سنة بعد سنة ولقد مر على غيابه الآن أربع سنوات ولم يعد . بدأت المسكينة تسلم بموته ، تنهدت وقالت :" إيه الله يرحمك يا ولدي " .وفي هذه اللحظة سمعت طرقا على الباب فانتبهت فإذا بأصابعها مغروسة في العجين الذي جف بعد نسيانها عاود النقرات على الباب ، فنهضت متثاقلة لتفتح الباب متكاسلة نظرا لسنها ، لقد كانت دهشتها أعظم من أن توصف عندما رأت ابنها واقفا أمامها فصاحت بصوت مرتعش قهره الانتظار وحشرجة البكاء :"(مهاجر) الحمد لله "...وهوت عليه تقبله وتقلب وجهه بين راحتيها......*/*
                      عاد مهاجر إذن

                      بعد غياب ومواجهة حتمية مع موت محتمل

                      قصة تجعل القارئ يندمج حتما

                      "قمت بتصحيح بعض الأخطاء بين قوسين"


                      احترامي

                      تعليق

                      • العربي الكحلي
                        عضو الملتقى
                        • 04-05-2009
                        • 175

                        #12
                        [align=justify][/align]أخي هادي زاهر، أشكرك أخي على المرور.
                        ولايمكنك يا أخي أن تكون ساردا الا اذا كنت تحتوي على عدسة ربانية تختزل وتحتفظ بكل التفاصيل .
                        أخي دمت قاصا و الى جديد آخر بحول الله .
                        مع تحياتي وتقديري .
                        النورس الجوال /
                        العربي الكحلي
                        [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                        وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                        [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          تستخفنى روح المغامرة ، و دائما ما تبحر بى حيث أرادت أو حيث أريد لها ،
                          و أنت صديقى مغامر ، تعشق القص ، و تنغمس فيه ، و ترتكبه ، و أنت مفعم
                          بالنشوة و الحزن ، تحمل رسالة أكاد أراها رؤيا العين !
                          هذه كانت تكئة للدخول لهذا العالم الماركيزى ، الذى أنشده راويك ، و إن لم يغص فى تفاصيل المشاعر ، و دواخل أبطاله ، و أحلامهم المتسعة ، التى استخفت بهم .. إنها الرحلة العبثية صوب المجهول ، بحثا عن أرض تنبت الزهور بعد أن ماتت زهرات الوطن ، أو اغتالها المجرمون ، و ما تركوا للشباب أملا فى العثور على بقعة محترمة أو قادرة على بلورة أحلامهم فى البقاء ، و التعايش فى واقعهم
                          و به ، كأى مواطنين ، و لكنهم مغامرون .. نعم .. و لكن ما دافعهم للمغامرة ؟
                          رأيتها فى الأم العجوز ، و فى عجينها .. رأيته فى البؤس المطبق على حيواتهم
                          .. أما عن النهاية فاختلف مع سيدة القلم ، وأقول أنها كانت موفقة ، ربما غير صاخبة ، و لكن حملت مكر الكاتب ، الذى أتى بها كدفقة روح فى نبض يموت !!
                          استمتعت أنا بالفعل بهذه ، و أحسستك قريبا منى ، و أدرى ، أو أرى أنك سوف تأتى بالأجمل ، و الأجمل !!

                          هناك أخطاء ، وأظنها نتيجة الاستعجال ، و النسخ ؛ فأرجو منك التدقيق لأنه لا يصح لكاتب بهذا الحجم أن يقع فيها ...!!

                          خالص احترامى و تقديرى
                          sigpic

                          تعليق

                          • العربي الكحلي
                            عضو الملتقى
                            • 04-05-2009
                            • 175

                            #14
                            [align=justify][/align]أختي أسماء،
                            أشكرك على مرورك الراقي ، أما بالنسبة للأخطاء فبعضها جاء عن طريق السرعة في الرقن لأن النص طويل بعض الشيء والبعض جاء عن طريق التجاهل ؟
                            أختي أشكرك ثانية وإننا بملاحظات وتوجيهات غيرنا نصقل مواهبنا/لغتنا / إبداعاتنا.
                            لقد زرت مدونتك وقرأت نصك كان رائعا وكنت مبدعة .
                            أختي مع تحياتي وتقديري أتركك والى نص جديد .
                            العربي الكحلي /
                            النورس الجوال
                            [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                            وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                            [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                            تعليق

                            • العربي الكحلي
                              عضو الملتقى
                              • 04-05-2009
                              • 175

                              #15
                              [align=justify][/align]أخي ربيع،
                              تدفعك الحاجة والفاقة لدخول المجهول والتيه في غياهبه هروبا من واقع غير محتمل او مطاق . وليس أخي حبا في المغامرة .
                              ألف صورة وصورة لسيزيف نحن العرب نحمل الهمالايا على أكتافنا صاعدين نازلين من والى السماء بحثا عما نحقق به آمالنا و أحلامنا الصغيرة .
                              ولــــكن ؟
                              أخي أشكرك على الرد الراقي ودمت بألف خير.
                              مع تحيات وتقدير العربي الكحلي /
                              النورس الجوال
                              [CENTER][SIZE="2"][COLOR="darkred"]من يزره يزر سليمان في الملـــــــك جلالا و يوسفا في الجمال
                              وربيعا يضاحك الغيث فيه***زهر الشكر من رياض المعالي
                              [/COLOR][/SIZE][/CENTER]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X