[align=justify][/align]لازالت تذكر ذلك الصباح المشئوم حين تعرف (مهاجر) على مجموعة من أولئك اللذين يتاجرون في أجساد الأبرياء .كيف اتفق معهم على أن يهاجر في السر .فبنيته الجسمية تسمح له بذلك وزكى هذه البنية طيش الشباب وروح المغامرة والظرف الاجتماعي الذي يفرض نفسه فرضا قاهرا وكما كان يقول إما الربح أو الموت.نعم لقد حمل حقيبة صغيرة فيها بعض اللوازم و الملابس ، مما خف حمله وثقل ثمنه ، ليخرج في الصباح الباكر وسط ضوضاء من العويل والبكاء لأنه كان الوحيد الذي يتردد على بيت أمه العجوز فتحس بالأمان ، طمئنها والدموع في عينيه وهو يشد على كتفها بحرارة قائلا :" أماه إنني ذاهب حيث العمل و الأمل وليس من المعقول أن أبقى إلى جانبك عاطلا مكتوف اليدين والعمر يجري ، أمي ، إن كان العمر طويل فسوف أعود ، وان كان قصيرا فاني ذاهب في سبيل الله ولقمة العيش دعواتك أمي" وخرج .لازالت هذه الكلمات ترن في آذانها فتدع له .منذ ذالك اليوم وهي تترقب الأخبار ، عاد أحدهم قال إن (مهاجر) عانى كثيرا فبعد مغادرته القرية وصل إلى تونس بعد أيام حيث وجد هناك هو ومن معه من ينتظرهم فبات في إحدى الفنادق الفاخرة يتمتع كل منهم بجمال المكان وهدوئه كأنه يقضي أوقاته الأخيرة قبل الإعدام.الأمل لازال في ذهنه أن العمل قريب منه خصوصا أن الأرض الايطالية ليست بعيدة ، لا يفصله عنها سوى هذه البركة العظيمة ، وأضاف الراوي أنه كلما نظر إلى البحر تنهد وقال:"تعالي أمي تري ابنك لم يبقى له إلا النزر القليل للوصول .بعد أيام سنصل إلى روما عاصمة الآمل المفقودة ".
جاء شخص يحثهم على جمع أغراضهم بل ما خف منها وترك الباقي لتبدأ الرحلة . كان (مهاجر) يرتدي سروال الجينز و قميص من نفس الثوب وحداء الرياضة ولا يحمل معه سوى بعض النقود من العملة الايطالية التي اشتراها أو بدلها عند بعض تجار العملة في السوق السوداء في قريته ،أحس بشيء من الخوف في أول الأمر والتراجع عن هذه المغامرة لكنه تذكر تسكعه بين أزقة القرية واليوم الذي كان يمر عليه بألف سنة فانتفض كطائر مذبوح وخرج مع الخارجين .
كانت الشمس تتحرك نحو الأفول و الرجل لازال يحثهم على الإسراع :" يجب علينا أن نصل نقطة الانطلاق بعد المغيب مباشرة .كانت أفكار تلك الشرذمة من الشباب مشتتة و أوراقها مبعثرة بين الأمل الجديد الذي أصبح قريب المنال والحنين إلى الوطن الذي ربما لن يروه ثانية. الشك يساورهم في نية أولئك المرافقين اللذين سمعوا الكثير من قصصهم الغريبة فمن خلال ملامحهم يبدو أنهم متمرسون على الإجرام. يحثون في خطاهم والشباب كالخرفان لا يعرفون مصيرهم يمشون بين شوارع مشبوهة ثم بين أزقة حلزونية أكثر شبهة. وبعد مسافة من الركض والمشي و الهرولة وقفت سيارة بمحاذاة المرافق في مقدمة الجماعة ، سيارة لشحن البضائع وقفت مفتوحة الأبواب فصعد المرافق وتبعه الشبان دون كلمة، أطبق عليهم الصمت والخوف وربما بدأت مراجعة الأوراق في الضمائر لكن هيهات ،انطلقت السيارة تبقر صدر المجهول بسرعة جنونية بين الأزقة والدروب ، حتى خرجت إلى طريق شبه ساحلية حيث كانت رائحة الرطوبة تصل أنوفهم اليابسة ،وأصبحت أشعة الشمس تكتسي حلة أرجوانية تميل إلى الحمرة ، وبعد أفولها الكلي توقفت السيارة فنظر الفتية بعضهم إلى بعض كمن يريد الفرار . سمع صوت المرافق خشنا :" اسمعوا نحن وصلنا ، بعد النزول إلى الساحل سنجد مركبا للصيد ستركبونه وعليكم أن تنفذوا كل ما يقوله أصحاب المركب بدون مناقشة ". فرد الكل في نبرة الخائف المستسلم"متفقون" قفزوا من السيارة إلى الشاطئ وبعد مسافة (مرطونية) ظهر ضوء خافت في الماء كالشبح المخيف ، بدأت تظهر معالمه بعد الاقتراب منه انه مركب صغير للصيد ذو محرك مسموع ، علق أحد الفتية " انه صغير لا يتسع حتى لثلاثة منا " ، فقال المرافق :"كم فيكم من التكبر هناك من لم يجد المساعد حتى ولو قطع هذا البحر سباحة حتى ولو كان نارا مشتعلة عوض الماء " لم يعلق أحد ،وانحشر الفتية داخل المركب كالقطيع من الأغنام ...
مسح الراوي جبينه من العرق الذي يتصبب منه كأنه يستعد لحالة طوارئ واسترسل في حديثه : " وهنا بدأت الرحلة الحقيقية ، البحر هائج والمركب الصغير يهتز كالمجنون بفعل الأمواج الصاخبة يتسرب الماء إلى جوفه الضيق حتى أصبح الماء يشكل حمولة زائدة مما أثار انتباه قائد المركب فصاح :" أتنظرون إلى الماء، قدمتم لنا ملاليم وتريدون أن تغرقونا لنترك أبناءنا أيتام ،... عليكم بغرف الماء ورميه خارج المركب ." ففعل الفتية ما يِمرون . ولازالت أيد الأمواج تتلاعب بالمركب وهو ينخر عباب الماء كقشة في مهب الريح . وبعد ساعات قلائل توقف المركب عن الحركة فصاح قائده :" آه لقد تعطل المحرك والحمد لله لقد وصلنا إلى الشاطئ فما عليكم إلا أن تكملوا سباحة ". حملق الفتية بغضهم في بعض يتساءلون بطريقة حركية حتى لا يغيضوا القائد ثم نظروا إلى الشاطئ انه لازال بعيدا بحوالي مأتي متر ومنهم من لا يعرف السباحة ولكن هؤلاء الخنازير لا يعرفون ذلك لأن في نظرهم ليسوا بشرا بل مجرد سلعة أوصلوها إلى المكان و يجب أن تفرغ ليعودوا قبل أن ترصدهم أعين حراس الحدود . عاد الأمل يظهر للفتية فهذه المسافة قريبة جدا بالنسبة لنقطة الانطلاق . فالأراضي الايطالية لا تفصلهم عنها إلا مأتي متر ولابد من صخور يتشبث بها المرء .صاح أحد المرافقين مشجعا :" هيا يا شباب فما عليكم إلا الارتماء والاسترخاء فالماء سيدفعكم نحو الشاطئ ". كانت هذه الفكرة محفزا لهم لتتحرك روح المغامرة عند الشباب ليندفعوا نحو البحر يرتمون الواحد تلو الآخر و بدأ البعض في الاستعداد حيث نزعوا أحزمتهم و ربطوا أمتعتهم على صدورهم أو على رؤوسهم كل حسب فهمه ، ومنهم من وضع أوراقه البنكية وأراقه الشخصية في كيس من البلاستيك حتى لا تتبلل وهذه فكرة (مهاجر) ، الذي صاح بأعلى صوته قبل أن يرتمي في الماء :" أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ".ثم رمى بنفسه في أحضان بحر غاضب.مسح الراوي عينيه من الدموع وأنهى قصته بقوله منذ ذلك اليوم لم أرى منهم أحد..".
كان هذا الشريط يعاد كل ليلة في دهنها التعب بل كلما سكتت وخلت بنفسها إلا وتعيده من أوله إلى آخره دون ملل ورغم هذه الأخبار كانت تعيش دائما على أمل عودة ابنها) مهاجر)حتى أن بعض الجيران نصحوها بأن تسلم بموته ليصلوا عليه صلاة الغائب و يقوموا له بواجب الأموات لكنها كانت ترجئ ذلك سنة بعد سنة ولقد مر على غيابه الآن أربع سنوات ولم يعد . بدأت المسكينة تسلم بموته ، تنهدت وقالت :" إيه الله يرحمك يا ولدي " .وفي هذه اللحظة سمعت طرقا على الباب فانتبهت فإذا بأصابعها مغروسة في العجين الذي جف بعد نسيانها عاود النقرات على الباب ، فنهضت متثاقلة لتفتح الباب متكاسلة نظرا لسنها ، لقد كانت دهشتها أعظم من أن توصف عندما رأت ابنها واقفا أمامها فصاحت بصوت مرتعش قهره الانتظار وحشرجة البكاء :"(مهاجر) الحمد لله "...وهوت عليه تقبله وتقلب وجهه بين راحتيها......*/*
جاء شخص يحثهم على جمع أغراضهم بل ما خف منها وترك الباقي لتبدأ الرحلة . كان (مهاجر) يرتدي سروال الجينز و قميص من نفس الثوب وحداء الرياضة ولا يحمل معه سوى بعض النقود من العملة الايطالية التي اشتراها أو بدلها عند بعض تجار العملة في السوق السوداء في قريته ،أحس بشيء من الخوف في أول الأمر والتراجع عن هذه المغامرة لكنه تذكر تسكعه بين أزقة القرية واليوم الذي كان يمر عليه بألف سنة فانتفض كطائر مذبوح وخرج مع الخارجين .
كانت الشمس تتحرك نحو الأفول و الرجل لازال يحثهم على الإسراع :" يجب علينا أن نصل نقطة الانطلاق بعد المغيب مباشرة .كانت أفكار تلك الشرذمة من الشباب مشتتة و أوراقها مبعثرة بين الأمل الجديد الذي أصبح قريب المنال والحنين إلى الوطن الذي ربما لن يروه ثانية. الشك يساورهم في نية أولئك المرافقين اللذين سمعوا الكثير من قصصهم الغريبة فمن خلال ملامحهم يبدو أنهم متمرسون على الإجرام. يحثون في خطاهم والشباب كالخرفان لا يعرفون مصيرهم يمشون بين شوارع مشبوهة ثم بين أزقة حلزونية أكثر شبهة. وبعد مسافة من الركض والمشي و الهرولة وقفت سيارة بمحاذاة المرافق في مقدمة الجماعة ، سيارة لشحن البضائع وقفت مفتوحة الأبواب فصعد المرافق وتبعه الشبان دون كلمة، أطبق عليهم الصمت والخوف وربما بدأت مراجعة الأوراق في الضمائر لكن هيهات ،انطلقت السيارة تبقر صدر المجهول بسرعة جنونية بين الأزقة والدروب ، حتى خرجت إلى طريق شبه ساحلية حيث كانت رائحة الرطوبة تصل أنوفهم اليابسة ،وأصبحت أشعة الشمس تكتسي حلة أرجوانية تميل إلى الحمرة ، وبعد أفولها الكلي توقفت السيارة فنظر الفتية بعضهم إلى بعض كمن يريد الفرار . سمع صوت المرافق خشنا :" اسمعوا نحن وصلنا ، بعد النزول إلى الساحل سنجد مركبا للصيد ستركبونه وعليكم أن تنفذوا كل ما يقوله أصحاب المركب بدون مناقشة ". فرد الكل في نبرة الخائف المستسلم"متفقون" قفزوا من السيارة إلى الشاطئ وبعد مسافة (مرطونية) ظهر ضوء خافت في الماء كالشبح المخيف ، بدأت تظهر معالمه بعد الاقتراب منه انه مركب صغير للصيد ذو محرك مسموع ، علق أحد الفتية " انه صغير لا يتسع حتى لثلاثة منا " ، فقال المرافق :"كم فيكم من التكبر هناك من لم يجد المساعد حتى ولو قطع هذا البحر سباحة حتى ولو كان نارا مشتعلة عوض الماء " لم يعلق أحد ،وانحشر الفتية داخل المركب كالقطيع من الأغنام ...
مسح الراوي جبينه من العرق الذي يتصبب منه كأنه يستعد لحالة طوارئ واسترسل في حديثه : " وهنا بدأت الرحلة الحقيقية ، البحر هائج والمركب الصغير يهتز كالمجنون بفعل الأمواج الصاخبة يتسرب الماء إلى جوفه الضيق حتى أصبح الماء يشكل حمولة زائدة مما أثار انتباه قائد المركب فصاح :" أتنظرون إلى الماء، قدمتم لنا ملاليم وتريدون أن تغرقونا لنترك أبناءنا أيتام ،... عليكم بغرف الماء ورميه خارج المركب ." ففعل الفتية ما يِمرون . ولازالت أيد الأمواج تتلاعب بالمركب وهو ينخر عباب الماء كقشة في مهب الريح . وبعد ساعات قلائل توقف المركب عن الحركة فصاح قائده :" آه لقد تعطل المحرك والحمد لله لقد وصلنا إلى الشاطئ فما عليكم إلا أن تكملوا سباحة ". حملق الفتية بغضهم في بعض يتساءلون بطريقة حركية حتى لا يغيضوا القائد ثم نظروا إلى الشاطئ انه لازال بعيدا بحوالي مأتي متر ومنهم من لا يعرف السباحة ولكن هؤلاء الخنازير لا يعرفون ذلك لأن في نظرهم ليسوا بشرا بل مجرد سلعة أوصلوها إلى المكان و يجب أن تفرغ ليعودوا قبل أن ترصدهم أعين حراس الحدود . عاد الأمل يظهر للفتية فهذه المسافة قريبة جدا بالنسبة لنقطة الانطلاق . فالأراضي الايطالية لا تفصلهم عنها إلا مأتي متر ولابد من صخور يتشبث بها المرء .صاح أحد المرافقين مشجعا :" هيا يا شباب فما عليكم إلا الارتماء والاسترخاء فالماء سيدفعكم نحو الشاطئ ". كانت هذه الفكرة محفزا لهم لتتحرك روح المغامرة عند الشباب ليندفعوا نحو البحر يرتمون الواحد تلو الآخر و بدأ البعض في الاستعداد حيث نزعوا أحزمتهم و ربطوا أمتعتهم على صدورهم أو على رؤوسهم كل حسب فهمه ، ومنهم من وضع أوراقه البنكية وأراقه الشخصية في كيس من البلاستيك حتى لا تتبلل وهذه فكرة (مهاجر) ، الذي صاح بأعلى صوته قبل أن يرتمي في الماء :" أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ".ثم رمى بنفسه في أحضان بحر غاضب.مسح الراوي عينيه من الدموع وأنهى قصته بقوله منذ ذلك اليوم لم أرى منهم أحد..".
كان هذا الشريط يعاد كل ليلة في دهنها التعب بل كلما سكتت وخلت بنفسها إلا وتعيده من أوله إلى آخره دون ملل ورغم هذه الأخبار كانت تعيش دائما على أمل عودة ابنها) مهاجر)حتى أن بعض الجيران نصحوها بأن تسلم بموته ليصلوا عليه صلاة الغائب و يقوموا له بواجب الأموات لكنها كانت ترجئ ذلك سنة بعد سنة ولقد مر على غيابه الآن أربع سنوات ولم يعد . بدأت المسكينة تسلم بموته ، تنهدت وقالت :" إيه الله يرحمك يا ولدي " .وفي هذه اللحظة سمعت طرقا على الباب فانتبهت فإذا بأصابعها مغروسة في العجين الذي جف بعد نسيانها عاود النقرات على الباب ، فنهضت متثاقلة لتفتح الباب متكاسلة نظرا لسنها ، لقد كانت دهشتها أعظم من أن توصف عندما رأت ابنها واقفا أمامها فصاحت بصوت مرتعش قهره الانتظار وحشرجة البكاء :"(مهاجر) الحمد لله "...وهوت عليه تقبله وتقلب وجهه بين راحتيها......*/*
تعليق